من الدليل إلى الحكم

القسم الأول: التقريب

قضية واحدة من أولها إلى آخرها: النكاح بغير ولي على خط الاستنباط

التخريج والتنزيلالمحطة ١المحطة ٢المحطة ٣المحطة ٤المحطة ٥المحطة ٦المحطة ٧المحطة ٨

موقع الفصل من المنظومة

الفصول السبعة قبله رسمت المنظومة قطبا قطبا. وهذا الفصل يشغّلها في قضية واحدة، فيمر بالمحطات الثماني كلها بترتيبها، ويقف عند كل محطة على ما يصنعه كل المذهبthe school's position (al-madhhab)عند النووي: الراجح من طريقين أو طرق في حكاية المذهب.في المسرد فيها. والقضية: النكاح بغير ولي. وقد حُلّت مختصرة في المسائل العشر من تخريج الفروع على الأصول، ويتابعها هذا الفصل بتفصيل أوفى، لأنها تجمع ما يندر اجتماعه في مسألة واحدة: حكما وضعيا في الصحةvalidity (sihha)موافقة الفعل ذي الوجهين للشرع؛ وفي العبادات: موافقة الأمر عند المتكلمين، وإسقاط القضاء عند الفقهاء.في المسرد والبطلان، وأخبارا اختلفت المذاهب في قبولها، ودلالات لفظية متقابلة، وقياسا، ونظرا مقاصديا، وتحقيق المناطratio / locus of a ruling (manat)العلة أو الوصف الذي علق الشارع به الحكم.في المسرد له ضوابط مفصلة عند الحنفية.

سؤال الافتتاح

امرأة بالغة عاقلة ثيب زوّجت نفسها رجلا كفؤا بمهر مثلها، دون العلمknowledge, certainty ('ilm)معرفة المعلوم على ما هو به؛ أو حكم لا يحتمل متعلَّقه النقيض بوجه.في المسرد أبيها. هل نكاحها صحيح؟ وما الحكم لو زوجت نفسها من غير كفء، أو بأقل من مهر مثلها؟ الجواب في المحطة الثامنة والجدول الأخير.

١ النصوص

  1. حديث أبي موسى الأشعري: «لا نكاح إلا بولي» (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه جماعة من الحفاظ، واختُلف في وصله وإرساله).

  2. حديث عائشة رضي الله عنها: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها الباطلvoid (batil)عند الحنفية في المعاملات: ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، لا يفيد ملكا ولو قبض. وعند الجمهور مرادف للفاسد.في المسرد»، وتمامه: «فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» (رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وابن ماجه).

  3. حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها» (رواه مسلم).

  4. قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، ونزلت في معقل بن يسار حين منع أخته أن ترجع إلى زوجها (رواه البخاري).

  5. قوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].

  6. ويستدل الجمهور معها بخطاب الرجال بالإنكاح: ﴿وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، و﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢].

  7. وأثر عائشة رضي الله عنها أنها زوّجت حفصة بنت أخيها عبد الرحمن وهو غائب بالشام (رواه مالك في الموطأ)، وهو عمدة الحنفية في محطة الثبوت.

١ المحطة الأولى: نوع الحكم

  1. المطلوب حكم وضعي. السؤال: هل الولي الشرطcondition (shart)ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وهو خارج عن ماهية المشروط.في المسرد في صحة عقد المرأة البالغة العاقلة؟ والشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده شيء (الحكم الشرعي). فإن كان الولي شرطا فعقدها بدونه غير صحيح، وإلا فهو صحيح، وللولي بعد ذلك ما يثبته له الدليلproof, evidence (dalil)ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.في المسرد من حق.

  2. محل النزاع محرر. اتفقوا على أن الصغيرة والمجنونة لا تعقدان لأنفسهما، وأن الولي لا يجبر الثيب البالغة على النكاح، وأن رضاها شرط. والخلاف في عبارتها: هل تنعقد بها نكاحها؟

  3. ويتبع الوضعيَّ حكم تكليفي في الإقدام على العقد، وفي آثار الدخول بعده من مهر وعدة ونسب والحدdefinition (hadd)التعريف الكاشف عن حقيقة الشيء بالجنس والفصل، ويُشترط فيه أن يكون جامعا مانعا.في المسرد. وهذه الآثار تختلف بحسب جواب السؤال الوضعي، ويأتي بيانها في المحطة الثامنة.

تنبيه النكاح بغير ولي ليس مثالا للفاسد عند الحنفية

الحنفية يفرقون في المعاملات بين الباطل والفاسدdefective (fasid)عند الحنفية في المعاملات: ما شرع بأصله دون وصفه، يفيد الملك بالقبض ويجب فسخه.في المسرد، وقد يُالظنprobability, preponderant belief (zann)إدراك الطرف الراجح من أمرين محتملين.في المسرد أن النكاح بغير ولي عندهم فاسد. وهو عندهم صحيح أصلا، والمثال الصحيح للفاسد في النكاح عندهم النكاح بغير شهود. وعند الجمهور النكاح بغير ولي لا يصح: يسميه الشافعية باطلا، ويعده الحنابلة من النكاح الفاسد لأنه مختلف في صحته فيُفرق فيه بطلاق أو فسخ، ويفسخه المالكية بطلاق (الحكم الوضعي).

١ المحطة الثانية: الأدلة وثبوتها

  1. الآيات قطعية الثبوت، وحديث «الأيم أحق بنفسها» صحيح في مسلم، وكل ذلك مقبول عند الجميع. ومحل النزاع الحديثان الأولان.

  2. الجمهور: الحديثان صالحان للاحتجاج. حديث أبي موسى صححه جماعة من الحفاظ ورجحوا وصله، وحديث عائشة حسنه الترمذي. وما يُروى من أن الزهري، وهو مدار حديث عائشة، سُئل عنه فلم يعرفه، أجابوا عنه بأن الحكاية تفرد بها إسماعيل ابن علية وضعفها يحيى بن معين، وبأن نسيان الشيخ لما رواه الثقة عنه لا يقدح في الرواية عند الجمهور (الكتاب والسنة).

  3. الحنفية: يجتمع عندهم في الحديثين ثلاثة قوادح. الأول: اضطراب حديث «لا نكاح إلا بولي» في وصله وإرساله. الثاني: إنكار الزهري حديث عائشة، والفرعnew case (farʿ)المحل المسكوت عنه المراد إلحاقه بالأصل.في المسرد إذا نسي الأصلroot, basis (asl)لغة ما يُبنى عليه غيره؛ واصطلاحا يطلق على الدليل، والراجح، والقاعدة المستمرة، والمقيس عليه.في المسرد ما رواه عنه رد خبره الكرخي وجماعة من الحنفية. الثالث: أن عائشة راوية الخبر زوّجت بنت أخيها وأبوها غائب، ومخالفة الراوي لما روى قادحة عندهم إذا كانت بعد الرواية ولم يحتمل خفاء الخبر عليه، لأن العدل لا يترك ما رواه إلا عن علم بالناسخabrogating text (nasikh)الخطاب الشرعي الدال على رفع الحكم المتقدم، والناسخ حقيقة هو الله تعالى.في المسرد أو دليل (الكتاب والسنة).

  4. وجواب الجمهور عن أثر عائشة قاعدتهم أن العبرة بما روى الراوي لا بما رأى، لأن الحجة في كلام النبي ﷺ لا في الاجتهادindependent juristic reasoning (ijtihad)استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي.في المسرد الراوي. ونقلوا عنها في بعض الروايات أنها كانت تمهد للعقد ثم تأمر رجلا من أهلها يعقده، فحملوا خبر الموطأ على ذلك.

  5. المالكية والشافعية والحنابلة في هذه المحطة صف واحد: يقبلون الحديثين، ولا يقدّمون رأي الراوي على روايته. والمالكية يعملون بالحديثين، فلم يُعارضا عندهم بعمل أهل المدينةpractice of the people of Medinaما اتفق عليه أهل المدينة نقلا أو اجتهادا، وهو حجة عند المالكية في النقلي.في المسرد كما عورض خبر خيار المجلسoption of the session (khiyar al-majlis)حق كل من المتبايعين في فسخ البيع ما داما في مجلس العقد لم يتفرقا بأبدانهما، يثبته الشافعية والحنابلة.في المسرد. فالافتراق في هذه المحطة بين الحنفية والجمهور وحده.

١ المحطة الثالثة: الدلالة

  1. «لا نكاح إلا بولي»: عند الجمهور نفي متوجه إلى الحقيقة الشرعيةlegal literal meaningاللفظ المستعمل فيما وضعه له الشارع، كالصلاة للأفعال المخصوصة.في المسرد الشرعية، أي الصحة، لأن الشارع ينفي ما يعرّفه هو، فإن تعذر حُمل على نفي الكمال (المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول). والحنفية، على تقدير ثبوته، يحملونه على نفي الكمال، أو على من لا تملك الأمرcommand (amr)القول الطالب للفعل على جهة الاستعلاء؛ وعند ابن السبكي: اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير نحو كف.في المسرد نفسها كالصغيرة والمجنونة، أو يجعلون البالغة العاقلة ولية نفسها فيصدق عليها أن نكاحها بولي.

  2. «فنكاحها باطل»: الصريحexplicit expression (sarih)ما ظهر المراد منه ظهورا بيّنا بكثرة الاستعمال، ويثبت موجبه بلا نية.في المسرد في البطلان عند الجمهور، وكرره النبي ﷺ ثلاثا في بعض الروايات تأكيدا. والحنفية، على تقدير ثبوته، حملوه على الأمة أو الصغيرة، أو على من زوجت نفسها من غير كفء، فيكون معنى البطلان أنه يؤول إليه باعتراض الولي. وهذا عند الجمهور التأويلinterpretation (ta'wil)صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى مرجوح يحتمله، لدليل يصيّره راجحا.في المسرد بعيد، لأن «أيما» من أقوى صيغ العمومforms of generalityالألفاظ الموضوعة للاستغراق: كل وجميع، والمعرف بأل الاستغراقية والإضافة، والنكرة في سياق النفي والشرط، والموصولات، وأسماء الشرط والاستفهام.في المسرد، والحملattribution of meaning (haml)اعتقاد السامع مراد المتكلم من لفظه؛ وقواعد الأصوليين في الدلالة قواعد في الحمل.في المسرد العامgeneral term ('amm)لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر؛ وعند الحنفية: ما ينتظم جمعا من المسميات لفظا أو معنى.في المسرد القوي على صورة نادرة لا يقبل إلا بدليل قوي (المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول). واحتج بعض الحنفية على الجمهور إلزاما بأن المفهومimplicature (mafhum)ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، أي حكم لغير المذكور.في المسرد «بغير إذن وليها» صحة عقدها بإذنه، فعبارتها معتبرة في الجملة؛ وأجاب الجمهور بأن القيد خرج مخرج الغالب، وهو من موانع العمل بمفهوم المخالفةcontrary implication (dalil al-khitab)أن يخالف المسكوت عنه المنطوق في الحكم لانتفاء قيد معتبر؛ دليل الخطاب.في المسرد عندهم (طرق الدلالة بين المنهجين).

  3. إسناد النكاح إلى المرأة في الآيتين: احتج الحنفية بقوله ﴿أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ وقوله ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، والأصل في الإسناد الحقيقة، فالفعل فعلها، والعقد ينعقد بعبارتها. وأجاب الجمهور بأن الإسناد إليها لأنها محل العقد ورضاها شرط فيه، وهذا معروف في الاستعمالusage (isti'mal)إطلاق المتكلم اللفظ وإرادة معناه، الموضوع له أو غيره؛ وبه ينقسم اللفظ إلى حقيقة ومجاز.في المسرد، وبأن آية البقرة: ٢٣٠ مسوقة لالبيانclarification (bayan)عند الشافعي: إظهار الله أحكامه لعباده بالكتاب والسنة على مراتب، يبين بعضها بعضا.في المسرد الغايةterminus (ghaya)ما ينتهي إليه الحكم، وتفيدها إلى وحتى، والخلاف في دخولها في المغيّا.في المسرد التحريم بعد الطلاق الثالث، لا لبيان من يتولى العقد.

  4. آية العضل: هي عند الجمهور أقوى ما في الباب، لأن النهيprohibition (nahy)القول الطالب للكف عن فعل على جهة الاستعلاء؛ وصيغته لا تفعل.في المسرد عن المنع لا يتوجه إلا إلى من يملكه، فلو كانت المرأة تعقد لنفسها لما كان لعضل الولي أثر. ويقوي ذلك السببcause (sabab)الوصف الظاهر المنضبط الذي جعله الشارع علامة على الحكم، يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته.في المسرد النزول، فالآية نزلت في معقل بن يسار وهو ولي، وصورة السببthe occasioning caseالواقعة التي ورد عليها النص العام؛ قطعية الدخول فيه عند الشافعية والحنابلة.في المسرد قطعية الدخول عند الشافعية والحنابلة (العام والخاص). وقال الحنفية: الآية أسندت النكاح إليهن، والنهي عن العضل نهي عن المنع الحسي والتضييق، ولا يلزم منه أن العقد لا يتم إلا بالولي.

  5. «الأيم أحق بنفسها من وليها»: احتج به الحنفية على أن لها أن تعقد لنفسها، لأن «أحق» يفيد أن الحق في أمرها لها مقدما على الولي. وأجاب الجمهور بأن الحديث في الإذن والاختيار، بدليل مقابلته بقوله «والبكر تستأذن»، وبأن صيغة التفضيل «أحق من وليها» تقتضي أن للولي حقا أيضا، وحقه هو العقد، وحقها الرضا الذي لا يُعقد بدونه.

١ المحطة الرابعة: المعارض والجمع والترجيح

  1. صورة التعارضconflict of evidence (ta'arud)تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، بأن يقتضي أحدهما خلاف ما يقتضيه الآخر في محل واحد وزمن واحد.في المسرد: نصوص تسند النكاح إلى المرأة وتجعلها أحق بنفسها، ونصوص تشترط الولي وتبطل عقدها بدونه. وهنا تعمل الشجرتان (التعارض والترجيح).

  2. فرع الجمهور: الجمع أولا. حملوا نصوص الإسناد إلى المرأة وحديث «الأيم أحق بنفسها» على الرضا والاختيار، وحملوا نصوص الولي على مباشرة العقد. فأُعمل الدليلان: لا يُعقد على الثيب إلا برضاها، ولا تعقد هي لنفسها. وهذا جمع بالحمل على جهتين مختلفتين.

  3. فرع الحنفية: التاريخ ثم الترجيحpreference (tarjih)تقوية أحد الدليلين المتعارضين بما ليس دليلا مستقلا، فيُعمل بالأقوى؛ وعند الحنفية إظهار زيادة لأحد المتماثلين وصفا لا أصلا.في المسرد. لم يُعلم تاريخ، فرجحوا: حديث «الأيم أحق بنفسها» في صحيح مسلم لا كلام في سنده، والحديثان الآخران مطعون فيهما عندهم بما تقدم، ومع الأول ظاهر الآيات القطعية الثبوت. فالترجيح هنا بالسند وبموافقة ظاهر القرآنthe Qur'an (al-Kitab)المنزل على الرسول ﷺ المكتوب في المصاحف المنقول عنه تواترا بلا شبهة (الحنفية)؛ واللفظ المنزل على محمد ﷺ للإعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته (المتكلمون).في المسرد. وعلى قاعدتهم لا يكون حديث آحاد مختلف في ثبوته معارضا مكافئا لظاهر الكتاب.

  4. النتيجة في هذه المحطة: لم يحتج الجمهور إلى الترجيح لأن الجمع أمكنهم، ولم يحتج الحنفية إلى الجمع لأن الترجيح حسم عندهم. فالمحطة الرابعة هنا ثمرة المحطة الثانية: من قبل الحديثين احتاج إلى الجمع، ومن طعن فيهما رجح ما سلم.

١ المحطة الخامسة: الإلحاق بالقياس

  1. القياسanalogy (qiyās)مساواة فرع لأصل في علة حكمه، أو رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم.في المسرد الحنفية: البالغة العاقلة تتصرف في مالها بلا ولي بالاتفاق، لكمال أهلية الأداءcapacity for performance (ahliyyat al-ada')صلاحية الإنسان لصدور الأفعال منه على وجه يعتد به؛ ناقصة للمميز وكاملة للبالغ العاقل.في المسرد الأداءtimely performance (ada')فعل العبادة في وقتها المقدر لها شرعا.في المسرد فيها (الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه)، فكذلك تتصرف في نفسها، والنكاح عقد على منافعها هي، ورضاها شرط فيه بالاتفاق. فالأصل التصرف المالي، والفرع عقد النكاح، والجامع كمال الأهلية مع خلوص الحق لها.

  2. اعتراض الجمهور بالفارق: النكاح ليس حقا خالصا للمرأة، لأن أثره يتعدى إلى أوليائها في النسب والعار، والمال حقها الخالص. وهذا قادح الفرق. ثم إن القياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار عند من صحح الحديثين (القياس). والحنفية لا يسلمون فساد الاعتبار هنا، لأن النص عندهم لم يثبت على وجه يقاوم ظاهر الكتاب.

  3. ويجيب الحنفية عن الفارق بأنهم راعوا حق الأولياء فعلا، فأثبتوا لهم حق الاعتراض في غير الكفء، فيُحفظ الحق المتعدي دون إلغاء عبارة المرأة. فالخلاف في الإلحاق يرجع إلى سؤال: هل حق الولي يقتضي أن يكون العقد بيده، أم يكفي فيه حق الاعتراض؟

١ المحطة السادسة: الوزن المقاصدي

  1. المقصد المشتركpolysemous term (mushtarak)اللفظ الموضوع لمعنيين فأكثر وضعا متعددا، كالقرء للحيض والطهر.في المسرد: حفظ النسل والنسب، وحفظ العرض عند من زاده، ومنع النكاح الذي تجر عاقبته عارا على الأسرة أو ضررا على المرأة نفسها. فالفريقان متفقان على المقصد، مختلفان في الوسيلة التي تحققه.

  2. الجمهور: اشتراط الولي يحمي المرأة من أن تُخدع فتضع نفسها في غير كفء، ويحفظ صلة الأسرة بالعقد. وهو المكملcomplement (mukammil)ما يحمي مرتبة من المراتب ويتمها، كالتماثل في القصاص، ويسقط اعتباره إذا عاد على أصله بالإبطال.في المسرد لحفظ النسل في مرتبة الحاجياتneeds (hajiyyat)ما يُفتقر إليه للتوسعة ورفع الحرج، ولا يختل النظام بفقده.في المسرد. ويُراعى فيه قيد الشاطبي في المكمل: ألا يعود على أصله بالإبطال (المقاصد). ولذلك جاء في تمام حديث عائشة: «فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له»، فإذا عضل الولي انتقلت الولاية إلى السلطان، وبقي مقصود النكاح قائما.

  3. الحنفية: يحققون المقصد نفسه بوسيلة أخرى، هي الكفاءة وحق الاعتراض، ويحفظون معه أهلية المرأة البالغة العاقلة في التصرف في نفسها. ومن هنا كان الوزن المقاصدي عندهم محطة تكميل: بنوا الصحة على النص والقياس، ثم ضبطوها بما يحفظ المقصد.

  4. المالكية: يتفاوت عندهم وزن المقصد بحسب حال المرأة، فلهم تفصيل في المرأة الدنيئة يجيز أن يزوجها بالولاية العامة رجل من المسلمين، والشريفة يزوجها وليها الخاصspecific term (khass)كل لفظ وُضع لمعنى معلوم على الانفراد، جنسا أو نوعا أو عينا أو عددا.في المسرد. وهذا تحقيق للمقصد في محله، لأن خطر العار والضياع يختلف بحسب الحال.

١ المحطة السابعة: تحقيق المناط

  1. عند الحنفية تعمل هذه المحطة بثلاثة مناطات، لأن الصحة عندهم مشروطة بحفظ حق الولي: - الكفاءة: تُعتبر في النسب، والإسلام، والحرية، والمال، والديانة، والحرفة، في جانب الرجل. فيُنظر في الزوج المعين: أهو كفء للمرأة المعينة في هذه الأوصاف بحسب عرف بلدها؟ - مهر المثل: إذا زوجت نفسها بأقل من مهر مثلها، فلولي العصبة عند أبي حنيفة أن يعترض حتى يتم الزوج مهر المثل أو يفرق القاضي بينهما، وخالفه صاحباه. - حق الاعتراض: يرفعه الولي العاصب إلى القاضي فيفرق، ما لم يكن قد رضي بالزوج، أو تلد المرأة أو يظهر حملها على ما في كتب المذهب.

  2. رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أن نكاحها من غير الكفء لا يصح أصلا، وهي المفتى بها عند متأخري الحنفية لفساد الزمان، وعدم صلاحية كل ولي للمرافعة وكل قاض للعدل (الحكم الوضعي). فتحقيق المناطverifying the ratio in the caseإثبات العلة المعلومة في الواقعة المعينة.في المسرد هنا غيّر موضع الحكم: من صحة يلحقها حق اعتراض، إلى عدم انعقاد في غير الكفء.

  3. عند الجمهور تعمل المحطة في تعيين الولي وصفته: ترتيب الأولياء، وشروطهم من ذكورة وعقل وبلوغ، وتحقيق العضل، فإذا ثبت أن الولي منعها من كفء رضيته بمهر مثلها انتقلت الولاية إلى السلطان أو نائبه القاضي. وعند المالكية تعمل أيضا في تحقيق وصف الدناءة والشرف.

  4. في زماننا تدخل في تحقيق المناط عناصر جديدة: توثيق العقود في المحاكم، وغياب الولي في بلاد بعيدة، ووجود القاضي المسلم أو من يقوم مقامه. فيُنظر في كل واقعة: من الولي؟ وهل هو عاضل أو غائب غيبة منقطعة؟ ومن السلطان الذي ينتقل إليه الأمر؟ وهذه أسئلة في المحل لا في الحكم الكلي (أصول الفقه في زمننا).

١ المحطة الثامنة: الحكم ودرجته

  1. الحكم في كل مذهب: - الحنفية: يصح نكاح البالغة العاقلة بعبارتها، وللولي الاعتراض في غير الكفء، وهو ظاهر الروايةmanifest transmission (zahir al-riwaya)مسائل أصحاب المذهب الحنفي المروية في كتب محمد بن الحسن الستة برواية الثقات.في المسرد عن أبي حنيفة؛ والمفتى به عند المتأخرين رواية الحسن أنه لا يصح من غير الكفء. ونُقل عن أبي يوسف ومحمد أنه لا ينعقد إلا بولي، وذُكر رجوعهما إلى قول الإمام. - المالكية: الولي شرط في الصحة، ولهم تفصيل في الدنيئة وولاية عامة المسلمين. وإذا وقع النكاح بلا ولي فُسخ بطلاق، وثبت به الميراث والعدة والنسب مراعاة للخلاف (الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة). - الشافعية: الولي شرط، ولا تعقد المرأة لنفسها ولا لغيرها. وإذا وقع ودخل بها فالنكاح باطل، ويثبت مهر المثل والعدة والنسب، ويُدرأ الحد للشبهة. - الحنابلة: الولي شرط كالشافعية، ويعدون النكاح بلا ولي فاسدا لأنه مختلف فيه، فيُفرق فيه بطلاق أو فسخ، ويرتبون على الدخول فيه مهر المثل والعدة والنسب ودرء الحد (الحكم الوضعي).

  2. درجة الحكم: ظنية عند الجميع، لأن الأدلة ظنية الثبوت أو الدلالة في محل النزاع. فالمسألة اجتهادية، وفيها ثلاثة آثار: - حكم الحاكمthe Lawgiver (al-hakim)من يصدر عنه الحكم الشرعي، وهو الله تعالى باتفاق المسلمين.في المسرد يرفع الخلاف: إذا قضى قاض بصحة نكاح بلا ولي لم يُالنقضinconsistency (naqḍ)وجود العلة مع تخلف الحكم عنها في صورة.في المسرد، لأن الاجتهاد لا يُنقض بمثله (الاجتهاد والتقليد). - تغير الاجتهاد: من تزوج بلا ولي معتقدا صحته ثم صار يرى البطلان، لزمه الفراق إن لم يحكم بصحته حاكم، ولم يلزمه إن حكم به. - التلفيقcombining opinions (talfiq)الإتيان في المسألة الواحدة بكيفية مركبة من مذاهب لا يقول بها مجتهد.في المسرد الممنوع: من تزوج بلا ولي تقليدا للحنفية، وبلا إشهاد عند العقد تقليدا للمالكية، ثم خلا نكاحه من الإشهاد قبل الدخول ومن الإعلان، فنكاحه باطل عند الجميع، لأن الحنفية يشترطون الإشهاد عند العقد، والمالكية يشترطون الولي ويوجبون الإشهاد قبل الدخول (التقليد والفتوى والمذهب).

  3. جواب سؤال الافتتاح: المرأة التي زوجت نفسها كفؤا بمهر مثلها نكاحها صحيح عند الحنفية، وليس لأبيها أن يعترض، وغير صحيح عند المالكية والشافعية والحنابلة. فإن زوجت نفسها من غير كفء فنكاحها صحيح موقوف على عدم اعتراض العاصب في ظاهر الرواية، وغير منعقد على رواية الحسن المفتى بها. وإن زوجت نفسها بأقل من مهر مثلها فللولي عند أبي حنيفة أن يعترض حتى يُتم الزوج مهر المثل أو يُفرق بينهما.

مسألة خلافية هل ينعقد النكاح بعبارة البالغة العاقلة دون ولي؟

  • الحنفية تنعقد، وللولي الاعتراض في غير الكفء، في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة؛ والمفتى به عند المتأخرين رواية الحسن أنه لا يصح من غير الكفء.
  • المالكية لا تنعقد، والولي شرط في الصحة، ولهم تفصيل في الدنيئة وولاية عامة المسلمين.
  • الشافعية لا تنعقد، ولا تعقد المرأة لنفسها ولا لغيرها.
  • الحنابلة لا تنعقد، كالشافعية.
  • سبب الخلاف ثلاثة مآخذ متراكبة: ثبوت حديثي الولي (مخالفة الراوي لروايته وإنكار الزهري)، ودلالة إسناد النكاح إلى المرأة وحديث «الأيم أحق بنفسها»، وصحة قياس عقد النكاح على تصرفها في مالها.
  • الثمرة صحة العقد ونفاذه، ثم آثار الدخول: الحنفية يرتبون آثار النكاح الصحيح، والمالكية يفسخونه بطلاق ويثبتون الميراث والعدة والنسب، والشافعية يبطلونه، والحنابلة يفرقون فيه بطلاق أو فسخ، ويثبت الفريقان المهر والعدة والنسب ويدرؤون الحد.

أداة تفكير سؤال سبب الخلاف

الأداة تطلب رد الخلاف إلى جذره: ثبوت، أو دلالة، أو قاعدة منهجية، أو نظر مقاصدي، أو التصورconception (tasawwur)إدراك المفرد دون حكم عليه، ويُطلب بالحد.في المسرد الواقعة. وهذه المسألة تُري حد الأداة: الخلاف فيها لا يرجع إلى جذر واحد. فالحنفي لو سلّم ثبوت الحديثين بقي عنده ظاهر الآيات والقياس، والشافعي لو سلّم صحة الإسناد إلى المرأة بقي عنده صريح «فنكاحها باطل». والحاصل أن الخلاف يطرد على قاعدة مخالفة الراوي لروايته، ومن مآخذه أيضا دلالة الإسناد والقياس على التصرف المالي. وهذا هو التعدد الذي نبه عليه تخريج الفروع على الأصول في حدود التخريجderivation within a school (takhrij)بيان صلة الفرع بأصله، أو استخراج أصل الإمام من فروعه، أو إلحاق فرع غير منصوص بفرع منصوص.في المسرد.

١ نقاط الافتراق

المحطة الحنفية المالكية الشافعية الحنابلة
١. نوع الحكم الولي ليس شرط صحة؛ للولي حق اعتراض الولي شرط صحة الولي شرط صحة الولي شرط صحة
٢. الثبوت الحديثان مطعون فيهما: الاضطراب، وإنكار الزهري، ومخالفة عائشة الحديثان مقبولان الحديثان مقبولان؛ العبرة بما روى الحديثان مقبولان
٣. الدلالة الإسناد إلى المرأة حقيقة؛ «أحق بنفسها» في العقد؛ «لا نكاح» نفي كمال على التقدير «لا نكاح» نفي صحة؛ العضل دليل ملك الولي كالمالكية، وصورة سبب آية العضل قطعية الدخول كالشافعية
٤. المعارض ترجيح حديث مسلم وظاهر الكتاب الجمع: الرضا للمرأة والعقد للولي الجمع كذلك الجمع كذلك
٥. الإلحاق قياس على التصرف في المال قياس مع الفارق قياس مع الفارق وفاسد الاعتبار كالشافعية
٦. المقصد يُحفظ بالكفاءة وحق الاعتراض يُحفظ باشتراط الولي، ويتفاوت بحال المرأة يُحفظ باشتراط الولي، والسلطان عند العضل كالشافعية
٧. تحقيق المناط الكفاءة، ومهر المثل، وحق الاعتراض الولي الخاص والعام، والدناءة والشرف، والعضل ترتيب الأولياء، والعضل، والسلطان كالشافعية
٨. الحكم صحيح؛ والمفتى به عدم الصحة في غير الكفء غير صحيح يُفسخ بطلاق، مع مراعاة الخلافregard for disagreement (murāʿāt al-khilāf)إعمال دليل المخالف في لازم مدلوله الذي أُعمل في نقيضه دليل آخر، ويكثر بعد وقوع الفعل.في المسرد في الآثار باطل، مع آثار الشبهة فاسد يُفرق فيه بطلاق أو فسخ، مع آثار الشبهة
  1. ما يُتعلم من الجدول: أول نقطة افتراق المحطة الثانية، وهي بين الحنفية والجمهور وحدهم، ثم تتبعها المحطات الثالثة والرابعة والخامسة على الخط نفسه، فالخلاف في الثبوت حدد طريق الدفع في التعارض. والجمهور يتفرقون في المحطات المتأخرة: المالكية في المقصد وتحقيق المناط (الدنيئة) وفي آثار الوقوع (مراعاة الخلاف). والحنفية افترقوا داخل مذهبهم في المحطة السابعة، فانتقل المفتى به من ظاهر الرواية إلى رواية الحسن بتحقيق المناط في زمن المتأخرين.

أين التفصيل

أسئلة استرجاع

  1. لماذا كان الحكم المطلوب في المسألة وضعيا؟ وما محل النزاع بعد تحريره؟
  2. ما القوادح الثلاثة التي أوردها الحنفية على حديثي الولي؟ وبأي قاعدة أجاب الجمهور عن أثر عائشة؟
  3. كيف جمع الجمهور بين حديث «الأيم أحق بنفسها» وحديث «لا نكاح إلا بولي»؟
  4. ما أصل قياس الحنفية وفرعه وجامعه؟ وما الفارق الذي اعترض به الجمهور؟
  5. ما المناطات الثلاثة التي يحققها الحنفي في هذه المسألة؟ ولماذا انتقل المفتى به عند متأخريهم إلى رواية الحسن؟
  6. حنفي تزوج بلا ولي وبلا إشهاد عند العقد تقليدا للمالكية في الإشهاد: ما حكم نكاحه؟

أجوبة أسئلة الاسترجاع

  1. لأن السؤال عن كون الولي شرطا في صحة العقد، والشرط حكم وضعي. ومحل النزاع عبارة البالغة العاقلة في عقد نكاحها، بعد الاتفاق على اشتراط رضاها وعلى منع الصغيرة والمجنونة من العقد.
  2. اضطراب حديث أبي موسى في وصله وإرساله، وإنكار الزهري حديث عائشة، ومخالفة عائشة لما روت بتزويج بنت أخيها. وأجاب الجمهور بأن العبرة بما روى الراوي لا بما رأى.
  3. حملوا «الأيم أحق بنفسها» ونصوص الإسناد إلى المرأة على الرضا والاختيار، وحملوا أحاديث الولي على مباشرة العقد، فأعملوا الدليلين.
  4. الأصل تصرف البالغة العاقلة في مالها، والفرع عقد نكاحها، والجامع كمال الأهلية وخلوص الحق لها. والفارق أن النكاح يتعدى أثره إلى الأولياء في النسب والعار، والمال حقها الخالص.
  5. الكفاءة، ومهر المثل، وحق الاعتراض. وانتقل المفتى به لفساد الزمان، إذ ليس كل ولي يحسن المرافعة ولا كل قاض يعدل، فكان منع الانعقاد في غير الكفء أحفظ للمقصد.
  6. باطل عند الجميع إذا خلا من الإشهاد قبل الدخول أيضا، لأنه حقيقة مركبة لا يصححها مجتهد: الحنفية يشترطون الإشهاد عند العقد، والمالكية يشترطون الولي ويوجبون الإشهاد قبل الدخول.

الاختبارات: قضية واحدة من أولها إلى آخرها: النكاح بغير ولي على خط الاستنباط