قضية واحدة من أولها إلى آخرها: النكاح بغير ولي على خط الاستنباط
موقع الفصل من المنظومة
الفصول السبعة قبله رسمت المنظومة قطبا قطبا. وهذا الفصل يشغّلها في قضية واحدة، فيمر بالمحطات الثماني كلها بترتيبها، ويقف عند كل محطة على ما يصنعه كل المذهبthe school's position (al-madhhab)عند النووي: الراجح من طريقين أو طرق في حكاية المذهب.في المسرد فيها. والقضية: النكاح بغير ولي. وقد حُلّت مختصرة في المسائل العشر من تخريج الفروع على الأصول، ويتابعها هذا الفصل بتفصيل أوفى، لأنها تجمع ما يندر اجتماعه في مسألة واحدة: حكما وضعيا في الصحةvalidity (sihha)موافقة الفعل ذي الوجهين للشرع؛ وفي العبادات: موافقة الأمر عند المتكلمين، وإسقاط القضاء عند الفقهاء.في المسرد والبطلان، وأخبارا اختلفت المذاهب في قبولها، ودلالات لفظية متقابلة، وقياسا، ونظرا مقاصديا، وتحقيق المناطratio / locus of a ruling (manat)العلة أو الوصف الذي علق الشارع به الحكم.في المسرد له ضوابط مفصلة عند الحنفية.
سؤال الافتتاح
امرأة بالغة عاقلة ثيب زوّجت نفسها رجلا كفؤا بمهر مثلها، دون العلمknowledge, certainty ('ilm)معرفة المعلوم على ما هو به؛ أو حكم لا يحتمل متعلَّقه النقيض بوجه.في المسرد أبيها. هل نكاحها صحيح؟ وما الحكم لو زوجت نفسها من غير كفء، أو بأقل من مهر مثلها؟ الجواب في المحطة الثامنة والجدول الأخير.
١ النصوص
-
حديث أبي موسى الأشعري: «لا نكاح إلا بولي» (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه جماعة من الحفاظ، واختُلف في وصله وإرساله).
-
حديث عائشة رضي الله عنها: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها الباطلvoid (batil)عند الحنفية في المعاملات: ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، لا يفيد ملكا ولو قبض. وعند الجمهور مرادف للفاسد.في المسرد»، وتمامه: «فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» (رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وابن ماجه).
-
حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها» (رواه مسلم).
-
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، ونزلت في معقل بن يسار حين منع أخته أن ترجع إلى زوجها (رواه البخاري).
-
قوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
-
ويستدل الجمهور معها بخطاب الرجال بالإنكاح: ﴿وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، و﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢].
-
وأثر عائشة رضي الله عنها أنها زوّجت حفصة بنت أخيها عبد الرحمن وهو غائب بالشام (رواه مالك في الموطأ)، وهو عمدة الحنفية في محطة الثبوت.
١ المحطة الأولى: نوع الحكم
-
المطلوب حكم وضعي. السؤال: هل الولي الشرطcondition (shart)ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وهو خارج عن ماهية المشروط.في المسرد في صحة عقد المرأة البالغة العاقلة؟ والشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده شيء (الحكم الشرعي). فإن كان الولي شرطا فعقدها بدونه غير صحيح، وإلا فهو صحيح، وللولي بعد ذلك ما يثبته له الدليلproof, evidence (dalil)ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.في المسرد من حق.
-
محل النزاع محرر. اتفقوا على أن الصغيرة والمجنونة لا تعقدان لأنفسهما، وأن الولي لا يجبر الثيب البالغة على النكاح، وأن رضاها شرط. والخلاف في عبارتها: هل تنعقد بها نكاحها؟
-
ويتبع الوضعيَّ حكم تكليفي في الإقدام على العقد، وفي آثار الدخول بعده من مهر وعدة ونسب والحدdefinition (hadd)التعريف الكاشف عن حقيقة الشيء بالجنس والفصل، ويُشترط فيه أن يكون جامعا مانعا.في المسرد. وهذه الآثار تختلف بحسب جواب السؤال الوضعي، ويأتي بيانها في المحطة الثامنة.
تنبيه النكاح بغير ولي ليس مثالا للفاسد عند الحنفية
الحنفية يفرقون في المعاملات بين الباطل والفاسدdefective (fasid)عند الحنفية في المعاملات: ما شرع بأصله دون وصفه، يفيد الملك بالقبض ويجب فسخه.في المسرد، وقد يُالظنprobability, preponderant belief (zann)إدراك الطرف الراجح من أمرين محتملين.في المسرد أن النكاح بغير ولي عندهم فاسد. وهو عندهم صحيح أصلا، والمثال الصحيح للفاسد في النكاح عندهم النكاح بغير شهود. وعند الجمهور النكاح بغير ولي لا يصح: يسميه الشافعية باطلا، ويعده الحنابلة من النكاح الفاسد لأنه مختلف في صحته فيُفرق فيه بطلاق أو فسخ، ويفسخه المالكية بطلاق (الحكم الوضعي).
١ المحطة الثانية: الأدلة وثبوتها
-
الآيات قطعية الثبوت، وحديث «الأيم أحق بنفسها» صحيح في مسلم، وكل ذلك مقبول عند الجميع. ومحل النزاع الحديثان الأولان.
-
الجمهور: الحديثان صالحان للاحتجاج. حديث أبي موسى صححه جماعة من الحفاظ ورجحوا وصله، وحديث عائشة حسنه الترمذي. وما يُروى من أن الزهري، وهو مدار حديث عائشة، سُئل عنه فلم يعرفه، أجابوا عنه بأن الحكاية تفرد بها إسماعيل ابن علية وضعفها يحيى بن معين، وبأن نسيان الشيخ لما رواه الثقة عنه لا يقدح في الرواية عند الجمهور (الكتاب والسنة).
-
الحنفية: يجتمع عندهم في الحديثين ثلاثة قوادح. الأول: اضطراب حديث «لا نكاح إلا بولي» في وصله وإرساله. الثاني: إنكار الزهري حديث عائشة، والفرعnew case (farʿ)المحل المسكوت عنه المراد إلحاقه بالأصل.في المسرد إذا نسي الأصلroot, basis (asl)لغة ما يُبنى عليه غيره؛ واصطلاحا يطلق على الدليل، والراجح، والقاعدة المستمرة، والمقيس عليه.في المسرد ما رواه عنه رد خبره الكرخي وجماعة من الحنفية. الثالث: أن عائشة راوية الخبر زوّجت بنت أخيها وأبوها غائب، ومخالفة الراوي لما روى قادحة عندهم إذا كانت بعد الرواية ولم يحتمل خفاء الخبر عليه، لأن العدل لا يترك ما رواه إلا عن علم بالناسخabrogating text (nasikh)الخطاب الشرعي الدال على رفع الحكم المتقدم، والناسخ حقيقة هو الله تعالى.في المسرد أو دليل (الكتاب والسنة).
-
وجواب الجمهور عن أثر عائشة قاعدتهم أن العبرة بما روى الراوي لا بما رأى، لأن الحجة في كلام النبي ﷺ لا في الاجتهادindependent juristic reasoning (ijtihad)استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي.في المسرد الراوي. ونقلوا عنها في بعض الروايات أنها كانت تمهد للعقد ثم تأمر رجلا من أهلها يعقده، فحملوا خبر الموطأ على ذلك.
-
المالكية والشافعية والحنابلة في هذه المحطة صف واحد: يقبلون الحديثين، ولا يقدّمون رأي الراوي على روايته. والمالكية يعملون بالحديثين، فلم يُعارضا عندهم بعمل أهل المدينةpractice of the people of Medinaما اتفق عليه أهل المدينة نقلا أو اجتهادا، وهو حجة عند المالكية في النقلي.في المسرد كما عورض خبر خيار المجلسoption of the session (khiyar al-majlis)حق كل من المتبايعين في فسخ البيع ما داما في مجلس العقد لم يتفرقا بأبدانهما، يثبته الشافعية والحنابلة.في المسرد. فالافتراق في هذه المحطة بين الحنفية والجمهور وحده.
١ المحطة الثالثة: الدلالة
-
«لا نكاح إلا بولي»: عند الجمهور نفي متوجه إلى