أصول الفقه في زمننا
سؤال الافتتاح
الورق النقدي ليس ذهبا ولا فضة، ولا يُكال ولا يوزن في التعامل. فهل يجري فيه الربا إذا بيع بعضه ببعض متفاضلا أو نسيئة؟ وبأي محطة من خط الاستنباط يُجاب عن هذا السؤال: باستنباط حكم جديد، أم بتنزيل حكم قديم على محل جديد؟ الجواب في مبحث المجامع الفقهية.
موقع الفصل من المنظومة
يقف هذا الفصل عند آخر الخط: المحطة السادسة (الوزن المقاصدي والنظر في المآل)، والسابعة (تحقيق المناطverifying the ratio in the caseإثبات العلة المعلومة في الواقعة المعينة.في المسرد في الواقعة المعينة)، والثامنة (الحكم ودرجته والأهليةlegal capacity (ahliyya)صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه، ولصدور الأفعال منه على وجه يعتد به.في المسرد قائله). وهي المحطات التي يكثر فيها عمل الفقيه المعاصر، لأن أكثر النوازلnew cases (nawazil)الوقائع المستجدة التي يطلب حكمها، ولها عند المالكية تراث مدون كالمعيار المعرب للونشريسي.في المسرد الحديثة لا تحتاج إلى الأصلroot, basis (asl)لغة ما يُبنى عليه غيره؛ واصطلاحا يطلق على الدليل، والراجح، والقاعدة المستمرة، والمقيس عليه.في المسرد جديد، وإنما تحتاج إلى معرفة دقيقة بالمحل الذي يُنزل عليه الحكم. ويفترض الفصل ما تقرر في القياسanalogy (qiyās)مساواة فرع لأصل في علة حكمه، أو رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم.في المسرد ومسالك العلةroutes for establishing the ratioالطرق التي يثبت بها كون الوصف علة.في المسرد القياس، وفي أدلة المصلحةbenefit, public interest (maslaha)المحافظة على مقصود الشرع في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، بحد الغزالي.في المسرد والعرف الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف، وفي المقاصد مقاصد الشريعة، وفي الاجتهادindependent juristic reasoning (ijtihad)استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي.في المسرد والتقليدfollowing (taqlid)العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة، بتعريف ابن الهمام.في المسرد الاجتهاد والتقليد والفتوى والمذهب، وفي التخريجderivation within a school (takhrij)بيان صلة الفرع بأصله، أو استخراج أصل الإمام من فروعه، أو إلحاق فرع غير منصوص بفرع منصوص.في المسرد تخريج الفروع على الأصول.
ثم يعرض الفصل ما أضافته الدراسات الحديثة إلى فهم العلمknowledge, certainty ('ilm)معرفة المعلوم على ما هو به؛ أو حكم لا يحتمل متعلَّقه النقيض بوجه.في المسرد، ومشاريع التجديد وموازينها، والنماذج الحاسوبية، ويختم بالطريق الذي يسلكه الطالب بعد هذا الكتاب.
١ تحقيق المناط وفقه الواقع والنوازل
المناط هو العلة أو الوصف الذي علق الشارع به الحكم. وتحقيق المناط أن يثبت هذا الوصف المتفق عليه في آحاد الصور: فالعلة معلومة بنص أو الإجماعconsensus (ijmāʿ)اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي ﷺ في عصر على أمر من الأمور.في المسرد أو استنباط، والنظر في وجودها في هذه الواقعة بعينها. وقد سبق في القياس الفرق بينه وبين تنقيح المناطrefining the ratioحذف الأوصاف التي لا أثر لها من سبب منصوص، وإناطة الحكم بالباقي.في المسرد (تهذيب الوصف مما لا أثر له) وتخريجه (استنباط العلة نفسها).
من المتون الموافقات للشاطبي، كتاب الاجتهاد
الاجتهاد على ضربين: أحدهما لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف، وذلك عند قيام الساعة. والثاني يمكن أن ينقطع قبل فناء الدنيا. فأما الأول فهو الاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط، وهو الذي لا خلاف بين الأمة في قبوله، ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله. وذلك أن الشارع إذا قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وثبت عندنا معنى العدالة شرعا، افتقرنا إلى تعيين من حصلت فيه هذه الصفة.
الحل: «مدركه الشرعي» دليله الذي يُدرك منه الحكم. فالحكم الكلي (قبول شهادة العدل) ثابت بالنص، و«تعيين محله» هو معرفة من هو العدل في الواقع. وهذا الضرب لا ينقطع لأن الوقائع لا تتناهى، فلو انقطع لبقيت الأحكام الكلية معلقة لا تنزل على أحد، وهو معنى قوله «حتى ينقطع أصل التكليف». ويقبله من لا يرى القياس أصلا، لأنه نظر في وجود وصف معلوم، لا إلحاق فرع بأصل. والضرب الثاني، الذي يمكن أن ينقطع، هو الاجتهاد في استنباط العلل وما يتصل به. ويقسم الشاطبي تحقيق المناط إلى عام في أنواع المكلفين والأفعال، وخاص في أشخاصهم وأحوالهم، والخاص يحتاج إلى خبرة بالنفوس ومداخلها.
فإذا قيل في عصرنا «