من الدليل إلى الحكم

القسم الثاني: التفصيل / الباب الثاني: الحكم الشرعي (الثمرة)

الحكم الوضعي

الثمرةالمحطة ١المحطة ٨

موقع الفصل من المنظومة

في المحطة الأولى من خط الاستنباط يسأل الناظر عن نوع الحكم المطلوب. وكثير من أسئلة الناس أسئلة عن الحكم الوضعيdeclaratory ruling (hukm wad'i)خطاب الله المتعلق بجعل الشيء سببا أو شرطا أو مانعا، أو بوصف الفعل بالصحة والفساد أو العزيمة والرخصة.في المسرد في حقيقتها: هل انعقد هذا البيع؟ هل وقع هذا الطلاق؟ هل يجب القضاءmake-up (qada')فعل العبادة بعد خروج وقتها استدراكا لما سبق وجوبه أو انعقد سببه.في المسرد أم تكفي الإعادةrepetition (i'ada)فعل العبادة ثانيا في وقتها لخلل في الأولى أو لتحصيل فضيلة.في المسرد؟ هل يجوز القصر في هذا السفر؟ فالحكم الوضعي يبين متى يتوجه الحكم التكليفي، وبأي الشرطcondition (shart)ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وهو خارج عن ماهية المشروط.في المسرد، وما الذي يمنعه، وما الذي يترتب على الفعل بعد وقوعه. ويفترض الفصل ما تقرر في الحكم التكليفي من تعريف الحكم وأقسامه، ويحيل في أثر النهيprohibition (nahy)القول الطالب للكف عن فعل على جهة الاستعلاء؛ وصيغته لا تفعل.في المسرد على الأمر والنهي، وفي العلةeffective cause ('illa)عند من فرق: سبب ظهرت مناسبته للحكم. وعند الحنفية: ما يضاف إليه وجوب الحكم ابتداء.في المسرد القياسية على القياس.

سؤال الافتتاح

رجل اشترى سيارة بثمن مؤجل، واشترط البائع زيادة على الثمن عن كل شهر تأخير، وقبض المشتري السيارة ثم باعها لآخر. هل ملكها المشتري الأول حتى يصح بيعه الثاني؟ جواب الحنفية فيه غير جواب الشافعية والحنابلة، والفرق بينهم في معنى «الفاسدdefective (fasid)عند الحنفية في المعاملات: ما شرع بأصله دون وصفه، يفيد الملك بالقبض ويجب فسخه.في المسرد».

١ حقيقة الحكم الوضعي

الحكم الوضعي خطاب الله المتعلق بجعل الشيء سببا لشيء، أو شرطا له، أو مانعا منه، أو كون الفعل صحيحا أو فاسدا، أو الرخصةdispensation (rukhsa)الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر مع قيام السبب المقتضي لحكم العزيمة.في المسرد أو العزيمةstrict rule ('azima)الحكم الثابت بدليل شرعي ابتداء لا لعذر.في المسرد. وسمي وضعيا لأن الشارع وضعه، أي جعله العلامةsign ('alama)عند الحنفية: ما يعرف به وجود الحكم من غير أن يتعلق به وجوب ولا وجود، كالإحصان.في المسرد يُعرف بها وجود الحكم التكليفي أو انتفاؤه. فقوله ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] فيه حكمان: تكليفي هو وجوب الصلاة، ووضعي هو جعل الدلوك سببا لهذا الوجوب.

١ الفرق بينه وبين التكليفي

  1. من جهة المضمون: التكليفي طلب أو التخييرoption (takhyir)تسوية الشارع بين فعل الشيء وتركه، وهو الإباحة.في المسرد، والوضعي ربط بين أمرين، فهو خبر عن الشارع أن هذا علامة على ذاك.
  2. من جهة المقدور: التكليفي لا يتعلق إلا بفعل مقدور للالمكلفlegally responsible person (mukallaf)البالغ العاقل الذي يفهم الخطاب وهو أهل لما كلف به.في المسرد كسبي له، والوضعي قد يتعلق بما لا قدرة له عليه كالدلوك والحيض والقرابة.
  3. من جهة الأهليةlegal capacity (ahliyya)صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه، ولصدور الأفعال منه على وجه يعتد به.في المسرد والعلمknowledge, certainty ('ilm)معرفة المعلوم على ما هو به؛ أو حكم لا يحتمل متعلَّقه النقيض بوجه.في المسرد: التكليفي يشترط فيه العقل والعلم بالخطاب، والوضعي لا يشترطان فيه في الأصلroot, basis (asl)لغة ما يُبنى عليه غيره؛ واصطلاحا يطلق على الدليل، والراجح، والقاعدة المستمرة، والمقيس عليه.في المسرد. فالصبي والمجنون والنائم يضمنون ما أتلفوا، لأن الإتلاف السببcause (sabab)الوصف الظاهر المنضبط الذي جعله الشارع علامة على الحكم، يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته.في المسرد للضمان، والضمان يتعلق بمالهم ويؤديه الولي.

ويستثنى من هذا الأصل أمران نبه عليهما القرافي في الفروق: أسباب العقوبات كالزنا والسرقة، فلا تترتب عليها الحدود إلا مع العلم والقصد والتكليف؛ والأسباب الناقلة للملك كالبيع والهبة، فلا تنعقد إلا من أهل قاصد. والعلة في الأول أن العقوبة جزاء على معصية، ولا معصية مع الجهل والصغر؛ وفي الثاني أن نقل الملك قائم على الرضا، والرضا لا يكون إلا من مدرك.

تنبيه هل الحكم الوضعي حكم مستقل؟

ذهب بعض الأصوليين إلى أن الوضعي راجع إلى التكليفي، فمعنى «الدلوك سبب للصلاة» عندهم: إذا دلكت الشمس فصلّوا. والجمهور على استقلاله، لأن الضمان يثبت على الصبي ولا تكليف عليه، فلو رجع الوضعي إلى التكليفي لم يثبت. وكتب الحنفية لا تفرد للوضعي بابا بهذا الاسم، لكنها تبسط مباحثه في «ما يتعلق به الحكم» من السبب والعلة والشرط والعلامة، وفي العزيمة والرخصة، وفي الأداءtimely performance (ada')فعل العبادة في وقتها المقدر لها شرعا.في المسرد والقضاء.

١ السبب

السبب في اللغة ما يتوصل به إلى غيره، ومنه الحبل. وفي الاصطلاح: الوصف الظاهر المنضبط الذي جعله الشارع علامة على الحكم، يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته. فزوال الشمس سبب لوجوب الظهر، وملك النصاب سبب لوجوب الزكاة، والقتل العمد العدوان سبب للقصاص. وقيد «لذاته» يحترز به عما إذا وُجد السبب وتخلف الحكم لفقد شرط أو وجود المانعimpediment (mani')ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته.في المسرد، كمن ملك النصاب ولم يحل عليه الحول.

وينقسم السبب باعتبار تعلقه بالمكلف إلى: ما ليس من فعله كالوقت والاضطرار، وما هو من فعله كالسفر سببا للقصر، والعقد سببا للملك. والثاني يكون مطلوبا أو منهيا عنه أو مباحا من جهة التكليف، وسببا من جهة الوضعassignment (wad')جعل اللفظ دليلا على المعنى بحيث إذا أُطلق فُهم منه؛ وهو صفة الواضع.في المسرد؛ فالقتل حرام تكليفا، وسبب للقصاص وضعا.

٢ السبب والعلة

الجمهور يستعملون السبب والعلة متقاربين، ومن فرّق منهم جعل العلة ما كان بين الوصف والحكم فيه المناسبةsuitability (munāsaba)كون الوصف بحيث يترتب على شرع الحكم عنده مصلحة مقصودة للشارع.في المسرد يدركها العقل، كالإسكار لتحريم الخمر، وجعل السبب ما لا تظهر فيه المناسبة، كالزوال لوجوب الظهر. فكل علة سبب، وليس كل سبب علة.

وللحنفية فيما يتعلق به الحكم تقسيم رباعي مبسوط في المنار وشروحه:

  • العلة: ما يضاف إليه وجوب الحكم ابتداء، كالبيع للملك، والقتل للقصاص.
  • السبب: ما يكون طريقا إلى الحكم من غير أن يضاف إليه وجوب ولا وجود، تتخلله علة مستقلة هي فعل فاعل مختار. ومثاله الدال على مال غيره سارقا: لا يضمن، لأن بين دلالته والإتلاف فعل السارق المختار، فيضاف الحكم إلى السارق.
  • الشرط: ما يتعلق به وجود الحكم دون وجوبه، كالشهود للنكاح.
  • العلامة: ما يعرف به وجود الحكم من غير أن يتعلق به وجوب ولا وجود، كالإحصان في الزنا عند الحنفية، فهو معرّف للرجم لا علة له ولا شرط.

ويتفرع على هذا التقسيم قولهم في حافر البئر في الطريق: إذا وقع فيها إنسان ضمن الحافر ديته، لأن الحفر شرط في معنى العلة، إذ أزال الماسك عن الواقع، والواقع لم يقصد السقوط فلا يضاف إليه. ولو ألقاه غيره فيها فالضمان على الملقي، لأنه صاحب العلة.

أداة تفكير الأصل والاستثناء

السبب قاعدة تعمل حتى يظهر ما يرفعها: إذا وُجد السبب ثبت الحكم، ما لم يتخلف شرط أو يقم مانع. وهذا ما يسميه المنطق الحديث الاستدلالinference (istidlal)عند ابن السبكي: دليل ليس بنص ولا إجماع ولا قياس، ومنه التلازم والاستقراء والقياس المنطقي.في المسرد القابل للالنقضinconsistency (naqḍ)وجود العلة مع تخلف الحكم عنها في صورة.في المسرد: النتيجة صحيحة بقرينة ما نعلم، وتسقط إذا ظهر معطى جديد. فمن ملك النصاب حكمنا بوجوب الزكاة عليه حتى يتبين أن الحول لم يحل، أو أن عليه دينا يستغرق المال عند من يجعل الدين مانعا. والحدdefinition (hadd)التعريف الكاشف عن حقيقة الشيء بالجنس والفصل، ويُشترط فيه أن يكون جامعا مانعا.في المسرد الأداة: الشروط والموانع في الشرع محصورة بالدليلproof, evidence (dalil)ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.في المسرد، فلا يُفترض مانع لم يدل عليه نص أو القياسanalogy (qiyās)مساواة فرع لأصل في علة حكمه، أو رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم.في المسرد، وعبء إثباته على من ادعاه.

١ الشرط

الشرط في اللغة العلامة، ومنه أشراط الساعة. وفي الاصطلاح: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. فالطهارة شرط للصلاة: إذا انتفت انتفت الصحةvalidity (sihha)موافقة الفعل ذي الوجهين للشرع؛ وفي العبادات: موافقة الأمر عند المتكلمين، وإسقاط القضاء عند الفقهاء.في المسرد الصلاة، وإذا وُجدت لم يلزم وجود الصلاة. وهو خارج عن ماهية المشروط، وبهذا يفارق الركن؛ فالركوع ركن داخل في الحقيقةliteral usage (haqiqa)اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب.في المسرد الصلاة، والطهارة شرط خارج عنها.

وأنواعه أربعة:

  • الشرعي: ما جعله الشارع شرطا، كالطهارة للصلاة، والحول للزكاة، والشهود للنكاح.
  • العقلي: ما لا يتصور المشروط عقلا بدونه، كالحياة للعلم، والفهم للتكليف.
  • العادي: ما جرت العادةhabit, custom (ʿāda)غلبة معنى من المعاني على الناس، عامة أو خاصة ببلد أو طائفة، كما حدها القرافي.في المسرد بالتوقفsuspension of judgmentترك الحكم في المسألة حتى يظهر مرجح، من أقوال الجمهور عند التعادل.في المسرد المشروط عليه، كنصب السلم لصعود السطح، والغذاء لحياة الحيوان.
  • اللغوي: ما دخلت عليه أداة الشرط، كقول الرجل لامرأته «إن دخلت الدار فأنت طالق». وقرر القرافي أن الشرط اللغويlinguistic conditionما دخلت عليه أداة الشرط، كالتعليق على دخول الدار، وهو في حقيقته سبب.في المسرد في حقيقته سبب، لأنه يلزم من وجوده وجود المعلق، ومن عدمه عدمه؛ فإذا دخلت الدار وقع الطلاق.

ويقسم الشرط الشرعي أيضا إلى شرط وجوب كالبلوغ والعقل وملك النصاب، فإذا انتفى لم يتوجه الخطاب، وشرط صحة كالطهارة واستقبال القبلة، فإذا انتفى توجه الخطاب ولم يصح الفعل. وهذه القسمة هي التي يدور عليها جواب مسألة «ما لا يتم الواجبwajib (obligatory)عند الجمهور: ما طلب الشارع فعله طلبا جازما. وعند الحنفية: ما ثبت لزومه بدليل فيه شبهة، لا يكفر جاحده.في المسرد إلا به» في الحكم التكليفي: شرط الوجوبcondition of obligationشرط إذا انتفى لم يتوجه الخطاب، كالبلوغ وملك النصاب، ولا يجب تحصيله.في المسرد لا يجب تحصيله، وشرط الصحةcondition of validityشرط إذا انتفى توجه الخطاب ولم يصح الفعل، كالطهارة للصلاة.في المسرد يجب.

١ المانع

المانع: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته. وهو نوعان:

  • مانع الحكمimpediment to the rulingوصف يمنع ترتب الحكم مع قيام سببه، كالأبوة في القصاص.في المسرد: وصف يمنع ترتب الحكم مع قيام سببه، لمعنى يخالف الحكمةwisdom (ḥikma)المصلحة المقصودة من شرع الحكم، كالمشقة في رخصة السفر.في المسرد الحكم. ومثاله الأبوة في القصاص: إذا قتل الأب ابنه عمدا فالسبب قائم وهو القتل العمد العدوان، والأبوة تمنع القصاص عند الحنفية والشافعية والحنابلة، لأن الأب سبب في وجود الابن فلا يكون الابن سببا في إعدامه. وعند المالكية يقتص من الأب إذا قصد القتل قصدا لا شبهة فيه، كأن يضجعه فيذبحه، فلا تكون الأبوة مانعا مطلقا عندهم. ومن موانع الحكم اختلاف الدين والقتل في الميراث.
  • مانع السببimpediment to the causeوصف يخل بحكمة السبب فيمنع انعقاده، كالدين في الزكاة عند من قال به.في المسرد: وصف يخل بحكمة السبب فيمنع انعقاده سببا. ومثاله الدين في الزكاة عند من قال به: سبب الزكاة الملك التام للنصاب، وحكمته الغنى، والمدين بما يستغرق ماله غير غني، فالدين يمنع انعقاد السبب.

مسألة خلافية هل يمنع الدين وجوب الزكاة؟

  • الحنفية الدين الذي له مطالب من جهة العباد يمنع وجوب الزكاة بقدره، في أموال الزكاة كلها، ولا يمنع العشر.
  • المالكية يمنع في العين (الذهب والفضة) دون الحرث والماشية والمعدن.
  • الشافعية الأظهرmost evident (azhar)عند النووي: الراجح من قولين أو أقوال للشافعي مع قوة الخلاف.في المسرد أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة.
  • الحنابلة يمنع في الأموال الباطنة رواية واحدة، وفي الظاهرة روايتان، والمذهبthe school's position (al-madhhab)عند النووي: الراجح من طريقين أو طرق في حكاية المذهب.في المسرد أنه يمنع فيها أيضا إذا نقص النصاب، كما قرره المرداوي في الإنصاف.
  • سبب الخلاف هل الدين يخل بالملك التام الذي هو سبب الوجوب وبمعنى الغنى الذي هو حكمته، أم الملك قائم والدين متعلق بالذمةlegal personality / liability-bearing capacity (dhimma)وصف يصير به الإنسان أهلا للإيجاب له وعليه، وهي مناط أهلية الوجوب.في المسرد لا بعين المال؟ ومن فرق بين الباطن والظاهر نظر إلى أن السعاة كانوا يأخذون زكاة الماشية والزرع دون سؤال عن الدين.
  • الثمرة تاجر يملك مائة ألف وعليه دين حالّ قدره ستون ألفا: يزكي الأربعين عند الحنفية والمالكية والحنابلة، ويزكي المائة كلها عند الشافعية على الأظهر.

١ الصحة والفساد والبطلان

الصحة في الجملة: موافقة الفعل ذي الوجهين للشرع، والبطلان: مخالفته. وقيد «ذي الوجهين» يخرج ما لا يقع إلا على وجه واحد كمعرفة الله ورد الوديعة، فلا يوصف بالصحة والبطلان. وأثر الصحة في العبادات براءة الذمة وسقوط الطلب، وفي المعاملات ترتب الأثر المقصود من العقد كالملك في البيع والحل في النكاح.

من المتون الورقات لإمام الحرمين الجويني

والصحيح ما يتعلق به النفوذ ويعتد به، والباطل ما لا يتعلق به النفوذ ولا يعتد به.

الحل: «النفوذ» في المعاملات ترتب الأثر، كالملك في البيع؛ و«الاعتداد» في العبادات إجزاؤها وسقوط الطلب بها. فجمع الجويني الطرفين في عبارة واحدة: الصحيح ما يترتب عليه أثره في البابين. والتعريف تعريف بالأثر كتعريفاته للأحكام الخمسة. ولم يذكر الجويني الفاسد، لأنه عند الشافعية مرادف للباطل، فلا رتبة ثالثة عنده، وهذا موضع افتراق الشافعية عن الحنفية.

٢ الصحة في العبادات: موافقة الأمر أم إسقاط القضاء؟

اختلف المتكلمون والفقهاء في معنى صحة العبادة:

  • المتكلمون: الصحة موافقة الأمرcommand (amr)القول الطالب للفعل على جهة الاستعلاء؛ وعند ابن السبكي: اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير نحو كف.في المسرد في الظنprobability, preponderant belief (zann)إدراك الطرف الراجح من أمرين محتملين.في المسرد المكلف، وإن لزمه القضاء بعد ذلك.
  • الفقهاء: الصحة ما أسقط القضاء.

وتظهر الصورة في من صلى ظانا أنه متطهر ثم تبين أنه محدث: صلاته صحيحة على اصطلاح المتكلمين لأنه وافق الأمر بحسب ظنه، وفاسدة على اصطلاح الفقهاء لأنها لم تسقط القضاء. واتفقوا على أن القضاء واجب، فالخلاف لفظي في التسمية، ونبه عليه ابن السبكي وغيره.

١ الفاسد والباطل في المعاملات: التفريق الحنفي

الحنفية يفرقون في المعاملات بين ثلاث رتب:

  • الصحيح: ما شرع بأصله ووصفه، فاستوفى أركانه وشروطه، وترتب عليه أثره.
  • الباطلvoid (batil)عند الحنفية في المعاملات: ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، لا يفيد ملكا ولو قبض. وعند الجمهور مرادف للفاسد.في المسرد: ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، أي اختل ركنه أو محله، كبيع الميتة والدم، وبيع المجنون والصبي غير المميز. لا وجود له شرعا، ولا يفيد ملكا ولو قبض.
  • الفاسد: ما شرع بأصله دون وصفه، أي استوفى أركانه ومحله، واختل وصف خارج عن الماهية لازم لها، كالبيع بثمن مجهول، أو بشرط فاسد، أو بزيادة ربوية. له وجود شرعي ناقص: يفيد الملك بالقبض بإذن البائع، ويجب فسخه رفعا للمعصية، فإن تصرف المشتري فيه تصرفا لازما نفذ وامتنع الفسخ، ووجبت القيمة أو المثل.

والجمهور على أن الفاسد والباطل مترادفان في المعاملات: كل عقد خالف الشرع في ركن أو شرط فلا يترتب عليه أثره. واستثنى الشافعية أبوابا معدودة فرقوا فيها بين الفاسد والباطل، أشهرها الحج والعمرة: يفسدان بالجماع قبل التحلل ويجب المضي في فاسدهما، ويبطلان بالردة. وذكر السيوطي في الأشباه والنظائر أبوابا أخرى كالخلع والكتابة والعارية.

مسألة خلافية هل الفاسد رتبة بين الصحيح والباطل؟

  • الحنفية نعم في المعاملات؛ الباطل ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، والفاسد ما شرع بأصله دون وصفه، ويفيد الملك بالقبض مع وجوب الفسخ. وفي العبادات هما سواء.
  • المالكية مترادفان في الأصل، لكن البيع الفاسد إذا فات المبيع بتغير سوق أو ذات أو تصرف مضى بالقيمة أو الثمن على تفصيل، مراعاة للخلاف ولما طرأ.
  • الشافعية مترادفان، إلا في أبواب معدودة كالحج والعمرة.
  • الحنابلة مترادفان، ويستثنى الحج والعمرة.
  • سبب الخلاف هل النهي عن الوصف يسري إلى الأصل فيعدمه، أم يقتصر أثره على الوصف؟ الحنفية فصلوا بين أصل مشروع ووصف منهي عنه، فأبقوا للأصل وجودا؛ والجمهور جعلوا المخالفة مانعة من ترتب الأثر كله. وأصل المسألة الاقتضاءdemand (iqtida')الطلب، فعلا أو تركا، جازما أو غير جازم.في المسرد النهي الفساد في الأمر والنهي.
  • الثمرة البيع بزيادة ربوية: الفاسد عند الحنفيةdefective act (fasid, Hanafi sense)ما شُرع بأصله دون وصفه، كالبيع الربوي، يفيد الملك بالقبض ويجب فسخه.في المسرد يفيد الملك بالقبض ويجب فسخه، فإن باع المشتري ما قبضه نفذ بيعه وضمن القيمة للبائع الأول. وباطل عند الشافعية والحنابلة لا يفيد ملكا ولو قبض، فبيع المشتري الثاني بيع لما لا يملك. وعند المالكية يفسخ ما لم يفت، فإن فات مضى بالقيمة.

وعلى هذا يجاب سؤال الافتتاح: اشتراط زيادة عن كل شهر تأخير زيادة ربوية في الثمن، فالبيع الأول فاسد عند الحنفية، ملك به المشتري السيارة بالقبض، فنفذ بيعه الثاني، ولزمه للبائع قيمة السيارة. وعند الشافعية والحنابلة لم يملكها، فالبيع الثاني بيع لملك الغير.

تطبيق نذر صوم يوم النحر

الواقعة: نذر رجل أن يصوم يوم عيد الأضحى. ١. نوع الحكم: هل ينعقد النذر؟ وما الذي يجب به؟ سؤال عن حكم وضعي (انعقاد السبب) وما يتبعه من حكم تكليفي. ٢. الدليل: نهي النبي ﷺ عن صوم يومي العيد (رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري). ٣. الدلالة: النهي للتحريم، والسؤال عن أثره في الصحة. ٤. تكييف النهي: عند الحنفية الصوم مشروع بأصله، إمساك لله، والنهي لوصف لازم هو الإعراض عن ضيافة الله في هذا اليوم. فالمنهي عنه الوصف، والأصل مشروع. ٥. النتيجة عند الحنفية: النذر منعقد، لأنه التزام بصوم مشروع الأصل؛ ويجب عليه أن يفطر ذلك اليوم، ويقضي يوما مكانه. فإن صامه صح مع الإثم وسقط النذر. ٦. النتيجة عند المالكية والشافعية: النذر غير منعقد، لأن صوم ذلك اليوم معصية، وفي الحديث: «لا وفاء لنذر في معصية» (رواه مسلم من حديث عمران بن حصين). وعند الحنابلة لا يصومه، وفي لزوم القضاء والكفارة روايات في المذهب. ٧. موضع الافتراق: المحطة الرابعة، أي تكييف النهي: لذات الفعل أم لوصفه. ويذكر الزنجاني هذا الفرعnew case (farʿ)المحل المسكوت عنه المراد إلحاقه بالأصل.في المسرد في تخريج الفروع على الأصولderiving branches from rootsرد الفروع الفقهية المختلف فيها إلى القواعد الأصولية التي بنيت عليها، وبيان أثر الخلاف في القاعدة في الخلاف في الفرع.في المسرد الفروع على الأصول مثالا على بناء الفاسد على أصل الحنفية في النهي.

٢ الفاسد والباطل في النكاح

والحنفية يستعملون الفاسد في النكاح أيضا، ويريدون به ما فقد شرطا من شروط الصحة كالنكاح بغير شهود، ونكاح المعتدة، والجمع بين الأختين. والفاسد لا يحل به الوطء، ويجب التفريق فيه، فإن وقع الدخول ترتبت عليه آثار: يجب مهر المثل، وتجب العدة، ويثبت النسب، ويدرأ الحد للشبهة.

أما النكاح بغير ولي فليس فاسدا عند أبي حنيفة أصلا: المرأة البالغة العاقلة تزوج نفسها، والعقد صحيح، وللولي حق الاعتراض إن زوجت نفسها من غير كفء، والمفتى به عند متأخري الحنفية رواية الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يصح من غير الكفء. وعند المالكية والشافعية والحنابلة النكاح بغير ولي لا يصح، لحديث «لا نكاح إلا بولي» (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه جماعة من الحفاظ). ويسميه الشافعية باطلا، والحنابلة يعدونه من النكاح الفاسد لأنه مختلف في صحته، فيفرق بينهما بطلاق أو فسخ، ويفسخه المالكية بطلاق.

تنبيه آثار العقد غير الصحيح عند الجمهور

لا يُفهم من الترادفsynonymy (taraduf)توارد لفظين مفردين فأكثر على معنى واحد باعتبار واحد.في المسرد الفاسد والباطل عند الجمهور أن العقد المختل لا أثر له مطلقا. فالشافعية والحنابلة يرتبون على النكاح بغير ولي إذا اتصل به الدخول مهر المثل والعدة وثبوت النسب ودرء الحد، لشبهة الخلاف. والمالكية يقررون أن النكاح المختلف في صحته يفسخ بطلاق ويقع فيه الإرث، مراعاة للخلاف (الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة). فالفرق بين المذهبين في الأصل: الحنفية يجعلون للفاسد وجودا شرعيا ناقصا يفيد بعض الأثر بذاته، والجمهور ينفون عنه الوجود ويثبتون بعض الأثر بأدلة أخرى كالشبهة والضرورة ومراعاة الخلافregard for disagreement (murāʿāt al-khilāf)إعمال دليل المخالف في لازم مدلوله الذي أُعمل في نقيضه دليل آخر، ويكثر بعد وقوع الفعل.في المسرد.

١ العزيمة والرخصة

العزيمة في اللغة القصد المؤكد، والرخصة السهولة. وفي الاصطلاح: العزيمة الحكم الثابت بدليل شرعي ابتداء، لا لعذر، كوجوب الصلوات تامة وصوم رمضان. والرخصة الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر، مع قيام السبب المقتضي لحكم العزيمة. فقيد «لعذر» يخرج النسخabrogation (naskh)رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ عنه؛ وعند كثير من الحنفية: بيان انتهاء مدة الحكم.في المسرد، لأن الحكم المنسوخabrogated ruling (mansukh)الحكم الشرعي المرفوع بالناسخ.في المسرد رُفع لا لعذر؛ وقيد «مع قيام السبب» يخرج ما سقط لزوال سببه.

والرخصة عند الجمهور تكون واجبة كأكل الميتة للمضطر، ومندوبة كالقصر في السفر الطويل عند الشافعية، ومباحة كالسلم، وقد عده ابن السبكي في جمع الجوامع من أمثلة الرخصة، وخلاف الأولى كفطر المسافر الذي لا يجهده الصوم عند الشافعية.

١ أقسام الرخصة عند الحنفية: رخصة ترفيه ورخصة إسقاط

قسم الحنفية الرخصة، على طريقة فخر الإسلام البزدوي، إلى أربعة أنواع، اثنان منها رخصة حقيقة واثنان رخصة المجازfigurative usage (majaz)اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب، لعلاقة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.في المسرد. ويرجع هذا التقسيم إلى قسمين كبيرين:

  • رخصة الترفيهdispensation of reliefعند الحنفية: رخصة يبقى معها حكم العزيمة وسببه، والأخذ بالعزيمة أفضل، كفطر المسافر.في المسرد (الحقيقية): يبقى معها حكم العزيمة قائما وسببه قائما، ويرخص للمكلف في تركها مع أن الأخذ بالعزيمة أفضل. ومثالها إجراء كلمة الكفر على اللسان مع اطمئنان القلب بالإيمان عند الإكراه الملجئcompelling coercion (ikrah mulji')عند الحنفية: الإكراه بالقتل أو القطع أو الضرب المتلف، يعدم الرضا ويفسد الاختيار.في المسرد، لقوله ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]: الحرمة باقية، والصبر حتى القتل أفضل. ومنها فطر المسافر في رمضان: الصوم أفضل عندهم إن لم يجهده، لقوله ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤].
  • رخصة الإسقاطdispensation of removalعند الحنفية: رخصة يسقط معها حكم العزيمة عن المعذور فيصير الثابت في حقه عزيمة، كقصر الصلاة.في المسرد (المجازية): يسقط معها حكم العزيمة في حق المعذور، فيصير الحكم الثابت في حقه هو العزيمة. ومنها ما وُضع عن هذه الأمة من الإصر والأغلال التي كانت على من قبلها، وتسميته رخصة مجاز لأن الحكم الأصلي لم يشرع في حقنا أصلا. ومنها قصر الصلاة في السفر: الركعتان الأخريان ساقطتان عن المسافر، فالقصر عزيمة في حقه.

واستدل الحنفية بحديث عائشة: «فُرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأُقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر» (رواه البخاري ومسلم)، وبحديث عمر حين سأل عن القصر مع الأمن فقال له النبي ﷺ: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» (رواه مسلم من حديث يعلى بن أمية)، قالوا: والصدقة التي لا تحتمل التمليك إسقاط محض لا يرتد بالرد، والأمر بقبولها للوجوب.

مسألة خلافية هل قصر الصلاة في السفر رخصة أم عزيمة؟

  • الحنفية عزيمة، لأنه رخصة إسقاط؛ والركعتان الأخريان غير مشروعتين للمسافر.
  • المالكية القصر السنةthe Sunnaما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير.في المسرد مؤكدة على المشهورwell-known report (mashhur, Hanafi sense)عند الحنفية: ما كان آحادا في الطبقة الأولى ثم انتشر في القرن الثاني والثالث وتلقته الأمة بالقبول، يفيد الطمأنينة ويزاد به على الكتاب.في المسرد، ومن أتم أعاد في الوقت.
  • الشافعية رخصة، والإتمام جائز، والقصر أفضل إذا بلغ السفر ثلاث مراحل.
  • الحنابلة رخصة، والقصر أفضل، ويجوز الإتمام من غير كراهة على الصحيح من المذهب.
  • سبب الخلاف ماهية الرخصة: هل هي ما شرع لعذر مع بقاء حكم الأصلruling of the original caseالحكم الشرعي الثابت للأصل بنص أو إجماع.في المسرد قائما، فيتخير المكلف، أم يدخل فيها ما سقط فيه حكم الأصل عن المعذور؟ ومعه فهم حديث عائشة، وآية ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]: نفي الجناح يدل على الإباحة عند الجمهور، وأجاب الحنفية بأنه لرفع ما وقع في نفوسهم من حرج النقص.
  • الثمرة مسافر صلى الظهر أربعا: عند الحنفية إن قعد القدرmeasure (kayl or wazn)الكيل أو الوزن، وهو مع اتحاد الجنس علة ربا الفضل عند الحنفية والمذهب عند الحنابلة.في المسرد التشهد على رأس الركعتين صح فرضه مع الإساءة لتأخير السلام، وكانت الأخريان نفلا، وإن لم يقعد بطل فرضه لأنه ترك القعود الأخير وهو الفرضfard (definitively established obligation)عند الحنفية: ما ثبت لزومه بدليل قطعي لا شبهة فيه، يكفر جاحده؛ وعند الجمهور مرادف للواجب.في المسرد. وعند الشافعية والحنابلة صلاته صحيحة ولا إساءة، وعند المالكية صحيحة ويعيد في الوقت.

٢ هل تناط الرخص بالمعاصي؟

مسألة خلافية هل يترخص العاصي بسفره؟

  • الحنفية يترخص، لأن النصوص علقت الرخصة بالمطلقunrestricted term (mutlaq)ما دل على الماهية أو على فرد شائع في جنسه بلا قيد يقلل شيوعه.في المسرد السفر، والمعصية مجاورة للسفر لا وصف فيه.
  • المالكية المشهور أنه لا يقصر، وفي المذهب قول بالجواز مع الإثم.
  • الشافعية لا يترخص حتى يتوب، لأن الرخصة إعانة والمعصية لا يعان عليها، وقاعدتهم: الرخص لا تناط بالمعاصي.
  • الحنابلة لا يترخص على المذهب.
  • سبب الخلاف هل يقيد إطلاق نصوص السفر بالمعنى المناسب لشرعية الرخصة وهو التخفيف على المطيع؟ وهل المعصية متعلقة بذات السفر أم بأمر مجاور له؟
  • الثمرة من سافر لقطع الطريق أو للعقوق: يقصر ويفطر عند الحنفية، ولا يترخص عند الجمهور حتى يتوب. وقال الشافعية والحنابلة في المضطر العاصي بسفرهone whose journey is itself sinfulمن أنشأ السفر لمعصية، ولا يترخص عند الجمهور، ويترخص عند الحنفية.في المسرد: لا تباح له الميتة حتى يتوب، وتوبته ممكنة في الحال.

ويفرق الشافعية بين العاصي بسفره (من أنشأ السفر لمعصية) والعاصي في سفره (من سافر لالمباحpermitted (mubah)ما خيّر الشارع المكلف بين فعله وتركه.في المسرد ثم عصى في أثنائه)، فالثاني يترخص عندهم، لأن السفر نفسه ليس معصية.

١ الأداء والإعادة والقضاء

هذه الأوصاف للعبادة المؤقتة:

  • الأداء: فعل العبادة في وقتها المقدر لها شرعا. وعند الجمهور: يكون أداء إن أدرك ركعة في الوقت، لحديث «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» (رواه البخاري ومسلم)، وعند الحنفية يدرك الأداء بإدراك التحريمة في الوقت.
  • الإعادة: فعل العبادة ثانيا في وقتها لخلل في الأولى أو لتحصيل الفضيلةfadila (lesser recommended, Maliki)عند المالكية: المندوب الذي قل تأكده عن السنة والرغيبة.في المسرد، كمن صلى منفردا ثم أعادها في جماعة. وعند الحنفية تجب الإعادة في الوقت لمن ترك واجبا من واجبات الصلاة عمدا، جبرا لنقصها.
  • القضاء: فعل العبادة بعد خروج وقتها، استدراكا لما سبق له وجوب أو انعقد سبب وجوبه. وتسمية ما تقضيه الحائض من الصوم قضاء مع أنها لم يجب عليها الأداء حال الحيض جارية على اعتبار انعقاد السبب في حقها.

وللحنفية في الأداء والقضاء تقسيم أوفى:

  • الأداء الكامل: كالصلاة في جماعة.
  • الأداء القاصر: كصلاة المنفرد.
  • الأداء الشبيه بالقضاءperformance resembling make-upعند الحنفية: أداء في الوقت فيه معنى استدراك ما التُزم، كفعل اللاحق بعد فراغ إمامه.في المسرد: كفعل اللاحق (من أدرك أول الصلاة مع الإمام ثم فاته بعضها بنوم أو حدث) بعد فراغ الإمام: هو أداء لأنه في الوقت، وشبيه بالقضاء لأنه يقضي ما التزمه مع الإمام. ومن ثمرته عندهم: إذا نوى اللاحق المسافر الإقامة في أثناء ما يأتي به بعد فراغ الإمام لم يتغير فرضه إلى الأربع، لأنه في حكم المقتدي الذي فرغ إمامه.
  • القضاء بمثل معقول: كقضاء الصلاة بالصلاة والصوم بالصوم.
  • القضاء بمثل غير معقول: كالفدية عن الصوم للشيخ الفاني، ثبتت بالنص على خلاف القياس، ولذلك لم يقيسوا عليها الصلاة إلا استحسانا في الوصية بها.

٢ هل يجب القضاء بالأمر الأول أم بأمر جديد؟

مسألة خلافية بأي أمر يجب القضاء؟

  • الحنفية عامة المشايخ ومنهم السرخسي والبزدوي: القضاء يجب بما يجب به الأداء، أي بالسبب والأمر الأول، ونقلوا عن مشايخ العراق أنه لا يجب إلا بنص مقصود.
  • المالكية الأكثر على أنه بأمر جديد.
  • الشافعية المعتمدrelied-upon position (mu'tamad)القول الذي استقر الترجيح عليه عند أهل الترجيح في المذهب.في المسرد عند الأصوليين أنه بأمر جديد، لأن الأمر المؤقت لا يتناول ما بعد الوقت.
  • الحنابلة في المذهب قولان: نسب إلى القاضي أبي يعلى وجماعة أنه بالأمر الأول، واختار آخرون أنه بأمر جديد.
  • سبب الخلاف هل الوقت قيد في ذات المطلوب فلا يبقى الطلب بعده، أم ظرف لأدائه والمقصود المصلحةbenefit, public interest (maslaha)المحافظة على مقصود الشرع في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، بحد الغزالي.في المسرد الباقية بعد خروجه؟
  • الثمرة قضاء الصلاة المتروكة عمدا واجب عند الأربعة: عند الحنفية بالأمر الأول، وعند الجمهور بأمر جديد هو حديث «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (رواه مسلم) بطريق الأولى أو بالإجماعconsensus (ijmāʿ)اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي ﷺ في عصر على أمر من الأمور.في المسرد. فالثمرة هنا في المأخذground of a ruling (ma'khadh)الدليل أو القاعدة التي بني عليها الحكم الفرعي، وقد يتعدد للفرع الواحد.في المسرد لا في الفتوىlegal opinion (fatwa)الإخبار بالحكم الشرعي عن دليل لمن سأل عنه، ولا تُلزم إلا من جهة التقليد.في المسرد. وتظهر في ما لا نص فيه كالمنذورات المؤقتة: من نذر اعتكاف شهر رمضان فصامه ولم يعتكف، قال أبو حنيفة ومحمد: يقضي الاعتكاف بصوم مقصود، لأن القضاء بالسبب الأول وقد فات الصوم الذي كان يتأدى به؛ وقال أبو يوسف: لا يقضي.

ويرتبط هذا الخلاف بمسألة دلالة الأمر على الفورimmediacy (fawr)وجوب المبادرة إلى الفعل في أول أوقات الإمكان.في المسرد والتكرارrepetition (tikrar)اقتضاء الأمر فعل المأمور به مرة بعد مرة؛ ولا يقتضيه الأمر المطلق عند الجمهور.في المسرد، وبمسألة الأمر المؤقت؛ وتفصيله في الأمر والنهي.

صلة الفصل بغيره

خلاصة الفصل

  1. الحكم الوضعي جعل الشيء سببا أو شرطا أو مانعا، أو وصف الفعل بالصحة والفساد، أو بالعزيمة والرخصة.
  2. لا يشترط في الحكم الوضعي القدرة والعلم في الأصل، فيضمن الصبي ما أتلف؛ ويستثنى منه أسباب العقوبات والأسباب الناقلة للملك.
  3. السبب ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته؛ والعلة عند من فرق سبب ظهرت مناسبته.
  4. للحنفية تقسيم رباعي: العلة، والسبب، والشرط، والعلامة؛ وعليه بنوا ضمان حافر البئر وعدم ضمان الدال على السرقة.
  5. الشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده شيء، وهو شرعي وعقلي وعادي ولغوي، واللغوي في حقيقته سبب.
  6. المانع ما يلزم من وجوده العدم، وهو مانع حكم كالأبوة في القصاص، ومانع سبب كالدين في الزكاة عند من قال به.
  7. الصحة في العبادات موافقة الأمر عند المتكلمين وإسقاط القضاء عند الفقهاء، والخلاف لفظي.
  8. الحنفية يفرقون في المعاملات بين الباطل (ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه) والفاسد (ما شرع بأصله دون وصفه)، والفاسد يفيد الملك بالقبض ويجب فسخه.
  9. الجمهور يجعلون الفاسد والباطل مترادفين، ويستثني الشافعية والحنابلة الحج والعمرة، ويثبتون للعقد المختل بعض الآثار بالشبهة ومراعاة الخلاف.
  10. النكاح بغير ولي صحيح عند أبي حنيفة، غير صحيح عند الجمهور؛ والنكاح بغير شهود فاسد عند الحنفية.
  11. الرخصة عند الحنفية رخصة ترفيه يبقى معها حكم العزيمة، ورخصة إسقاط يسقط معها؛ والقصر رخصة إسقاط فهو عزيمة في حق المسافر.
  12. العاصي بسفره يترخص عند الحنفية، ولا يترخص عند الجمهور.
  13. الأداء والإعادة والقضاء أوصاف للعبادة المؤقتة، وللحنفية فيها تقسيم إلى كامل وقاصر وشبيه بالقضاء، وقضاء بمثل معقول وغير معقول.
  14. القضاء بالأمر الأول عند عامة الحنفية، وبأمر جديد عند أكثر الجمهور، وأثره في المنذورات المؤقتة.

تمارين

  1. استخرج الحكم التكليفي والحكم الوضعي من قوله ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
  2. صبي في السابعة كسر زجاج جار له. هل عليه ضمان؟ ولماذا لا يمنع صغره الضمان كما يمنع وجوب الصلاة؟
  3. صنّف كل أمر مما يأتي: سبب، شرط، مانع، ركن: الطهارة للصلاة، الحيض للصلاة، الركوع في الصلاة، الزوال للظهر، الحول للزكاة، اختلاف الدين في الميراث.
  4. رجل باع دارا بشرط أن يسكنها البائع سنة، وقبضها المشتري ثم وهبها لابنه. ما حكم الهبة عند الحنفية والشافعية؟ ورد الجواب إلى أصله.
  5. لماذا لا يكون النكاح بغير ولي مثالا للفاسد عند الحنفية؟ وما المثال الصحيح للفاسد في النكاح عندهم؟
  6. مسافر حنفي صلى العصر أربعا ولم يجلس بعد الركعتين. ما حكم صلاته عند الحنفية والشافعية؟ وما الأصل الذي بني عليه الفرق؟
  7. رجل سافر ليعق والديه، فأفطر في رمضان. ما حكم فطره عند الحنفية والشافعية؟
  8. ما الفرق بين الأداء الشبيه بالقضاء والقضاء الشبيه بالأداء عند الحنفية؟ مثّل للأول.
  9. هل يترتب على الخلاف في وجوب القضاء بالأمر الأول أو بأمر جديد ثمرة في قضاء الصلاة الفائتة؟ وأين تظهر ثمرته؟

أجوبة التمارين

  1. التكليفي: وجوب صوم الشهر. الوضعي: جعل شهود الشهر سببا لهذا الوجوب.
  2. نعم، يضمن من ماله ويؤدي عنه وليه، لأن الإتلاف سبب للضمان، والسبب حكم وضعي لا يشترط فيه التكليف. أما الصلاة فحكم تكليفي يشترط فيه العقل والبلوغ.
  3. الطهارة: شرط. الحيض: مانع. الركوع: ركن. الزوال: سبب. الحول: شرط. اختلاف الدين: مانع حكم.
  4. البيع بشرط فاسد فاسد عند الحنفية، يفيد الملك بالقبض بإذن البائع، فالهبة نافذة وتجب على المشتري قيمة الدار للبائع. وعند الشافعية البيع باطل لا يفيد ملكا، فالهبة هبة لملك الغير لا تصح. والأصل: هل النهي عن الوصف يعدم الأصل.
  5. لأن البالغة العاقلة تزوج نفسها عند أبي حنيفة فالعقد صحيح، ولا خلل في أصله ولا وصفه. ومثال الفاسد عندهم النكاح بغير شهود، ونكاح المعتدة.
  6. عند الحنفية فرضه باطل، لأن القعود على رأس الركعتين هو القعود الأخير في حقه وهو فرض، والقصر عزيمة. وعند الشافعية صلاته صحيحة، لأن القصر رخصة والإتمام رجوع إلى الأصل.
  7. الحنفية: يجوز له الفطر، لأن الرخصة معلقة بمطلق السفر والمعصية مجاورة له. الشافعية: لا يجوز حتى يتوب، لأن الرخص لا تناط بالمعاصي.
  8. الأداء الشبيه بالقضاء ما فُعل في الوقت وفيه معنى استدراك ما التُزم، كفعل اللاحق بعد فراغ الإمام. والقضاء الشبيه بالأداء ما فُعل بعد فوات محله وفيه معنى الأداء، كمن أدرك الإمام في صلاة العيد راكعا فإنه يكبر تكبيرات العيد في ركوعه، وقد فات محلها وهو القيام.
  9. لا ثمرة في الفتوى، لأن الجميع يوجبون القضاء: الحنفية بالأمر الأول، والجمهور بحديث «من نسي صلاة» وبالإجماع. وتظهر الثمرة في المنذورات المؤقتة وما لا نص فيه، كمن نذر اعتكاف رمضان فلم يعتكف.

الاختبارات: الحكم الوضعي