من الدليل إلى الحكم

القسم الثاني: التفصيل / الباب السابع: الأصول في العمل

تخريج الفروع على الأصول

التخريج والتنزيلالمحطة ١المحطة ٢المحطة ٣المحطة ٤المحطة ٥المحطة ٦المحطة ٧المحطة ٨

سؤال الافتتاح

يقرأ الحنفي والشافعي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، ويرويان حديثا واحدا في الباب، ثم يحرّم الأول ذبيحة من ترك التسمية عمدا ويبيحها الثاني. في أي محطة من خط الاستنباط افترقا: في ثبوت النص، أم في دلالته، أم في قاعدة تخصيصه؟ الجواب في المسألة الثانية من هذا الفصل.

موقع الفصل من المنظومة

هذا الفصل يشغّل أبواب العلمknowledge, certainty ('ilm)معرفة المعلوم على ما هو به؛ أو حكم لا يحتمل متعلَّقه النقيض بوجه.في المسرد كلها معا. قررت الفصول السابقة القواعد واحدة واحدة، وهنا تُرد مسائل فقهية مشهورة إلى تلك القواعد، فيرى القارئ خط الاستنباط بمحطاته الثماني يعمل في مسألة حية، ويرى عند كل مسألة الموضع الذي يفترق فيه طريق المذاهب، والقاعدة التي فرّقته.

ويجيب الفصل عن سؤالين: كيف تتولد فروع المذهبthe school's position (al-madhhab)عند النووي: الراجح من طريقين أو طرق في حكاية المذهب.في المسرد من أصوله؟ وإلى أي الحدdefinition (hadd)التعريف الكاشف عن حقيقة الشيء بالجنس والفصل، ويُشترط فيه أن يكون جامعا مانعا.في المسرد يصح أن نقول إن فرعا بعينه مبني على الأصلroot, basis (asl)لغة ما يُبنى عليه غيره؛ واصطلاحا يطلق على الدليل، والراجح، والقاعدة المستمرة، والمقيس عليه.في المسرد بعينه؟ والسؤال الثاني يحفظ الأول من المبالغة، لأن بعض الأصول نفسها مستخرجة من الفروع بعد استقرارها.

١ معنى التخريج ومعانيه الثلاثة

التخريجderivation within a school (takhrij)بيان صلة الفرع بأصله، أو استخراج أصل الإمام من فروعه، أو إلحاق فرع غير منصوص بفرع منصوص.في المسرد في اللغة الاستنباط والإخراج، يقال: خرّج المسألة إذا استخرج وجهها. وفي الاصطلاح يطلق على ثلاثة أعمال متقاربة في الاسم مختلفة في الاتجاه، والخلط بينها يوقع في سوء الفهم لكتب الفن.

١ تخريج الفروع على الأصول

هو رد الفروع الفقهية المختلف فيها إلى القواعد الأصولية التي بُنيت عليها، والبيانclarification (bayan)عند الشافعي: إظهار الله أحكامه لعباده بالكتاب والسنة على مراتب، يبين بعضها بعضا.في المسرد أثر الاختلاف في القاعدة في الاختلاف في الفرعnew case (farʿ)المحل المسكوت عنه المراد إلحاقه بالأصل.في المسرد. فالناظر فيه يبدأ من القاعدة (هل دلالة العامgeneral term ('amm)لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر؛ وعند الحنفية: ما ينتظم جمعا من المسميات لفظا أو معنى.في المسرد قطعية؟)، ثم يذكر أقوال المذاهب فيها، ثم يسرد الفروع التي ظهر فيها أثرها. وهذا هو المعنى الذي حملت عليه كتب الزنجاني والتلمساني والإسنوي عناوينها، وهو موضوع هذا الفصل في الأصل.

وثمرته للطالب ثلاث: يعرف لماذا اختلف الأئمة فيعذر المخالف عن علم، ويقدر على الحكم في نازلة جديدة بقواعد مذهبه، ويختبر القاعدة الأصوليةlegal-theoretical ruleقضية كلية موضوعها الدليل، تكون كبرى في قياس يُستنبط به الحكم، مثل: الأمر المطلق للوجوب.في المسرد بأثرها، فما لا ثمرة له في الفقهpositive law, jurisprudence (fiqh)العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.في المسرد خلاف لفظي أو نظري.

٢ تخريج الأصول من الفروع

هو استخراج القاعدة الأصولية التي كان الإمام يعمل بها من فروعه المنقولة عنه، حين لم يصل عنه نص في القاعدة نفسها. فإذا وُجد أن أبا حنيفة لم يخصص عام الكتاب بخبر الواحدsolitary report (khabar al-wahid)ما لم يبلغ حد التواتر، يوجب العمل ويفيد الظن عند الجمهور.في المسرد في فروع كثيرة، قيل: أصله أن العام القطعيdefinitive (qat'i)ما لا يحتمل غير مدلوله احتمالا ناشئا عن دليل، في ثبوته أو دلالته.في المسرد لا يخصصه الظنيprobable (zanni)ما يحتمل غير مدلوله احتمالا مرجوحا، في ثبوته أو دلالته.في المسرد ابتداء. فالاتجاه هنا معكوس: من الفرع إلى الأصل. وعلى هذا بنى متقدمو الحنفية كتبهم الأصولية، كما يأتي.

٢ تخريج الفروع على الفروع

هو نقل حكم مسألة منصوصة عن الإمام إلى مسألة لم ينص عليها لاشتراكهما في المعنى، وهو عمل المجتهد في المذهب وأصحاب الوجوه. ويسمى ما يُستخرج به عند الشافعية «القول المخرّجderived opinion (qawl mukharraj)قول يستخرجه أصحاب الوجوه على أصل الإمام أو على نص له في مسألة أخرى، ويقابله القول المنصوص.في المسرد»، ويقابله «القول المنصوص». ومن صوره «النقل والتخريجtransfer and derivationأن يرد عن الإمام نصان مختلفان في مسألتين متشابهتين فينقل حكم كل منهما إلى الأخرى، فيصير في كل منهما قولان.في المسرد»: أن يرد عن الإمام نصان مختلفان في مسألتين متشابهتين، فيُنقل حكم كل منهما إلى الأخرى ويُخرّج فيها، فيصير في كل مسألة قولان: منصوص ومخرّج. ومراتب من يمارسه في الاجتهاد، ومصطلحه في التقليد والفتوى والمذهب.

المعنى الاتجاه السؤال الذي يجيبه من يمارسه
تخريج الفروع على الأصولderiving branches from rootsرد الفروع الفقهية المختلف فيها إلى القواعد الأصولية التي بنيت عليها، وبيان أثر الخلاف في القاعدة في الخلاف في الفرع.في المسرد من القاعدة إلى الفرع لماذا اختلف الحكم؟ الأصولي المقارن، وطالب الخلاف
تخريج الأصول من الفروعextracting roots from branchesاستخراج القاعدة الأصولية التي كان الإمام يعمل بها من فروعه المنقولة عنه حين لم يرد عنه نص فيها.في المسرد من الفرع إلى القاعدة ما المنهج الذي كان الإمام يعمل به؟ مؤسسو أصول المذهب
تخريج الفروع على الفروعextending branches from branchesنقل حكم مسألة منصوصة عن الإمام إلى مسألة مسكوت عنها لاشتراكهما في المعنى، وهو عمل المجتهد في المذهب.في المسرد من فرع منصوص إلى فرع مسكوت عنه ما حكم النازلة في المذهب؟ المجتهد في المذهب، وأصحاب الوجوه

٢ كتب التخريج وما يصنعه كل كتاب

لكل كتاب من كتب الفن طريقة يحسن أن يعرفها الطالب قبل أن يفتحه، لأن الطريقة تحدد ما يصلح الكتاب له:

الكتاب مؤلفه ما يصنعه
«التأسيسfoundational (non-redundant) readingحمل اللفظ على إفادة معنى جديد، وهو أولى من التأكيد عند التردد بينهما.في المسرد النظر» أبو زيد الدبوسي الحنفي (ت ٤٣٠هـ) يعرض «أصولا» في صورة ضوابط يدور عليها الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه، ثم بين الحنفية ومالك والشافعي وابن أبي ليلى، ويذكر تحت كل أصل فروعه. وكثير من أصوله أقرب إلى القواعد الفقهية منها إلى القواعد الأصولية.
«تخريج الفروع على الأصول» شهاب الدين محمود بن أحمد الزنجاني الشافعي (ت ٦٥٦هـ) يذكر القاعدة، ثم مذهب الشافعي ومذهب أبي حنيفة فيها، ثم الفروع المبنية عليها. ثنائي بين المذهبين، وهو أقدم ما شاع من هذا الجنس على ترتيب القواعد.
«مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول» الشريف التلمساني المالكي (ت ٧٧١هـ) مرتب على الأدلة: الكتاب والسنةthe Sunnaما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير.في المسرد والإجماعconsensus (ijmāʿ)اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي ﷺ في عصر على أمر من الأمور.في المسرد والقياسanalogy (qiyās)مساواة فرع لأصل في علة حكمه، أو رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم.في المسرد والاستصحابpresumption of continuity (istiṣḥāb)الحكم ببقاء ما ثبت بدليل في الماضي حتى يظهر المغير بعد البحث عنه.في المسرد، ثم التعارضconflict of evidence (ta'arud)تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، بأن يقتضي أحدهما خلاف ما يقتضيه الآخر في محل واحد وزمن واحد.في المسرد والترجيحpreference (tarjih)تقوية أحد الدليلين المتعارضين بما ليس دليلا مستقلا، فيُعمل بالأقوى؛ وعند الحنفية إظهار زيادة لأحد المتماثلين وصفا لا أصلا.في المسرد، ويورد خلاف المالكية والشافعية والحنفية في كل قاعدة مع فروعها. أقرب كتب الفن إلى ترتيب كتابنا، وقد شرحه في عصرنا الشيخ مولود السريري.
«التمهيد في تخريج الفروع على الأصول» جمال الدين الإسنوي الشافعي (ت ٧٧٢هـ) تخريج داخل مذهب واحد: يذكر القاعدة بأطرافها ثم يخرج عليها فروعا شافعية، وينبه على ما خالف فيه المذهب القاعدة لالدليلproof, evidence (dalil)ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.في المسرد آخر. وله في العربية «الكوكب الدري» على الطريقة نفسها.
«القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية» ابن اللحام البعلي الحنبلي (ت ٨٠٣هـ) قواعد أصولية تطبق في فروع المذهب الحنبلي، وهو مرجع قول الحنابلة حيث يتميزون.
«أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء» مصطفى سعيد الخن (معاصر) دراسة مرتبة لقواعد الدلالات خاصة، تعرض القاعدة وأدلة كل فريق ثم أثرها في الفروع. وتُراجع نسبه إلى الحنفية على كتبهم المعتمدة.

ويلحق بها ما يخدم الغرض نفسه من غير أن يكون على ترتيب القواعد: «بداية المجتهد» لابن رشد الحفيد، يذكر في كل مسألة «السببcause (sabab)الوصف الظاهر المنضبط الذي جعله الشارع علامة على الحكم، يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته.في المسرد الخلاف»؛ و«الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الخلاف» لابن السيد البطليوسي؛ و«الفروق» للقرافي؛ و«أمالي الدلالات» لابن بيه في عصرنا.

٢ كيف استُخرجت أصول المذاهب من فروع الأئمة

لم يصل عن أبي حنيفة وصاحبيه كتاب في الأصول، ووصلت عنهم فروع كثيرة مدونة في كتب ظاهر الروايةmanifest transmission (zahir al-riwaya)مسائل أصحاب المذهب الحنفي المروية في كتب محمد بن الحسن الستة برواية الثقات.في المسرد. فلما أراد متقدمو الحنفية كالكرخي والجصاص والدبوسي والبزدوي والسرخسي تدوين أصول المذهب، استقرؤوا تلك الفروع وصاغوا منها القواعد التي تفسرها. ولهذا سميت طريقتهم «طريقة الفقهاءjurists' method (Hanafi method)طريقة الحنفية في تدوين الأصول باستقراء فروع الأئمة وصياغة القواعد التي تفسرها.في المسرد»، وكثرت فيها الأمثلة الفقهية، وكانت القاعدة عندهم تُصاغ بحيث تطّرد في فروع الأئمة (انظر نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية).

ونبه ولي الله الدهلوي في «الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف» على أن قواعد مشهورة تُنسب إلى المذهب، كقطعية العامdefinitiveness of the general termقول جمهور الحنفية إن العام يتناول أفراده قبل التخصيص قطعا كالخاص، فلا يُخص ابتداء بظني.في المسرد كالخاصspecific term (khass)كل لفظ وُضع لمعنى معلوم على الانفراد، جنسا أو نوعا أو عينا أو عددا.في المسرد، وترك الترجيح بكثرة الرواة، ورد خبر غير الفقيه إذا خالف القياس، ونفي المفهومimplicature (mafhum)ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، أي حكم لغير المذكور.في المسرد الشرطcondition (shart)ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وهو خارج عن ماهية المشروط.في المسرد والصفة، هي في رأيه مخرّجة على كلام الأئمة، ولم تصح بها عنهم رواية صريحة. ومعنى كلامه أن صلة الفرع بالقاعدة في هذه المواضع صلة تفسير لاحق، وأن القاعدة تُقبل ما دامت تفسر الفروع، وتراجَع إذا ظهر فرع لا تطرد فيه.

والمذاهب الأخرى أقرب إلى التقريرtacit approval (taqrir)سكوت النبي ﷺ عن قول أو فعل علمه مع قدرته على الإنكار، أو استبشاره به، وهو دليل الجواز.في المسرد الأصول ابتداء، لأن الشافعي كتب «الرسالةal-Shafi'i's Risala (The Epistle on Legal Theory)كتاب الشافعي في البيان والسنة والنسخ والخبر والإجماع والقياس والاجتهاد، وهو أول تدوين جامع في الأصول وصل إلينا.في المسرد»، ولمالك في «الموطأ» عبارات منهجية صريحة في العمل وخبر الواحد. لكن التخريج اللاحق دخلها أيضا: فكتب المالكية والشافعية تنسب إلى الإمام أصولا استُنبطت من مسائله، والإسنوي نفسه يذكر فروعا خالف فيها المذهب قاعدته.

تنبيه الفرع قد يسبق القاعدة

قولنا «بنى الحنفية تحريم متروك التسمية على قطعية العام» معناه أن القاعدة تفسر الفرع وتطرد معه، ولا يلزم منه أن أبا حنيفة حكم في المسألة بعد أن قرر القاعدة. فقد يكون الفرع منقولا عن الإمام بدليل خاص، ثم صيغت القاعدة منه ومن أمثاله. ومن هنا تأتي الاستثناءات التي يذكرها الإسنوي وابن اللحام: فرع يخالف قاعدة مذهبه لأن مأخذه الحقيقي دليل آخر.

أداة تفكير سؤال سبب الخلاف

الأداة تطلب رد كل خلاف إلى جذره: ثبوت الدليل، أو دلالته، أو قاعدة منهجية، أو نظر مقاصدي، أو التصورconception (tasawwur)إدراك المفرد دون حكم عليه، ويُطلب بالحد.في المسرد الواقعة. وهي في التخريج كتحليل السبب الجذري في الهندسة: تتبع الاعتماد بين المسلمات حتى تصل إلى المسلّمة التي لو تغيرت لتغير الحكم. وحدّها في هذا الباب أن الفرع قد يتعدد مأخذه، فيجتمع فيه سببان أو ثلاثة (كما في شهادة القاذف والنكاح بلا ولي)، وأن الفرع قد يكون منصوصا قبل القاعدة. فالقول الأمين: «هذا الفرع يطرد على هذه القاعدة، ومن مآخذه كذا»، دون الحصرrestriction (hasr)إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه، وتفيده إنما عند الجمهور.في المسرد المأخذground of a ruling (ma'khadh)الدليل أو القاعدة التي بني عليها الحكم الفرعي، وقد يتعدد للفرع الواحد.في المسرد في واحد.

١ طريقة حل المسألة على خط الاستنباط

تُحل كل مسألة من المسائل العشر على قالب واحد، يمكن للطالب أن يعيده في كل مسألة يقرؤها في كتب الخلاف:

  1. النصوص: ما ورد في المسألة من كتاب وسنة وأثر وإجماع، بلفظه وتخريجه.
  2. المحطات: يُمر على خط الاستنباط محطة محطة: (١) تعيين الحكم المطلوب، (٢) الأدلة وثبوتها، (٣) الدلالة، (٤) فحص المعارض، (٥) الإلحاق، (٦) الوزن المقاصدي، (٧) تحقيق المناطverifying the ratio in the caseإثبات العلة المعلومة في الواقعة المعينة.في المسرد، (٨) الحكم ودرجته. ولا يلزم أن تعمل المحطات كلها في كل مسألة.
  3. نقطة الافتراقpoint of divergenceالمحطة من خط الاستنباط التي يتفرق فيها طريق المذاهب في مسألة بعينها.في المسرد: أول محطة يتفرق فيها الطريق، وقد تكون نقطتين.
  4. القاعدة: القاعدة الأصولية المسؤولة عن الافتراق، مع الإحالة إلى فصلها.
  5. حكم كل مذهب: المعتمدrelied-upon position (mu'tamad)القول الذي استقر الترجيح عليه عند أهل الترجيح في المذهب.في المسرد عند الحنفية والمالكية والشافعية، والحنابلة حين يتميزون.
  6. تعليق: ما يُتعلم من المسألة، وحدود ردها إلى القاعدة.

والمسائل العشر معروضة في «مختبر الاستنباط» على المنصة، يختار فيه المتعلم المذهب فيرى أين يفترق الطريق.

١ المسائل العشر

٢ ١. قراءة الفاتحة في الصلاة

تطبيق قراءة الفاتحة في الصلاة

النصوص: قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]؛ وحديث عبادة بن الصامت: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (رواه البخاري ومسلم)؛ وحديث أبي هريرة: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآنthe Qur'an (al-Kitab)المنزل على الرسول ﷺ المكتوب في المصاحف المنقول عنه تواترا بلا شبهة (الحنفية)؛ واللفظ المنزل على محمد ﷺ للإعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته (المتكلمون).في المسرد فهي خداج» (رواه مسلم)؛ وفي المأموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وحديث «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» (رواه ابن ماجه والدارقطني، الوضعassignment (wad')جعل اللفظ دليلا على المعنى بحيث إذا أُطلق فُهم منه؛ وهو صفة الواضع.في المسردّف أكثر الحفاظ رفعه).

المحطات: - (١) المطلوب حكم وضعي وتكليفي معا: هل الفاتحة ركن تبطل الصلاة بتركه، أم الواجبwajib (obligatory)عند الجمهور: ما طلب الشارع فعله طلبا جازما. وعند الحنفية: ما ثبت لزومه بدليل فيه شبهة، لا يكفر جاحده.في المسرد يأثم تاركه وتصح صلاته؟ - (٢) الآية قطعية الثبوت، والحديثان صحيحان من أخبار الآحاد. الكل متفق على قبولهما. - (٣) الحنفية: «لا صلاة» نفي للكمال، لأن الحديث لو أُخذ على نفي الصحةvalidity (sihha)موافقة الفعل ذي الوجهين للشرع؛ وفي العبادات: موافقة الأمر عند المتكلمين، وإسقاط القضاء عند الفقهاء.في المسرد لزاد ركنا على الآية بخبر واحد. الجمهور: النفي متوجه إلى الحقيقة الشرعيةlegal literal meaningاللفظ المستعمل فيما وضعه له الشارع، كالصلاة للأفعال المخصوصة.في المسرد الشرعية، أي الصحة، وهو أقرب المجازات إلى الحقيقة. - (٤) الحنفية: إطلاق «ما تيسر» قطعي، وتعيين الفاتحة ركنا الزيادة على النصaddition to the text (al-ziyada 'ala al-nass)إضافة جزء أو شرط أو وصف إلى حكم ثبت بنص، وهي نسخ عند الحنفية إذا غيرت حكم المزيد عليه.في المسرد، والزيادة النسخabrogation (naskh)رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ عنه؛ وعند كثير من الحنفية: بيان انتهاء مدة الحكم.في المسرد لا تثبت بالآحاد (انظر النسخ)، فيعمل بالحديث في رتبة الوجوب دون الفرضية (انظر الحكم التكليفي). الجمهور: الحديث بيان لما تيسر، والزيادة ليست نسخا. ثم يفترق الجمهور في المأموم بين عموم «لا صلاة» وبين آية الإنصات. - (٨) الحكم ظني الدلالة في موضع الخلاف، والمسألة اجتهادية يصح فيها الاقتداء بالمخالف.

نقطة الافتراق: المحطة الرابعة، في سؤال: هل تقييد الآية بالحديث بيان أو نسخ؟ وتسبقها المحطة الثالثة في معنى النفي.

القاعدة: الزيادة على النص نسخ عند الحنفية، وبيان عند الجمهور؛ ومعها تفريق الحنفية بين الفرضfard (definitively established obligation)عند الحنفية: ما ثبت لزومه بدليل قطعي لا شبهة فيه، يكفر جاحده؛ وعند الجمهور مرادف للواجب.في المسرد والواجب.

حكم كل مذهب: - الحنفية: الفرض قراءة ما تيسر، وأقله آية، والفاتحة واجبة يجبر تركها سهوا بسجود السهو. والمأموم لا يقرأ. - المالكية: الفاتحة ركن في كل ركعة على الإمام والمنفرد على المشهورwell-known report (mashhur, Hanafi sense)عند الحنفية: ما كان آحادا في الطبقة الأولى ثم انتشر في القرن الثاني والثالث وتلقته الأمة بالقبول، يفيد الطمأنينة ويزاد به على الكتاب.في المسرد، والمأموم يقرأ في السرية ندبا ولا يقرأ في الجهرية. - الشافعية: ركن في كل ركعة على كل مصل، والمأموم في الجهرية كغيره على الجديد. - الحنابلة: ركن على الإمام والمنفرد، ويتحملها الإمام عن المأموم، ويستحب له أن يقرأ في سكتات الإمام وفي السرية.

تعليق: المسألة مثال على تلاقي قاعدتين حنفيتين: الزيادة نسخ، والواجب دون الفرض. فالحنفي لم يرد الحديث، بل أنزله منزلته من شبكة الثبوت والدلالة، فأوجب الفاتحة وجوبا لا تبطل الصلاة بتركه. وافتراق الجمهور في المأموم يقع في محطة التعارض بين عامين، ويرجع إلى ترجيح المالكية والحنابلة آية الإنصات في الجهرية.

٢ ٢. متروك التسمية عمدا

تطبيق متروك التسمية عمدا

النصوص: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]؛ ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]؛ وحديث عائشة أن قوما قالوا: إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا، فقال: «سمّوا عليه أنتم وكلوه» (رواه البخاري).

المحطات: - (١) المطلوب حكم وضعي: هل التسمية شرط في حل الذبيحة؟ ويتبعه حكم تكليفي في الأكل. - (٢) الآية قطعية الثبوت، والحديث صحيح آحاد. - (٣) الحنفية: «ما» من صيغ العمومforms of generalityالألفاظ الموضوعة للاستغراق: كل وجميع، والمعرف بأل الاستغراقية والإضافة، والنكرة في سياق النفي والشرط، والموصولات، وأسماء الشرط والاستفهام.في المسرد، فالآية تتناول كل ذبيحة لم يذكر اسم الله عليها، ودلالتها على أفرادها قطعية (انظر العام والخاص). الشافعية: جملة ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ حالية، والفسق مفسَّر في آية الأنعام الأخرى بما أُهل لغير الله به، فالمحرم ما ذُبح على اسم غير الله. - (٤) الشافعية: حديث عائشة دليل على أن التسمية ليست شرطا، لأن الشكdoubt (shakk)تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر.في المسرد في الشرط يمنع الحل، فلما أباح مع الشك عُلم أنها سنة. الحنفية: الحديث في ذبيحة المسلم المجهول حاله، والأصل أنه سمى، فهو في تحقيق المناط لا في الشرط، ولو دل على ما قاله الشافعية لما قوي خبر واحد على التخصيصspecification (takhsis)قصر العام على بعض أفراده، ويفارق النسخ بأنه في الأفراد لا في الأزمان.في المسرد عام قطعي. - (٥) والجميع، سوى الشافعية، يستثنون الناسي. والحنفية لا يجعلون إخراجه تخصيصا للعام، لأنه جُعل ذاكرا حكما، إذ أقيمت ملته مقام التسمية، فهو غير داخل في «ما لم يذكر اسم الله عليه»، ويستأنسون بأثر ابن عباس.

نقطة الافتراق: المحطة الثالثة في عموم الآية وتأويلها بالسياق، ثم الرابعة في قوة خبر الواحد على تخصيصها.

القاعدة: دلالة العام قطعية عند الحنفية فلا يخصصها خبر الواحد ابتداء، وظنية عند الجمهور؛ ومعها الحملattribution of meaning (haml)اعتقاد السامع مراد المتكلم من لفظه؛ وقواعد الأصوليين في الدلالة قواعد في الحمل.في المسرد اللفظ على سياقه.

حكم كل مذهب: - الحنفية: يحرم متروك التسمية عمدا، ويحل متروكها نسيانا. - المالكية: يحرم إن تركها عمدا مع الذكر والقدرة على المشهور، ويحل في النسيان. - الشافعية: يحل في العمد والنسيان، والتسمية سنة. - الحنابلة: في الذبيحة كالحنفية، وفي الصيد لا تسقط بالنسيان.

تعليق: جواب سؤال الافتتاح: اتفق الحنفي والشافعي في الثبوت، فكلاهما يقبل الآية والحديث، وافترقا في الدلالة: الحنفي أخذ عموم اللفظ ومنع تخصيصه بالظني، والشافعي قيد اللفظ بسياقه وجعل الحديث بيانا. والمالكية والحنابلة وافقوا الحنفية في التحريم مع أن العام عندهم ظني، فدليلهم ظاهر الآية، والبناء على القطعية خاص بالحنفية. فالاتفاق في الحكم قد يخفي اختلاف المأخذ.

٢ ٣. خيار المجلس

من المتون الموطأ للإمام مالك، كتاب البيوع، باب بيع الخيار

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ». قَالَ مَالِك: وَلَيْسَ لِهَذَا عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ وَلَا أَمْرٌ مَعْمُولٌ بِهِ فِيهِ.

الحل: روى مالك الحديث بأصح إسناد عنده (نافع عن ابن عمر)، ثم عقّب بأنه ليس له «حد معروف»، أي لا يُعرف للتفرق قدر منضبط من زمان أو مكان، ولا «أمر معمول به»، أي لم يجر عليه عمل أهل المدينة. فالعبارة تجمع مأخذين: جهالة مدة الخيار، وترك العمل. وبها يتبين أن مالكا لم يطعن في ثبوت الخبر، وإنما رأى أن العمل المتوارث في المدينة قرينة على أن ظاهره غير مراد أو منسوخ. وهذا موضع قاعدة «عمل أهل المدينة» في الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة، وقاعدة «مخالفة الراوي لروايته» في الكتاب والسنة، لأن مالكا راو للخبر تارك لظاهره.

تطبيق خيار المجلس

النصوص: حديث ابن عمر وحكيم بن حزام: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» (رواه البخاري ومسلم)، وفي رواية في الصحيحين أن ابن عمر كان إذا اشترى شيئا يعجبه فارق صاحبه؛ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، و﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].

المحطات: - (١) المطلوب حكم وضعي: هل يلزم البيع بالإيجاب والقبول، أم يبقى لكل من المتعاقدين حق الفسخ ما داما في المجلس؟ - (٢) الحديث صحيح باتفاق. المالكية: عمل أهل المدينة النقليtransmitted Medinan practiceما توارثه أهل المدينة عملا عن عمل، كالأذان والصاع، ويقدمه المالكية على خبر الواحد.في المسرد النقلي على خلافه، والعمل عندهم مقدم على خبر الواحد. الحنفية والشافعية والحنابلة: العمل ليس حجة بذاته. - (٣) الحنفية: «المتبايعان» حقيقة في حال التشاغل بالعقد، والتفرق تفرق بالأقوال: إذا قال أحدهما بعت ولم يقبل الآخر فلكل منهما الرجوع. الشافعية والحنابلة: التفرق تفرق الأبدان، وفهم الراوي ابن عمر وفعله يعين المعنى. - (٤) الحنفية: عموم الأمرcommand (amr)القول الطالب للفعل على جهة الاستعلاء؛ وعند ابن السبكي: اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير نحو كف.في المسرد بالوفاء بالعقود والتجارة عن تراض يقتضي اللزوم بالقبول، فيُحمل الحديث على ما لا يعارضه. الشافعية: الحديث خاص في البيع فيُقدم على العام.

نقطة الافتراق: عند المالكية في المحطة الثانية (العمل مع الخبر)، وعند الحنفية في المحطة الثالثة (التأويلinterpretation (ta'wil)صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى مرجوح يحتمله، لدليل يصيّره راجحا.في المسرد التفرق).

القاعدة: حجية عمل أهل المدينة وتقديمه على الآحاد عند المالكية؛ والتأويل بالدليل وحمل الخاص على ما يوافق العام عند الحنفية.

حكم كل مذهب: - الحنفية: لا خيار مجلس، ويلزم البيع بالإيجاب والقبول. - المالكية: لا خيار مجلس. - الشافعية: يثبت خيار المجلسoption of the session (khiyar al-majlis)حق كل من المتبايعين في فسخ البيع ما داما في مجلس العقد لم يتفرقا بأبدانهما، يثبته الشافعية والحنابلة.في المسرد حتى يتفرقا بأبدانهما أو يتخايرا. - الحنابلة: يثبت كالشافعية.

تعليق: اتفق الحنفية والمالكية في الحكم من طريقين مختلفين. وفعل ابن عمر هنا يعمل في صالح المثبتين، فالقاعدة الحنفية في مخالفة الراوي لروايته معطلة في هذه المسألة، لأن الراوي عمل بظاهر ما روى.

٢ ٤. النكاح بلا ولي

تطبيق النكاح بلا ولي

النصوص: حديث «لا نكاح إلا بولي» (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه جماعة من الحفاظ، واختُلف في وصله وإرساله)؛ وحديث عائشة: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها الباطلvoid (batil)عند الحنفية في المعاملات: ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، لا يفيد ملكا ولو قبض. وعند الجمهور مرادف للفاسد.في المسرد» (رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وابن ماجه)؛ وحديث «الأيم أحق بنفسها من وليها» (رواه مسلم)؛ وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، ونزلت في معقل بن يسار حين منع أخته (رواه البخاري)؛ و﴿حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].

المحطات: - (١) المطلوب حكم وضعي: هل الولي شرط في صحة عقد المرأة البالغة العاقلة؟ - (٢) الجمهور: الحديثان صالحان للاحتجاج. الحنفية: حديث «لا نكاح إلا بولي» مضطرب في وصله، وحديث عائشة نُقل عن الزهري، وهو مداره، أنه لم يعرفه، وعائشة راوية الخبر زوّجت حفصة بنت أخيها عبد الرحمن وهو غائب بالشام (رواه مالك في الموطأ)، ومخالفة الراوي لما روى قادحة عندهم (انظر الكتاب والسنة). - (٣) الجمهور: النهيprohibition (nahy)القول الطالب للكف عن فعل على جهة الاستعلاء؛ وصيغته لا تفعل.في المسرد الأولياء عن العضل دليل على أن الأمر بيدهم، إذ لا يُنهى عن منع ما لا يملك. الحنفية: الآيتان أسندتا النكاح إلى المرأة («أن ينكحن»، «حتى تنكح»)، والأصل في الإسناد الحقيقة، وحديث مسلم جعلها أحق بنفسها. - (٥) الحنفية: قياس العقد على مالها، فالبالغة العاقلة تتصرف في مالها بلا ولي، فكذلك في نفسها، وللولي حق الاعتراض إذا زوجت نفسها من غير كفء.

نقطة الافتراق: المحطة الثانية في قبول الخبر، ثم الثالثة في دلالة الإسناد في الآيات.

القاعدة: مخالفة الراوي لروايته وإنكار الراوي الأصل لحديثه؛ والأصل في الإسناد الحقيقة؛ والقياس على التصرف المالي.

حكم كل مذهب: - الحنفية: يصح نكاح الحرة البالغة العاقلة بعبارتها، وللولي الاعتراض في غير الكفء، وهو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة؛ والمفتى به عند المتأخرين في غير الكفء رواية الحسن بعدم الصحة. - المالكية: الولي شرط في الصحة، ولهم تفصيل في المرأة الدنيئة وولاية عامة المسلمين. - الشافعية: الولي شرط، ولا تعقد المرأة لنفسها ولا لغيرها. - الحنابلة: الولي شرط كالشافعية.

تعليق: للحنفية في المسألة ثلاثة مآخذ (ثبوت الخبر، ودلالة الآيات، والقياس)، فردها إلى قاعدة مخالفة الراوي وحدها ناقص. وتمامها على خط الاستنباط في قضية واحدة من أولها إلى آخرها: النكاح بغير ولي على خط الاستنباط.

٢ ٥. رقبة كفارة الظهار

تطبيق رقبة كفارة الظهار

النصوص: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]؛ و﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]؛ وحديث معاوية بن الحكم في الجارية: «أعتقها فإنها مؤمنة» (رواه مسلم).

المحطات: - (١) المطلوب حكم وضعي: هل تجزئ الرقبة الكافرة في كفارة الظهار؟ - (٢) النصوص قطعية الثبوت في الآيتين، والحديث صحيح. - (٣) «رقبة» في الظهار المطلقunrestricted term (mutlaq)ما دل على الماهية أو على فرد شائع في جنسه بلا قيد يقلل شيوعه.في المسرد، وفي القتل المقيدrestricted term (muqayyad)ما دل على الماهية مع قيد يقلل شيوعها، من وصف أو شرط أو غاية أو حال.في المسرد بالإيمان. الحكم واحد (وجوب التحرير)، والسبب مختلف (ظهار وقتل). - (٤) الحنفية: لا يحمل المطلق على المقيد مع اختلاف السبب، لأن لكل نص دلالته، وتقييد المطلق زيادة على النص فهو نسخ لا يكون بالقياس (انظر المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول). الشافعية: يحمل عليه، بالقياس عند أكثرهم لاتحاد الجنس، وبمقتضى اللغة عند بعضهم لأن كلام الشارع كالكلمة الواحدة. - (٥) الجمهور يقوون الحمل بقياس الظهار على القتل بجامع أن كلا منهما كفارة بإعتاق، وبأن الإعتاق قربة لا تحصل بإعتاق من يُخشى أن يستعين بحريته على الكفر.

نقطة الافتراق: المحطة الرابعة، في حمل المطلق على المقيدreading the unrestricted as restrictedفهم المطلق مرادا به المقيد إذا ورد في نص آخر، على تفصيل في صوره الأربع.في المسرد عند اختلاف السبب.

القاعدة: حمل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم واختلاف السبب، وأن الزيادة على النص نسخ عند الحنفية.

حكم كل مذهب: - الحنفية: تجزئ الرقبة الكافرة في كفارة الظهار وكفارة اليمين. - المالكية: يشترط الإيمان. - الشافعية: يشترط الإيمان. - الحنابلة: يشترط الإيمان على المذهب.

تعليق: هذا أشهر أمثلة الباب في كتب التخريج، وهو صافٍ نسبيا: المأخذ واحد في الجملة، والافتراق في محطة واحدة. ويحسن أن يقارن الطالب بينه وبين مسألة الفاتحة، فقاعدة «الزيادة نسخ» عملت في الموضعين.

مسألة خلافية حمل المطلق على المقيد مع اختلاف السبب

  • الحنفية لا يحمل، ويعمل بكل نص في موضعه، لأن الحكم قد يتعدد سببه ويختلف شرطه.
  • المالكية يحمل على المشهور.
  • الشافعية يحمل، بالقياس عند الأكثر.
  • الحنابلة يحمل على المذهب.
  • سبب الخلاف هل القيد في نص يدل على مراد الشارع في نص آخر لوحدة الخطاب، وهل التقييد زيادة على النص فيكون نسخا؟
  • الثمرة الإجزاءsufficiency (ijza')سقوط الطلب وبراءة الذمة بالإتيان بالمأمور به على الوجه المطلوب.في المسرد الرقبة الكافرة في الظهار واليمين، وزكاة الفطر عن العبد الكافر.

٢ ٦. زكاة الحلي

تطبيق زكاة الحلي المعدّ للاستعمال

النصوص: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]؛ وفي كتاب أبي بكر في الصدقة: «وفي الرقة ربع العشر» (رواه البخاري)؛ وحديث المرأة التي في يد ابنتها مسكتان من ذهب: «أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟» (رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وقال الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء، وحسّن غيره إسناد أبي داود)؛ ومن الآثار: أن عائشة كانت تلي بنات أخيها يتامى لهن الحلي فلا تخرج منه الزكاة، وأن ابن عمر كان يحلي بناته وجواريه الذهب فلا يخرج منه الزكاة (رواهما مالك في الموطأ).

المحطات: - (١) المطلوب حكم تكليفي: هل تجب الزكاة في الحلي المباحpermitted (mubah)ما خيّر الشارع المكلف بين فعله وتركه.في المسرد الذي تلبسه المرأة؟ - (٢) العمومات قطعية الثبوت أو صحيحة. الأحاديث الخاصة بالحلي مختلف في ثبوتها: يحتج بها الحنفية، ويضعفها أو يتأولها الجمهور. وآثار الصحابة ثابتة. - (٣) الحنفية: الذهب والفضة في العمومات عام يشمل الحلي، ودلالته قطعية. الجمهور: العموم ظاهر يقبل التخصيص. - (٤) الجمهور: تُخصص العمومات بآثار الصحابة، وقول الصحابيCompanion's opinion (qawl al-ṣaḥābī)ما نُقل عن الصحابي من فتوى أو قضاء في حادثة لا نص فيها ولا إجماع.في المسرد حجة أو مرجح عند جماعة منهم (انظر الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة)، وبالقياس الآتي. الحنفية: لا يخصص العام القطعي بقول صحابي ولا بقياس ابتداء. - (٥) الجمهور: العلةeffective cause ('illa)عند من فرق: سبب ظهرت مناسبته للحكم. وعند الحنفية: ما يضاف إليه وجوب الحكم ابتداء.في المسرد الزكاة النماء، والحلي المستعمل خرج عن النماء إلى القنية كثياب البذلة ودواب الركوب، فيُلحق بالعروض المقتناة. الحنفية: الذهب والفضة أثمان بأصل الخلقة، فالنماء فيهما مقدّر لا يبطله الصوغ.

نقطة الافتراق: المحطة الرابعة في تخصيص العموم، ومعها المحطة الخامسة في تعيين العلة.

القاعدة: قطعية العام عند الحنفية؛ وتخصيص العام بقول الصحابي وبالقياس عند الجمهور؛ وتعيين علة الحكم في الأثمان.

حكم كل مذهب: - الحنفية: تجب الزكاة في الحلي إذا بلغ نصابا. - المالكية: لا زكاة في الحلي المباح المتخذ للبس. - الشافعية: لا زكاة فيه على الأظهرmost evident (azhar)عند النووي: الراجح من قولين أو أقوال للشافعي مع قوة الخلاف.في المسرد. - الحنابلة: لا زكاة في الحلي المباح المعد للالاستعمالusage (isti'mal)إطلاق المتكلم اللفظ وإرادة معناه، الموضوع له أو غيره؛ وبه ينقسم اللفظ إلى حقيقة ومجاز.في المسرد أو العارية.

تعليق: يتبين في هذه المسألة كيف تتعاون قاعدتان في مذهب واحد: قطعية العام تمنع التخصيص بالأثر، والتعليلratiocination of rulings (ta'lil)بيان أن الحكم معلق بعلة أو حكمة؛ وفي علم الكلام: هل لأفعال الله وأحكامه أغراض وحكم.في المسرد الزكاة بالثمنية الخلقية يمنع التخصيص بالقياس. وللمحطة السابعة أثر لاحق: الحلي المحرم، أو المتخذ للادخار، تجب فيه الزكاة عند الجميع، لأن مناط الإسقاط عند الجمهور هو الاستعمال المباح، فيُحقق في كل حلي بعينه.

٢ ٧. القرء وعدة المطلقة

تطبيق القرء في عدة المطلقة

النصوص: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ و﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، مع حديث ابن عمر في طلاقه امرأته وهي حائض وفيه: «فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» (رواه البخاري ومسلم)؛ وحديث المستحاضة: «دعي الصلاة أيام أقرائك» (رواه أبو داود والنسائي، وفي أسانيده كلام)؛ وقول عائشة: إنما الأقراء الأطهار (رواه مالك في الموطأ).

المحطات: - (١) المطلوب حكم وضعي في تحديد العدة: هل تنقضي بالحيضة الثالثة أم بالدخول فيها؟ - (٣) «القرءqur' (menstrual period or purity)لفظ مشترك بين الحيض والطهر، حمله الحنفية والحنابلة في العدة على الحيض، والمالكية والشافعية على الطهر.في المسرد» المشتركpolysemous term (mushtarak)اللفظ الموضوع لمعنيين فأكثر وضعا متعددا، كالقرء للحيض والطهر.في المسرد بين الحيض والطهر في اللغة، واتفقوا على أن المراد أحدهما في الآية، فلا يجري هنا الخلاف في عموم المشتركgenerality of the polysemous termحمل المشترك على جميع معانيه في استعمال واحد؛ يجيزه الشافعية بشروط ويمنعه الحنفية.في المسرد (انظر مبادئ لغوية). الحنفية: لفظ «ثلاثة» خاص في العدد، ودلالة الخاص قطعية، فلو كان القرء الطهر لكانت العدة طهرين وبعض طهر إذا طلقها في طهر، وفيه ترك لموجب الخاص. المالكية والشافعية: بعض الطهر يُعد قرءا كما يقال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] وهي شهران وبعض الثالث، وتأنيث العدد يشير إلى مذكر هو الطهر. - (٤) الشافعية والمالكية: آية الطلاق مع حديث ابن عمر بينت أن الطلاق المأمور به يقع في الطهر، والعدة تبدأ عقبه، فالقرء الطهر. الحنفية: حديث المستحاضة استعمل القرء في الحيض في لسان الشرع. - (٦) الحنفية: مقصود العدة براءة الرحم، والذي يدل على البراءة الحيض. الجمهور: البراءة تحصل بالأطهار التي تتخللها الحيض.

نقطة الافتراق: المحطة الثالثة في تعيين أحد معنيي المشترك بالقرائن، ثم الرابعة في ترجيح القرائن.

القاعدة: المشترك يتعين أحد معنييه بالقرينة؛ ودلالة الخاص قطعية عند الحنفية لا تحتمل التأويل بلا دليل.

حكم كل مذهب: - الحنفية: القرء الحيض، فلا تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة الثالثة. - المالكية: القرء الطهر، فتنقضي بالدخول في الحيضة الثالثة. - الشافعية: القرء الطهر كالمالكية. - الحنابلة: القرء الحيض على المعتمد في المذهب، وهو الذي رجع إليه أحمد.

تعليق: يظهر الوزن المقاصدي في هذه المسألة قرينة مساعدة في الترجيح، ويبقى المعوّل على القرائن اللفظية. وحد قاعدة المشترك فيها في التنبيه الآتي.

تنبيه اتفاق القاعدة واختلاف التطبيق

ليس كل خلاف فقهي في مسألة لفظية خلافا في قاعدة أصولية. في القرء اتفقت المذاهب على القاعدة (المشترك لا يُحمل هنا على معنييه، ويتعين أحدهما بالقرينة)، واختلفت في وزن القرائن. والفرق بين الأمرين هو الفرق بين الخلاف الأصولي والخلاف في الاجتهادindependent juristic reasoning (ijtihad)استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي.في المسرد الفقهي، ويظهر أثره في التخريج: القاعدة المتفق عليها لا تصلح وحدها مأخذا للفرع المختلف فيه.

٢ ٨. شهادة القاذف بعد التوبة

تطبيق شهادة المحدود في القذف إذا تاب

النصوص: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤-٥]؛ وذكر البخاري تعليقا أن عمر جلد أبا بكرة وصاحبيه في قذف المغيرة ثم استتابهم وقال: من تاب قبلت شهادته.

المحطات: - (١) المطلوب حكم وضعي: هل تعود الأهليةlegal capacity (ahliyya)صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه، ولصدور الأفعال منه على وجه يعتد به.في المسرد الشهادة للمحدود في القذف بتوبته؟ - (٢) النص قطعي الثبوت، والأثر عن عمر معلق في البخاري. - (٣) في الآية ثلاث جمل متعاطفة: الأمر بالجلد، والنهي عن قبول الشهادة، والحكم بالفسق، ثم الاستثناءexception (istithna')إخراج ما لولاه لدخل في الكلام بإلا أو إحدى أخواتها، ويشترط فيه الاتصال وعدم الاستغراق.في المسرد. الحنفية: الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة وحدها لأنها المتيقن، فيرتفع الفسق بالتوبة وتبقى الشهادة مردودة «أبدا». الجمهور: الاستثناء بعد جمل متعاطفة بالواو يرجع إلى الجميع إلا ما منع منه دليل، والجلد خرج بالإجماع لأنه حق آدمي (انظر العام والخاص). - (٤) الحنفية: رد الشهادة معطوف على الجلد بصيغة الأمر للأئمة فهو من تمام الحد، والحد لا يسقط بالتوبة، والفسق جملة خبرية مستأنفة. الجمهور: أثر عمر وعمل الصحابة مرجح لعود الاستثناء إلى الشهادة.

نقطة الافتراق: المحطة الثالثة في مرجع الاستثناء.

القاعدة: الاستثناء الواقع بعد جمل متعاطفة يرجع إلى الأخيرة عند الحنفية، وإلى الجميع عند الجمهور.

حكم كل مذهب: - الحنفية: لا تقبل شهادته أبدا وإن تاب. - المالكية: تقبل إذا تاب، إلا فيما حُدّ فيه على تفصيل عندهم. - الشافعية: تقبل إذا تاب. - الحنابلة: تقبل إذا تاب.

تعليق: هذا المثال الأشهر في كتب التخريج لقاعدة الاستثناء، لكن للحنفية فيه مأخذ ثان مستقل، هو أن رد الشهادة جزء من العقوبة. فلو سلّم الحنفي عود الاستثناء إلى الجميع في غير هذه الآية، لبقي له مأخذه هنا.

مسألة خلافية الاستثناء بعد جمل متعاطفة

  • الحنفية يرجع إلى الجملة الأخيرة، إلا بقرينة تصرفه إلى الجميع.
  • المالكية يرجع إلى الجميع.
  • الشافعية يرجع إلى الجميع، إلا بقرينة.
  • الحنابلة يرجع إلى الجميع.
  • سبب الخلاف هل العطف بالواو يجعل الجمل في حكم الجملة الواحدة، أم يتعلق الاستثناء بما يليه لأنه المتيقن؟
  • الثمرة شهادة المحدود في القذف بعد التوبة، وفروع في الأيمان والأوقاف إذا تعقب الاستثناء جملا.

٢ ٩. نقض الوضوء بمس الذكر

تطبيق نقض الوضوء بمس الذكر

النصوص: حديث بسرة بنت صفوان: «من مس ذكره فليتوضأ» (رواه مالك وأبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي وابن ماجه)؛ وحديث طلق بن علي لما سئل عن الرجل يمس ذكره: «إنما هو بضعة منك» (رواه أبو داود والترمذي والنسائي، واختلف الحفاظ في تصحيحه وتضعيفه)؛ وحديث أبي هريرة: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب فليتوضأ» (رواه أحمد، وابن حبان في صحيحه).

المحطات: - (١) المطلوب حكم وضعي: هل المس سبب ناقض للطهارة؟ - (٢) الحنفية: خبر بسرة آحاد فيما تعم به البلوى، والعادةhabit, custom (ʿāda)غلبة معنى من المعاني على الناس، عامة أو خاصة ببلد أو طائفة، كما حدها القرافي.في المسرد أن ما يحتاج إليه الكافة يشتهر نقله، فانفراد امرأة بنقل حكم يكثر وقوعه للرجال الأمارةindicator yielding probability (amara)ما يوصل النظر الصحيح فيه إلى الظن، عند من فرّق بينها وبين الدليل.في المسرد على الوهمfaint supposition (wahm)إدراك الطرف المرجوح المقابل للظن.في المسرد أو نسخ (انظر الكتاب والسنة). الجمهور: لا أثر لعموم البلوى في رد الخبر الصحيح. - (٤) الحنفية: حديث طلق يعارضه ويؤيده الأصل وهو بقاء الطهارة. الشافعية: النقضinconsistency (naqḍ)وجود العلة مع تخلف الحكم عنها في صورة.في المسرد متأخر، لأن طلقا قدم والمسجد يُبنى، وأبو هريرة متأخر الإسلام وقد روى النقض، فهو الناسخabrogating text (nasikh)الخطاب الشرعي الدال على رفع الحكم المتقدم، والناسخ حقيقة هو الله تعالى.في المسرد، ثم هو أكثر رواة. وللحنابلة نحوه. - (٧) يفترق الجمهور في تحقيق مناط «المس»: الشافعية يقصرونه على بطن الكفrestraint (kaff)حمل النفس على ترك المنهي عنه قصدا، وهو المكلف به في النهي عند الجمهور.في المسرد والأصابع، والمالكية على باطن الكف أو الأصابع أو جنبها، والحنابلة يجعلونه باليد بطنا وظهرا، والكل بلا حائل.

نقطة الافتراق: المحطة الثانية في قبول الخبر عند الحنفية، والمحطة الرابعة في دفع التعارض.

القاعدة: خبر الواحد فيما تعم به البلوى، وطرق دفع التعارض بالنسخ والترجيح (انظر التعارض والترجيح).

حكم كل مذهب: - الحنفية: لا ينقض المس الوضوء. - المالكية: ينقض إذا كان بباطن الكف أو الأصابع أو جنبها بلا حائل، على المعتمد. - الشافعية: ينقض ببطن الكف والأصابع بلا حائل. - الحنابلة: ينقض بمسه باليد ببطنها أو ظهرها بلا حائل.

تعليق: الحنفية لم يعتمدوا قاعدة عموم البلوى وحدها، فحديث طلق في يدهم، فنسبة الحكم إلى القاعدة وحدها تبسيط. وتعلّم المسألة أيضا أن المحطة السابعة قد تُحدث خلافا داخل الجمهور بعد اتفاقهم على الأصل: ما «المس» الذي علق عليه الحكم؟

٢ ١٠. علة الربا

تطبيق علة الربا في الأصناف الستة

النصوص: حديث عبادة بن الصامت: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد» (رواه مسلم)؛ وحديث معمر بن عبد الله: «الطعام بالطعام مثلا بمثل» (رواه مسلم)؛ وحديث أبي سعيد وأبي هريرة في تمر خيبر، وفي رواية لمسلم: «وكذلك الميزان».

المحطات: - (١) المطلوب حكم تكليفي في غير الأصناف الستة: هل يجري الربا في الأرز والحديد والتفاح؟ - (٢) الحديث صحيح، وأكثر الأمة على أن الحكم معلل يتعدى إلى غير الستة، خلافا لنفاة القياس. - (٥) يفترق الطريق في تعيين العلة بمسالكها (انظر القياس). الحنفية: قوله «مثلا بمثل» إيماء إلى أن المطلوب التساوي، والتساوي يُعرف بالكيل والوزن، و«وكذلك الميزان» يعضده، فالعلة القدرmeasure (kayl or wazn)الكيل أو الوزن، وهو مع اتحاد الجنس علة ربا الفضل عند الحنفية والمذهب عند الحنابلة.في المسرد مع الجنس. الشافعية: تعليق الحكم بلفظ «الطعام» في حديث معمر يدل على علية الطعم، لأن تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق؛ وعلة الذهب والفضة الثمنية. المالكية: بالمناسبةsuitability (munāsaba)كون الوصف بحيث يترتب على شرع الحكم عنده مصلحة مقصودة للشارع.في المسرد والسبر، الأصناف الأربعة أقوات تُدخر وبها قوام الناس، فالعلة في ربا الفضل الاقتيات والادخارstaple and storableكون الطعام قوتا يقوم به البدن ويصلح للادخار، وهو علة ربا الفضل في الطعام عند المالكية.في المسرد؛ وفي النقدين الثمنية. - (٥) في النقدين خاصة: الحنفية يمنعون التعليل بالعلة القاصرةnon-transitive causeالعلة التي لا تتعدى محل النص، كالثمنية في النقدين عند الشافعية.في المسرد المستنبطة لأن فائدة العلة التعدية، والثمنية قاصرة على الذهب والفضة عند الشافعية، فعللوا بالوزن المتعدي إلى كل موزون. الشافعية والمالكية يصححون القاصرة. - (٧) ثم يُحقق المناط في كل سلعة: الأرز مكيل ومطعوم ومقتات مدخر، فهو ربوي عند الجميع؛ والحديد موزون غير مطعوم؛ والتفاح مطعوم غير مقتات ولا مكيل في الغالب.

نقطة الافتراق: المحطة الخامسة، في مسلك إثبات العلة وفي صحة العلة القاصرة.

القاعدة: مسالك العلةroutes for establishing the ratioالطرق التي يثبت بها كون الوصف علة.في المسرد (الإيماء، والسبر والتقسيمprobing and eliminationحصر الأوصاف المحتملة ثم إبطال ما لا يصلح منها ليتعين الباقي.في المسرد، والمناسبة)، والتعليل بالعلة القاصرة.

حكم كل مذهب: - الحنفية: العلة الكيل أو الوزن مع اتحاد الجنس، فيجري الربا في الحديد والنحاس والجص، ولا يجري في التفاح إذا بيع عددا. - المالكية: العلة في الطعام الاقتيات والادخار، وفي النقدين الثمنية، فلا ربا فضل في الحديد ولا في الفاكهة التي لا تدخر. - الشافعية: العلة في الطعام الطعم، وفي النقدين الثمنية، فيجري في التفاح ولا يجري في الحديد. - الحنابلة: العلة على المذهب الكيل أو الوزن كالحنفية، وفي المذهب روايتان أخريان.

تعليق: هذه المسألة أصفى الأمثلة على المحطة الخامسة، وهي في «مختبر الاستنباط» مثال السبر والتقسيم. ولها ثمرة معاصرة في النقود الورقية: من علل النقدين بالثمنية أمكنه أن يعدّيها إلى الورق النقدي بتوسيع معنى الثمنية، وهو ما قرره مجمع الفقه الإسلامي الدولي (انظر أصول الفقه في زمننا).

مسألة خلافية التعليل بالعلة القاصرة

  • الحنفية لا يصح التعليل بالقاصرة المستنبطة، لأن فائدة التعليل تعدية الحكم إلى الفرع، والقاصرة لا تتعدى؛ ويقبلون المنصوصة أو المجمع عليها.
  • المالكية يصح.
  • الشافعية يصح، وفائدتها معرفة الحكمةwisdom (ḥikma)المصلحة المقصودة من شرع الحكم، كالمشقة في رخصة السفر.في المسرد ومنع القياس على المحل وتقوية النص.
  • الحنابلة فيه روايتان، والأكثر على الصحة.
  • سبب الخلاف هل فائدة العلة محصورة في التعدية، أم لها فوائد في فهم النص والاطمئنان إليه؟
  • الثمرة علة الربا في الذهب والفضة، وجريان الربا في الحديد والنحاس.

٢ ما تعلّمه المسائل العشر

إذا جُمعت مواضع الافتراق في جدول ظهر أن المحطات لا تتساوى في إنتاج الخلاف:

المسألة محطة الافتراق القاعدة المسؤولة الفصل
الفاتحة ٣ و٤ الزيادة على النص، والفرض والواجب النسخ، الحكم التكليفي
متروك التسمية ٣ و٤ قطعية العام وتخصيصه بالآحاد العام والخاص
خيار المجلس ٢ و٣ عمل أهل المدينة، والتأويل الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة، المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول
النكاح بلا ولي ٢ و٣ و٥ مخالفة الراوي، والإسناد، والقياس الكتاب والسنة
رقبة الظهار ٤ حمل المطلق على المقيد المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول
زكاة الحلي ٤ و٥ قطعية العام، وقول الصحابي، والعلة العام والخاص، الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة
القرء ٣ و٤ المشترك والقرائن مبادئ لغوية
شهادة القاذف ٣ الاستثناء بعد الجمل العام والخاص
مس الذكر ٢ و٤ عموم البلوى، ودفع التعارض الكتاب والسنة، التعارض والترجيح
علة الربا ٥ و٧ مسالك العلة، والعلة القاصرة القياس

ويخرج من الجدول ثلاث ملاحظات. الأولى أن أكثر الخلاف بين الحنفية والجمهور يقع في المحطتين الثالثة والرابعة، لأن المذهب الحنفي يوزع اليقين توزيعا خاصا: العام قطعي، والخاص قطعي، والزيادة نسخ، فيمتنع عندهم أن يرفع الظني القطعي. وهذا ما سماه Zysow «اقتصاد اليقينeconomy of certaintyوصف Zysow لتوزيع كل مذهب مواضع القطع والظن في أدلته، ومنه يُفسر كثير من خلاف الحنفية والجمهور.في المسرد». والثانية أن المالكية يتميزون في المحطة الثانية بعمل أهل المدينة. والثالثة أن الخلاف داخل الجمهور يقع غالبا في المحطتين الخامسة والسابعة: في تعيين العلة، وفي تحقيق المناط.

أداة تفكير اختبار الحجة بالاعتراض

كل مسألة من العشر تصلح تمرينا في المناظرة: يأخذ الطالب حجة مذهب، ثم يورد عليها أقوى اعتراض من المذهب الآخر، ثم يجيب. فحجة الشافعي في متروك التسمية (حديث عائشة) يُعترض عليها بالقول بالموجب: الحديث في المجهول حاله، ونحن نبيحه. وحجة الحنفي في القرء (لفظ ثلاثة) يُعترض عليها بالمنع: لا نسلم أن بعض الطهر لا يسمى قرءا. وهذا قريب من «الأسئلة الناقدة» في نظرية الحجاجargumentation (hijaj)الاستدلال الطبيعي الذي يرجح ويقوي دون برهان قطعي، ويراه طه عبد الرحمن صورة الاستدلال في أكثر العلوم الإسلامية.في المسرد الحديثة. وحدّه أن القادح مقيد بأصول المعترض: لا يصح للشافعي أن يعترض على الحنفي بمفهوم المخالفةcontrary implication (dalil al-khitab)أن يخالف المسكوت عنه المنطوق في الحكم لانتفاء قيد معتبر؛ دليل الخطاب.في المسرد، لأن الحنفي لا يسلّمه أصلا.

صلة الفصل بغيره

هذا الفصل يستعمل ما قبله ولا يعيد شرحه: قواعد الثبوت في الكتاب والسنة، والنسخ في النسخ، والقياس في القياس، وعمل أهل المدينة وقول الصحابي في الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة، والمشترك في مبادئ لغوية، والعام والاستثناء في العام والخاص، والمطلق والمقيد في المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول، والمفهوم في طرق الدلالة بين المنهجين، والتعارض في التعارض والترجيح. وتخريج الفروع على الفروع، والمعتمد في كل مذهب، محلهما التقليد والفتوى والمذهب. وما يأتي في أصول الفقه في زمننا يمد الخط إلى المحطتين السادسة والسابعة في النوازلnew cases (nawazil)الوقائع المستجدة التي يطلب حكمها، ولها عند المالكية تراث مدون كالمعيار المعرب للونشريسي.في المسرد المعاصرة. والمسائل العشر نفسها في «مختبر الاستنباط»، والقضية الواحدة الممتدة في قضية واحدة من أولها إلى آخرها: النكاح بغير ولي على خط الاستنباط.

خلاصة الفصل

  1. التخريج ثلاثة أنواع: تخريج الفروع على الأصول (من القاعدة إلى الفرع)، وتخريج الأصول من الفروع (من فروع الإمام إلى قاعدته)، وتخريج الفروع على الفروع (من منصوص الإمام إلى المسكوت عنه).
  2. كتب الفن تختلف طريقة: الزنجاني ثنائي شافعي حنفي، والتلمساني مالكي ثلاثي مرتب على الأدلة، والإسنوي داخل المذهب الشافعي، وابن اللحام حنبلي، والدبوسي يجمع ضوابط أقرب إلى القواعد الفقهية، والخن معاصر في قواعد الدلالات.
  3. أصول الحنفية مستخرجة في أكثرها من فروع الأئمة، ولذلك سميت طريقتهم طريقة الفقهاء.
  4. صلة الفرع بالقاعدة صلة اطراد وتفسير، وقد يكون الفرع أسبق من القاعدة، وقد يتعدد مأخذه.
  5. خلاف الحنفية والجمهور يتركز في محطتي الدلالة والمعارض، بسبب توزيع اليقين: قطعية العام والخاص، والزيادة نسخ.
  6. المالكية يتميزون في محطة الثبوت بعمل أهل المدينة، كما في خيار المجلس.
  7. الخلاف داخل الجمهور يتركز في الإلحاق وتحقيق المناط، كما في علة الربا ومناط المس.
  8. الاتفاق في الحكم قد يخفي اختلاف المأخذ، كاتفاق الحنفية والمالكية على نفي خيار المجلس، واتفاق الحنفية والمالكية والحنابلة على تحريم متروك التسمية عمدا (مع تفصيلهم في الناسي) والشافعية يبيحونه.
  9. اتفاق المذاهب على قاعدة لا يمنع اختلافهم في تطبيقها، كما في القرء.
  10. المسألة تُحل على قالب: النصوص، والمحطات، ونقطة الافتراق، والقاعدة، وحكم كل مذهب، والتعليق.

تمارين

  1. صنّف الأعمال الآتية بحسب نوع التخريج: (أ) استخراج أن أبا حنيفة لا يعمل بمفهوم الصفة من فروعه؛ (ب) بيان أن خلاف الشافعي والحنفي في متروك التسمية مبني على قطعية العام؛ (ج) نقل حكم منصوص للشافعي في مسألة إلى مسألة لم ينص عليها.
  2. ما الفرق في الطريقة بين «تخريج الفروع على الأصول» للزنجاني و«التمهيد» للإسنوي؟
  3. في مسألة الفاتحة: لماذا لا يصح أن يقال إن الحنفية ردوا حديث «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»؟
  4. في خيار المجلس: اتفق الحنفية والمالكية على نفيه. حدد محطة افتراق كل منهما عن الشافعية.
  5. رد الفرع إلى أصله: تجزئ الرقبة الكافرة في كفارة اليمين عند الحنفية.
  6. لماذا يُعد رد مسألة القرء إلى قاعدة «عموم المشترك» خطأ في التخريج؟
  7. اذكر مأخذين للحنفية في رد شهادة القاذف بعد التوبة، وبيّن أثر تعدد المأخذ في صحة التخريج.
  8. قارن بين تعليل الحنفية والشافعية لربا الفضل في النقدين، واذكر القاعدة الأصولية التي فرّقت بينهما.
  9. اختر حجة الشافعية في نقض الوضوء بمس الذكر، وأورد عليها اعتراضا حنفيا، ثم أجب عنه بلسان الشافعي.

أجوبة التمارين

  1. (أ) تخريج الأصول من الفروع؛ (ب) تخريج الفروع على الأصول؛ (ج) تخريج الفروع على الفروع.
  2. الزنجاني يقارن بين مذهبين في كل قاعدة ويخرج فروع الخلاف بينهما؛ والإسنوي يخرج فروع مذهب واحد على القاعدة، وينبه على ما خالف فيه المذهب القاعدة.
  3. لأنهم عملوا به في رتبة الوجوب، فأوجبوا الفاتحة وجعلوا تركها سهوا مجبورا بسجود السهو؛ وإنما منعوا أن يرفع خبر الواحد إطلاق الآية القطعي فيجعل الفاتحة ركنا، لأن الزيادة على النص نسخ عندهم.
  4. المالكية افترقوا في المحطة الثانية: قدموا عمل أهل المدينة على الخبر. والحنفية في المحطة الثالثة: تأولوا التفرق بالأقوال.
  5. أصلها أن المطلق لا يحمل على المقيد مع اختلاف السبب، وأن تقييد المطلق زيادة على النص لا تثبت بالقياس؛ فتبقى «رقبة» في كفارة اليمين على إطلاقها.
  6. لأن المذاهب متفقة على أن المراد بالقرء في الآية أحد المعنيين، والخلاف في تعيينه بالقرائن، فلا أثر لقاعدة الحمل على جميع المعاني فيها.
  7. الأول أن الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة؛ والثاني أن رد الشهادة من تمام الحد، والحد لا يسقط بالتوبة. وأثره أن رد الفرع إلى القاعدة الأولى وحدها ناقص، فلو سلّمت القاعدة للجمهور لبقي المأخذ الثاني.
  8. الحنفية: العلة الوزن مع الجنس، والشافعية: الثمنية. والقاعدة التعليل بالعلة القاصرة: يمنعه الحنفية ويصححه الشافعية.
  9. مثال: حجة الشافعية تأخر حديث بسرة عن حديث طلق فهو ناسخ. الاعتراض الحنفي: لا يلزم من تأخر إسلام الراوي تأخر سماعه، فقد يروي عن غيره. الجواب: حديث أبي هريرة الصريحexplicit expression (sarih)ما ظهر المراد منه ظهورا بيّنا بكثرة الاستعمال، ويثبت موجبه بلا نية.في المسرد في المس من غير حائل، وأبو هريرة متأخر الإسلام راو له بنفسه، والترجيح بكثرة الرواة قائم ولو لم يثبت النسخ.

الاختبارات: تخريج الفروع على الأصول