من الدليل إلى الحكم

القسم الثاني: التفصيل / الباب الرابع: طرق الاستثمار

التعارض والترجيح

طرق الاستثمارالمحطة ٤

موقع الفصل من المنظومة

هذا الفصل المحطة الرابعة من خط الاستنباط: فحص المعارض. فالناظر بعد أن جمع الأدلة وفحص ثبوتها (الكتاب والسنة)، واستخرج دلالة كل منها ودرجتها (مبادئ لغوية إلى طرق الدلالة بين المنهجين)، قد يجد دليلين يقتضي أحدهما خلاف ما يقتضيه الآخر. فيسأل: هل التعارضconflict of evidence (ta'arud)تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، بأن يقتضي أحدهما خلاف ما يقتضيه الآخر في محل واحد وزمن واحد.في المسرد حقيقي؟ وإن كان، فبأي ترتيب أدفعه؟ وما المرجحات التي تقوّي أحد الدليلين؟

ويجمع هذا الفصل أدوات سبقت متفرقة: التخصيصspecification (takhsis)قصر العام على بعض أفراده، ويفارق النسخ بأنه في الأفراد لا في الأزمان.في المسرد في العام والخاص، والتقييد والتأويلinterpretation (ta'wil)صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى مرجوح يحتمله، لدليل يصيّره راجحا.في المسرد في المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول، والنسخabrogation (naskh)رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ عنه؛ وعند كثير من الحنفية: بيان انتهاء مدة الحكم.في المسرد في النسخ، وترتيب الدلالات في طرق الدلالة بين المنهجين. ويضيف إليها أمرين: ترتيب استعمالها، وهو موضع افتراق المنهجين، ووجوه الترجيحpreference (tarjih)تقوية أحد الدليلين المتعارضين بما ليس دليلا مستقلا، فيُعمل بالأقوى؛ وعند الحنفية إظهار زيادة لأحد المتماثلين وصفا لا أصلا.في المسرد.

سؤال الافتتاح

توضأ رجل ثم مس ذكره بباطن كفه من غير حائل، فأراد أن يصلي. بلغه حديث بسرة بنت صفوان: «من مس ذكره فليتوضأ»، وحديث طلق بن علي أن النبي ﷺ سئل عن الرجل يمس ذكره فقال: «هل هو إلا بضعة منك». هل انتقض وضوؤه؟ وبأي طريق يُدفع التعارض بين الحديثين؟

١ حقيقة التعارض

التعارض لغة: التقابل والتمانع، من عرض الشيء إذا اعترض فمنع. واصطلاحا: تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، بأن يقتضي أحدهما في محل واحد وزمن واحد خلاف ما يقتضيه الآخر. والتعادلequipollence (ta'adul)تساوي الدليلين المتعارضين بحيث لا مزية لأحدهما على الآخر.في المسرد عند المتكلمين: تساوي الدليلين المتعارضين بحيث لا مزية لأحدهما. والترجيح: تقوية أحد الدليلين المتعارضين بما ليس دليلا مستقلا، فيُعمل بالأقوى. وعرّفه الحنفية بأنه إظهار زيادة لأحد المتماثلين على الآخر وصفا لا أصلا، وعلى هذا القيد بنوا مسألة الترجيح بكثرة الأدلة، وستأتي.

١ لا تعارض في نفس الأمر

أدلة الشرع صادرة عن حكيم عليم، فلا يتناقض كلامه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. فالتعارض يقع في نظر المجتهد، لقصور علمه بالتاريخ أو بالمخصص أو بوجه الجمع، ولا يقع في مراد الشارع. ومن هنا كان دفع التعارض بحثا عن مراد واحد الخفيobscure (khafi)ما خفي المراد منه في بعض أفراده بعارض من غير الصيغة، ويزول بالطلب.في المسرد، لا اختيارا بين مرادين.

واختلفوا في أمارتين ظنيتين: هل يمكن أن تتعادلا في نفس الأمرcommand (amr)القول الطالب للفعل على جهة الاستعلاء؛ وعند ابن السبكي: اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير نحو كف.في المسرد، فلا يكون لإحداهما مزية عند الله؟ فمنعه الأكثر، منهم الكرخي من الحنفية وأحمد في المنقول عنه، وأجازه القاضي أبو بكر الباقلاني وجماعة. وذكر ابن السبكي في جمع الجوامع امتناع تعادل القاطعين، وكذا الأمارتين في نفس الأمر على الصحيح.

٢ شروط التعارض

لا يكون التعارض حقيقيا حتى تجتمع شروط:

  1. أن يتساوى الدليلان في الحجية، فلا تعارض بين حجة وما ليس بحجة، كالحديث الصحيح والضعيف.
  2. أن يتساويا في القوة من جهة الثبوت عند الحنفية، فلا يعارض خبر الواحدsolitary report (khabar al-wahid)ما لم يبلغ حد التواتر، يوجب العمل ويفيد الظن عند الجمهور.في المسرد المتواترmass-transmitted report (mutawatir)خبر جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه، مستندهم الحس، ويفيد العلم.في المسرد، بل يُقدَّم المتواتر. ومن هنا قال الحنفية إن العامgeneral term ('amm)لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر؛ وعند الحنفية: ما ينتظم جمعا من المسميات لفظا أو معنى.في المسرد القطعيdefinitive (qat'i)ما لا يحتمل غير مدلوله احتمالا ناشئا عن دليل، في ثبوته أو دلالته.في المسرد يعارض الخاصspecific term (khass)كل لفظ وُضع لمعنى معلوم على الانفراد، جنسا أو نوعا أو عينا أو عددا.في المسرد القطعي، ولا يعارضه الخاص الظنيprobable (zanni)ما يحتمل غير مدلوله احتمالا مرجوحا، في ثبوته أو دلالته.في المسرد (العام والخاص).
  3. أن يتحد المحل والزمن، فلا تعارض بين حل النكاح قبل الطلاق وحرمته بعده، ولا بين حكمين في زمنين إذا عُلم التاريخ، فذلك نسخ.
  4. أن يتضاد الحكمان، فلا تعارض بين الإيجاب والندب في شيئين، ولا بين فعل يدل على الجواز وقول لا يمنعه.

٢ بين أي الأدلة يقع؟

  • بين قطعيين: لا يقع تعارض حقيقي، لأنه يؤدي إلى اجتماع النقيضين. فإن ظهر بين نصين قطعيين كان أحدهما ناسخا للآخر إذا عُلم التاريخ، وما يُحكى من تعارض بينهما فهو في الظاهر.
  • بين قطعي وظني: لا تعارض، ويُقدَّم القطعي، لأن الظنprobability, preponderant belief (zann)إدراك الطرف الراجح من أمرين محتملين.في المسرد لا يقاوم اليقين. ويدخل هنا الخلاف في قطعية دلالة العام عند الحنفية، فما يراه الحنفية قطعيا يراه الجمهور ظنيا، فيختلفون في وجود التعارض أصلا.
  • بين ظنيين: هو موضع التعارض والترجيح، وفيه أكثر مسائل الباب.

١ شجرة القرار عند التعارض

إذا ثبت التعارض، فللمنهجين ترتيبان متوازيان. والمنهج الذي يقدم الجمع يبدأ من الفرضfard (definitively established obligation)عند الحنفية: ما ثبت لزومه بدليل قطعي لا شبهة فيه، يكفر جاحده؛ وعند الجمهور مرادف للواجب.في المسرد أن الشارع أراد الدليلين معا، والمنهج الذي يقدم النسخ والترجيح يبدأ من فرض أن مراد الشارع يُعرف بالتاريخ أو بالقوة قبل التأويل.

مسألة خلافية ما ترتيب طرق دفع التعارض؟

  • الحنفية المشهورwell-known report (mashhur, Hanafi sense)عند الحنفية: ما كان آحادا في الطبقة الأولى ثم انتشر في القرن الثاني والثالث وتلقته الأمة بالقبول، يفيد الطمأنينة ويزاد به على الكتاب.في المسرد في كتب المتأخرين كالتوضيح وشرح المنار: النسخ إن عُلم التاريخ، ثم الترجيح، ثم الجمع، ثم التساقطmutual cancellation (tasaqut)ترك الدليلين المتعارضين في محل التعارض عند تعذر النسخ والترجيح والجمع، والانتقال إلى ما دونهما.في المسرد والرجوع إلى ما دون الدليلين في الرتبة. وقدّم بعض الحنفية الجمع على الترجيح.
  • المالكية الجمع، ثم النسخ، ثم الترجيح.
  • الشافعية الجمع أولا، لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، ثم النسخ إن عُلم التاريخ، ثم الترجيح، ثم التوقفsuspension of judgmentترك الحكم في المسألة حتى يظهر مرجح، من أقوال الجمهور عند التعادل.في المسرد أو التخييرoption (takhyir)تسوية الشارع بين فعل الشيء وتركه، وهو الإباحة.في المسرد.
  • الحنابلة الجمع، ثم النسخ، ثم الترجيح.
  • سبب الخلاف هل الجمع بتأويل أحد الدليلين قد يكون تكلفا يخالف مراد الشارع، فيُقدَّم ما يُعرف به مراده من تاريخ أو قوة، أم أن إعمال الكلامين أولى ما أمكن؟
  • الثمرة الصلاة ذات السببcause (sabab)الوصف الظاهر المنضبط الذي جعله الشارع علامة على الحكم، يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته.في المسرد في أوقات النهيprohibition (nahy)القول الطالب للكف عن فعل على جهة الاستعلاء؛ وصيغته لا تفعل.في المسرد، وتأتي حالة محلولة.

والشجرة تُالرسمdescription (rasm)تعريف الشيء بالجنس والخاصة أو بآثاره اللازمة، كتعريف الواجب بما يُثاب فاعله ويُعاقب تاركه.في المسرد فرعين متوازيين لا يُوحَّد ترتيبهما:

دليلان متعارضان في الظاهر │ ┌──────────────────────┴──────────────────────┐ فرع الجمهور فرع الحنفية │ │ ج١ هل يمكن الجمع؟ ح١ هل عُلم التاريخ؟ نعم ← اجمع (تخصيص، تقييد، نعم ← المتأخر ناسخ تأويل، حمل على حالين) (بشروط الناسخ) لا ↓ لا ↓ ج٢ هل عُلم التاريخ؟ ح٢ هل لأحدهما مرجح؟ نعم ← المتأخر ناسخ نعم ← اعمل بالراجح لا ↓ لا ↓ ج٣ هل لأحدهما مرجح؟ ح٣ هل يمكن الجمع؟ نعم ← اعمل بالراجح نعم ← اجمع لا ↓ لا ↓ ج٤ التوقف، أو التخيير، ح٤ تساقطا، فارجع إلى ما دونهما: أو التساقط والرجوع إلى البراءة آيتان ← السنة (أقوال) سنتان ← قول الصحابي والقياس قياسان ← التحري والعمل بأحدهما ولا دليل ← الأصل (الاستصحاب)

وللمنصة، عُقد الشجرة وحوافها:

العقدة السؤال نعم لا
ج١ هل يمكن الجمع بوجه مقبول؟ الحكم بالجمع (انتهى) ج٢
ج٢ هل عُلم المتأخر منهما؟ المتأخر الناسخabrogating text (nasikh)الخطاب الشرعي الدال على رفع الحكم المتقدم، والناسخ حقيقة هو الله تعالى.في المسرد (انتهى) ج٣
ج٣ هل لأحدهما مرجح معتبر؟ العمل بالراجحpreponderant position (rajih)عند المالكية: ما قوي دليله.في المسرد (انتهى) ج٤
ج٤ ــ التوقف أو التخيير أو التساقط والرجوع إلى البراءة ــ
ح١ هل عُلم المتأخر منهما؟ المتأخر ناسخ (انتهى) ح٢
ح٢ هل لأحدهما مرجح معتبر؟ العمل بالراجح (انتهى) ح٣
ح٣ هل يمكن الجمع بوجه مقبول؟ الحكم بالجمع (انتهى) ح٤
ح٤ ــ التساقط والانتقال إلى الدليلproof, evidence (dalil)ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.في المسرد الأدنى رتبة، ثم إلى الأصلroot, basis (asl)لغة ما يُبنى عليه غيره؛ واصطلاحا يطلق على الدليل، والراجح، والقاعدة المستمرة، والمقيس عليه.في المسرد ــ

من المتون أصول الشاشي (الحنفي)، بحث إذا تعارض الدليلان

ثمَّ اذا تعَارض الدليلان عِنْد الْمُجْتَهد فان كَانَ التَّعَارُض بَين الْآيَتَيْنِ يمِيل الى السّنة، وان كَانَ بَين السنتين يمِيل الى آثَار الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَالْقِيَاس الصَّحِيح، ثمَّ اذا تعَارض القياسان عِنْد الْمُجْتَهد يتحَرَّى وَيعْمل بِأَحَدِهِمَا لانه لَيْسَ دون الْقيَاس دَلِيل شَرْعِي يُصَار إِلَيْهِ.

الحل: هذا آخر فرع الحنفية في الشجرة، أي العقدة ح٤، بعد أن تعذر النسخ والترجيح والجمع. «عند المجتهد» قيد يقرر أن التعارض في نظره. و«يميل إلى السنة» أي يترك الآيتين ويعمل بما دونهما رتبة، لأنهما تساقطا في محل التعارض. فإن تعارضت سنتان نزل إلى قول الصحابي والقياس، وهما في رتبة واحدة هنا عند الشاشي. فإن تعارض قياسان لم يبق دونهما دليل شرعي، فيتحرى المجتهد ويعمل بأحدهما بشهادة قلبه. وفرّع الشاشي على ذلك أن المسافر معه إناءان طاهر ونجس لا يتحرى بينهما بل يتيمم، لأن للماء بدلا هو التراب، ومعه ثوبان طاهر ونجس يتحرى، لأن الثوب لا بدل له. فالتحري عندهم آخر ما يُلجأ إليه، حين لا يبقى دليل ولا بدل.1

من المتون الورقات للجويني، تنبيه في التعارض

إِذا تعَارض نطقان فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَكُونَا عَاميْنِ أَو خاصين أَو أَحدهمَا عَاما وَالْآخر خَاصّا أَو كل وَاحِد مِنْهُمَا عَاما من وَجه وخاصا من وَجه. فَإِن كَانَا عَاميْنِ فَإِن أمكن الْجمع بَينهمَا جمع وَإِن لم يُمكن الْجمع بَينهمَا يتَوَقَّف فيهمَا إِن لم يعلم التَّارِيخ فَإِن علم التَّارِيخ ينْسَخ الْمُتَقَدّم بالمتأخر وَكَذَا إِذا كَانَا خاصين.

الحل: «النطقان» النصان من الكتاب أو السنة، احترازا من الإجماع والقياس. وقسم الجويني التعارض بحسب العموم والخصوص أربعة أقسام. وفي العامين والخاصين رتّب: الجمع إن أمكن، فإن لم يمكن نُظر في التاريخ، فإن جُهل توقف، وإن عُلم نسخ المتقدم بالمتأخر. فهذا فرع الجمهور في الشجرة، مختصرا على مستوى الورقات: لم يذكر الترجيح هنا، وذكره المتوسطون بين النسخ والتوقف. وتمام عبارته أن العام والخاص يُخص فيه العام بالخاص، وأن العامين من وجه يُخص عموم كل منهما بخصوص الآخر، وهذه صور من الجمع.2

٢ الحالة الأولى: عدة الحامل المتوفى عنها زوجها

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وقال: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. فالحامل المتوفى عنها داخلة في العمومين.

  • طريق الجمع: رُوي عن علي وابن عباس رضي الله عنهم أنها تعتد بأبعد الأجلين، فتعمل بالآيتين معا.
  • طريق النسخ أو التخصيص بالتاريخ: قال ابن مسعود رضي الله عنه: «أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى» (رواه البخاري)، يريد أن آية الطلاق متأخرة، فهي تقضي على آية البقرة في الحامل. وهذا مسلك الحنفية: العلمknowledge, certainty ('ilm)معرفة المعلوم على ما هو به؛ أو حكم لا يحتمل متعلَّقه النقيض بوجه.في المسرد التاريخ يُقدَّم.
  • طريق السنةthe Sunnaما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير.في المسرد المبينة: حديث سبيعة الأسلمية أنها وضعت بعد وفاة زوجها بليال فأفتاها النبي ﷺ بأنها قد حلت (رواه البخاري ومسلم).

فاتفقت المذاهب الأربعة على أن عدتها الوضعassignment (wad')جعل اللفظ دليلا على المعنى بحيث إذا أُطلق فُهم منه؛ وهو صفة الواضع.في المسرد الحملattribution of meaning (haml)اعتقاد السامع مراد المتكلم من لفظه؛ وقواعد الأصوليين في الدلالة قواعد في الحمل.في المسرد، واختلف الطريق: الجمهور عدّوا آية الطلاق مخصصة لعموم آية البقرة، وحديث سبيعة بيانا، والحنفية عدّوها ناسخة لالقدرmeasure (kayl or wazn)الكيل أو الوزن، وهو مع اتحاد الجنس علة ربا الفضل عند الحنفية والمذهب عند الحنابلة.في المسرد ما تناولته لتأخرها مع تساويهما في القطعية. والحالة تُظهر أن اختلاف ترتيب الشجرة قد ينتهي إلى حكم واحد، وأن الجمع بأبعد الأجلين، مع وجاهته في الأصل، تركه الجمهور لقيام السنة المبينة.

٢ الحالة الثانية: سؤر الحمار

وهي مثال الحنفية المشهور على العقدة ح٤. تعارضت عندهم الأدلة في لحم الحمار الأهلي وسؤره: النهي عن لحوم الحمر الأهليةlegal capacity (ahliyya)صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه، ولصدور الأفعال منه على وجه يعتد به.في المسرد يوم خيبر، وآثار مختلفة عن الصحابة في سؤره، فرُوي عن ابن عمر أنه كان يكره سؤره، وعن ابن عباس أنه طاهر. فلم يترجح عندهم دليل، ولم يمكن الجمع، فتساقطت، فرجعوا إلى الأصل: الماء طاهر بيقين، والحدث ثابت بيقين، واليقين لا يزول بالشكdoubt (shakk)تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر.في المسرد. فقالوا: سؤر الحمار مشكوك فيه، فمن لم يجد غيره توضأ به وتيمم، وأيهما قدّم أجزأ. والجمهور على أن سؤره طاهر، لأن الأصل في الحيوان الطاهر في حياته طهارة سؤره، أو ترجيحا لأدلة الطهارة.

١ أنواع الجمع

الجمع: إعمال الدليلين معا بحمل كل منهما على وجه لا يناقض الآخر. وشرطه أن يكون بوجه تحتمله الألفاظ، وأن لا يعود على أحد النصين بالإبطال. وأنواعه:

  1. التخصيص: يُخص العام بالخاص، كتخصيص ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بحديث «لا يرث المسلم الكافر» (رواه البخاري ومسلم). وفي العامين من وجه يُخص عموم كل منهما بخصوص الآخر (العام والخاص).
  2. التقييد: يُحمل المطلق على المقيدreading the unrestricted as restrictedفهم المطلق مرادا به المقيد إذا ورد في نص آخر، على تفصيل في صوره الأربع.في المسرد على المقيدrestricted term (muqayyad)ما دل على الماهية مع قيد يقلل شيوعها، من وصف أو شرط أو غاية أو حال.في المسرد (المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول).
  3. التأويل: يُصرف أحد الظاهرين إلى معنى محتمل بدليل (المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول).
  4. الحمل على حالينassigning each text to a different caseنوع من الجمع ينزل فيه كل دليل على حال غير حال الآخر.في المسرد: يُنزَّل كل دليل على حال غير حال الآخر. كقوله ﷺ: «ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها» (رواه مسلم)، مع ذمه ﷺ قوما «يشهدون ولا يُستشهدون» (رواه البخاري ومسلم). فحُمل الأول على من عنده شهادة لا يعلم بها صاحبها، أو على الشهادة في حقوق الله، والثاني على من يشهد بما لا يعلم أو يتسرع إلى الشهادة في حقوق الناس قبل طلبها.
  5. الحمل على اختلاف الحكم: يُحمل الأمر على الندب والنهي على الكراهة، أو يُحمل أحد الفعلين على البيانclarification (bayan)عند الشافعي: إظهار الله أحكامه لعباده بالكتاب والسنة على مراتب، يبين بعضها بعضا.في المسرد الجواز والآخر على الأفضل.

١ وجوه الترجيح

الترجيح عمل بالأقوى من الظنين، وهو الواجبwajib (obligatory)عند الجمهور: ما طلب الشارع فعله طلبا جازما. وعند الحنفية: ما ثبت لزومه بدليل فيه شبهة، لا يكفر جاحده.في المسرد عند جماهير العلماء، وحُكي عن قوم إنكاره. ووجوهه كثيرة، أوصلها بعضهم إلى مئة، وترجع إلى أربعة أبواب: السند، والمتن، والمدلول، والأمر الخارج. والقاعدة الجامعة: كل ما يزيد الظن بصدق الخبر أو بإرادة المعنى يصلح مرجحا، ما لم يكن دليلا مستقلا عند من يمنع الترجيح بكثرة الأدلة.

١ الترجيح باعتبار السند

  1. كثرة الرواة: يُرجَّح عند الجمهور الخبر الذي رواه أكثر، لأن الكثرة تزيد الظن ببعد الغلط. وأما الحنفية فالمشهور عنهم منع الترجيح بكثرة الأدلة، لأن الترجيح عندهم يكون بوصف في الدليل نفسه لا بانضمام دليل آخر إليه، والدليل الثاني يقوم بنفسه. واختلف النقل عنهم في كثرة الرواة: فنقل كثير من كتب الخلاف عنهم المنع إلحاقا بكثرة الأدلة، وذكر بعضهم الترجيح بها ما لم تبلغ الحدdefinition (hadd)التعريف الكاشف عن حقيقة الشيء بالجنس والفصل، ويُشترط فيه أن يكون جامعا مانعا.في المسرد الشهرة، والمعتمدrelied-upon position (mu'tamad)القول الذي استقر الترجيح عليه عند أهل الترجيح في المذهب.في المسرد في المذهبthe school's position (al-madhhab)عند النووي: الراجح من طريقين أو طرق في حكاية المذهب.في المسرد يحتاج إلى مراجعة كتب الحنفية المطولة.
  2. فقه الراويnarrator's juristic standingشرط عند عيسى بن أبان ومن تبعه لتقديم خبر الراوي على القياس المخالف له من كل وجه.في المسرد الراوي وضبطه وعدالته: يُرجَّح خبر الفقيه على غيره، والأضبط على الأقل ضبطا. واعتبر الحنفية فقه الراوي خاصة عند مخالفة القياسanalogy (qiyās)مساواة فرع لأصل في علة حكمه، أو رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم.في المسرد (الكتاب والسنة).
  3. صاحب الواقعةparty to the eventالمباشر للقصة المروية، وتُرجح روايته على رواية من نقلها عن غيره.في المسرد والمباشر لها: يُرجَّح خبر من باشر القصة على من نقلها. ومثاله: روى ابن عباس أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم (رواه البخاري ومسلم)، وروى يزيد بن الأصم عن ميمونة نفسها أنه تزوجها وهو حلال (رواه مسلم)، وروى أبو رافع أنه تزوجها حلالا وكان الرسول بينهما (رواه الترمذي وحسّنه). فرجح الجمهور رواية ميمونة لأنها صاحبة الواقعة، ورواية أبي رافع لأنه السفير، وانضم إليهما قوله ﷺ: «لا يَنكح المحرم ولا يُنكح» (رواه مسلم)، فمنعوا نكاح المحرم. ورجح الحنفية رواية ابن عباس لأنها متفق عليها وابن عباس أفقه، وحملوا النهي على الوطء أو على الكراهة، فصححوا نكاح المحرم.
  4. العلوsuperiority ('uluww)أن يكون الطالب أعلى رتبة من المطلوب منه في الواقع.في المسرد الإسناد: يُرجَّح الأقل وسائط، لأن احتمال الخطأ فيه أقل.
  5. تقدم إسلام الراوي أو تأخره: يُرجَّح عند جماعة خبر متأخر الإسلام، لأنه أقرب إلى آخر الأمرينthe later of two practicesقول الصحابي إن أحد الحكمين كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ، وهو من طرق معرفة الناسخ.في المسرد.
  6. رواية أهل المدينة عند المالكية، وما في الصحيحين على غيره عند المحدثين والمتأخرين.

١ الترجيح باعتبار المتن

  1. القول على الفعل: لأن القول يعم بصيغته، والفعل واقعة عين تحتمل الخصوصية (الكتاب والسنة).
  2. النهي على الأمر: لأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحةbenefit, public interest (maslaha)المحافظة على مقصود الشرع في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، بحد الغزالي.في المسرد.
  3. الأمر على الإباحة: احتياطا.
  4. الحاظر على المبيح: احتياطا، ولأن المبيح يوافق الأصل والحاظر ناقل عنه. وهو قول الأكثر، ومنهم الحنفية، وحُكي عن بعضهم التسوية.
  5. المثبت على النافي: لأن المثبت معه زيادة علم. ومثاله: قول بلال إن النبي ﷺ صلى في الكعبة (رواه البخاري ومسلم)، مع رواية أسامة أنه دعا فيها ولم يصل (رواه مسلم من طريق ابن عباس عن أسامة)، فقُدم المثبت. واستثنى الحنفية النفي الذي يُعرف بدليله، فهو كالإثبات عندهم.
  6. الحقيقةliteral usage (haqiqa)اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب.في المسرد على المجازfigurative usage (majaz)اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب، لعلاقة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.في المسرد، والصريحexplicit expression (sarih)ما ظهر المراد منه ظهورا بيّنا بكثرة الاستعمال، ويثبت موجبه بلا نية.في المسرد على الكنايةallusive expression (kinaya)ما استتر المراد منه حتى يعرف بالنية أو دلالة الحال.في المسرد، والمنطوقexplicit utterance (mantuq)ما دل عليه اللفظ في محل النطق، صريحا أو غير صريح.في المسرد على المفهومimplicature (mafhum)ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، أي حكم لغير المذكور.في المسرد، والعبارة على الإشارة (طرق الدلالة بين المنهجين).
  7. العام الذي لم يُخص على العام المخصوصspecified general termالعام الذي أُخرج بعض أفراده بدليل؛ حجة فيما بقي عند الجمهور، وظني فيه عند الحنفية.في المسرد عند الجمهور، لأن المخصوص ضعف بالتخصيص (العام والخاص).
  8. ما ذُكر سببه على ما لم يُذكر، وما أُكد على ما لم يُؤكد.

٢ الترجيح باعتبار المدلول

  1. الناقل عن الأصل على المقرر له عند الأكثر، لأن الناقل يفيد حكما جديدا، وقدم بعضهم المقرر.
  2. النافي للحد على الموجب له، لأن الحدود تُدرأ بالشبهات.
  3. الأخف على الأثقل عند قوم لقوله تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، والأثقل على الأخف عند آخرين احتياطا.
  4. ما يوجب العتق والطلاق على ما يمنعهما عند بعضهم، لموافقة مقصود الشارع في الحرية.

٢ الترجيح باعتبار أمر خارج

  1. موافقة دليل آخر من كتاب أو سنة أو قياس. وهذا عند الجمهور، والحنفية لا يرجحون بانضمام دليل مستقل، ويرجحون بما يقوي الدليل في وصفه.
  2. عمل أهل المدينةpractice of the people of Medinaما اتفق عليه أهل المدينة نقلا أو اجتهادا، وهو حجة عند المالكية في النقلي.في المسرد عند المالكية، فما وافقه من الخبرين مقدم (الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة).
  3. عمل الخلفاء الراشدين أو أكثر الصحابة، يُرجَّح به عند الجمهور، لأنهم أعلم بالتنزيل وآخر الأمرين.
  4. تفسير الراوي لما رواه، وعمله به.
  5. موافقة مقاصد الشريعةhigher objectives of the Law (maqasid al-shari'a)المعاني والغايات التي قصدها الشارع في تشريع الأحكام، عامة في التشريع كله أو خاصة بباب منه.في المسرد، ويذكره المتأخرون (مقاصد الشريعة).

٢ الترجيح بين الأقيسة

إذا تعارض قياسان رُجح أحدهما بما يقوي العلةeffective cause ('illa)عند من فرق: سبب ظهرت مناسبته للحكم. وعند الحنفية: ما يضاف إليه وجوب الحكم ابتداء.في المسرد:

  • برتبة الأصل: ما كان حكم أصله قطعيا أو متفقا عليه على ما كان مختلفا فيه.
  • بمسلك العلة: المنصوصة على المستنبطة، وما ثبتت بالإجماعconsensus (ijmāʿ)اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي ﷺ في عصر على أمر من الأمور.في المسرد على ما ثبتت بالاستنباط، والمناسبةsuitability (munāsaba)كون الوصف بحيث يترتب على شرع الحكم عنده مصلحة مقصودة للشارع.في المسرد على الشبهresemblance (shabah)وصف لا تظهر مناسبته بذاته عُهد التفات الشارع إليه، ومنه إلحاق الفرع بأكثر الأصلين شبها.في المسرد، والسبر على المناسبة عند بعضهم، والدورانco-variance (dawarān)وجود الحكم بوجود الوصف وعدمه بعدمه.في المسرد أضعفها عند من يقبله (القياس).
  • بصفة العلة: القطعية الوجود على الظنية، والمتعدية على القاصرة عند الأكثر، والمطردة المنعكسة على المطردة وحدها، وقليلة الأوصاف على كثيرتها.
  • عند الحنفية: الترجيح بقوة الأثرstrength of effect (quwwat al-athar)عند الحنفية: ظهور تأثير الوصف في جنس الحكم، ويرجح به بين الأقيسة.في المسرد، أي ظهور تأثير الوصف في جنس الحكم، وبقوة ثباته على الحكم المشهود به، وبكثرة الأصول التي يشهد لها الوصف، وبالعكس، أي عدم الحكم عند عدم الوصف.

١ حالات تطبيقية

تطبيق مس الذكر: حديث بسرة وحديث طلق

المحطة الأولى، نوع الحكم: حكم وضعي، هل المس سبب لالنقضinconsistency (naqḍ)وجود العلة مع تخلف الحكم عنها في صورة.في المسرد الطهارة؟ وتتبعه أحكام تكليفية في الصحةvalidity (sihha)موافقة الفعل ذي الوجهين للشرع؛ وفي العبادات: موافقة الأمر عند المتكلمين، وإسقاط القضاء عند الفقهاء.في المسرد الصلاة.

المحطة الثانية، الثبوت: حديث بسرة «من مس ذكره فليتوضأ» رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه الترمذي، ونقل عن البخاري أنه الأصحsoundest (asahh)عند النووي: الراجح من وجهين أو أوجه للأصحاب مع قوة الخلاف.في المسرد شيء في الباب. وحديث طلق «هل هو إلا بضعة منك» رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه ابن حبان، وضعفه الشافعي وأبو حاتم وأبو زرعة.

المحطة الثالثة، الدلالة: الأول أمر بالوضوء من المس، والثاني التعليلratiocination of rulings (ta'lil)بيان أن الحكم معلق بعلة أو حكمة؛ وفي علم الكلام: هل لأفعال الله وأحكامه أغراض وحكم.في المسرد بأن العضو جزء من البدن كسائر الأعضاء، فلا ينقض مسه.

المحطة الرابعة، دفع التعارض: - الشافعية والحنابلة: رجحوا حديث بسرة بكثرة طرقه وشواهده، كحديث أبي هريرة (رواه أحمد، وصححه ابن حبان والحاكمthe Lawgiver (al-hakim)من يصدر عنه الحكم الشرعي، وهو الله تعالى باتفاق المسلمين.في المسرد) وحديث أم حبيبة (رواه ابن ماجه، وصححه أبو زرعة، وأعله البخاري بالانقطاع)، وبالتاريخ: فطلق قدم على النبي ﷺ وهو يبني المسجد في أول الهجرة، وأبو هريرة أسلم متأخرا وروى النقض، فقال بعضهم إن حديث طلق المنسوخabrogated ruling (mansukh)الحكم الشرعي المرفوع بالناسخ.في المسرد. وبأن حديث النقض ناقل عن الأصل، وحديث طلق مقرر للالبراءة الأصليةoriginal non-liabilityعدم التكليف قبل ورود الشرع، ورفعها بأول الشرع ليس نسخا.في المسرد. فقالوا: ينتقض الوضوء بالمس ببطن الكفrestraint (kaff)حمل النفس على ترك المنهي عنه قصدا، وهو المكلف به في النهي عند الجمهور.في المسرد دون حائل، والحنابلة على النقض ببطن الكف وظهره على المذهب. - الحنفية: رجحوا حديث طلق: بأن الرجال أعلم بهذا الحكم وأحوج إلى السؤال عنه من النساء، وبأنه مما تعم به البلوى، فلو كان ناقضا لاشتهر عند الرجال، وخبر الواحد فيما تعم به البلوى لا يُقبل عندهم (الكتاب والسنة)، وبأنه مروي عن جماعة من الصحابة كعلي وابن مسعود. فقالوا: لا ينقض المس. - المالكية: المشهور النقض بالمس بباطن الكف أو باطن الأصابع أو جنبها، وفي المذهب رواية بالاستحباب. ومن المالكية من جمع بحمل حديث بسرة على المس بشهوة أو بباطن الكف، وحديث طلق على غير ذلك.

الحكم: ينتقض وضوء صاحب سؤال الافتتاح عند المالكية والشافعية والحنابلة، ولا ينتقض عند الحنفية. والمسألة تجمع مرجحات السند (كثرة الطرق، وتضعيف أحد الحديثين)، والمتن (الناقل والمقررreport departing from the baseline over one confirming itتقديم الخبر الناقل عن البراءة الأصلية على المقرر لها عند الأكثر.في المسرد)، والتاريخ (دعوى النسخ)، وقاعدة حنفية في الثبوت (عموم البلوى).

تطبيق الصلاة ذات السبب في أوقات النهي

النصان: «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس» (رواه البخاري ومسلم)، و«إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» (رواه البخاري ومسلم). فمن دخل المسجد بعد العصر اجتمع عليه العمومان، وهما عامان من وجه: الأول عام في الصلوات خاص بالأوقات، والثاني عام في الأوقات خاص بتحية المسجد.

الشافعية سلكوا فرعهم في الشجرة: بدؤوا بالجمع، فخصوا أحاديث النهي بما لا سبب له، وأبقوا ذوات الأسباب كتحية المسجد والقضاءmake-up (qada')فعل العبادة بعد خروج وقتها استدراكا لما سبق وجوبه أو انعقد سببه.في المسرد الفائتة وصلاة الكسوف على عمومها، فأجازوها. وقووا ذلك بأن عموم أحاديث النهي مخصوص بالإجماع في قضاء الفرائض، والعام المخصوص أضعف عندهم.

والحنفية سلكوا فرعهم: لم يُعلم تاريخ، فانتقلوا إلى الترجيح، فقدموا الحاظر على المبيح، فمنعوا التطوع ذا السبب في هذه الأوقات.

والمالكية منعوا على المشهور، والحنابلة منعوا على المذهب إلا ما استُثني كركعتي الطواف والإعادةrepetition (i'ada)فعل العبادة ثانيا في وقتها لخلل في الأولى أو لتحصيل فضيلة.في المسرد الجماعة، وعن أحمد رواية بالجواز اختارها ابن تيمية. والمالكية والحنابلة يقدمون الجمع في المنهج، لكنهم رأوا الجمع هنا غير متجه، أو قدموا عموم النهي. فالحالة توضح أثر ترتيب الشجرة عند الشافعية والحنفية، ولا يطرد الفرعnew case (farʿ)المحل المسكوت عنه المراد إلحاقه بالأصل.في المسرد مع المنهج في كل مذهب.

٢ التعارض بين القول والفعل

إذا تعارض قوله ﷺ وفعله، فالجمهور يجمعون ما أمكن: إما بحمل الفعل على الخصوصية به ﷺ، وإما بحمله على بيان الجواز وصرف القول عن التحريم، وإما بتخصيص عموم القول بحال الفعل. فإن تعذر الجمع قدموا القول، لأنه يعم بصيغته ويُقصد به التشريع، والفعل يحتمل.

ومثاله استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة: قال ﷺ: «لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط» (رواه البخاري ومسلم من حديث أبي أيوب)، وقال ابن عمر: رقيت على بيت حفصة فرأيت النبي ﷺ يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام (رواه البخاري ومسلم). فجمع المالكية والشافعية بحمل النهي على الصحراء، والفعل على البنيان، فأجازوا ذلك في البنيان. وقدّم الحنفية القول، فمنعوا الاستقبال والاستدبار في البنيان والصحراء على المعتمد، ورأوا الفعل محتملا للخصوصية أو العذر. والمذهب عند الحنابلة التحريم في الفضاء والجواز في البنيان، وعن أحمد رواية بالمنع فيهما.

أداة تفكير شجرة القرار عند التعارض

الشجرة أداة حديثة لعرض ترتيب ثابت للأسئلة، وتصلح لتمثيل ما يفعله المجتهد عند التعارض: يسأل سؤالا، فإن أجاب بنعم انتهى، وإلا انتقل إلى التالي. وتنفع الطالب في أمرين: أن يعرف موضع الافتراق بين المذاهب في الترتيب نفسه قبل الفروع، وأن يرى لماذا ينتهي مذهبان إلى حكمين مختلفين مع اتفاقهما على الدليلين وثبوتهما، كما في الصلاة ذات السبب.

وحدّ الأداة ثلاثة أمور. الأول: الشجرة تُرسم فرعين متوازيين، ولا يجوز توحيد ترتيبهما في شجرة واحدة، لأن الترتيب نفسه موضع الخلاف. الثاني: الأسئلة في العقد ليست آلية: «هل يمكن الجمع؟» يحتاج حكما اجتهاديا على قرب التأويل وبعده (المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول)، و«هل لأحدهما مرجح؟» يحتاج موازنة بين مرجحات قد تتعارض هي أيضا، والأصوليون يرتبون المرجحات ترتيبا ولا يقدرونها بالأرقام. الثالث: الفرع لا يطرد مع الشجرة دائما، فالمالكية والحنابلة يقدمون الجمع ومنعوا الصلاة ذات السبب، لأن الحكم يُبنى على مجموع الأدلة والقرائن.

تنبيه الجمع والترجيح والنسخ ليست أسماء لنتيجة واحدة

يقول الطالب أحيانا «رجحنا بين الدليلين» وهو يقصد أنه جمع بينهما، أو «جمعنا» وهو يقصد أنه حمل أحدهما على الآخر بالنسخ. والفرق أن الجمع يُعمل الدليلين، والترجيح يُعمل أحدهما ويترك الآخر مع بقائه دليلا في غير محل التعارض، والنسخ يرفع حكم المتقدم. وأثر الفرق ظاهر: ما تُرك بالترجيح قد يعود عند زوال المعارض أو في مسألة أخرى، وما نُسخ لا يعود. ويُحذر كذلك من دعوى النسخ عند العجز عن الجمع والترجيح، فالنسخ لا يثبت إلا بطرقه المعتبرة (النسخ).

صلة الفصل بغيره

خلاصة الفصل

  1. التعارض تقابل الدليلين على سبيل الممانعة في محل واحد وزمن واحد، والترجيح تقوية أحدهما بما ليس دليلا مستقلا.
  2. التعارض في نظر المجتهد، ولا تعارض في نفس الأمر، والأكثر على امتناع تعادل الأمارتين في نفس الأمر.
  3. شروطه: التساوي في الحجية والقوة، واتحاد المحل والزمن، وتضاد الحكمين.
  4. لا تعارض بين قطعيين إلا في الظاهر، ولا بين قطعي وظني، وموضعه الظنيات.
  5. الجمهور: الجمع ثم النسخ ثم الترجيح ثم التوقف أو التخيير أو التساقط.
  6. الحنفية: النسخ ثم الترجيح ثم الجمع ثم التساقط والرجوع إلى ما دون الدليلين رتبة، ثم إلى الأصل.
  7. أنواع الجمع: التخصيص، والتقييد، والتأويل، والحمل على حالين، والحمل على اختلاف الحكم.
  8. وجوه الترجيح أربعة أبواب: السند والمتن والمدلول والأمر الخارج.
  9. الحنفية يمنعون الترجيح بكثرة الأدلة، لأن الترجيح عندهم بالوصف لا بالأصل.
  10. من مرجحات المتن: القول على الفعل، والحاظر على المبيح، والمثبت على النافي، والمنطوق على المفهوم.
  11. من المرجحات الخارجية: موافقة دليل آخر، وعمل أهل المدينة عند المالكية، وعمل الخلفاء.
  12. الترجيح بين الأقيسة برتبة الأصل ومسلك العلة وصفتها، وعند الحنفية بقوة الأثر.
  13. اختلاف الترتيب قد يؤدي إلى حكم واحد كعدة الحامل المتوفى عنها، وقد يفرّق كالصلاة ذات السبب.

تمارين

  1. هل يقع تعارض بين آية قطعية الدلالة وخبر واحد؟ علّل.
  2. رتّب طرق دفع التعارض عند الحنفية والجمهور، وعلّل كل ترتيب في سطر.
  3. صنّف نوع الجمع: (أ) حمل الشهادة قبل السؤال على من لا يعلم صاحب الحق بها، (ب) تخصيص آية المواريث بحديث «لا يرث المسلم الكافر»، (ج) حمل الرقبة في الظهار على المؤمنة.
  4. بيّن المرجح في كل مثال: (أ) تقديم رواية ميمونة في نكاح المحرم، (ب) تقديم رواية بلال في الصلاة في الكعبة، (ج) تقديم حديث النهي على حديث تحية المسجد عند الحنفية.
  5. لماذا لا يرجح الحنفية بكثرة الأدلة؟ اربط الجواب بتعريفهم للترجيح.
  6. رد هذا الفرع إلى أصله: قال الحنفية في سؤر الحمار إنه مشكوك فيه، يُتوضأ به ويُتيمم.
  7. اتفقت المذاهب على أن عدة الحامل المتوفى عنها وضع الحمل. بيّن كيف وصل كل منهج إلى ذلك.
  8. ارسم فرعي الشجرة لمسألة استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، وبيّن في أي عقدة الوقفsuspension of judgement (waqf)في مسألة الأشياء قبل الشرع: نفي الحكم حتى يرد الشرع عند الأشاعرة، أو عدم العلم بحكم ثابت عند من قاله من الحنفية.في المسرد كل مذهب.
  9. حلّ عبارة الشاشي: «ثم إذا تعارض القياسان عند المجتهد يتحرى ويعمل بأحدهما لأنه ليس دون القياس دليل شرعي يصار إليه».

أجوبة التمارين

  1. لا تعارض حقيقي، لأن القطعي يُقدَّم على الظني، والتعارض يشترط التساوي في القوة، فإن أمكن أن يكون الخبر بيانا لالمجملambiguous term (mujmal)ما لم تتضح دلالته، أو احتمل معنيين لا مزية لأحدهما، فافتقر إلى البيان.في المسرد أو تخصيصا لعام ظني عند الجمهور عُمل به على وجه لا يرفع القطعي.
  2. الحنفية: النسخ لأن التاريخ يكشف مراد الشارع بلا تأويل، ثم الترجيح لأن العمل بالأقوى أولى من التكلف، ثم الجمع، ثم التساقط. الجمهور: الجمع لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، ثم النسخ، ثم الترجيح، ثم التوقف أو التخيير.
  3. (أ) الحمل على حالين، (ب) التخصيص، (ج) التقييد عند الجمهور.
  4. (أ) صاحب الواقعة، (ب) المثبت على النافي، (ج) الحاظر على المبيح.
  5. الترجيح عندهم إظهار زيادة لأحد المتماثلين وصفا لا أصلا، والدليل الثاني أصل مستقل لا وصف للأول، فلا يقوى به.
  6. تعارضت الأدلة في لحمه وسؤره ولم يترجح أحدها ولم يمكن الجمع، فتساقطت، فرجعوا إلى الأصل: الماء طاهر بيقين والحدث ثابت بيقين، فجمعوا بين الوضوء والتيمم احتياطا.
  7. الجمهور: آية الطلاق مخصصة لعموم آية البقرة، وحديث سبيعة مبيّن. الحنفية: آية الطلاق متأخرة كما قال ابن مسعود، فهي ناسخة لعموم آية البقرة في قدر الحامل. ورُوي عن علي وابن عباس الجمع بأبعد الأجلين، وتُرك لقيام السنة.
  8. الجمهور: ج١ يمكن الجمع بحمل النهي على الصحراء والفعل على البنيان، فوقف المالكية والشافعية، والحنابلة على المذهب، عند ج١. الحنفية: ح١ لا تاريخ، ح٢ يُرجَّح القول على الفعل، فوقفوا عند ح٢ ومنعوا مطلقا.
  9. هذا آخر فرع الحنفية: تعارض القياسين لا يبقى بعده دليل شرعي ينزل إليه المجتهد، فيعمل بأحدهما بالتحريconsidered personal judgment (taharri)عند الحنفية: اجتهاد المجتهد وعمله بما تطمئن إليه نفسه حين لا يبقى دليل يُنزل إليه، كتعارض القياسين.في المسرد، أي بما تطمئن إليه نفسه بعد النظر، لأن التحري يُلجأ إليه حين لا دليل ولا بدل.

  1. أصول الشاشي لأبي علي الشاشي الحنفي، بحث «إذا تعارض الدليلان ما يفعل المجتهد»، في البحث الثالث (الإجماع) وما يليه. النص مطابق لطبعة المكتبة الشاملة. ↩

  2. الورقات لإمام الحرمين الجويني، باب النسخ، «تنبيه في التعارض». النص مطابق لطبعة المكتبة الشاملة. ↩

الاختبارات: التعارض والترجيح