التعارض والترجيح
موقع الفصل من المنظومة
هذا الفصل المحطة الرابعة من خط الاستنباط: فحص المعارض. فالناظر بعد أن جمع الأدلة وفحص ثبوتها (الكتاب والسنة)، واستخرج دلالة كل منها ودرجتها (مبادئ لغوية إلى طرق الدلالة بين المنهجين)، قد يجد دليلين يقتضي أحدهما خلاف ما يقتضيه الآخر. فيسأل: هل التعارضconflict of evidence (ta'arud)تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، بأن يقتضي أحدهما خلاف ما يقتضيه الآخر في محل واحد وزمن واحد.في المسرد حقيقي؟ وإن كان، فبأي ترتيب أدفعه؟ وما المرجحات التي تقوّي أحد الدليلين؟
ويجمع هذا الفصل أدوات سبقت متفرقة: التخصيصspecification (takhsis)قصر العام على بعض أفراده، ويفارق النسخ بأنه في الأفراد لا في الأزمان.في المسرد في العام والخاص، والتقييد والتأويلinterpretation (ta'wil)صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى مرجوح يحتمله، لدليل يصيّره راجحا.في المسرد في المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول، والنسخabrogation (naskh)رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ عنه؛ وعند كثير من الحنفية: بيان انتهاء مدة الحكم.في المسرد في النسخ، وترتيب الدلالات في طرق الدلالة بين المنهجين. ويضيف إليها أمرين: ترتيب استعمالها، وهو موضع افتراق المنهجين، ووجوه الترجيحpreference (tarjih)تقوية أحد الدليلين المتعارضين بما ليس دليلا مستقلا، فيُعمل بالأقوى؛ وعند الحنفية إظهار زيادة لأحد المتماثلين وصفا لا أصلا.في المسرد.
سؤال الافتتاح
توضأ رجل ثم مس ذكره بباطن كفه من غير حائل، فأراد أن يصلي. بلغه حديث بسرة بنت صفوان: «من مس ذكره فليتوضأ»، وحديث طلق بن علي أن النبي ﷺ سئل عن الرجل يمس ذكره فقال: «هل هو إلا بضعة منك». هل انتقض وضوؤه؟ وبأي طريق يُدفع التعارض بين الحديثين؟
١ حقيقة التعارض
التعارض لغة: التقابل والتمانع، من عرض الشيء إذا اعترض فمنع. واصطلاحا: تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، بأن يقتضي أحدهما في محل واحد وزمن واحد خلاف ما يقتضيه الآخر. والتعادلequipollence (ta'adul)تساوي الدليلين المتعارضين بحيث لا مزية لأحدهما على الآخر.في المسرد عند المتكلمين: تساوي الدليلين المتعارضين بحيث لا مزية لأحدهما. والترجيح: تقوية أحد الدليلين المتعارضين بما ليس دليلا مستقلا، فيُعمل بالأقوى. وعرّفه الحنفية بأنه إظهار زيادة لأحد المتماثلين على الآخر وصفا لا أصلا، وعلى هذا القيد بنوا مسألة الترجيح بكثرة الأدلة، وستأتي.
١ لا تعارض في نفس الأمر
أدلة الشرع صادرة عن حكيم عليم، فلا يتناقض كلامه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. فالتعارض يقع في نظر المجتهد، لقصور علمه بالتاريخ أو بالمخصص أو بوجه الجمع، ولا يقع في مراد الشارع. ومن هنا كان دفع التعارض بحثا عن مراد واحد الخفيobscure (khafi)ما خفي المراد منه في بعض أفراده بعارض من غير الصيغة، ويزول بالطلب.في المسرد، لا اختيارا بين مرادين.
واختلفوا في أمارتين ظنيتين: هل يمكن أن تتعادلا في نفس الأمرcommand (amr)القول الطالب للفعل على جهة الاستعلاء؛ وعند ابن السبكي: اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير نحو كف.في المسرد، فلا يكون لإحداهما مزية عند الله؟ فمنعه الأكثر، منهم الكرخي من الحنفية وأحمد في المنقول عنه، وأجازه القاضي أبو بكر الباقلاني وجماعة. وذكر ابن السبكي في جمع الجوامع امتناع تعادل القاطعين، وكذا الأمارتين في نفس الأمر على الصحيح.
٢ شروط التعارض
لا يكون التعارض حقيقيا حتى تجتمع شروط:
- أن يتساوى الدليلان في الحجية، فلا تعارض بين حجة وما ليس بحجة، كالحديث الصحيح والضعيف.
- أن يتساويا في القوة من جهة الثبوت عند الحنفية، فلا يعارض خبر الواحدsolitary report (khabar al-wahid)ما لم يبلغ حد التواتر، يوجب العمل ويفيد الظن عند الجمهور.في المسرد المتواترmass-transmitted report (mutawatir)خبر جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه، مستندهم الحس، ويفيد العلم.في المسرد، بل يُقدَّم المتواتر. ومن هنا قال الحنفية إن العامgeneral term ('amm)لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر؛ وعند الحنفية: ما ينتظم جمعا من المسميات لفظا أو معنى.في المسرد القطعيdefinitive (qat'i)ما لا يحتمل غير مدلوله احتمالا ناشئا عن دليل، في ثبوته أو دلالته.في المسرد يعارض الخاصspecific term (khass)كل لفظ وُضع لمعنى معلوم على الانفراد، جنسا أو نوعا أو عينا أو عددا.في المسرد القطعي، ولا يعارضه الخاص الظنيprobable (zanni)ما يحتمل غير مدلوله احتمالا مرجوحا، في ثبوته أو دلالته.في المسرد (العام والخاص).
- أن يتحد المحل والزمن، فلا تعارض بين حل النكاح قبل الطلاق وحرمته بعده، ولا بين حكمين في زمنين إذا عُلم التاريخ، فذلك نسخ.
- أن يتضاد الحكمان، فلا تعارض بين الإيجاب والندب في شيئين، ولا بين فعل يدل على الجواز وقول لا يمنعه.
٢ بين أي الأدلة يقع؟
- بين قطعيين: لا يقع تعارض حقيقي، لأنه يؤدي إلى اجتماع النقيضين. فإن ظهر بين نصين قطعيين كان أحدهما ناسخا للآخر إذا عُلم التاريخ، وما يُحكى من تعارض بينهما فهو في الظاهر.
- بين قطعي وظني: لا تعارض، ويُقدَّم القطعي، لأن الظنprobability, preponderant belief (zann)إدراك الطرف الراجح من أمرين محتملين.في المسرد لا يقاوم اليقين. ويدخل هنا الخلاف في قطعية دلالة العام عند الحنفية، فما يراه الحنفية قطعيا يراه الجمهور ظنيا، فيختلفون في وجود التعارض أصلا.
- بين ظنيين: هو موضع التعارض والترجيح، وفيه أكثر مسائل الباب.
١ شجرة القرار عند التعارض
إذا ثبت التعارض، فللمنهجين ترتيبان متوازيان. والمنهج الذي يقدم الجمع يبدأ من الفرضfard (definitively established obligation)عند الحنفية: ما ثبت لزومه بدليل قطعي لا شبهة فيه، يكفر جاحده؛ وعند الجمهور مرادف للواجب.في المسرد أن الشارع أراد الدليلين معا، والمنهج الذي يقدم النسخ والترجيح يبدأ من فرض أن مراد الشارع يُعرف بالتاريخ أو بالقوة قبل التأويل.
مسألة خلافية ما ترتيب طرق دفع التعارض؟
- الحنفية المشهورwell-known report (mashhur, Hanafi sense)عند الحنفية: ما كان آحادا في الطبقة الأولى ثم انتشر في القرن الثاني والثالث وتلقته الأمة بالقبول، يفيد الطمأنينة ويزاد به على الكتاب.في المسرد في كتب المتأخرين كالتوضيح وشرح المنار: النسخ إن عُلم التاريخ، ثم الترجيح، ثم الجمع، ثم التساقطmutual cancellation (tasaqut)ترك الدليلين المتعارضين في محل التعارض عند تعذر النسخ والترجيح والجمع، والانتقال إلى ما دونهما.في المسرد والرجوع إلى ما دون الدليلين في الرتبة. وقدّم بعض الحنفية الجمع على الترجيح.
- المالكية الجمع، ثم النسخ، ثم الترجيح.
- الشافعية الجمع أولا، لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، ثم النسخ إن عُلم التاريخ، ثم الترجيح، ثم التوقفsuspension of judgmentترك الحكم في المسألة حتى يظهر مرجح، من أقوال الجمهور عند التعادل.في المسرد أو التخييرoption (takhyir)تسوية الشارع بين فعل الشيء وتركه، وهو الإباحة.في المسرد.
- الحنابلة الجمع، ثم النسخ، ثم الترجيح.
- سبب الخلاف هل الجمع بتأويل أحد الدليلين قد يكون تكلفا يخالف مراد الشارع، فيُقدَّم ما يُعرف به مراده من تاريخ أو قوة، أم أن إعمال الكلامين أولى ما أمكن؟
- الثمرة الصلاة ذات السببcause (sabab)الوصف الظاهر المنضبط الذي جعله الشارع علامة على الحكم، يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته.في المسرد في أوقات النهيprohibition (nahy)القول الطالب للكف عن فعل على جهة الاستعلاء؛ وصيغته لا تفعل.في المسرد، وتأتي حالة محلولة.
والشجرة تُالرسمdescription (rasm)تعريف الشيء بالجنس والخاصة أو بآثاره اللازمة، كتعريف الواجب بما يُثاب فاعله ويُعاقب تاركه.في المسرد فرعين متوازيين لا يُوحَّد ترتيبهما:
دليلان متعارضان في الظاهر
│
┌──────────────────────┴──────────────────────┐
فرع الجمهور فرع الحنفية
│ │
ج١ هل يمكن الجمع؟ ح١ هل عُلم التاريخ؟
نعم ← اجمع (تخصيص، تقييد، نعم ← المتأخر ناسخ
تأويل، حمل على حالين) (بشروط الناسخ)
لا ↓ لا ↓
ج٢ هل عُلم التاريخ؟ ح٢ هل لأحدهما مرجح؟
نعم ← المتأخر ناسخ نعم ← اعمل بالراجح
لا ↓ لا ↓
ج٣ هل لأحدهما مرجح؟ ح٣ هل يمكن الجمع؟
نعم ← اعمل بالراجح نعم ← اجمع
لا ↓ لا ↓
ج٤ التوقف، أو التخيير، ح٤ تساقطا، فارجع إلى ما دونهما:
أو التساقط والرجوع إلى البراءة آيتان ← السنة
(أقوال) سنتان ← قول الصحابي والقياس
قياسان ← التحري والعمل بأحدهما
ولا دليل ← الأصل (الاستصحاب)
وللمنصة، عُقد الشجرة وحوافها:
| العقدة | السؤال | نعم | لا |
|---|---|---|---|
| ج١ | هل يمكن الجمع بوجه مقبول؟ | الحكم بالجمع (انتهى) | ج٢ |
| ج٢ | هل عُلم المتأخر منهما؟ | المتأخر الناسخabrogating text (nasikh)الخطاب الشرعي الدال على رفع الحكم المتقدم، والناسخ حقيقة هو الله تعالى.في المسرد (انتهى) | ج٣ |
| ج٣ | هل لأحدهما مرجح معتبر؟ | العمل بالراجحpreponderant position (rajih)عند المالكية: ما قوي دليله.في المسرد (انتهى) | ج٤ |
| ج٤ | ــ | التوقف أو التخيير أو التساقط والرجوع إلى البراءة | ــ |
| ح١ | هل عُلم المتأخر منهما؟ | المتأخر ناسخ (انتهى) | ح٢ |
| ح٢ | هل لأحدهما مرجح معتبر؟ | العمل بالراجح (انتهى) | ح٣ |
| ح٣ | هل يمكن الجمع بوجه مقبول؟ | الحكم بالجمع (انتهى) | ح٤ |
| ح٤ | ــ | التساقط والانتقال إلى الدليلproof, evidence (dalil)ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.في المسرد الأدنى رتبة، ثم إلى الأصلroot, basis (asl)لغة ما يُبنى عليه غيره؛ واصطلاحا يطلق على الدليل، والراجح، والقاعدة المستمرة، والمقيس عليه.في المسرد | ــ |
من المتون أصول الشاشي (الحنفي)، بحث إذا تعارض الدليلان
ثمَّ اذا تعَارض الدليلان عِنْد الْمُجْتَهد فان كَانَ التَّعَارُض بَين الْآيَتَيْنِ يمِيل الى السّنة، وان كَانَ بَين السنتين يمِيل الى آثَار الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَالْقِيَاس الصَّحِيح، ثمَّ اذا تعَارض القياسان عِنْد الْمُجْتَهد يتحَرَّى وَيعْمل بِأَحَدِهِمَا لانه لَيْسَ دون الْقيَاس دَلِيل شَرْعِي يُصَار إِلَيْهِ.
الحل: هذا آخر فرع الحنفية في الشجرة، أي العقدة ح٤، بعد أن تعذر النسخ والترجيح والجمع. «عند المجتهد» قيد يقرر أن التعارض في نظره. و«يميل إلى السنة» أي يترك الآيتين ويعمل بما دونهما رتبة، لأنهما تساقطا في محل التعارض. فإن تعارضت سنتان نزل إلى قول الصحابي والقياس، وهما في رتبة واحدة هنا عند الشاشي. فإن تعارض قياسان لم يبق دونهما دليل شرعي، فيتحرى المجتهد ويعمل بأحدهما بشهادة قلبه. وفرّع الشاشي على ذلك أن المسافر معه إناءان طاهر ونجس لا يتحرى بينهما بل يتيمم، لأن للماء بدلا هو التراب، ومعه ثوبان طاهر ونجس يتحرى، لأن الثوب لا بدل له. فالتحري عندهم آخر ما يُلجأ إليه، حين لا يبقى دليل ولا بدل.1
من المتون الورقات للجويني، تنبيه في التعارض
إِذا تعَارض نطقان فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَكُونَا عَاميْنِ أَو خاصين أَو أَحدهمَا عَاما وَالْآخر خَاصّا أَو كل وَاحِد مِنْهُمَا عَاما من وَجه وخاصا من وَجه. فَإِن كَانَا عَاميْنِ فَإِن أمكن الْجمع بَينهمَا جمع وَإِن لم يُمكن الْجمع بَينهمَا يتَوَقَّف فيهمَا إِن لم يعلم التَّارِيخ فَإِن علم التَّارِيخ ينْسَخ الْمُتَقَدّم بالمتأخر وَكَذَا إِذا كَانَا خاصين.
الحل: «النطقان» النصان من الكتاب أو السنة، احترازا من الإجماع والقياس. وقسم الجويني التعارض بحسب العموم والخصوص أربعة أقسام. وفي العامين والخاصين رتّب: الجمع إن أمكن، فإن لم يمكن نُظر في التاريخ، فإن جُهل توقف، وإن عُلم نسخ المتقدم بالمتأخر. فهذا فرع الجمهور في الشجرة، مختصرا على مستوى الورقات: لم يذكر الترجيح هنا، وذكره المتوسطون بين النسخ والتوقف. وتمام عبارته أن العام والخاص يُخص فيه العام بالخاص، وأن العامين من وجه يُخص عموم كل منهما بخصوص الآخر، وهذه صور من الجمع.2
٢ الحالة الأولى: عدة الحامل المتوفى عنها زوجها
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وقال: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. فالحامل المتوفى عنها داخلة في العمومين.
- طريق الجمع: رُوي عن علي وابن عباس رضي الله عنهم أنها تعتد بأبعد الأجلين، فتعمل بالآيتين معا.
- طريق النسخ أو التخصيص بالتاريخ: قال ابن مسعود رضي الله عنه: «أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى» (رواه البخاري)، يريد أن آية الطلاق متأخرة، فهي تقضي على آية البقرة في الحامل. وهذا مسلك الحنفية: العلمknowledge, certainty ('ilm)معرفة المعلوم على ما هو به؛ أو حكم لا يحتمل متعلَّقه النقيض بوجه.في المسرد التاريخ يُقدَّم.
- طريق السنةthe Sunnaما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير.في المسرد المبينة: حديث سبيعة الأسلمية أنها وضعت بعد وفاة زوجها بليال فأفتاها النبي ﷺ بأنها قد حلت (رواه البخاري ومسلم).
فاتفقت المذاهب الأربعة على أن عدتها الوضعassignment (wad')جعل اللفظ دليلا على المعنى بحيث إذا أُطلق فُهم منه؛ وهو صفة الواضع.في المسرد الحملattribution of meaning (haml)اعتقاد السامع مراد المتكلم من لفظه؛ وقواعد الأصوليين في الدلالة قواعد في الحمل.في المسرد، واختلف الطريق: الجمهور عدّوا آية الطلاق مخصصة لعموم آية البقرة، وحديث سبيعة بيانا، والحنفية عدّوها ناسخة لالقدرmeasure (kayl or wazn)الكيل أو الوزن، وهو مع اتحاد الجنس علة ربا الفضل عند الحنفية والمذهب عند الحنابلة.في المسرد ما تناولته لتأخرها مع تساويهما في القطعية. والحالة تُظهر أن اختلاف ترتيب الشجرة قد ينتهي إلى حكم واحد، وأن الجمع بأبعد الأجلين، مع وجاهته في الأصل، تركه الجمهور لقيام السنة المبينة.
٢ الحالة الثانية: سؤر الحمار
وهي مثال الحنفية المشهور على العقدة ح٤. تعارضت عندهم الأدلة في لحم الحمار الأهلي وسؤره: النهي عن لحوم الحمر الأهليةlegal capacity (ahliyya)صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه، ولصدور الأفعال منه على وجه يعتد به.في المسرد يوم خيبر، وآثار مختلفة عن الصحابة في سؤره، فرُوي عن ابن عمر أنه كان يكره سؤره، وعن ابن عباس أنه طاهر. فلم يترجح عندهم دليل، ولم يمكن الجمع، فتساقطت، فرجعوا إلى الأصل: الماء طاهر بيقين، والحدث ثابت بيقين، واليقين لا يزول بالشكdoubt (shakk)تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر.في المسرد. فقالوا: سؤر الحمار مشكوك فيه، فمن لم يجد غيره توضأ به وتيمم، وأيهما قدّم أجزأ. والجمهور على أن سؤره طاهر، لأن الأصل في الحيوان الطاهر في حياته طهارة سؤره، أو ترجيحا لأدلة الطهارة.
١ أنواع الجمع
الجمع: إعمال الدليلين معا بحمل كل منهما على وجه لا يناقض الآخر. وشرطه أن يكون بوجه تحتمله الألفاظ، وأن لا يعود على أحد النصين بالإبطال. وأنواعه:
- التخصيص: يُخص العام بالخاص، كتخصيص ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بحديث «لا يرث المسلم الكافر» (رواه البخاري ومسلم). وفي العامين من وجه يُخص عموم كل منهما بخصوص الآخر (العام والخاص).
- التقييد: يُحمل المطلق على المقيدreading the unrestricted as restrictedفهم المطلق مرادا به المقيد إذا ورد في نص آخر، على تفصيل في صوره الأربع.في المسرد على المقيدrestricted term (muqayyad)ما دل على الماهية مع قيد يقلل شيوعها، من وصف أو شرط أو غاية أو حال.في المسرد (المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول).
- التأويل: يُصرف أحد الظاهرين إلى معنى محتمل بدليل (المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول).
- الحمل على حالينassigning each text to a different caseنوع من الجمع ينزل فيه كل دليل على حال غير حال الآخر.في المسرد: يُنزَّل كل دليل على حال غير حال الآخر. كقوله ﷺ: «ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها» (رواه مسلم)، مع ذمه ﷺ قوما «يشهدون ولا يُستشهدون» (رواه البخاري ومسلم). فحُمل الأول على من عنده شهادة لا يعلم بها صاحبها، أو على الشهادة في حقوق الله، والثاني على من يشهد بما لا يعلم أو يتسرع إلى الشهادة في حقوق الناس قبل طلبها.
- الحمل على اختلاف الحكم: يُحمل الأمر على الندب والنهي على الكراهة، أو يُحمل أحد الفعلين على البيانclarification (bayan)عند الشافعي: إظهار الله أحكامه لعباده بالكتاب والسنة على مراتب، يبين بعضها بعضا.في المسرد الجواز والآخر على الأفضل.
١ وجوه الترجيح
الترجيح عمل بالأقوى من الظنين، وهو الواجبwajib (obligatory)عند الجمهور: ما طلب الشارع فعله طلبا جازما. وعند الحنفية: ما ثبت لزومه بدليل فيه شبهة، لا يكفر جاحده.في المسرد عند جماهير العلماء، وحُكي عن قوم إنكاره. ووجوهه كثيرة، أوصلها بعضهم إلى مئة، وترجع إلى أربعة أبواب: السند، والمتن، والمدلول، والأمر الخارج. والقاعدة الجامعة: كل ما يزيد الظن بصدق الخبر أو بإرادة المعنى يصلح مرجحا، ما لم يكن دليلا مستقلا عند من يمنع الترجيح بكثرة الأدلة.
١ الترجيح باعتبار السند
- كثرة الرواة: يُرجَّح عند الجمهور الخبر الذي رواه أكثر، لأن الكثرة تزيد الظن ببعد الغلط. وأما الحنفية فالمشهور عنهم منع الترجيح بكثرة الأدلة، لأن الترجيح عندهم يكون بوصف في الدليل نفسه لا بانضمام دليل آخر إليه، والدليل الثاني يقوم بنفسه. واختلف النقل عنهم في كثرة الرواة: فنقل كثير من كتب الخلاف عنهم المنع إلحاقا بكثرة الأدلة، وذكر بعضهم الترجيح بها ما لم تبلغ الحدdefinition (hadd)التعريف الكاشف عن حقيقة الشيء بالجنس والفصل، ويُشترط فيه أن يكون جامعا مانعا.في المسرد الشهرة، والمعتمدrelied-upon position (mu'tamad)القول الذي استقر الترجيح عليه عند أهل الترجيح في المذهب.في المسرد في المذهبthe school's position (al-madhhab)عند النووي: الراجح من طريقين أو طرق في حكاية المذهب.في المسرد يحتاج إلى مراجعة كتب الحنفية المطولة.