من الدليل إلى الحكم

الكتاب كاملا

الكتاب في صفحة واحدة بترتيب القراءة، مهيأ للطباعة.

من الدليل إلى الحكم

تقريب أصول الفقه وتفصيله على مذاهب الحنفية والمالكية والشافعية

المدخل

خطة الكتاب ومنهجه

١ غاية الكتاب

أصول الفقه هو العلم الذي يبين كيف يُستخرج الحكم الشرعي العملي من دليله، وبأي شروط يصح ذلك. وهذا الكتاب يعلّمه لطالب علم قرأ شيئا من الفقه والعربية والحديث، ويريد أن يعرف كيف يُبنى الحكم من الدليل، ولماذا اختلف الأئمة، وكيف يُوزن قول المفتي.

ومادته مادة الكتب المعتمدة في المذاهب: الورقات وشروحها، والمنار وشرحه، ومراقي السعود ونشر البنود، وغاية الوصول، ومختصر ابن الحاجب، وجمع الجوامع، والمستصفى، والموافقات. والجديد فيه في العرض والربط والتطبيق: العلم يُرسم بناء واحدا، وتُردّ مسائله إلى مواضعها من ذلك البناء، ويُقارن فيه بين المذاهب في صلب كل مبحث، وتُستعمل أدوات من التفكير الحديث حيث تكشف المعنى، مع بيان حدودها. ومصطلح العلم محفوظ بلفظه، يُشرح بلغة قريبة عند أول وروده.

١ المنظومة: الأقطاب وخط الاستنباط

رسم الغزالي في صدر المستصفى أصول الفقه على أربعة أقطاب: الثمرة وهي الأحكام، والمثمر وهو الأدلة، وطرق الاستثمار وهي وجوه دلالة الأدلة، والمستثمر وهو المجتهد. واتخذ الكتاب هذه الأقطاب عمودا، وجعل القياس في الأدلة على طريقة الجمهور، وأضاف حلقتين تحيطان بها: المقاصد، وهي الغاية التي تضبط النظر كله وتعمل عند خفاء النص ووزن المآلات، والتخريج والتنزيل، وهما الأصول في العمل: كيف تولدت فروع المذاهب من أصولها، وكيف يُنزّل الحكم على الواقعة المعينة.

ثم تتحول الأقطاب إلى طريق يسلكه الناظر في كل واقعة، هو خط الاستنباط:

الواقعة/السؤال ← ١. تعيين نوع الحكم المطلوب (تكليفي أو وضعي) [الثمرة] ← ٢. جمع الأدلة وفحص ثبوتها (قطعي/ظني الثبوت) [المثمر] ← ٣. استخراج الدلالة ودرجتها (قطعية/ظنية الدلالة) [طرق الاستثمار] ← ٤. فحص المعارض: تخصيص، تقييد، نسخ، ترجيح [طرق الاستثمار] ← ٥. إلحاق ما لا نص فيه: قياس، استصلاح، استحسان، عرف… [المثمر] ← ٦. الوزن المقاصدي والنظر في المآل [المقاصد] ← ٧. تحقيق المناط في الواقعة المعينة [التنزيل] ← الحكم، ودرجة اليقين فيه، وأهلية من قاله [المستثمر]

كل فصل يبدأ بتعيين موضعه على هذا الخط، وكل خلاف يُعيَّن موضع افتراقه عليه: في ثبوت الدليل، أو في دلالته، أو في المعارض، أو في الإلحاق، أو في الوزن المقاصدي، أو في تحقيق المناط.

١ أدوات التفكير العشر

تتكرر في الكتاب والمنصة عشر أدوات بأسمائها، وتُربط كل مرة بالمصطلح التراثي الذي تشرحه:

  1. خط الاستنباط: المحطات الثماني السابقة.
  2. شبكة الثبوت والدلالة: أربع خانات من القطع والظن في الثبوت والدلالة، وعليها بنى الحنفية الفرق بين الفرض والواجب، والحرام والمكروه تحريما.
  3. مراتب الإدراك: العلم، ثم الاعتقاد، ثم الظن، ثم الشك، ثم الوهم، وما يكفي منها في العمل.
  4. الأصل والاستثناء: العموم حتى المخصص، والإطلاق حتى المقيد، والبراءة حتى الناقل، والحقيقة حتى القرينة.
  5. سؤال سبب الخلاف: رد كل خلاف إلى جذره من ثبوت أو دلالة أو قاعدة منهجية أو نظر مقاصدي أو تصور للواقعة.
  6. الثمرة: لكل خلاف أصولي فرع فقهي يظهر فيه، فإن خلا منه نُبّه على أنه لفظي.
  7. الطبقات الثلاث: كل مبحث موسوم بطبقته.
  8. الغاية داخل القيود: المقاصد تعمل في المساحة التي يتركها النص والإجماع، ولا يُدّعى مقصد إلا بمسلك من مسالك إثباته.
  9. التنزيل الرباعي: الحكم الكلي، ثم محله، ثم تنزيله على المعيّن، ثم مآله.
  10. اختبار الحجة بالاعتراض: تُفحص الحجة بالقوادح وأسئلة المناظرة، والقادح مقيد بأصول المذهب.

والتشبيه الحديث في هذه الأدوات تعليمي: الأصوليون رتبوا الظن أقوى وأضعف ولم يقدّروه بالأرقام، والاجتهاد ملكة يعمل فيها النظر والترجيح، والأداة تعين عليه ولا تقوم مقامه.

١ الطبقتان والمستويات

يجمع المجلد طبقتين متصلتين. التقريب منظومة مختصرة في ثمانية فصول ومتن جامع، يرسم العلم كله على الأقطاب وخط الاستنباط، في مستوى الورقات مع زيادة الربط وخريطة لمواضع افتراق المذاهب وأسبابه. وكُتب بعد التفصيل اختصارا منه، فكل تعريف فيه ونسبة توافق ما في التفصيل، وكل قضية فيه تحيل إلى موضع بسطها. والتفصيل اثنان وعشرون فصلا في مستوى المتوسطات المقارنة، تُبسط فيها المسائل بخلاف المذاهب وأدلتها وثمراتها، مع مقتطفات محلولة من المتون، وتطبيقات تسير فيها مسألة فقهية على خط الاستنباط، وتمارين بأجوبتها.

وكل عنوان في التفصيل موسوم بطبقته: الطبقة الأولى أصل لا يسع طالب الأصول جهله، والثانية تفصيل المتوسطات، والثالثة تحقيق لمن أراد التخصص. فالتقريب كله من الطبقة الأولى، والتفصيل يجمع الطبقات الثلاث.

١ المقارنة بين المذاهب وقاعدة الأمانة

تُذكر المذاهب في كل موضع بترتيبها التاريخي: الحنفية، ثم المالكية، ثم الشافعية، ثم الحنابلة حيث يتميز قولهم. وتُعرض مسائل الخلاف في كتل ثابتة البناء: قول كل مذهب، ثم سبب الخلاف، ثم الثمرة الفقهية، ثم التحقيق حين يكون للمسألة تحرير. وعلى هذا جرى أهل تخريج الفروع على الأصول: الزنجاني، والتلمساني، والإسنوي، ومن المعاصرين مصطفى الخن.

وقاعدة النسبة أن القول لا يُنسب إلى مذهب أو إمام إلا بما تقرره كتب المذهب المعتمدة. فإذا اختلف أهل المذهب ذُكر المعتمد، وأُشير إلى الخلاف الداخلي حين يكون معتبرا. والمعتمد يُعرف بطرق كل مذهب: طبقات المسائل وظاهر الرواية عند الحنفية، والمشهور والراجح وما جرى به العمل عند المالكية، وما اتفق عليه الشيخان الرافعي والنووي ثم ما رجحه ابن حجر والرملي عند الشافعية، والإقناع والمنتهى عند الحنابلة. والآيات مضبوطة على رسم المصحف بسورها وأرقامها، والأحاديث مخرجة مع درجة ما خرج عن الصحيحين، والنقل الحرفي عن المتون لا يُكتب إلا بعد مطابقته، وما لم يُطابق يُنقل بالمعنى.

١ مقابلة الكتاب بالكتب التراثية

يغطي الكتاب أبواب المتوسطات كلها، ويرتبها على المنظومة. والجدول يقابل كل قسم بموضعه التقريبي في أربعة كتب: الورقات لإمام الحرمين، والمنار للنسفي عند الحنفية، ومراقي السعود لسيدي عبد الله الشنقيطي عند المالكية، وجمع الجوامع لابن السبكي عند الشافعية. والمراقي نظم يسير على ترتيب جمع الجوامع في الجملة.

قسم الكتاب الورقات المنار مراقي السعود جمع الجوامع
حد العلم ومبادئه ومدارسه (t01، f01، f02) تعريف الأصول والفقه، والعلم والظن والشك الفاتحة وتقسيم أصول الشرع المقدمة المقدمات
الحكم الشرعي والأهلية (t02، f03 إلى f05) الأحكام السبعة في أول الكتاب العزيمة والرخصة في أبواب الكتاب، والأحكام والأسباب والأهلية وعوارضها في آخره المقدمة: الحكم وأقسامه المقدمات: الحكم والتكليف
الكتاب والسنة (t03، f06) الأفعال، والأخبار الكتاب، ثم السنة وأقسام الخبر كتاب القرآن، وكتاب السنة الكتاب الأول، والكتاب الثاني
النسخ (f07) النسخ بيان التبديل في فصل البيان بعد السنة في كتاب القرآن آخر الكتاب الأول
الإجماع (f08) الإجماع الإجماع كتاب الإجماع الكتاب الثالث
القياس (f09) القياس القياس كتاب القياس الكتاب الرابع
الأدلة المختلف فيها (f10، f11) الحظر والإباحة، وقول الصحابي شرع من قبلنا وقول الصحابي بعد أفعال النبي ﷺ، والاستصحاب والاستحسان في القياس كتاب الاستدلال الكتاب الخامس: الاستدلال
مبادئ اللغة وحروف المعاني (t04، f12) أقسام الكلام، والحقيقة والمجاز الحقيقة والمجاز، وحروف المعاني مباحث الأقوال مباحث الأقوال من الكتاب الأول
الأمر والنهي (f13) الأمر، والنهي الأمر، والنهي الأمر، والنهي الأمر، والنهي
العام والخاص والمطلق والمجمل والظاهر (f14، f15) العام والخاص، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول الخاص والعام والمشترك والمؤول، ومراتب الظهور والخفاء العام، والخاص، والمطلق، والظاهر، والمجمل والبيان الأبواب نفسها
طرق الدلالة (f16) لا باب له العبارة والإشارة والدلالة والاقتضاء المنطوق والمفهوم المنطوق والمفهوم
التعارض والترجيح (t05، f17) التعارض، وترتيب الأدلة فصل التعارض في أبواب السنة كتاب التعادل والتراجيح الكتاب السادس
المقاصد (t06، f18) لا باب له إشارات في العلة المؤثرة من القياس في المناسبة، وفي الاستدلال في المناسبة من القياس
الاجتهاد والتقليد (t07، f19، f20) الاجتهاد، والمفتي والمستفتي إشارات في باب القياس كتاب الاجتهاد الكتاب السابع
التخريج والأصول في زمننا (t08، f21، f22) لا باب له لا باب له لا باب له لا باب له

ويظهر من الجدول أمران: أن الكتب المتوسطة كلها تدور على الأقطاب نفسها مع اختلاف الترتيب، فالحنفية قدموا الأدلة وأخّروا الأحكام، والمتكلمون قدموا الأحكام في المقدمات؛ وأن المقاصد والتخريج والتنزيل، وهي حلقتا المنظومة المضافتان، لم تُفرد في هذه المتون بأبواب، فاستُمدت من الموافقات وكتب التخريج ومن البحوث المعاصرة.

١ المنصة المرافقة

يرافق الكتاب موقع ثابت يُبنى من ملفاته وبياناته، بالعربية مع واجهة إنجليزية. فيه خريطة المنظومة التفاعلية، بالنقر على كل محطة تظهر وظيفتها وفصولها؛ والقارئ بفهرس جانبي وتلوين للمذاهب وإظهار للطبقات ونوافذ للمصطلحات؛ ومختبر الاستنباط، تُسار فيه قضايا فقهية خطوة خطوة، ويختار المتعلم المذهب فيرى أين يفترق الطريق ولماذا؛ وجدول الخلاف قابلا للتصفية والبحث؛ والمسرد بمقابلاته الإنجليزية؛ وبطاقات المصطلحات بالتكرار المتباعد؛ واختبارات كل فصل مع تعليل الصواب والخطأ؛ وخطة دراسة في اثني عشر أسبوعا.

١ الغاية: الملكة الأصولية

الغاية من الكتاب الملكة الأصولية: قدرة راسخة على أن ينظر الطالب في الواقعة فيعيّن نوع الحكم المطلوب، ويجمع أدلتها ويزن ثبوتها، ويستخرج دلالتها ودرجتها، ويفحص معارضها، ويلحق ما لا نص فيه بأصله، ويزن المآل، ويحقق المناط، ثم يصف الحكم بدرجة اليقين فيه وبأهلية قائله. ومن بلغ هذه الملكة عرف لماذا قال كل إمام ما قال، وقرأ كتب المذاهب بفهم لمصطلحها ومأخذها، واستطاع أن يمضي بعد هذا الكتاب إلى المطولات وهو يعرف موضع كل مسألة من البناء كله.

القسم الأول: التقريب

ما أصول الفقه؟ العلم في صورة واحدة

موقع الفصل من المنظومة

هذا الفصل يرسم الخريطة التي تسير عليها فصول التقريب كلها. فهو يعرّف العلم الذي يصف خط الاستنباط من أوله إلى آخره، ويضع أدواته المنطقية الأولى، ويبين كيف بُني الكتاب على أقطاب الغزالي، ثم يرد اختلاف الأئمة إلى جذوره. ولا يحتاج إلى شيء قبله، ويحتاج إليه كل ما بعده.

١ حد أصول الفقه

  1. «أصول الفقه» مركب إضافي نُقل فصار لقبا لعلم مخصوص، فله تعريفان: باعتبار الإضافة، وباعتبار اللقب حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه.

  2. الأصل لغة ما يُبنى عليه غيره، واصطلاحا يطلق على الدليل، والقاعدة، والراجح، والمستصحب. والمراد هنا الدليل.

  3. الفقه عند الشافعية: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية. والمنقول عن أبي حنيفة: معرفة النفس ما لها وما عليها، وزاد صدر الشريعة «عملا» ليخرج الاعتقاد والأخلاق. وفي الورقات: معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد.

  4. أصول الفقه لقبا له ثلاث صيغ مشهورة: - عند البيضاوي من الشافعية: معرفة دلائل الفقه إجمالا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد. وتعريف الجويني في الورقات قريب منه: طرقه «على سبيل الإجمال، وكيفية الاستدلال بها». - عند ابن الحاجب من المالكية: العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية، ويخرج علم الخلاف بقيد الاستنباط. - عند الحنفية: حد صدر الشريعة: العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى الفقه على وجه التحقيق، وحد ابن الهمام: إدراك القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الفقه، واختار «الإدراك» ليشمل الظن.

مسألة خلافية هل أصول الفقه هي الأدلة أم القواعد؟

  • الحنفية علم بالقواعد الموصلة إلى الفقه، والمتوصل بها هو المجتهد.
  • المالكية ابن الحاجب: علم بالقواعد، والاجتهاد يُذكر في آخر المختصر تبعا.
  • الشافعية البيضاوي والغزالي: أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها، وأدخل البيضاوي حال المستفيد في الحد.
  • الحنابلة يتداولون الطريقين، ففي شرح الكوكب المنير تعريفه بالقواعد مع حكاية من عرّفه بطرق الفقه إجمالا.
  • سبب الخلاف هل الأصل اسم للدليل فيكون العلم معرفته، أم اسم للقاعدة التي تحكم الاستدلال فيكون العلم إدراكها؟ ثم هل المجتهد موضوع للبحث أم آلة خارجة عنه؟
  • الثمرة الخلاف في أكثره لفظي، لأن الفريقين يبحثان المسائل نفسها. ويظهر أثره في بناء الكتب: من أدخل حال المستفيد في الحد جعل الاجتهاد والتقليد بابا أصيلا.

١ الأصول والفقه والقواعد الفقهية

  1. القاعدة الأصولية موضوعها الدليل، وهي سابقة على الفرع، وآلة للمجتهد: «الأمر المطلق للوجوب». والحكم الفقهي ثمرتها: «الوتر واجب» أو «سنة». والقاعدة الفقهية موضوعها فعل المكلف، وهي مستقرأة من الفروع، تجمعها وتضبطها: «اليقين لا يزول بالشك».

  2. والتخريج ثلاثة: تخريج الفروع على الأصول، وتخريج الأصول من الفروع، وتخريج الفروع على الفروع، ومحلها تخريج الفروع على الأصول.

  3. والقاعدة الأصولية تقع كبرى في قياس منطقي، والنص المعين صغراه، والحكم الفقهي نتيجته: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أمر، والأمر المطلق للوجوب، فإقامة الصلاة واجبة.

١ موضوعه واستمداده وفائدته

  1. موضوعه الأدلة الإجمالية من حيث يُستنبط منها الحكم، كما عند الآمدي، وأضاف صدر الشريعة الأحكام من حيث تثبت بالأدلة.

  2. استمداده من ثلاثة: علم الكلام (لأن حجية الأدلة تتوقف على معرفة الله وصدق الرسول)، والعربية (لأن الأدلة ألفاظ عربية)، وتصور الأحكام (لأن المطلوب إثبات الحكم، ولا يُثبت ما لا يُتصور).

  3. فائدته القدرة على معرفة أحكام الله بأدلتها، وحفظ الدين من الرأي المجرد. وتعلمه فرض كفاية.

١ أدوات منطقية لازمة

  1. الإدراك تصور وتصديق. التصور يُطلب بالحد، ويشترط في الحد أن يكون جامعا مانعا. والتصديق يُطلب بالدليل.

  2. الدليل ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري. ويخص بعضهم اسم الدليل بما يوصل إلى القطع، ويسمي ما يوصل إلى الظن أمارة.

  3. القطعي ما لا يحتمل غير مدلوله احتمالا ناشئا عن دليل، والظني ما يحتمله احتمالا مرجوحا. والقطع والظن يدخلان الدليل من جهتين: الثبوت والدلالة، وتفصيل ذلك في الحكم الشرعي.

  4. مراتب الإدراك خمس: العلم، ثم الاعتقاد، ثم الظن، ثم الشك، ثم الوهم. والظن الغالب يوجب العمل في الفروع، والشك يُطرح ويُرجع معه إلى الأصل. وفي الورقات: «والظن تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر، والشك تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر».

أداة تفكير مراتب الإدراك

تعطي هذه الأداة الحكم في آخر خط الاستنباط صفته: هل هو مقطوع به أو مظنون؟ والفقه في أكثره ظني الطريق، ووجوب العمل بالظن الغالب مقطوع به عند الرازي ومن تبعه. ويقرب منه في الفكر الحديث التفريق بين اليقين البرهاني والترجيح المعقول الذي تقوم عليه الأحكام القضائية. وحدّ التشبيه أن الأصوليين رتبوا الظن ترتيبا، أقوى وأضعف، ولم يقدّروه بالأرقام؛ فلا يصح تحويل الترجيح الأصولي إلى نسب احتمالية.

١ الصورة الواحدة: الأقطاب وخط الاستنباط

  1. رسم الغزالي في صدر المستصفى العلم على صورة الزرع: الأحكام ثمرة، والأدلة مثمر، ووجوه الدلالة طرق الاستثمار، والمجتهد المستثمر. وجمع في الثمرة التكليفي والوضعي، وعد الأدلة ثلاثة، وجعل القياس من طرق الاستثمار لأنه عنده دلالة «بالمعنى المعقول».

  2. واتخذ الكتاب هذه الأقطاب عمودا، وجعل القياس في الأدلة على طريقة الجمهور، وأضاف حلقتين: المقاصد، الغاية التي تضبط النظر كله، والتخريج والتنزيل، وهما الأصول في العمل.

  3. ثم تتحول الأقطاب الساكنة إلى طريق يسلكه الناظر في كل واقعة، وهو خط الاستنباط بمحطاته الثماني:

المحطة العمل القطب فصل التقريب
1 تعيين نوع الحكم المطلوب: تكليفي أو وضعي الثمرة t02
2 جمع الأدلة وفحص ثبوتها المثمر t03
3 استخراج الدلالة ودرجتها طرق الاستثمار t04
4 فحص المعارض: تخصيص، تقييد، نسخ، ترجيح طرق الاستثمار t04، t05
5 إلحاق ما لا نص فيه: قياس، استصلاح، استحسان، عرف المثمر t03
6 الوزن المقاصدي والنظر في المآل المقاصد t06
7 تحقيق المناط في الواقعة المعينة التنزيل t06، t08
8 الحكم، ودرجة اليقين فيه، وأهلية قائله المستثمر t07
  1. والخط ترتيب للنظر، والمجتهد قد يرجع من محطة إلى ما قبلها: يجد المخصص في المحطة الرابعة فيعود إلى درجة الدلالة في الثالثة، ويظهر له في التنزيل مآل يرده إلى الوزن المقاصدي.

تطبيق الوتر على المحطات الأولى

السؤال: ما حكم صلاة الوتر؟ في المحطة الأولى المطلوب حكم تكليفي: هل هو واجب أم مندوب؟ وفي الثانية تُجمع الأحاديث الآمرة بالوتر، وهي أخبار آحاد ظنية الثبوت. وفي الثالثة يُنظر في صيغة الأمر: الأمر المجرد للوجوب عند الأئمة الأربعة، فيبقى السؤال عن القرينة الصارفة. وفي الرابعة يُبحث المعارض: أحاديث حصر المفروض في خمس صلوات. فأبو حنيفة أخذ بالأمر، وأنزله منزلته من درجة ثبوته، فالوتر عنده واجب يُقضى ولا يكفر جاحده؛ وصاحباه والجمهور جعلوا أحاديث الخمس صارفة، فالوتر سنة مؤكدة. وفي المحطة الثامنة يوصف الحكم بأنه ظني مجتهد فيه، لا يُنكر فيه على المخالف.

١ مدارس الكتابة في الأصول

  1. كانت قواعد الأصول معمولا بها عند الصحابة والأئمة قبل التدوين. والرسالة للشافعي أول كتاب جامع وصل إلينا، وموضوعها البيان والسنة والنسخ والخبر والإجماع والقياس والاجتهاد. ونُقل أن أبا يوسف وضع كتبا في الأصول على مذهب أبي حنيفة، ولم يصل منها شيء نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية.

  2. طريقة المتكلمين تقرر القاعدة بالدليل وتجرد المسائل عن الفروع، وأمهاتها العمد والمعتمد والبرهان والمستصفى، ثم المحصول والإحكام. وعليها سار الشافعية والمالكية والحنابلة في الغالب.

  3. طريقة الحنفية تستخرج القواعد من فروع الأئمة وتكثر التمثيل، ولذلك سميت طريقة الفقهاء، وأمهاتها الفصول للجصاص وتقويم الأدلة للدبوسي وأصول البزدوي والسرخسي.

  4. طريقة الجمع تحقق القاعدة وتحكي المذهبين: بديع النظام لابن الساعاتي، والتنقيح مع التوضيح لصدر الشريعة، والتحرير لابن الهمام، ومسلّم الثبوت، ويُلحق بها جمع الجوامع لابن السبكي.

  5. الشاطبي في الموافقات أعاد بناء العلم على المقاصد، وجعل كل مسألة لا ينبني عليها عمل خارجة عن الأصول.

  6. ولكل مذهب سلّم من الكتب: الشاشي ثم المنار للحنفية، والورقات ثم مراقي السعود أو مرتقى الوصول للمالكية، والورقات ثم غاية الوصول للشافعية، وقواعد الأصول ثم الروضة للحنابلة.

  7. والمسائل الكلامية التي دخلت الأصول، كالتحسين والتقبيح وحكم الأشياء قبل الشرع، خلاف بين مدارس الكلام لا بين مذاهب الفقه، فقد يجتمع الحنفي والشافعي في قول واحد إذا اتفقت مدرستهما الكلامية. والحاكم هو الله باتفاق، والخلاف في طريق معرفة حكمه.

١ لماذا اختلف الأئمة؟ الجذور الخمسة

  1. كل خلاف فقهي معتبر يرجع إلى جذر من خمسة، وهي سؤال سبب الخلاف الذي استعمله ابن رشد في بداية المجتهد وابن تيمية في رفع الملام، ويُستعمل في كل كتلة خلاف من هذا الكتاب:
الجذر محطته مثاله
ثبوت الدليل 2 خبر الواحد فيما تعم به البلوى: نقض الوضوء بمس الذكر يرده الحنفية ويأخذ به الجمهور
دلالة الدليل 3، 4 قطعية العام عند الحنفية: متروك التسمية عمدا يحرم عندهم، لأن خبر الواحد لا يخص عموم الآية، ويحل عند الشافعية
قاعدة منهجية 4، 5 الزيادة على النص نسخ عند الحنفية؛ ترتيب طرق دفع التعارض؛ حجية المصلحة المرسلة
نظر مقاصدي 6 سد الذرائع: بيوع الآجال والعينة يمنعها المالكية والحنابلة ويصححها الشافعية مع الكراهة
تصور الواقعة وتحقيق مناطها 5، 7 علة الربا ومحلها، والنقود الورقية: هل تتحقق فيها الثمنية؟
  1. والجذور تتداخل في المسألة الواحدة. ففي الفاتحة يلتقي ثبوت الحديث بالآحاد، وقطعية دلالة ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] عند الحنفية، وقاعدة الزيادة على النص؛ فجعلوا الفاتحة واجبا لا ركنا تخريج الفروع على الأصول.

  2. وتوزيع اليقين هو أوسع أسباب افتراق الحنفية عن الجمهور: قطعية العام والخاص والمطلق، والزيادة نسخ، والفرض فوق الواجب. ويتميز المالكية في محطة الثبوت بعمل أهل المدينة، ويقع أكثر الخلاف داخل الجمهور في الإلحاق وتحقيق المناط.

  3. ولكل خلاف أصولي ثمرة فقهية تظهر فيه، فإن خلا من الثمرة كان لفظيا. وقد يتفق الأئمة في الحكم ويختلفون في المأخذ، كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها: خصّ به الجمهور عموم ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بخبر الواحد، وخصه الحنفية بالحديث نفسه على أنه مشهور.

تنبيه الأصل المستخرج من الفرع

أصول الحنفية في أكثرها مستخرجة من فروع الأئمة بعد استقرارها، فقد يكون الفرع أسبق من القاعدة التي يُبنى عليها في كتب التخريج. ولذلك يُقال إن الفرع «يطّرد» مع الأصل ويُفسَّر به، ولا يُقال دائما إنه وُلد منه. وهذا من حدود التخريج المبسوطة في تخريج الفروع على الأصول.

أين التفصيل

أسئلة استرجاع

  1. ما الفرق بين تعريف أصول الفقه باعتبار الإضافة وتعريفه لقبا؟
  2. لماذا اختار ابن الهمام لفظ «الإدراك» في حد الأصول؟
  3. بأي معيار تُميَّز القاعدة الأصولية من القاعدة الفقهية؟ مثّل لكل منهما.
  4. اذكر أقطاب الغزالي الأربعة، والحلقتين اللتين أضافهما الكتاب، ثم رتّب محطات خط الاستنباط.
  5. ما الفرق بين طريقة المتكلمين وطريقة الحنفية في التأليف؟
  6. إلى أي جذر من جذور الخلاف الخمسة يرجع خلاف الحنفية والشافعية في متروك التسمية عمدا؟

أجوبة أسئلة الاسترجاع

  1. باعتبار الإضافة هو أدلة الفقه خاصة، ولقبا علم يشتمل على الأدلة الإجمالية وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد عند من أدخله.
  2. ليشمل الظن، لأن أكثر مسائل الفقه وكثيرا من قواعد الأصول مظنونة، ولفظ «العلم» يوهم القطع.
  3. بالموضوع: الأصولية موضوعها الدليل، كقولنا «الأمر المطلق للوجوب»، والفقهية موضوعها فعل المكلف، كقولنا «اليقين لا يزول بالشك».
  4. الثمرة والمثمر وطرق الاستثمار والمستثمر، ومعها المقاصد والتخريج والتنزيل. والمحطات: نوع الحكم، ثبوت الدليل، الدلالة، المعارض، الإلحاق، الوزن المقاصدي، تحقيق المناط، الحكم وأهلية قائله.
  5. المتكلمون يقررون القاعدة بالدليل مجردة عن الفروع، والحنفية يستخرجونها من فروع أئمتهم ويكثرون التمثيل.
  6. إلى دلالة الدليل: عموم ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] قطعي عند الحنفية فلا يخصه خبر الواحد، وظني عند الشافعية فيخصه السياق والسنة. ووافق المالكية والحنابلة الحنفية في التحريم من طريق آخر.

الحكم الشرعي

موقع الفصل من المنظومة

الحكم هو الثمرة في أقطاب الغزالي، وهو المطلوب في آخر خط الاستنباط، ويُسأل عن نوعه في أوله: المحطة الأولى تعيّن هل المطلوب حكم تكليفي أم وضعي، والمحطة الثامنة تصف الحكم بدرجة اليقين فيه. ويحتاج الفصل من ما أصول الفقه؟ العلم في صورة واحدة إلى معنى القطع والظن، ويمهد لـالأدلة لأن قوة الدليل تظهر في اسم الحكم عند الحنفية.

١ حقيقة الحكم الشرعي

  1. الحكم عند المتكلمين: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. فالاقتضاء طلب الفعل أو الترك، والتخيير الإباحة، والوضع جعل الشيء سببا أو شرطا أو مانعا.

  2. والحكم عند الحنفية أثر هذا الخطاب في الفعل: الوجوب لا الإيجاب، والحرمة لا التحريم. والخلاف في الاعتبار، والمسائل واحدة.

  3. والحكم قسمان: تكليفي فيه طلب أو تخيير، ووضعي فيه ربط بين أمرين. والتكليفي يشترط فيه علم المكلف وقدرته، والوضعي لا يشترطان فيه في الأصل، فيضمن الصبي ما أتلف، ويستثنى من ذلك أسباب العقوبات والأسباب الناقلة للملك الحكم الوضعي.

١ الحكم التكليفي: خمسة أو سبعة

  1. القسمة عند الجمهور خمسة: الواجب (ما طُلب فعله طلبا جازما)، والمندوب (ما طُلب فعله طلبا غير جازم)، والمباح (ما خُيّر فيه)، والمكروه (ما طُلب تركه طلبا غير جازم)، والحرام (ما طُلب تركه طلبا جازما).

  2. والحنفية يجعلونها سبعة، فيزيدون الواجب بين الفرض والمندوب، والمكروه تحريما بين الحرام والمكروه تنزيها. والميزان عندهم طريق الثبوت: الفرض ما ثبت بدليل قطعي ويكفر جاحده، والواجب ما ثبت بدليل ظني ولا يكفر جاحده. والمكروه تحريما ما طُلب تركه طلبا جازما بدليل ظني، يأثم فاعله ولا يكفر مستحله.

مسألة خلافية هل الفرض والواجب مترادفان؟

  • الحنفية يفرقون: الفرض ما ثبت بقطعي، والواجب ما ثبت بظني، ويرتبون على ذلك آثارا في الاعتقاد والصحة والجبر.
  • المالكية مترادفان في الأصول، ويفرق الفقهاء في العبادات بين الفرض والسنة والفضيلة، وفي الحج بين الركن والواجب المجبور بالدم.
  • الشافعية مترادفان، والتفريق في الحج اصطلاح خاص بالباب.
  • الحنابلة المذهب الترادف، وعن أحمد رواية بالتفريق بين ما ثبت بالقرآن وما ثبت بالسنة.
  • سبب الخلاف هل يُنظر إلى صفة الطلب، وهو جازم في الحالين، أم إلى طريق ثبوته فيتفاوت الطلب بتفاوت قوة دليله؟
  • الثمرة الفاتحة في الصلاة: الفرض عند الحنفية مطلق القراءة لقوله ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، والفاتحة واجبة بحديث «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (رواه البخاري ومسلم)، فمن تركها سهوا سجد للسهو، ومن تركها عمدا أساء ووجبت الإعادة، ولا تبطل الصلاة. وهي ركن عند الجمهور تبطل الصلاة بتركه. ومثلها الوتر: واجب عند أبي حنيفة، سنة مؤكدة عند صاحبيه والجمهور.
  • التحقيق يرى كثير من الجمهور الخلاف لفظيا، ويبقى معنويا في العبادات، لأن الحنفية جعلوا للرتبة الوسطى حكما خاصا هو الصحة مع وجوب الإعادة أو الجبر.
  1. أقسام الواجب أربعة اعتبارات: بالوقت مطلق ومؤقت، والمؤقت موسع ومضيق؛ وبالمكلف عيني وكفائي؛ وبالمطلوب معين ومخير؛ وبالمقدار محدد وغير محدد. والواجب الموسع يتعلق عند الحنفية بالجزء المتصل بالأداء وإلا فبآخر الوقت، وعند الشافعية والحنابلة بأوله، وثمرته في الحائض والمسافر يطرأ عليهما العذر في الوقت.

  2. ما لا يتم الواجب إلا به واجب، إن كان في قدرة المكلف ولم يكن شرطا للوجوب: فالوضوء واجب لوجوب الصلاة، وملك النصاب لا يجب تحصيله لأنه شرط لوجوب الزكاة.

  3. المندوب مراتب: سنة الهدى والزوائد والنفل عند الحنفية، والسنة والرغيبة والفضيلة عند المالكية، والألفاظ مترادفة عند الشافعية والحنابلة. والنفل يلزم بالشروع عند الحنفية والمالكية، فمن أفسد صوم التطوع بلا عذر قضاه؛ ولا يلزم عند الشافعية والحنابلة إلا الحج والعمرة الحكم التكليفي.

  4. المباح حكم شرعي عند الجمهور، وليس مأمورا به من حيث هو. وقول الكعبي إن كل مباح ترك لحرام فهو واجب مردود بأن ترك الحرام لا يتعين بمباح معين.

  5. الحرام لذاته، كالزنا والميتة، لا يُشرع سببا لحكم. والحرام لغيره، كالبيع وقت النداء، يبقى أصله مشروعا. وعلى هذا التفريق يُبنى أثر النهي في الصحة الأمر والنهي.

١ شبكة الثبوت والدلالة

  1. يدخل القطع والظن الدليل من جهتين: الثبوت (هل صح أن الشارع قاله؟) والدلالة (هل يدل على هذا المعنى وحده؟). ومن تركيبهما أربع خانات:
قطعي الدلالة ظني الدلالة
قطعي الثبوت آية محكمة في معناها، وخبر متواتر صريح. ينتج عند الحنفية الفرض والحرام آية تحتمل معنيين. ينتج الواجب والمكروه تحريما
ظني الثبوت خبر واحد صريح. ينتج الواجب والمكروه تحريما خبر واحد محتمل. ينتج الواجب والمكروه تحريما، أو ما دونهما بقرينة
  1. فالحكم عند الحنفية يحمل في اسمه أثر درجة دليله، والجمهور يصفون الحكم بصفة الطلب وحده، ويسلّمون أن جاحد ما ثبت بالآحاد لا يكفر.

أداة تفكير شبكة الثبوت والدلالة

تُستعمل الشبكة في كل مسألة يفترق فيها الحنفية والجمهور في قوة الحكم: ضع الدليل في خانته، ثم اسأل ما الذي يقدر عليه. ويقرب منها في القانون الحديث تفاوت أثر الوثيقة في الإثبات بحسب درجة توثيقها. وحد الأداة أنها تصف قوة الدليل ولا تعمل عمل الآلة الحسابية؛ فالظني قد يرتقي بالشهرة أو بالإجماع على العمل، والمشهور عند الحنفية رتبة بين المتواتر والآحاد يُزاد به على الكتاب الكتاب والسنة.

١ الحكم الوضعي

  1. السبب ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته، كدخول الوقت للصلاة. والعلة عند من فرّق سبب ظهرت مناسبته. وللحنفية تقسيم رباعي: العلة، والسبب، والشرط، والعلامة؛ وعليه ضمّنوا حافر البئر في الطريق ولم يضمّنوا الدال على السرقة.

  2. الشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، كالطهارة للصلاة. وهو شرعي وعقلي وعادي ولغوي، واللغوي في حقيقته سبب.

  3. المانع ما يلزم من وجوده العدم: مانع حكم، كالأبوة في القصاص، ومانع سبب، كالدين في الزكاة عند من قال به.

  4. الصحة في العبادات موافقة الأمر عند المتكلمين، وإسقاط القضاء عند الفقهاء، والخلاف لفظي. وفي المعاملات ترتب الأثر المقصود من العقد.

مسألة خلافية هل الفاسد رتبة بين الصحيح والباطل؟

  • الحنفية نعم في المعاملات؛ الباطل ما لم يُشرع بأصله ولا بوصفه، والفاسد ما شُرع بأصله دون وصفه، ويفيد الملك بالقبض مع وجوب الفسخ. وفي العبادات هما سواء.
  • المالكية مترادفان في الأصل، لكن البيع الفاسد إذا فات المبيع مضى بالقيمة أو الثمن على تفصيل.
  • الشافعية مترادفان، إلا في أبواب معدودة كالحج والعمرة.
  • الحنابلة مترادفان، ويستثنى الحج والعمرة.
  • سبب الخلاف هل النهي عن الوصف يسري إلى الأصل فيعدمه، أم يقتصر أثره على الوصف؟
  • الثمرة البيع بزيادة ربوية: فاسد عند الحنفية يفيد الملك بالقبض ويجب فسخه، فإن باع المشتري ما قبضه نفذ بيعه وضمن القيمة. وباطل عند الشافعية والحنابلة لا يفيد ملكا ولو قُبض. ويُفسخ عند المالكية ما لم يفت، فإن فات مضى بالقيمة.
  1. والنكاح بغير ولي صحيح عند أبي حنيفة، غير صحيح عند الجمهور: يسميه الشافعية باطلا، ويعده الحنابلة فاسدا لأنه مختلف فيه فيُفرق فيه بطلاق أو فسخ، ويفسخه المالكية بطلاق. والنكاح بغير شهود فاسد عند الحنفية.

  2. العزيمة الحكم الثابت بدليل شرعي ابتداء، لا لعذر، والرخصة الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر، مع قيام السبب المقتضي لحكم العزيمة. فقيد «لعذر» يخرج النسخ، وقيد «مع قيام السبب» يخرج ما سقط لزوال سببه. وهي عند الحنفية قسمان: رخصة ترفيه يبقى معها حكم العزيمة فيجوز الأخذ بها، كالفطر للمسافر؛ ورخصة إسقاط يسقط معها حكم الأصل، كقصر الصلاة في السفر، فهو عندهم عزيمة في حق المسافر. والقصر عند المالكية سنة مؤكدة على المشهور، ورخصة عند الشافعية والحنابلة، وقد نفت الآية الجناح فيه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١].

تطبيق مسافر صلى الظهر أربعا

المحطة الأولى تسأل عن نوع الحكم قبل الدليل: المطلوب هنا حكم وضعي (هل صحت الصلاة؟) يتبعه حكم تكليفي (هل أساء؟). ثم يُرجع إلى ماهية القصر. فالحنفية جعلوه رخصة إسقاط، فالفرض في حق المسافر ركعتان، والقعود على رأسهما هو القعود الأخير وهو فرض: فإن قعد قدر التشهد صح فرضه مع الإساءة لتأخير السلام، وكانت الأخريان نفلا، وإن لم يقعد بطل فرضه. والشافعية والحنابلة جعلوه رخصة يجوز تركها، فصلاته صحيحة ولا إساءة. والمالكية جعلوه سنة مؤكدة، فصلاته صحيحة ويعيد في الوقت. فاختلاف تصور الرخصة في المحطة الأولى غيّر الجواب في الصحة والإثم معا.

  1. والعاصي بسفره يترخص عند الحنفية، لأن النصوص علّقت الرخصة بمطلق السفر، ولا يترخص عند الجمهور حتى يتوب، لأن الرخص لا تُناط بالمعاصي.

  2. الأداء فعل العبادة في وقتها المقدر لها شرعا، والإعادة فعلها ثانيا في وقتها لخلل في الأولى أو لتحصيل فضيلة، والقضاء فعلها بعد خروج وقتها استدراكا لما سبق له وجوب أو انعقد سبب وجوبه. والقضاء يجب عند عامة الحنفية بالسبب الأول، وعند أكثر الجمهور بأمر جديد، وقضاء الصلاة المتروكة واجب عند الأربعة، فالثمرة في المأخذ في أكثر الصور.

١ أطراف الحكم والأهلية

  1. للحكم ثلاثة أطراف: الحاكم وهو الله وحده، والمحكوم فيه وهو فعل المكلف، ويُشترط أن يكون معلوما مقدورا من كسبه، والمحكوم عليه وهو المكلف، وشرطه فهم الخطاب، وجعل الشارع البلوغ علامة عليه الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه.

  2. أهلية الوجوب صلاحية الإنسان لثبوت الحقوق له وعليه، ومناطها الذمة، فهي ناقصة للجنين وكاملة بالولادة. وأهلية الأداء صلاحيته لصدور التصرف منه معتبرا، ومناطها التمييز، فهي ناقصة للمميز وكاملة للبالغ العاقل.

  3. وتصرفات المميز المالية: النافع محضا صحيح، والضار محضا باطل، والدائر بينهما موقوف على إجازة الولي عند الحنفية والمالكية، ويصح بإذن الولي عند الحنابلة، ولا يصح عند الشافعية.

  4. وعوارض الأهلية سماوية: الصغر، والجنون، والعته، والنسيان، والنوم، والإغماء، والرق، والمرض، والحيض، والموت؛ ومكتسبة: الجهل، والسكر، والهزل، والسفه، والخطأ، والسفر، والإكراه. ومنهج الحنفية فيها أوفى، ومن ثماره عندهم: طلاق المكره يقع لأن الإكراه يعدم الرضا دون الاختيار، ولا يقع عند الجمهور.

  5. والمحكوم فيه حق لله، أو حق للعبد، أو ما اجتمع فيه الحقان، وما اجتمعا فيه يُعطى حكم الأغلب منهما. فحد القذف حق الله غالب فيه عند الحنفية، فلا يسقط بعفو المقذوف بعد رفعه إلى الإمام ولا يورث، وحق العبد غالب فيه عند الشافعية والحنابلة، فيسقط بالعفو ويورث.

  6. والكفار مخاطبون بفروع الشريعة عند الجمهور ومشايخ العراق من الحنفية، وغير مخاطبين بأداء العبادات عند مشايخ ما وراء النهر، والثمرة المتفق على ظهورها أخروية: زيادة العقاب على ترك الفروع.

تنبيه الحكم والمحكوم فيه

الوجوب صفة الحكم، والصلاة محل الحكم. فإذا قيل «الصلاة واجبة» فالمراد أن الفعل تعلق به خطاب الإيجاب. والتمييز بين الحكم ومحله يمنع خلطا شائعا بين قولنا «النية شرط» (حكم وضعي) وقولنا «النية واجبة» (حكم تكليفي)، فالأول يتعلق بالصحة والثاني بالإثم.

أين التفصيل

أسئلة استرجاع

  1. ما الفرق بين الحكم عند المتكلمين والحكم عند الحنفية؟
  2. لماذا كانت الأحكام التكليفية سبعة عند الحنفية؟
  3. ضع حديث «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» في شبكة الثبوت والدلالة، وبيّن أثر ذلك في حكم الفاتحة عند الحنفية.
  4. عرّف السبب والشرط والمانع بلوازمها.
  5. ما الفرق بين الفاسد والباطل في المعاملات عند الحنفية، وما ثمرته؟
  6. لماذا كان القصر عزيمة عند الحنفية؟

أجوبة أسئلة الاسترجاع

  1. الحكم عند المتكلمين خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، وعند الحنفية أثر الخطاب في الفعل، كالوجوب والحرمة.
  2. لأنهم زادوا الواجب بين الفرض والمندوب، والمكروه تحريما بين الحرام والمكروه تنزيها، اعتبارا بطريق ثبوت الدليل.
  3. هو ظني الثبوت لأنه خبر واحد، فلا يقوى عندهم على الزيادة على القطعي ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]؛ فالفرض مطلق القراءة، والفاتحة واجبة، تُجبر بسجود السهو ولا تبطل الصلاة بتركها.
  4. السبب يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم، والشرط يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده شيء، والمانع يلزم من وجوده العدم.
  5. الباطل ما لم يُشرع بأصله ولا وصفه، والفاسد ما شُرع بأصله دون وصفه؛ والفاسد يفيد الملك بالقبض مع وجوب الفسخ، كالبيع بزيادة ربوية.
  6. لأنه رخصة إسقاط، سقط بها حكم الأربع عن المسافر، فالركعتان الأخريان غير مشروعتين له.

الأدلة

موقع الفصل من المنظومة

الأدلة هي المثمر في أقطاب الغزالي. وتعمل في المحطة الثانية من خط الاستنباط، حيث تُجمع النصوص ويُفحص ثبوتها، وفي المحطة الخامسة، حيث يُلحق ما لا نص فيه بالقياس وما يتصل به. ويدخل النسخ في المحطة الرابعة لأنه أحد وجوه دفع التعارض. ويحتاج الفصل إلى معنى القطع والظن من ما أصول الفقه؟ العلم في صورة واحدة، وإلى شبكة الثبوت والدلالة من الحكم الشرعي.

١ الأدلة وترتيبها

  1. الأدلة المتفق عليها بين المذاهب الأربعة أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وأنكر الظاهرية والنظّام القياس. وما سواها مختلف فيه، يحتج به مذهب ويرده آخر أو يدخله تحت اسم غيره.

  2. والأدلة تُقسم بالمصدر إلى نقلي وعقلي، وبالمرتبة إلى قطعي وظني، وبالشمول إلى إجمالي (موضوع الأصول) وتفصيلي (موضوع الفقه).

١ الكتاب

  1. القرآن عند الحنفية: المنزل على الرسول المكتوب في المصاحف المنقول تواترا بلا شبهة. وعند المتكلمين: اللفظ المنزل على محمد ﷺ للإعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته.

  2. التواتر شرط القرآنية، فما نُقل آحادا ليس قرآنا ولا تصح الصلاة به. والقرآن قطعي الثبوت كله، ودلالته منها القطعي والظني.

  3. القراءة الشاذة حجة كخبر الواحد عند الحنفية والحنابلة، وليست حجة عند المالكية، وللشافعية فيها قولان معتبران، اعتمد ابن السبكي أنها تجري مجرى الآحاد. وثمرتها التتابع في صيام كفارة اليمين بقراءة «متتابعات»: يشترطه الحنفية والحنابلة، ولا يشترطه المالكية والشافعية على الأظهر.

١ السنة

  1. السنة حجة بالكتاب والإجماع، وهي مع القرآن مؤكدة، أو مبيّنة، أو مستقلة بالتشريع. وهي قول وفعل وتقرير. والفعل جبلي مباح، وخاص به ﷺ لا يُقتدى فيه، وبياني حكمه حكم المبيَّن، ومطلق فيه خلاف بين الوجوب والندب والإباحة والتوقف. والتقرير دليل الجواز بشرط علمه ﷺ وقدرته على الإنكار.

  2. وهي من جهة السند: متواتر يفيد العلم، وآحاد يوجب العمل ويفيد الظن. وزاد الحنفية المشهور: ما كان آحادا في طبقة الصحابة، ثم انتشر في عصر التابعين وتابعيهم حتى نقله جمع لا يُتوهم تواطؤهم على الكذب، وتلقته الأمة بالقبول، كحديث المسح على الخفين. وهو يفيد عندهم طمأنينة القلب، دون اليقين وفوق الظن، ويُزاد به على الكتاب ويُخص به عمومه ابتداء. وهو عند الجمهور نوع من الآحاد يقوى بكثرة طرقه.

  3. شروط العمل بخبر الواحد تتفاوت بين المذاهب، وهي أول موضع يظهر فيه جذر «ثبوت الدليل» من جذور الخلاف: - الحنفية يفحصون الخبر بما يسمونه الانقطاع الباطن: ألا يخالف الكتاب أو السنة المشهورة، وألا يكون فيما تعم به البلوى، وألا يخالفه راويه بعد روايته، ويشترط عيسى بن أبان ومن تبعه فقه الراوي إذا خالف خبره القياس من كل وجه، وخالفه الكرخي. وإذا نسي الأصل ما رواه عنه الفرع رده الكرخي وجماعة من الحنفية، وقبله الجمهور. - المالكية يعرضون الخبر على عمل أهل المدينة النقلي وعلى القواعد القطعية. - الشافعية والحنابلة يكتفون بصحة السند.

  4. ومن ثمرات ذلك: نقض الوضوء بمس الذكر، يرده الحنفية لعموم البلوى، ويأخذ به الجمهور. وحديث المصراة، يرده أبو حنيفة ومحمد لمخالفته قياس الضمان من كل وجه، ويأخذ به الجمهور. وغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثا عند الحنفية، لأن أبا هريرة راوي السبع أفتى بالثلاث.

  5. المرسل عند الأصوليين قول العدل الذي لم يلق النبي ﷺ: قال رسول الله ﷺ، فيدخل فيه المنقطع والمعضل، وهو عند المحدثين ما رفعه التابعي ولم يذكر الصحابي. وهو حجة عند الحنفية إذا كان المرسل ثقة من القرون الثلاثة، وعند المالكية في الجملة، وعند الشافعي بشروط الاعتضاد التي ذكرها في الرسالة، وعن أحمد روايتان.

١ النسخ

  1. النسخ رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ، وهو عند كثير من الحنفية بيان انتهاء مدة الحكم. وهو جائز عقلا واقع شرعا، ولا نسخ بعد وفاة النبي ﷺ.

  2. شروطه: أن يكون المنسوخ حكما شرعيا عمليا غير مؤقت، والناسخ خطابا شرعيا متراخيا مساويا أو أقوى عند الجمهور، مع تعذر الجمع. ويُعرف بالنص، وبقول الصحابي «آخر الأمرين»، وبالتاريخ.

  3. ويفترق النسخ عن التخصيص بأنه رفع في الزمان، والتخصيص قصر في الأفراد. والمخصص المستقل المتراخي عن العام ناسخ عند الحنفية لقطعية العام عندهم، ومخصص عند الجمهور ما لم يتأخر عن وقت الحاجة.

  4. ويجيز الحنفية والمالكية نسخ القرآن بالسنة المتواترة، ويزيد الحنفية المشهورة، ونص الشافعي في الرسالة على أن القرآن لا يُنسخ إلا بقرآن، والسنة لا تنسخها إلا سنة، وصحح ابن السبكي في جمع الجوامع الجواز في الجهتين وحمل نص الشافعي على أن الناسخ يكون معه من الآخر ما يعضده، وعن أحمد روايتان. واستدل المانعون بقوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. ولا يُنسخ القطعي بخبر الواحد عند الجمهور.

مسألة خلافية هل الزيادة على النص نسخ؟

  • الحنفية الزيادة التي تغير حكم المزيد عليه شرعا، فتجعله بعض المطلوب بعد أن كان كله، أو تجعل المطلق مقيدا، نسخ؛ فلا تثبت بخبر الواحد ولا بالقياس إذا كان المزيد عليه قطعيا، وتثبت بالمتواتر والمشهور.
  • المالكية ليست نسخا عند الأكثر، وتُقبل بخبر الواحد.
  • الشافعية ليست نسخا، لأن النسخ رفع، والزيادة ضمت إلى الحكم الأول حكما ولم ترفع منه شيئا.
  • الحنابلة ليست نسخا.
  • سبب الخلاف هل إجزاء المزيد عليه وحده حكم شرعي ثابت بالنص فيكون رفعه نسخا، أم كان سكوتا عن الزيادة فرفعه رفع للبراءة الأصلية؟ ويُضم إليه قطعية دلالة العام والمطلق عند الحنفية.
  • الثمرة التغريب مع الجلد في حد الزاني البكر، والقضاء بالشاهد واليمين، واشتراط النية في الوضوء، وتعين الفاتحة، واشتراط الإيمان في رقبة الظهار: يردها الحنفية أو ينزلونها عن رتبة الفرض، ويثبتها الجمهور.

١ الإجماع

  1. الإجماع اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي ﷺ في عصر على أمر. وهو يكشف عن دليل ولا ينشئ حكما، ولا ينعقد إلا عن مستند، ويجوز أن يكون مستنده قياسا عند الجمهور. وحجيته ثابتة بمجموع الآية والأحاديث وعمل الصحابة.

  2. أهله المجتهدون، ومخالفة الواحد والاثنين تمنع انعقاده عند الجمهور. ولا يشترط انقراض العصر عند الجمهور، واشترطه أبو يعلى وجماعة على ظاهر كلام أحمد.

  3. الإجماع السكوتي إجماع قطعي عند أكثر الحنفية، وحجة عند جمهور المالكية، وليس إجماعا ولا حجة في جديد الشافعي، لقوله المشهور: «لا ينسب إلى ساكت قول»، وجعله جماعة من أصحابه حجة ظنية، وهو إجماع وحجة عند الحنابلة.

  4. والإجماع مراتب: الصريح المنقول تواترا قطعي، والسكوتي والمنقول آحادا ظنيان عند الجمهور. ودعوى الإجماع تُختبر بالحاكي والعبارة والنطاق ونقل المخالف.

١ القياس

  1. القياس مساواة فرع لأصل في علة حكمه. وأركانه أربعة: الأصل، والفرع، وحكم الأصل، والعلة؛ وحكم الفرع ثمرته. ويُشترط في حكم الأصل أن يثبت بنص أو إجماع، وأن يكون معقول المعنى غير منسوخ.

  2. العلة وصف ظاهر منضبط مناسب، والحكمة غير المنضبطة لا يُعلل بها. ومسالكها: النص، والإيماء، والإجماع، والسبر والتقسيم، والمناسبة، والشبه، والدوران، والطرد، والأخير مردود عند الجمهور.

  3. وتخريج المناط استخراج علة لم يُنص عليها، وتنقيحه حذف الأوصاف الملغاة من سبب منصوص، وتحقيقه إثبات العلة في الواقعة المعينة، وهو الجسر إلى التنزيل ولا ينكره أحد.

  4. والعلة القاصرة المستنبطة لا يُعلل بها عند الحنفية، ويُعلل بها الجمهور. وعلة الربا القدر مع الجنس عند الحنفية والحنابلة في المعتمد، والاقتيات والادخار عند المالكية، والطعم عند الشافعية، والثمنية في النقدين عند المالكية والشافعية؛ فيجري الربا في الحديد عند الحنفية والحنابلة دون المالكية والشافعية.

  5. ويمنع الحنفية القياس في الحدود والكفارات والمقدرات والرخص، ويثبتون فيها ما دل عليه النص بدلالته، ويجريه الجمهور فيها إذا عُقل المعنى.

١ الأدلة المختلف فيها في جدول واحد

  1. تعمل هذه الأدلة في المحطة الخامسة، وتنظر إلى السادسة، ويجمعها حفظ ما ثبت ورعاية المصلحة في المساحة التي يتركها النص. وكثير من الخلاف فيها خلاف في التسمية والموضع: فقد قرر القرافي أن المذاهب كلها تعلل عند التفريع بمطلق المناسبة، وهو عمل بالمصلحة المرسلة، وأن اعتبار العرف مشترك بين المذاهب. ومحل النزاع الحقيقي ما خالف قياسا أو أصلا معينا. ويلحق بهذه الأدلة الأخذ بأقل ما قيل، وهو مركب من الإجماع على الأقل والبراءة الأصلية في الزيادة، والاستقراء: تامه قطعي وناقصه ظني.
الدليل الحنفية المالكية الشافعية الحنابلة حدّه
الاستحسان حجة: العدول عن حكم النظائر لوجه أقوى من أثر أو إجماع أو ضرورة أو قياس خفي حجة: الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي أنكره الشافعي بمعنى الحكم بغير دليل، ويعملون بما ثبت بدليل خاص قال به أحمد في مواضع، وأثبته أبو يعلى الحكم بالهوى مردود باتفاق
المصلحة المرسلة ليست دليلا مستقلا، ويدخل كثير من صورها في الاستحسان حجة بالملاءمة وعدم معارضة النص والمعقولية ردها الآمدي وابن السبكي، وقبلها الغزالي ضرورية قطعية كلية عمل المذهب بها واسع بضوابط لا تعارض نصا ولا إجماعا
سد الذرائع ليس أصلا مستقلا، وبعض صوره تحت الشبهة والاستحسان أصل مستقل موسع ليس أصلا مستقلا، والعبرة بظاهر العقد أصل معمول به، بسطه ابن القيم الخلاف في القدر لا في الأصل
العرف معتبر، يُترك به القياس ويُخص به كلام الناس أصل واسع الأثر محكَّم في تفسير الألفاظ، ولا يخص نص الشارع معتبر في الألفاظ والحرز والقبض لا يخالف نصا، ويتغير الحكم بتغيره فيما بُني عليه
الاستصحاب حجة للدفع لا للإثبات عند المتأخرين حجة مطلقا حجة، ويُرد استصحاب حال الإجماع عند الأكثر حجة مطلقا يُعمل به بعد البحث عن المغيّر
قول الصحابي حجة يُترك به القياس عند الجصاص والسرخسي والبزدوي، وفي ما لا يُدرك بالرأي باتفاقهم حجة في الجملة حجة في القديم، والمعتمد عدمها في الجديد حجة مقدم على القياس في ظاهر المذهب ليس حجة على صحابي آخر
شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ شرع لنا على المشهور ليس شرعا لنا عند الغزالي والآمدي وابن السبكي شرع لنا في أظهر الروايتين ما قصه الله أو رسوله بلا إنكار
عمل أهل المدينة ليس حجة بذاته النقلي حجة مقدم على خبر الواحد، والاستدلالي مختلف فيه ليس حجة، ويُرجح به عند بعضهم ليس حجة بذاته، ومن أقوى المرجحات عند ابن تيمية العمل الأول في عصر الصحابة والتابعين
مراعاة الخلاف يُستحب احتياطا، وليست أصلا أصل في الفروع بعد الوقوع الخروج من الخلاف مستحب قبل الفعل يُستحب الخروج من الخلاف ألا يُترك بها سنة ثابتة

أداة تفكير الأصل والاستثناء

الاستصحاب صورة هذه الأداة في باب الأدلة: يبقى ما ثبت على ما كان حتى يقوم الناقل، والذمة بريئة حتى يقوم الشاغل. وهو ما يسميه المنطق الحديث الاستدلال القابل للنقض، ويقابله في القضاء الحديث قاعدة عبء الإثبات: من وافق الأصل لا يُطالب بدليل. وحد الأداة أن قوة الأصل تختلف بين المذاهب: فهو عند متأخري الحنفية يحفظ الحال القائم ولا ينشئ استحقاقا جديدا، فالمفقود حي في حق ماله فلا يُقسم، ولا يرث ممن مات في غيبته، ويوقف نصيبه.

أين التفصيل

أسئلة استرجاع

  1. ما الشرط الذي تثبت به القرآنية، وما حكم القراءة الشاذة في الأحكام؟
  2. ما المشهور عند الحنفية، وما الذي يقدر عليه دون خبر الواحد؟
  3. اذكر شروط الحنفية الزائدة في خبر الواحد، وما يقابلها عند المالكية.
  4. لماذا يجعل الحنفية المخصص المتراخي ناسخا؟
  5. ما مراتب الإجماع من القطع والظن؟
  6. ما معنى قول متأخري الحنفية إن الاستصحاب حجة للدفع لا للإثبات؟ ومثّل له.

أجوبة أسئلة الاسترجاع

  1. التواتر، فما نُقل آحادا ليس قرآنا. والقراءة الشاذة حجة كخبر الواحد عند الحنفية والحنابلة، وليست حجة عند المالكية، وللشافعية قولان.
  2. ما كان آحادا في طبقة الصحابة ثم انتشر في عصر التابعين وتابعيهم حتى نقله جمع لا يُتوهم تواطؤهم على الكذب؛ يفيد الطمأنينة، ويُزاد به على الكتاب ويُخص به عمومه ابتداء.
  3. ألا يخالف الكتاب أو السنة المشهورة، وألا يكون فيما تعم به البلوى، وألا يخالفه راويه، وفقه الراوي عند مخالفة القياس عند عيسى بن أبان. ويقابلها عند المالكية عرض الخبر على عمل أهل المدينة النقلي والقواعد القطعية.
  4. لأن العام عندهم قطعي يوجب الحكم في كل أفراده، فإذا رُفع الحكم عن بعضها بعد ثبوته كان رفعا، والرفع نسخ.
  5. الصريح المنقول تواترا قطعي، والسكوتي والمنقول آحادا ظنيان عند الجمهور، والسكوتي قطعي عند أكثر الحنفية.
  6. أنه يبقي ما كان على ما كان، ولا يثبت به حق جديد على الغير؛ فالمفقود لا يُقسم ماله، ولا يرث ممن مات في غيبته، ويوقف نصيبه.

دلالات الألفاظ

موقع الفصل من المنظومة

الدلالات هي طرق الاستثمار في أقطاب الغزالي. وتعمل في المحطة الثالثة، حيث يُستخرج المعنى من النص وتُحدد درجته، وفي المحطة الرابعة، لأن التخصيص والتقييد والتأويل أكثر وجوه دفع التعارض وقوعا. ويحتاج الفصل إلى شبكة الثبوت والدلالة من الحكم الشرعي، وإلى المشهور والنسخ والزيادة على النص من الأدلة.

١ مبادئ لغوية

  1. الوضع فعل الواضع، والاستعمال فعل المتكلم، والحمل فعل السامع. وقواعد الأصولي قواعد في الحمل: على أي معنى يُحمل لفظ الشارع؟

  2. الحقيقة اللفظ المستعمل فيما وُضع له في اصطلاح التخاطب، وهي لغوية وشرعية وعرفية. والمجاز يقوم على ثلاثة: الاستعمال في غير الموضوع له، والعلاقة، والقرينة المانعة. والجمهور على وقوعه في اللغة والقرآن.

  3. ولفظ الشارع يُحمل على المعنى الشرعي، ثم العرفي، ثم اللغوي، وفي كلام الناس يُقدَّم العرف.

  4. ويمنع الحنفية الجمع بين الحقيقة والمجاز بلفظ واحد، ويسلكون «عموم المجاز»، ويجيزه الشافعية إذا لم يتنافيا. وثمرته في ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦]: حمله الحنفية على الجماع وحده فلم ينقضوا الوضوء بمس المرأة، ونقضه الشافعية بمجرد لمس الأجنبية لأنه الحقيقة، ونقضه المالكية والحنابلة باللمس مع اللذة أو الشهوة.

  5. المشترك لا عموم له عند الحنفية، فيتعين أحد معنييه بالقرينة، ويُحمل على معانيه عند الشافعية إذا لم تتناف.

  6. حروف المعاني: الواو لمطلق الجمع عند الجمهور، والفاء للتعقيب، وثم للتراخي، وأو للتخيير أو التنويع، والباء للإلصاق، و«إنما» للحصر. والمذاهب الأربعة على دخول المرفقين في الغسل، و«من» في آية التيمم للتبعيض عند الشافعية والحنابلة، ولابتداء الغاية عند الحنفية والمالكية. وترتيب الوضوء فرض عند الشافعية والحنابلة، وبنوه على السياق والفعل المبيِّن، وسنة عند الحنفية والمالكية.

  7. وفي ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ثلاثة أقوال في القدر الواجب: الكل عند المالكية والحنابلة، والربع عند الحنفية لأن الآية مجملة في المقدار بيّنها مسحه ﷺ بناصيته، وأقل ما يسمى مسحا عند الشافعية لأن الأمر مطلق. والخلاف راجع إلى الإجمال والإطلاق والعموم أكثر من رجوعه إلى معنى الباء.

١ الأمر والنهي

  1. الأمر القول الطالب للفعل على جهة الاستعلاء، والنهي القول الطالب للكف. وصيغ الأمر: افعل، والمضارع باللام، واسم الفعل، والمصدر النائب، والخبر بمعنى الطلب، وألفاظ أمر وكتب وفرض وعلى.

  2. الأمر المجرد للوجوب عند أئمة المذاهب الأربعة، وما عداه بقرينة. والأمر بعد الحظر يرد الحكم إلى ما كان قبل الحظر.

  3. الفور والتراخي: الأمر المطلق للتراخي عند الحنفية والشافعية، وللفور عند المالكية والحنابلة. وثمرته فيمن أخّر قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر بلا عذر: يقضي ويفدي عند الجمهور، ويقضي وحده عند الحنفية، لأن ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أمر مطلق عن الوقت.

  4. التكرار: الأمر المطلق لا يقتضيه، ويتكرر إذا عُلق بعلة، ويتكرر عند الحنفية بتكرر السبب.

  5. النهي للتحريم والدوام، ويفيد عند الحنفية الكراهة التحريمية إذا ثبت بدليل ظني.

  6. النهي والفساد: النهي لذات الشيء أو ركنه يقتضي البطلان، كبيع الميتة. والنهي لوصف لازم يقتضي عند الحنفية فساد الوصف مع بقاء الأصل مشروعا، كبيع الربا وصوم يوم النحر، ويقتضي البطلان عند الشافعية. والنهي لأمر مجاور لا يقتضي الفساد، كالبيع وقت النداء والصلاة في الأرض المغصوبة، إلا عند الحنابلة على ظاهر المذهب وفي بعض فروع المالكية. ومن أثر قاعدة الحنفية أن النهي عن التصرف الشرعي يقتضي مشروعية أصله، فينعقد عندهم نذر صوم يوم العيد.

١ العام والخاص

  1. العام لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر. والخاص لفظ وُضع لمعنى معلوم على الانفراد. والتخصيص قصر العام على بعض أفراده بدليل.

  2. صيغ العموم: كل وجميع، والجمع والمفرد المعرّفان بأل الاستغراقية أو بالإضافة، والنكرة في سياق النفي والنهي والشرط، والموصولات، وأسماء الشرط والاستفهام. والعموم من صفات الألفاظ، والفعل المحكي لا يعم.

مسألة خلافية هل دلالة العام على أفراده قطعية أم ظنية؟

  • الحنفية قطعية قبل التخصيص، عند العراقيين والدبوسي والبزدوي والسرخسي وعامة المتأخرين، كدلالة الخاص على معناه؛ وظنية عند مشايخ سمرقند كأبي منصور الماتريدي. فإذا خُص بدليل صار ظنيا فيما بقي.
  • المالكية ظنية عند جمهورهم.
  • الشافعية ظنية، لأن احتمال التخصيص قائم في كل عام.
  • الحنابلة ظنية.
  • سبب الخلاف هل الاحتمال الذي لا دليل عليه يقدح في القطع؟ الحنفية: لا، فالقطع نفي الاحتمال الناشئ عن دليل. والجمهور: كثرة التخصيص في الشرع تجعل الاحتمال ناشئا عن دليل في كل عام، وهو الاستقراء.
  • الثمرة لا يُخص عام القرآن ابتداء بخبر الواحد ولا بالقياس عند الحنفية، ويُخص بالحديث المشهور، ويجوز ذلك عند الجمهور. ومن فروعه: متروك التسمية عمدا مع ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وعدم تعين الفاتحة ركنا، والعشر في القليل والكثير مما أخرجت الأرض عند أبي حنيفة.
  1. العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وصورة السبب قطعية الدخول عند الشافعية والحنابلة.

  2. المخصصات المتصلة: الاستثناء، والشرط، والصفة، والغاية، وبدل البعض. والمنفصلة: العقل، والحس، والنص، والإجماع، والمفهوم، والعرف المقارن، والقياس. والتخصيص عند الحنفية بمستقل مقارن، والمتراخي نسخ، والمتصل قصر لا تخصيص.

  3. الاستثناء بعد جمل متعاطفة يرجع إلى الأخيرة عند الحنفية، وإلى الجميع عند الجمهور. وثمرته شهادة المحدود في القذف إذا تاب: لا تُقبل أبدا عند الحنفية، وتُقبل عند المالكية والشافعية والحنابلة.

  4. العام بعد التخصيص حجة فيما بقي عند الجمهور، وهو عند الحنفية ظني فيما بقي.

  5. والخاص قطعي عند الحنفية لا يحتمل البيان، ومنه «ثلاثة قروء». ومن ثمرته أن الطمأنينة في الركوع والسجود واجبة لا فرض عند أبي حنيفة ومحمد، لأن ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] خاص في الانحناء ووضع الجبهة، وجعل الطمأنينة فرضا بحديث المسيء صلاته زيادة بخبر الواحد على الخاص القطعي. وهي ركن عند أبي يوسف والجمهور، والحديث عندهم بيان لصفة الركوع المأمور به.

  6. ومن مسائل امتداد العموم: لا عموم للمقتضى عند الحنفية، وله عموم عند كثير من الشافعية والحنابلة، ومن ثمرته طلاق المكره؛ وخطاب النبي ﷺ يعم الأمة لفظا عند الحنفية والحنابلة، وبدليل التأسي عند الشافعية؛ وترك الاستفصال في حكاية الحال ينزل منزلة العموم في المقال عند الجمهور.

١ المطلق والمقيد

  1. المطلق ما دل على شائع في جنسه، والمقيد ما دل عليه مع قيد يقلل شيوعه. والعام شمولي يتناول الأفراد جميعا، والمطلق بدلي يتناول فردا شائعا.

  2. صور الحمل أربع: اتحاد الحكم والسبب فيُحمل المطلق على المقيد اتفاقا؛ واتحاد الحكم مع اختلاف السبب، وهو موضع الخلاف؛ واختلاف الحكم مع اتحاد السبب فلا يُحمل عند الجمهور؛ واختلافهما فلا حمل اتفاقا.

  3. ففي اتحاد الحكم مع اختلاف السبب لا يحمل الحنفية، لأن المطلق قطعي، والحمل زيادة على النص، والزيادة نسخ؛ فتجزئ الرقبة الكافرة عندهم في كفارة الظهار واليمين، ويُشترط الإيمان في كفارة القتل وحدها. ويحمل الجمهور، بالقياس عند أكثر الشافعية أو بوحدة الخطاب الشرعي.

١ المجمل والمبين، والظاهر والمؤول

  1. المجمل ما لم تتضح دلالته، وحكمه التوقف حتى البيان. وأسبابه: الاشتراك، وتردد المرجع، والحقيقة الشرعية قبل بيانها، والإبهام، والغرابة. والجمهور ينفون الإجمال عن تحريم الأعيان، كقوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وعن نفي الحقيقة الشرعية، كحديث «لا صلاة إلا بطهور».

  2. البيان يكون بالقول والفعل والكتابة والإشارة والترك والتقرير. وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يقع، وعن وقت الخطاب جائز عند الجمهور، ويمنعه الحنفية في بيان التغيير، فالمخصص المتراخي عندهم ناسخ.

  3. النص عند المتكلمين ما لا يحتمل إلا معنى واحدا، والظاهر ما احتمل معنيين أحدهما أرجح. والتأويل صرف الظاهر إلى احتمال مرجوح بدليل يصيّره راجحا. وشروطه: أن يحتمل اللفظ المعنى المؤوَّل إليه، وأن يقوم الدليل، وأن تكون قوة الدليل بقدر بعد الاحتمال، وأن يكون المؤوِّل أهلا. والحكم على تأويل بالبعد موازنة بين الاحتمال والدليل الصارف.

أداة تفكير الأصل والاستثناء

مباحث الألفاظ كلها تطبيق لهذه الأداة: الحقيقة أصل حتى تقوم قرينة المجاز، والعموم أصل حتى يقوم المخصص، والإطلاق أصل حتى يقوم القيد، والظاهر أصل حتى يقوم دليل التأويل، والأمر للوجوب حتى تقوم القرينة الصارفة. وهذا ما يسميه المنطق الحديث الاستدلال القابل للنقض. وحد الأداة أن المذاهب تختلف في قوة الأصل نفسه: فالعموم والإطلاق قطعيان عند الحنفية فلا ينقضهما إلا ما يقوى على النسخ، وظنيان عند الجمهور فينقضهما خبر الواحد والقياس. فمعرفة أن الأصل قابل للنقض لا تكفي حتى تُعرف درجة الدليل الناقض الذي يقبله كل مذهب.

١ طرق الدلالة بين المنهجين

  1. قسم الحنفية اللفظ أربع قسمة: باعتبار الوضع (خاص، عام، مشترك، مؤول)، وباعتبار الاستعمال (حقيقة، مجاز، صريح، كناية)، وباعتبار الظهور والخفاء، وباعتبار كيفية الدلالة. فمراتب الظهور: الظاهر ثم النص ثم المفسر ثم المحكم، ومراتب الخفاء: الخفي ثم المشكل ثم المجمل ثم المتشابه. وطرق الدلالة: العبارة ثم الإشارة ثم الدلالة ثم الاقتضاء.

  2. وقسم الجمهور الدلالة إلى منطوق: صريح (نص وظاهر) وغير صريح (اقتضاء وإيماء وإشارة)، ومفهوم: موافقة، أولى أو مساو، ومخالفة بأنواعها: الصفة والشرط والغاية والعدد واللقب والحصر، وأضعفها اللقب.

ما يُستفاد من النص عند الحنفية عند الجمهور
المعنى المقصود بالسياق أصالة أو تبعا عبارة النص المنطوق الصريح
درجة وضوح المعنى ظاهر، ثم نص، ثم مفسر، ثم محكم ظاهر، ثم نص؛ فالظاهر الحنفي ظاهر عندهم، والنص الحنفي ظاهر أو نص بحسب الاحتمال، والمفسر والمحكم نص
اللازم غير المقصود إشارة النص دلالة الإشارة
المقدَّر لصحة الكلام اقتضاء النص، ولا عموم للمقتضى دلالة الاقتضاء، وللمقتضى عموم عند كثير منهم
الوصف المقترن بالحكم المشعر بعليته يُبحث في مسالك العلة دلالة الإيماء والتنبيه
حكم المسكوت عنه الموافق دلالة النص، وهي لفظية تثبت بها الحدود والكفارات مفهوم الموافقة، لفظي أو قياسي
حكم المسكوت عنه المخالف ليس دلالة في نصوص الشارع، والمسكوت عنه على العدم الأصلي مفهوم المخالفة، حجة بشروط
ترتيب القوة عند التعارض العبارة ثم الإشارة ثم الدلالة ثم الاقتضاء؛ والمحكم ثم المفسر ثم النص ثم الظاهر المنطوق مقدم على المفهوم، والموافقة على المخالفة، والنص على الظاهر
  1. ومفهوم المخالفة أكبر مواضع الافتراق: يرده الحنفية في نصوص الشارع، ويعتبره متأخروهم في كلام الناس والعقود، ويقبله الجمهور بشروط ترجع إلى ألا يكون للقيد فائدة غير النفي، كأن يخرج مخرج الغالب أو جواب سؤال أو امتنان. واحتج الجمهور بفهم يعلى بن أمية من قوله ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] أن القصر مقيد بالخوف، فسأل عمر ولم يُنكر عليه فهمه (رواه مسلم).

  2. ولا تطّرد الفروع مع الأصل وحده: فالمالكية خالفوا مفهوم السائمة في زكاة الغنم وهم يقولون بالمفهوم، والحنفية وافقوا في نفي الزكاة عن المعلوفة وهم ينكرونه، لأن لكل فرع أدلة أخرى.

أين التفصيل

أسئلة استرجاع

  1. على أي ترتيب يُحمل لفظ الشارع إذا تعددت حقائقه؟
  2. لماذا لا يقضي الحنفية بالفدية على من أخّر قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر؟
  3. ما الفرق بين النهي لوصف لازم والنهي لأمر مجاور عند الحنفية؟ مثّل لكل منهما.
  4. لماذا لا يخص الحنفية عموم القرآن ابتداء بخبر الواحد، وبماذا يخصونه؟
  5. لماذا تجزئ الرقبة الكافرة في كفارة الظهار عند الحنفية؟
  6. ما الذي يقابل «دلالة النص» عند الحنفية في منهج الجمهور، وما أثر كونها لفظية عندهم؟

أجوبة أسئلة الاسترجاع

  1. على المعنى الشرعي، ثم العرفي، ثم اللغوي.
  2. لأن الأمر المطلق عندهم للتراخي، و﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] مطلق عن الوقت، فلا يكون المؤخر مفرطا.
  3. النهي لوصف لازم يُفسد الوصف ويبقي الأصل مشروعا، فيكون الفعل فاسدا لا باطلا، كبيع الربا وصوم يوم النحر. والنهي لأمر مجاور لا يقتضي فسادا، فالفعل صحيح مكروه، كالبيع وقت النداء.
  4. لأن العام عندهم قطعي الدلالة قبل التخصيص، والظني لا يقوى على القطعي. ويخصونه بالحديث المشهور، أو بخبر الواحد بعد أن يُخص أولا بقطعي.
  5. لأن المطلق عندهم قطعي، وحمله على المقيد في كفارة القتل زيادة على النص، والزيادة نسخ لا تثبت بالقياس.
  6. يقابلها مفهوم الموافقة. ولأنها لفظية عندهم أثبتوا بها الحدود والكفارات التي يمنعون فيها القياس، كالكفارة بالأكل عمدا في نهار رمضان.

التعارض والترجيح

موقع الفصل من المنظومة

هذا الفصل المحطة الرابعة من خط الاستنباط: فحص المعارض. وصل الناظر إليها بعد أن عيّن الحكم المطلوب (الحكم الشرعي)، وجمع الأدلة وفحص ثبوتها (الأدلة)، واستخرج دلالة كل دليل ودرجتها (دلالات الألفاظ). فإذا وجد دليلين يقتضي أحدهما خلاف ما يقتضيه الآخر سأل ثلاثة أسئلة: هل التعارض حقيقي؟ وبأي ترتيب يُدفع؟ وبأي شيء يقوى أحد الدليلين على صاحبه؟ والجواب عن السؤال الثاني هو موضع افتراق المنهجين، الحنفية والجمهور، وعليه مدار هذا الفصل.

سؤال الافتتاح

رجل دخل المسجد بعد العصر. يبلغه حديث «لا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس»، وحديث «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس». هل يصلي تحية المسجد؟ ولماذا يجيب الشافعي بنعم والحنفي بلا، وكلاهما يصحح الحديثين؟ الجواب في المثال الثاني من هذا الفصل.

١ حقيقة التعارض

  1. التعارض تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، بأن يقتضي أحدهما في محل واحد وزمن واحد خلاف ما يقتضيه الآخر.

  2. الترجيح تقوية أحد الدليلين المتعارضين بما ليس دليلا مستقلا، فيُعمل بالأقوى. وعرّفه الحنفية بأنه إظهار زيادة لأحد المتماثلين على الآخر وصفا لا أصلا، وعلى قيد «الوصف» بنوا منع الترجيح بكثرة الأدلة.

  3. لا تعارض في نفس الأمر. أدلة الشرع صادرة عن حكيم عليم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. فالتعارض يقع في نظر المجتهد، لقصور علمه بالتاريخ أو بالمخصص أو بوجه الجمع، ودفعه بحث عن مراد واحد خفي.

  4. شروطه أربعة: أن يتساوى الدليلان في الحجية، وأن يتساويا في القوة، وأن يتحد المحل والزمن، وأن يتضاد الحكمان. فلا يعارض الضعيفُ الصحيحَ، ولا خبرُ الواحد المتواترَ، ولا يتعارض حكمان في زمنين عُلم تاريخهما، فذلك نسخ.

  5. موضعه الظنيات. لا يقع تعارض حقيقي بين قطعيين، فإن ظهر بينهما فأحدهما ناسخ إذا عُلم التاريخ. ولا تعارض بين قطعي وظني، فالقطعي مقدم. ومن هنا يدخل خلاف الدلالة في الباب: ما يراه الحنفية قطعيا كالعام قبل التخصيص يراه الجمهور ظنيا، فقد يرى أحد الفريقين تعارضا لا يراه الآخر. فالعام القطعي عند الحنفية يعارضه الخاص القطعي، ولا يعارضه الخاص الظني (دلالات الألفاظ).

١ الشجرتان متقابلتين

إذا ثبت التعارض فللمنهجين ترتيبان متوازيان. ويقوم الترتيب الأول على أن الشارع أراد الدليلين معا، فإعمالهما أولى ما أمكن. ويقوم الثاني على أن مراد الشارع يُعرف بالتاريخ أو بالقوة قبل التأويل، لأن الجمع قد يكون تكلفا يخالف مراده.

الخطوة فرع الجمهور فرع الحنفية
الأولى الجمع إن أمكن بوجه مقبول النسخ إن عُلم التاريخ
الثانية النسخ إن عُلم التاريخ الترجيح إن وُجد مرجح
الثالثة الترجيح إن وُجد مرجح الجمع إن أمكن
الرابعة التوقف، أو التخيير، أو التساقط والرجوع إلى البراءة (أقوال) التساقط والنزول إلى ما دون الدليلين رتبة، ثم إلى الأصل
أصل الترتيب إعمال الكلامين أولى من إهمال أحدهما مراد الشارع يُعرف بالتاريخ والقوة قبل التأويل

مسألة خلافية ما ترتيب طرق دفع التعارض؟

  • الحنفية المشهور في كتب المتأخرين كالتوضيح وشرح المنار: النسخ إن عُلم التاريخ، ثم الترجيح، ثم الجمع، ثم التساقط والرجوع إلى ما دون الدليلين في الرتبة. وقدّم بعض الحنفية الجمع على الترجيح.
  • المالكية الجمع، ثم النسخ، ثم الترجيح.
  • الشافعية الجمع أولا، ثم النسخ إن عُلم التاريخ، ثم الترجيح، ثم التوقف أو التخيير.
  • الحنابلة الجمع، ثم النسخ، ثم الترجيح.
  • سبب الخلاف هل الجمع بتأويل أحد الدليلين قد يكون تكلفا يخالف مراد الشارع، فيُقدَّم ما يُعرف به مراده من تاريخ أو قوة، أم أن إعمال الكلامين أولى ما أمكن؟
  • الثمرة الصلاة ذات السبب في أوقات النهي، وهي المثال الثاني في هذا الفصل.
  1. النزول بعد التساقط عند الحنفية سلّم معلوم، قرره الشاشي في أصوله: إذا تعارضت آيتان نزل المجتهد إلى السنة، وإذا تعارضت سنتان نزل إلى قول الصحابي والقياس، وإذا تعارض قياسان تحرى وعمل بأحدهما بشهادة قلبه، لأنه ليس دون القياس دليل شرعي يُصار إليه. فإن لم يبق دليل رجع إلى الأصل، وهو الاستصحاب.

  2. سؤر الحمار مثال الحنفية المشهور على آخر الشجرة. تعارضت عندهم الأدلة في لحمه وسؤره، فلم يترجح دليل ولم يمكن جمع، فرجعوا إلى الأصل: الماء طاهر بيقين، والحدث ثابت بيقين، واليقين لا يزول بالشك. فقالوا: سؤره مشكوك فيه، فمن لم يجد غيره توضأ به وتيمم. والجمهور على طهارة سؤره.

١ أنواع الجمع

الجمع إعمال الدليلين معا بحمل كل منهما على وجه لا يناقض الآخر. وشرطه أن يكون بوجه تحتمله الألفاظ، وألا يعود على أحد النصين بالإبطال. وأنواعه خمسة:

  1. التخصيص: يُخص العام بالخاص، وفي العامين من وجه يُخص عموم كل منهما بخصوص الآخر.
  2. التقييد: يُحمل المطلق على المقيد.
  3. التأويل: يُصرف أحد الظاهرين إلى معنى محتمل بدليل.
  4. الحمل على حالين: يُنزَّل كل دليل على حال غير حال الآخر، كمدح من يأتي بشهادته قبل أن يُسألها وذم من يشهد ولا يُستشهد، فالأول فيمن عنده شهادة لا يعلم بها صاحبها، والثاني فيمن يتسرع إليها في حقوق الناس قبل طلبها.
  5. الحمل على اختلاف الحكم: يُحمل الأمر على الندب والنهي على الكراهة، أو أحد الفعلين على بيان الجواز والآخر على الأفضل.

فالجمع عند الجمهور يجمع أدوات المحطة الثالثة كلها في خدمة المحطة الرابعة: التخصيص والتقييد والتأويل التي بسطها دلالات الألفاظ.

١ وجوه الترجيح

  1. الترجيح واجب عند جماهير العلماء، ووجوهه كثيرة أوصلها بعضهم إلى مئة، وترجع إلى أربعة أبواب. والضابط الجامع: كل ما يزيد الظن بصدق الخبر أو بإرادة المعنى يصلح مرجحا.
الباب أشهر وجوهه
السند كثرة الرواة عند الجمهور، وفقه الراوي وضبطه، ورواية صاحب الواقعة والمباشر لها، وعلو الإسناد
المتن القول على الفعل، والحاظر على المبيح، والمثبت على النافي، والحقيقة على المجاز، والمنطوق على المفهوم، والعام الذي لم يُخص على المخصوص عند الجمهور
المدلول الناقل عن الأصل على المقرر له عند الأكثر، والنافي للحد على الموجب له
أمر خارج موافقة دليل آخر عند الجمهور، وعمل أهل المدينة عند المالكية، وعمل الخلفاء الراشدين، وتفسير الراوي وعمله، وموافقة المقاصد عند المتأخرين
  1. مثال صاحب الواقعة: روى ابن عباس أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم، وروت ميمونة نفسها أنه تزوجها وهو حلال. فرجح الجمهور روايتها لأنها صاحبة الواقعة، ومعها رواية أبي رافع السفير بينهما، ومعهما حديث «لا يَنكح المحرم ولا يُنكح» (رواه مسلم)، فمنعوا نكاح المحرم. ورجح الحنفية رواية ابن عباس لأنها متفق عليها وابن عباس أفقه، فصححوا نكاح المحرم.

  2. الحنفية لا يرجحون بكثرة الأدلة على المشهور عنهم، لأن الترجيح عندهم بوصف في الدليل نفسه، والدليل المنضم يقوم بنفسه ولا يصير وصفا لغيره. ولذلك لا يرجحون بموافقة دليل مستقل آخر، ويرجحون بما يقوي الدليل في ذاته. واختلف النقل عنهم في كثرة الرواة.

  3. الترجيح بين الأقيسة يكون بما يقوي العلة: برتبة الأصل، فما ثبت حكم أصله بقطعي أو اتفاق مقدم؛ وبمسلك العلة، فالمنصوصة على المستنبطة، والمناسبة على الشبه؛ وبصفتها، فالمتعدية على القاصرة عند الأكثر. ويرجح الحنفية بقوة الأثر، أي ظهور تأثير الوصف في جنس الحكم (الأدلة).

أداة تفكير شجرة القرار

الشجرة أداة حديثة لعرض أسئلة مرتبة: سؤال يُجاب بنعم فينتهي النظر، أو بلا فينتقل إلى التالي. وهي تُري الطالب موضع الافتراق في الترتيب نفسه قبل الفروع، وتفسر كيف ينتهي مذهبان إلى حكمين مع اتفاقهما على الدليلين وثبوتهما.

وحدّها ثلاثة أمور. الأول: الشجرة فرعان متوازيان، وتوحيدهما في شجرة واحدة يمحو موضع الخلاف. الثاني: الأسئلة اجتهادية: «هل يمكن الجمع؟» حكم على قرب التأويل وبعده، و«هل لأحدهما مرجح؟» موازنة بين مرجحات قد تتعارض هي أيضا، والأصوليون يرتبون المرجحات ترتيبا ولا يقدرونها بالأرقام. الثالث: الفرع لا يطرد مع الشجرة دائما، لأن الحكم يُبنى على مجموع الأدلة والقرائن.

١ مثالان محلولان

تطبيق عدة الحامل المتوفى عنها زوجها: شجرتان وحكم واحد

الدليلان: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، و﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. والحامل المتوفى عنها داخلة في العمومين.

الطرق الممكنة: الجمع بأبعد الأجلين، وهو مروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهم. والتاريخ، بقول ابن مسعود رضي الله عنه: «أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى» (رواه البخاري)، أي أن آية الطلاق متأخرة. والسنة المبينة، بحديث سبيعة الأسلمية التي وضعت بعد وفاة زوجها بليال فأفتاها النبي ﷺ بأنها قد حلت (رواه البخاري ومسلم).

فرع الجمهور: جعلوا آية الطلاق مخصصة لعموم آية البقرة، وحديث سبيعة بيانا، وتركوا الجمع بأبعد الأجلين لقيام السنة المبينة.

فرع الحنفية: بدؤوا بالتاريخ، فجعلوا آية الطلاق ناسخة لقدر ما تناولته من آية البقرة، لتأخرها مع تساويهما في القطعية.

الحكم: عدتها وضع الحمل عند المذاهب الأربعة. فاختلاف ترتيب الشجرة قد ينتهي إلى حكم واحد، ويبقى الفرق في تسمية المسلك: تخصيص عند الجمهور، ونسخ جزئي عند الحنفية.

تطبيق الصلاة ذات السبب في أوقات النهي: شجرتان وحكمان

الدليلان: «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس» (رواه البخاري ومسلم)، و«إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» (رواه البخاري ومسلم). وهما عامان من وجه: الأول عام في الصلوات خاص بالأوقات، والثاني عام في الأوقات خاص بتحية المسجد.

فرع الشافعية: بدؤوا بالجمع، فخصوا أحاديث النهي بما لا سبب له، وأبقوا ذوات الأسباب كتحية المسجد وقضاء الفائتة وصلاة الكسوف على عمومها. وقووا ذلك بأن عموم النهي مخصوص بالإجماع في قضاء الفرائض، والعام المخصوص أضعف عندهم.

فرع الحنفية: لم يُعلم تاريخ، فانتقلوا إلى الترجيح، فقدموا الحاظر على المبيح، فمنعوا التطوع ذا السبب في هذه الأوقات.

المالكية والحنابلة: يقدمون الجمع في المنهج، ومنعوا هنا على المشهور والمذهب، لأنهم رأوا الجمع غير متجه أو قدموا عموم النهي. واستثنى الحنابلة ركعتي الطواف وإعادة الجماعة، وعن أحمد رواية بالجواز اختارها ابن تيمية.

الحكم: يصلي صاحب سؤال الافتتاح تحية المسجد عند الشافعية، ولا يصليها عند الحنفية والمالكية، ولا عند الحنابلة على المذهب. فالشجرة فسرت افتراق الشافعية والحنفية، ولم تطرد في المالكية والحنابلة.

تنبيه الجمع والترجيح والنسخ ثلاث نتائج مختلفة

الجمع يُعمل الدليلين. والترجيح يُعمل أحدهما ويترك الآخر في محل التعارض وحده، فيبقى دليلا في غيره، وقد يعود إذا زال المعارض. والنسخ يرفع حكم المتقدم فلا يعود. ودعوى النسخ عند العجز عن الجمع والترجيح مردودة، لأن النسخ لا يثبت إلا بطرقه المعتبرة.

أين التفصيل

أسئلة استرجاع

  1. ما الفرق بين التعارض والترجيح؟ ولماذا يقال إن التعارض في نظر المجتهد؟
  2. اذكر شروط التعارض الأربعة، ومثّل لما يخرج بشرط اتحاد الزمن.
  3. رتّب طرق دفع التعارض عند الجمهور وعند الحنفية، واذكر الأصل الذي يقوم عليه كل ترتيب.
  4. إلى أي شيء ينزل الحنفي إذا تعارضت عنده سنتان وتساقطتا؟ وإلى أي شيء إذا تعارض قياسان؟
  5. لماذا لا يرجح الحنفية بموافقة دليل مستقل آخر؟
  6. في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها: ما الحكم؟ وما الذي اختلف بين الفريقين مع اتفاقهم عليه؟

أجوبة أسئلة الاسترجاع

  1. التعارض تقابل الدليلين على سبيل الممانعة في محل واحد وزمن واحد، والترجيح تقوية أحدهما بما ليس دليلا مستقلا. والتعارض في نظر المجتهد لأن كلام الشارع لا يتناقض، وإنما يخفى على الناظر التاريخ أو المخصص أو وجه الجمع.
  2. التساوي في الحجية، والتساوي في القوة، واتحاد المحل والزمن، وتضاد الحكمين. ويخرج باتحاد الزمن حكمان عُلم تاريخهما، فالمتأخر ناسخ لا معارض.
  3. الجمهور: الجمع، ثم النسخ، ثم الترجيح، ثم التوقف أو التخيير أو التساقط؛ وأصله أن إعمال الكلامين أولى من إهمال أحدهما. الحنفية: النسخ، ثم الترجيح، ثم الجمع، ثم التساقط والنزول إلى ما دون الدليلين؛ وأصله أن مراد الشارع يُعرف بالتاريخ والقوة قبل التأويل.
  4. ينزل إلى قول الصحابي والقياس، فإن تعارض قياسان تحرى وعمل بأحدهما بشهادة قلبه، لأنه ليس دون القياس دليل شرعي.
  5. لأن الترجيح عندهم إظهار زيادة لأحد المتماثلين وصفا لا أصلا، والدليل المستقل المنضم أصل قائم بنفسه، لا وصف في الدليل الأول.
  6. عدتها وضع الحمل باتفاق المذاهب الأربعة. والخلاف في المسلك: الجمهور خصوا آية البقرة بآية الطلاق وجعلوا حديث سبيعة بيانا، والحنفية جعلوا آية الطلاق ناسخة لقدر ما تناولته لتأخرها.

المقاصد

موقع الفصل من المنظومة

المقاصد المحطة السادسة من خط الاستنباط: الوزن المقاصدي والنظر في المآل. وهي حلقة تحيط بالأقطاب الأربعة، لأن المقصد يدخل في المحطة الخامسة حين يُلحق ما لا نص فيه بالقياس أو الاستصلاح (الأدلة)، ويدخل في الرابعة مرجحا (التعارض والترجيح)، ويدخل في السابعة حين يُنزَّل الحكم على الواقعة. فالسؤال الذي يجيبه الفصل: لماذا شُرع الحكم؟ وكيف يُعرف ذلك؟ وإلى أي حد يجوز أن يبني الناظر على جوابه؟

سؤال الافتتاح

قال قائل: مقصد تحريم الربا رفع الظلم، فما خلا من الظلم من الفوائد المصرفية مباح. هل هذا استدلال مقاصدي صحيح؟ الجواب في مبحث حدود العمل بالمقاصد.

١ التعليل والمصلحة

  1. التعليل مسألتان. الأولى كلامية: هل تُعلل أحكام الله وأفعاله؟ أثبته المعتزلة بالأغراض، وأثبته الماتريدية بالحكمة، ونفاه الأشاعرة وقالوا إن الأحكام جاءت على وفق المصالح تفضلا. والثانية أصولية: العلة الوصف الظاهر المنضبط المعرّف للحكم أو الباعث عليه، وعليها يتفق أهل المذاهب الكلامية في العمل ويختلفون في تفسيرها.

  2. المصلحة عند الغزالي المحافظة على مقصود الشرع، وأخرج منها ما يراه الناس نفعا إذا لم يكن من مقصود الشرع. فمعيارها قصد الشارع، ورغبة المكلف خارجة عنه. ودفع المفسدة داخل فيها.

  3. المصلحة ثلاثة أقسام بحسب شهادة الشرع: معتبرة شهد لها نص أو إجماع فيُقاس عليها، وملغاة شهد الشرع لبطلانها، ومرسلة لم يشهد لها أصل معين بالاعتبار ولا بالإلغاء، ويشهد لها جنس تصرفات الشارع. ومثال الملغاة عند الغزالي: فتوى من أفتى ملكا جامع في نهار رمضان بصوم شهرين ابتداء لأن العتق يسهل عليه، فهي تخالف ترتيب النص في الكفارة.

  4. ضوابط المصلحة خمسة جمعها البوطي من كلام الغزالي والشاطبي: أن تندرج في مقاصد الشارع، وألا تعارض الكتاب، ولا السنة، ولا القياس الصحيح، وألا تفوّت مصلحة أهم منها أو مساوية لها.

١ مراتب المقاصد

  1. المقاصد ثلاث مراتب باعتبار قوتها في ذاتها، قررها الجويني على صورة أولى، وأحكمها الغزالي، ونظمها الشاطبي: - الضروريات: ما لا بد منه لقيام مصالح الدين والدنيا، فإذا فُقد اختلت الحياة وفاتت النجاة. ومثالها القصاص لحفظ النفس، وحد الشرب لحفظ العقل. - الحاجيات: ما يُفتقر إليه للتوسعة ورفع الحرج، كالرخص في العبادات، والقراض والمساقاة والسلم في المعاملات. - التحسينات: الأخذ بمحاسن العادات ومكارم الأخلاق، كإزالة النجاسات وستر العورات وآداب الأكل.

  2. لكل مرتبة مكملات تحميها، كالتماثل في القصاص لحفظ النفس، وتحريم قليل الخمر لحفظ العقل، والكفاءة ومهر المثل في تزويج الصغيرة. وشرط الشاطبي في المكمل أن يسقط اعتباره إذا عاد على أصله بالإبطال، ولهذا تُصلى الصلاة مع العجز عن بعض شروطها.

  3. الكليات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والنسل (ويعبر بعضهم بالنسب أو البُضع)، والمال. ودليل حصرها الاستقراء، والأكثر على ترتيبها هكذا، وهو ترتيب الغزالي. وقدّم بعضهم النفس على الدين، وأجاب الأولون بأن الجهاد يُبذل فيه النفس لحفظ الدين. وثمرة الترتيب تظهر عند تعارض ضرورتين في حال واحدة.

  4. زيادة من زاد: زاد ابن السبكي في جمع الجوامع العرض وجعله في رتبة المال، ودليله حد القذف. وجعل ابن عاشور الحرية والمساواة من المقاصد العامة، وجعل حفظ نظام الأمة المقصد العام الأعلى. والضابط في قبول الزيادة أن تثبت بالاستقراء الذي ثبتت به الخمسة، وألا ترجع إلى واحد منها.

  5. مقاصد الشارع ومقاصد المكلف قسمان عند الشاطبي. ومقاصد المكلف قاعدتها أن قصده يجب أن يوافق قصد الشارع، فمن ابتغى في التكاليف ما لم تُشرع له فقد ناقض الشريعة، ومنه أبطل الحيل.

١ طرق معرفة المقاصد

  1. المقصد دعوى، والدعوى تحتاج إلى دليل. ومسالك الشاطبي أربعة: - مجرد الأمر والنهي الابتدائي التصريحي، فالأمر مقصود الإيقاع والنهي مقصود الترك. وقيد «الابتدائي» يُخرج التابع، كالنهي عن البيع وقت النداء، فالمقصود السعي. - اعتبار علل الأمر والنهي، فإذا عُرفت العلة بمسلكها اتُّبعت حيث وُجدت. - المقاصد الأصلية والتابعة، فمقصود النكاح الأصلي النسل، ومن مقاصده التابعة السكن، وما يقوي الأصلي مقصود. - سكوت الشارع مع قيام المقتضي، فإذا وُجد المعنى المقتضي في زمن النبي ﷺ ولم يشرع حكما عُلم أن المقصود الوقوف عند ما شرع، وبه أبطل الشاطبي كثيرا من البدع.

  2. وفوقها الاستقراء المعنوي: أن تتواطأ أدلة كثيرة على معنى واحد، فيحصل من مجموعها القطع وإن كان كل دليل ظنيا. وبه ثبتت الكليات الخمس، ورفع الحرج.

  3. مسالك ابن عاشور ثلاثة: استقراء الشريعة في تصرفاتها وهو أعظمها، ثم أدلة القرآن الواضحة الدلالة، ثم السنة المتواترة المعنوية أو العملية. وقسم المقاصد إلى عامة تُلحظ في جميع أحوال التشريع أو معظمها، وخاصة بأبواب كالعائلة والتصرفات المالية والقضاء.

١ اعتبار المآل

  1. المآل ما يؤول إليه الفعل من نتيجة. واعتباره أن يحكم المجتهد على الفعل بنظره إلى نتيجته المتوقعة مع صورته. وقرر الشاطبي في كتاب الاجتهاد من الموافقات أن النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا، موافقة كانت الأفعال أو مخالفة، فلا يحكم المجتهد بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره في ما يؤول إليه الفعل.

  2. من أدلته قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، فنهى عن مشروع في أصله لما يؤول إليه. وترك النبي ﷺ هدم الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم لقرب عهد قومه بالجاهلية (رواه البخاري ومسلم).

  3. يتفرع عن المآل عند الشاطبي: سد الذرائع، وإبطال الحيل، ومراعاة الخلاف، والاستحسان. فهذه الأبواب في المذاهب صور لأصل واحد، يتسع العمل بها عند المالكية والحنابلة، ويدخل بعضها عند الحنفية في الاستحسان، وعند الشافعية في المناسبة.

١ المقاصد والقياس والمصلحة والذرائع

  1. المقاصد خرجت من باب القياس. المناسبة مسلك من مسالك العلة، والمناسب مؤثر وملائم وغريب ومرسل بحسب شهادة الشرع لعين الوصف أو جنسه في عين الحكم أو جنسه. فالمصلحة المرسلة هي المناسب الذي لم يشهد له أصل معين، ويشهد له جنس المقاصد. ثم صارت المصلحة دليلا مستقلا عند بعضهم، ثم نظرية جامعة عند الشاطبي.
الباب صلته بالمقاصد محطته من الخط
القياس المقصد هو الحكمة التي تجعل الوصف مناسبا، فيُستعمل في إثبات العلة بالمناسبة وفي الترجيح بين العلل الخامسة
المصلحة المرسلة تطبيق مباشر للمقصد في ما لا نص فيه ولا أصل معين يُقاس عليه الخامسة والسادسة
سد الذرائع تطبيق لاعتبار المآل: منع المباح إذا كثر إفضاؤه إلى المفسدة السادسة والسابعة
الترجيح موافقة المقاصد مرجح عند المتأخرين الرابعة

مسألة خلافية هل يُبنى الحكم على المصلحة المرسلة؟

  • الحنفية لا يعدونها دليلا مستقلا في كتب الأصول، ويدخل كثير من صورها عندهم في الاستحسان، ولا سيما استحسان الضرورة، وفي العرف.
  • المالكية حجة، وهي من أشهر أصول مالك، بشرط ملاءمتها لجنس تصرفات الشارع، وألا تعارض نصا، وأن تكون في ما يُعقل معناه من العادات والمعاملات دون التعبدات.
  • الشافعية ردها الآمدي وابن السبكي دليلا مستقلا، وقبلها الجويني إذا كانت قريبة من معاني الأصول الثابتة، وقبلها الغزالي إذا كانت ضرورية قطعية كلية فيما يخالف أصلا معينا.
  • الحنابلة ردها ابن قدامة في روضة الناظر أصلا مستقلا، وعمل المذهب بها واسع، وقررها ابن تيمية وابن القيم بضوابط.
  • سبب الخلاف هل تكفي شهادة جنس المقاصد للمصلحة، أم يُشترط شاهد معين من نص أو إجماع أو أصل يُقاس عليه؟ ومع ذلك خشية فتح باب التشريع بالرأي.
  • الثمرة تضمين الصناع. ضمّنهم المالكية ما ادعوا تلفه إلا ببينة حفظا لأموال الناس. وقال أبو حنيفة: الأجير المشترك لا يضمن إلا بالتعدي، وقال صاحباه: يضمن إلا من حريق غالب أو لصوص مكابرين. والأظهر عند الشافعية أنه أمين لا يضمن. وعند الحنابلة يضمن ما تلف بفعله.
  • التحقيق قرر القرافي أن المذاهب كلها تعمل بالمصلحة المرسلة عند التفريع وإن أنكرها بعضها في التنظير، فمحل الخلاف الحقيقي المصلحة التي تخالف أصلا معينا أو قياسا.
  1. شروط الغزالي في المصلحة التي تُبنى عليها مخالفة أصل معين: أن تكون ضرورية قطعية كلية، ومثالها تترس الكفار بأسرى المسلمين إذا كان الكف عنهم يؤدي إلى استئصال المسلمين جميعا. فإن أمكن ترك القلعة المتترس بها فلا ضرورة، وإلقاء واحد من سفينة لينجو الباقون مصلحة غير كلية.

١ الغاية داخل القيود

  1. القاعدة الحاكمة: المقصد يعمل في المساحة التي يتركها النص والإجماع، ولا يُدّعى إلا بمسلك من مسالك إثباته، ولا يعود على النص الذي استُخرج منه بالإبطال. وقرر الشاطبي أن الكلي لا يُعارض بالجزئي إلا بتأويل الجزئي أو تخصيصه.

  2. مزالق العمل بالمقاصد خمسة: - إسقاط النص بدعوى المقصد. - ادعاء المقصد بلا مسلك، فيصير المقصد ذوقا. - إهمال المرتبة، بتقديم التحسيني على الضروري، أو الخاص المتوهم على العام المحقق. - التعدي إلى التعبدات، والأصل في العبادات عند الشاطبي التعبد دون الالتفات إلى المعاني، وفي العادات الالتفات إلى المعاني. - الخلط بين الحكمة والعلة، بتعليق الحكم بحكمة غير منضبطة.

  3. جواب سؤال الافتتاح: استدلال القائل يقع في المزلق الأول والخامس معا. فتحريم الربا ثابت بنص قطعي، ورفع الظلم حكمة استُخرجت من النصوص فلا تعود عليها بالإبطال؛ والحكمة غير منضبطة لا يُعلق بها الحكم، والعلة عند الفقهاء أوصاف ظاهرة منضبطة. وموضع المقصد الصحيح في هذا الباب أن يعين على فهم ما يدخل في مسمى الربا من المعاملات الحادثة، وعلى تحقيق مناطه فيها، وهذا عمل المحطتين الخامسة والسابعة.

  4. مثال العمل داخل القيد: التسعير. امتنع النبي ﷺ عنه في غلاء لا ظلم فيه، وعلل بأنه مظلمة في المال. فأجاز الحنفية للسلطان أن يسعّر إذا تعدى أرباب الطعام عن القيمة تعديا فاحشا، بمشورة أهل الرأي، وفصّل ابن تيمية وابن القيم فجعلا من التسعير ظلما محرما وعدلا جائزا. فمن أجازه عند التعدي حمل الحديث على محله، ومن منعه مطلقا، كالأصح عند الشافعية والمذهب عند الحنابلة، رأى العلة المنصوصة قائمة في كل تسعير.

أداة تفكير الغاية داخل القيود

التفسير الغائي في القانون الحديث يقرأ النص في ضوء الغرض الذي وُضع له، ونظيره الأصولي النظر إلى الحكم من جهة مقصده. والقيد الذي يحفظ المنهج أن المقصد يحكم في الفهم والترجيح وإلحاق ما لا نص فيه، ولا يرفع نصا قطعيا. وحد الأداة أن «المساحة المتروكة» نفسها تُعرف بالأصول: قد يرى مذهب في المسألة نصا يقيد، ويراه مذهب آخر عاما مخصوصا أو خبرا معارضا، فيختلف موضع القيد بينهما. ولهذا تتفاوت المذاهب في سعة العمل بالمقصد مع اتفاقها على القاعدة.

تنبيه تغير الفتوى ليس تغير الحكم

تتغير الفتوى بتغير العرف والحال في الأحكام المبنية على العرف والمصلحة المتغيرة، كتقدير النفقة وصيغ العقود. والأحكام المنصوصة الثابتة، كالمواريث والحدود وتحريم الربا، باقية، ويتغير تحقيق مناطها في الواقعة المعينة.

أين التفصيل

أسئلة استرجاع

  1. ما حد المصلحة عند الغزالي؟ وما الذي أخرجه بهذا الحد؟
  2. اذكر المراتب الثلاث مع مثال لكل منها، وشرط الشاطبي في المكمل.
  3. ما الكليات الخمس؟ وما دليل حصرها؟ وما ضابط قبول الزيادة عليها؟
  4. اذكر مسالك الشاطبي الأربعة في معرفة المقاصد، وما الذي يقع فوقها.
  5. ما الأبواب التي تتفرع عن اعتبار المآل عند الشاطبي؟
  6. لماذا لا يصح القول بإباحة ما خلا من الظلم من الفوائد الربوية بدعوى المقصد؟

أجوبة أسئلة الاسترجاع

  1. المحافظة على مقصود الشرع في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. وأخرج به ما يراه الناس نفعا بطبعهم إذا لم يكن من مقصود الشرع.
  2. الضروريات كالقصاص، والحاجيات كالرخص والسلم، والتحسينات كستر العورات. وشرط المكمل أن يسقط اعتباره إذا عاد على أصله بالإبطال.
  3. الدين والنفس والعقل والنسل والمال، ودليل حصرها الاستقراء. وتُقبل الزيادة إذا ثبتت بالاستقراء نفسه ولم ترجع إلى واحد من الخمسة.
  4. مجرد الأمر والنهي الابتدائي التصريحي، واعتبار علل الأمر والنهي، والمقاصد الأصلية والتابعة، وسكوت الشارع مع قيام المقتضي. وفوقها الاستقراء المعنوي.
  5. سد الذرائع، وإبطال الحيل، ومراعاة الخلاف، والاستحسان.
  6. لأن تحريم الربا ثابت بنص قطعي، والمقصد المستخرج من النص لا يعود عليه بالإبطال، ولأن رفع الظلم حكمة غير منضبطة لا يُعلق بها الحكم.

الاجتهاد والتقليد

موقع الفصل من المنظومة

هذا الفصل القطب الرابع: المستثمر. وهو آخر محطات خط الاستنباط: الحكم، ودرجة اليقين فيه، وأهلية من قاله. فالمحطات السبع قبلها أعمال، وهذا الفصل يسأل عن العامل: من يحق له أن يقوم بها؟ وما الذي يصنعه من لا يقدر عليها؟ وكيف يعرف المتمذهب القول الذي يُفتى به في مذهبه؟

سؤال الافتتاح

فقيه تزوج بلا ولي وهو يرى صحة ذلك، ثم تغير اجتهاده فصار يرى بطلانه. هل يلزمه فراق زوجته؟ وهل يختلف الحكم إذا كان قاض قد حكم بصحة نكاحه؟ الجواب في مبحث نقض الاجتهاد.

١ الاجتهاد

  1. الاجتهاد استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي. ومحله ما لا قاطع فيه، فما ثبت بنص قطعي أو إجماع خارج عن محله.

  2. حكمه: فرض كفاية على الأمة، ويصير فرض عين على المجتهد في واقعته، أو إذا تعين عليه بأن لم يوجد غيره.

  3. للمجتهد عند الغزالي شرطان: الإحاطة بمدارك الشرع مع التمكن من استثارة الظن بالنظر فيها، والعدالة، وهي شرط لقبول فتواه لا لصحة اجتهاده.

  4. العلوم المشروطة تفصيلا للشرط الأول: آيات الأحكام، وقدّرها الغزالي بنحو خمسمائة آية يعرف مواضعها ولا يلزمه حفظها؛ وأحاديث الأحكام، ويكفيه أصل مصحح جامع لها يعرف مواقع أبوابه؛ ومواضع الإجماع لئلا يخالفه؛ والعربية بالقدر الذي يميز به الصريح من الظاهر والعام من الخاص؛ وأصول الفقه، وهو عمدة الاجتهاد؛ والناسخ والمنسوخ؛ وحال الرواة، ويجوز أن يقلد فيه أئمة الحديث.

  5. أخرج الغزالي من الشروط علم الكلام وتفاريع الفقه. فيكفي في الكلام أن يعتقد جازما ما يعتقده المسلمون، والتفاريع ثمرة الاجتهاد فلا تكون شرطا فيه، وإن كانت ممارستها طريق تحصيل الملكة.

  6. زاد الشاطبي فهم مقاصد الشريعة على كمالها، وجعله الوصف الأول للمجتهد، وجعل التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها الوصف الثاني (المقاصد).

مسألة خلافية هل يتجزأ الاجتهاد؟

  • الحنفية يتجزأ عند الأكثر، ومنعه بعضهم.
  • المالكية يتجزأ عند الأكثر، وتردد فيه ابن الحاجب في المختصر.
  • الشافعية يتجزأ على الصحيح، وهو اختيار الغزالي والرازي.
  • الحنابلة يتجزأ على الصحيح.
  • سبب الخلاف هل الاجتهاد ملكة واحدة لا تنقسم، فمن قصر عن باب فلعل في ما جهله ما يعارض ما علمه؟ أم يكفي في المسألة الإحاطة بأدلتها ومداركها؟ واستدل المجيزون بأن الأئمة سُئلوا فقالوا: لا ندري، فما خرجوا بذلك عن الاجتهاد.
  • الثمرة المتخصص في الفرائض أو المعاملات المالية وهو مقلد في غيرها: يجتهد ويفتي في بابه عند من أجاز التجزؤ، ويلزمه التقليد مطلقا عند من منعه. وعلى التجزؤ يقوم كثير من الاجتهاد المعاصر في المجامع المتخصصة.
  • التحقيق المسألة خلاف داخل كل مذهب، لا بين المذاهب.

١ مراتب المجتهدين

  1. التقسيم الجامع لابن الصلاح، ونقله النووي في مقدمة المجموع: مفت مستقل، وهو المجتهد المطلق الذي يؤسس أصوله بنفسه؛ ومفت غير مستقل له أربع أحوال: المجتهد المنتسب الذي سلك طريق إمامه دون تقليد له، ومجتهد المذهب صاحب الوجوه الذي يخرّج على نصوص إمامه، ومجتهد الفتوى صاحب الترجيح كالرافعي والنووي عند كثيرين، وحافظ المذهب وناقله.

  2. طبقات الحنفية عند ابن كمال باشا سبع: المجتهدون في الشرع كالأئمة الأربعة، ثم في المذهب كأبي يوسف ومحمد، ثم في المسائل التي لا رواية فيها كالطحاوي والكرخي والسرخسي، ثم أصحاب التخريج كالجصاص، ثم أصحاب الترجيح كالقدوري وصاحب الهداية، ثم المميزون أصحاب المتون، ثم المقلدون المحض. ونوقش في تنزيل الأعيان عليها، وممن نقده المرجاني واللكنوي، ومن وجوه ما أُورد عليه أن الصاحبين خالفا الإمام في أصول لا في فروع فقط، وبقي التقسيم معتمدا في بيان ترتيب الأقوال.

  3. عند المالكية: مالك مجتهد مطلق، وكبار أصحابه كابن القاسم وأشهب مجتهدون في المذهب، ثم أهل الترجيح كاللخمي وابن يونس وابن رشد والمازري، ثم أهل النقل والحفظ. وعند الحنابلة قسم ابن حمدان المجتهدين على نحو تقسيم ابن الصلاح.

  4. خلو العصر من مجتهد: منعه الحنابلة، وهو المعروف عند أصحاب أحمد، وأجازه الجمهور عقلا وشرعا. ونُقل عن ابن دقيق العيد أن الزمان لا يخلو من مجتهد إلى أن تتداعى القواعد بقرب الساعة. ودعوى إغلاق باب الاجتهاد لم يقم عليها إجماع.

١ التصويب ونقض الاجتهاد

  1. المصيب في العقليات والأصول الكلامية واحد باتفاق، والمخطئ فيها آثم. والخلاف في الفروع الظنية: فالمصيب واحد عند الله عند جمهور المذاهب، والمخطئ مأجور معذور، لحديث «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» (رواه البخاري ومسلم). وقال بالتصويب الأشعري في المشهور عنه، والباقلاني، والغزالي. والخلاف في أصله كلامي يمر داخل المذاهب الفقهية لا بينها.

  2. الاجتهاد لا يُنقض بمثله. فإذا حكم الحاكم في مسألة اجتهادية، أو عمل المستفتي بفتوى، ثم تغير الاجتهاد، لم يُنقض ما مضى، لأن الثاني ليس أقوى من الأول، ولأن النقض يمنع استقرار الأحكام. ومستندها قضاء عمر في المسألة المشركة، وقوله ما معناه: «تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي» (أخرجه عبد الرزاق في المصنف والبيهقي في السنن الكبرى بألفاظ متقاربة).

  3. يُنقض الحكم إذا خالف نصا لا يحتمل التأويل، أو إجماعا، أو قياسا جليا، وزاد القرافي القواعد الكلية السالمة عن المعارض. وقال الحنفية: يُنقض إذا خالف الكتاب أو السنة المشهورة أو الإجماع، ولا يُنقض بمخالفة خبر الواحد إذا كان للحاكم فيه تأويل أو مذهب.

  4. جواب سؤال الافتتاح: المختار عند جماعة أن من تزوج بلا ولي معتقدا صحته ثم تغير اجتهاده إلى البطلان، إن كان حكم بصحة نكاحه حاكم لم يُنقض، وإن لم يحكم به حاكم لزمه فراقها، لأنه صار يعتقد أنه يطأ في نكاح باطل. والفرق بين الرجوع والنقض أن المجتهد يفتي بعد تغير اجتهاده بالثاني، ولا يُنقض ما عُمل به أو حُكم به.

اجتهاد النبي ﷺ جائز عند الجمهور، ولا يُقر على خطأ، واجتهد الصحابة في حياته. والاجتهاد الجماعي المعاصر اجتهاد ظني يقوم على التخصص والتشاور بين أهل النظر وأهل الاختصاص، وقرار المجمع الفقهي اجتهاد جماعي، ولا يبلغ رتبة الإجماع.

أداة تفكير مراتب الإدراك

المجتهد يطلب في الفروع الظن الغالب، والحد نفسه يقول «لتحصيل ظن». فالاجتهاد نقل للناظر من الشك إلى الظن الراجح بالدليل، والعمل بالظن الراجح واجب عليه وعلى مقلده. ومن هنا كانت المحطة الثامنة سؤالين: ما درجة الحكم؟ ومن قاله؟ فالظن الذي يحصّله المجتهد حجة في حقه، والظن الذي يحصّله غير المتأهل لا يُعتد به ولو أصاب. وحد الأداة أن الأصوليين رتبوا الظن أقوى وأضعف ولم يقدروه بالأرقام، وأن مواضع القطع في الفروع خارجة عن محل الاجتهاد أصلا.

١ التقليد

  1. التقليد عند ابن الهمام: العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة. فخرج العمل بقول النبي ﷺ والإجماع لأنهما حجتان، ودخل رجوع العامي إلى المفتي.

  2. حكمه: في أصول الدين يجب النظر عند الجمهور، والمعتمد عند المحققين أن إيمان المقلد صحيح مع الإثم بترك النظر للقادر عليه. وفي الفروع يجب التقليد على من لم يبلغ رتبة الاجتهاد، لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. ولا يقلد المجتهد في ما اجتهد فيه وظهر له حكمه، بالاتفاق.

  3. تقليد المفضول مع وجود الفاضل جائز عند الجمهور، وهو قول أكثر الحنفية والمالكية والشافعية، وفي مذهب الحنابلة خلاف. وفي رواية عن أحمد، وعند جماعة من الشافعية كابن سريج والقفال، يجب على العامي أن يجتهد في أعيان المفتين فيقلد الأعلم الأورع.

  4. تقليد الميت جائز عند الجمهور، لأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها.

  5. التزام مذهب معين غير واجب عند جماعة من المحققين منهم ابن الهمام والنووي، وأوجبه كثير من المتأخرين ضبطا. والعمل عندهم على أن الالتزام أضبط، وأنه لا يمنع من تقليد غيره في مسألة بشروط.

  6. الانتقال بين المذاهب جائز لدليل أو اطمئنان، لا لغرض دنيوي. وشروطه في المسألة الواحدة: ألا يكون قد عمل بقول مذهبه في الواقعة عينها عند من اشترطه، وألا يتتبع الرخص، وألا يلفّق، وأن يعتقد رجحان من يقلده أو مساواته كما شرط القرافي، وأن يستوفي شروط المسألة على المذهب المنتقل إليه.

  7. تتبع الرخص ممنوع. نقل ابن عبد البر قول سليمان التيمي: لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله، وقال: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا. ويُفرّق بينه وبين الأخذ بالرخصة في مسألة لحاجة.

  8. التلفيق أن يأتي المقلد في المسألة الواحدة بكيفية لا يقول بها مجتهد. والمتفق عليه منع ما يؤدي إلى صورة يبطلها كل من أُخذ عنه. فالنكاح بلا ولي تقليدا للحنفية، وبلا إشهاد عند العقد تقليدا للمالكية، ثم بلا إشهاد قبل الدخول ولا إعلان، باطل عند الجميع، لأن الحنفية يشترطون الإشهاد عند العقد، والمالكية يشترطون الولي ويوجبون الإشهاد قبل الدخول.

  9. الفتوى والقضاء: الفتوى إخبار بالحكم غير ملزم، والقضاء إنشاء ملزم يرفع الخلاف في الواقعة. ولا يفتي المقلد بالمرجوح في مذهبه، ويُستثنى ما للضرورة، وما جرى به العمل عند المالكية.

١ كيف يُعرف المعتمد في كل مذهب

المعتمد في المذهب القول الذي استقر الترجيح عليه عند أهل الترجيح فيه، ولكل مذهب طريق في معرفته بحسب تاريخ تدوين أقواله:

المذهب مراتب الأقوال ترتيب الأخذ عمدة المتأخرين
الحنفية ظاهر الرواية (كتب محمد الستة)، ثم النوادر، ثم الفتاوى والواقعات قول أبي حنيفة، ثم أبي يوسف، ثم محمد، ثم زفر والحسن بن زياد، ما لم يصحح أهل الترجيح غيره؛ والمتون مقدمة على الشروح، والشروح على الفتاوى المتون المعتمدة كالقدوري والكنز وشروحها كالهداية، و«رد المحتار» لابن عابدين؛ وألفاظ «وعليه الفتوى» و«به يُفتى» آكدها
المالكية المشهور (ما كثر قائله على الأشهر)، والراجح (ما قوي دليله)، وما جرى به العمل قول مالك في المدونة، ثم ابن القاسم فيها، ثم غيره فيها، ثم ابن القاسم في غيرها مختصر خليل «مبينا لما به الفتوى»، وشروحه، والشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي
الشافعية الأقوال للشافعي، والأوجه لأصحابه، والطرق في حكاية المذهب ما اتفق عليه الرافعي والنووي، ثم ما رجحه النووي، ثم ابن حجر والرملي «تحفة المحتاج» و«نهاية المحتاج»؛ ومصطلح المنهاج: الأظهر والمشهور، والأصح والصحيح، والمذهب، والنص
الحنابلة الروايات عن أحمد والأوجه للأصحاب ما في الإقناع والمنتهى، والمقدم عند الاختلاف المنتهى «الإنصاف» أصل التصحيح
  1. مصطلح النووي يدل على نوع الخلاف وقوته: «الأظهر» و«المشهور» بين قولين للشافعي، و«الأصح» و«الصحيح» بين وجهين للأصحاب؛ والأظهر والأصح إذا قوي مدرك المقابل، والمشهور والصحيح إذا ضعف.

  2. لفظ «خلاف» في مختصر خليل يعني أن كلا من القولين شهّره عالم معتبر، وذكر «قولين» دون هذا اللفظ يعني أنه لم يجد ترجيحا منصوصا لأحدهما.

أين التفصيل

  • حقيقة الاجتهاد وحكمه، وشروط المجتهد، وتجزؤه، ومراتب المجتهدين، وخلو العصر، والتصويب والتخطئة، ونقض الاجتهاد، واجتهاد النبي ﷺ والصحابة، والاجتهاد الجماعي: الاجتهاد.
  • التقليد ومسائله، والفتوى وآدابها، والفرق بين الفتوى والقضاء، وكيف يُعرف المعتمد في كل مذهب، وصلة الأصول بالقواعد الفقهية: التقليد والفتوى والمذهب.
  • تخريج الفروع على الفروع والقول المخرّج: تخريج الفروع على الأصول؛ والاجتهاد الجماعي والمجامع في زمننا: أصول الفقه في زمننا.

أسئلة استرجاع

  1. عرّف الاجتهاد، وبيّن محله.
  2. ما شرطا المجتهد عند الغزالي؟ وما الذي أخرجه من الشروط؟ وما الذي زاده الشاطبي؟
  3. ما ثمرة الخلاف في تجزؤ الاجتهاد؟
  4. لماذا لا يُنقض الاجتهاد بمثله؟ ومتى يُنقض الحكم؟
  5. عرّف التقليد عند ابن الهمام، وبيّن ما يخرج بقيد «من ليس قوله إحدى الحجج».
  6. بأي شيء يُعرف المعتمد عند الشافعية؟ وما الفرق بين «الأظهر» و«الأصح» في مصطلح النووي؟

أجوبة أسئلة الاسترجاع

  1. استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي، ومحله ما لا قاطع فيه من نص أو إجماع.
  2. الإحاطة بمدارك الشرع مع التمكن من استثارة الظن، والعدالة شرطا لقبول الفتوى. وأخرج علم الكلام وتفاريع الفقه. وزاد الشاطبي فهم مقاصد الشريعة على كمالها وجعله الوصف الأول.
  3. المتخصص في باب وهو مقلد في غيره: يجتهد ويفتي في بابه عند من أجاز التجزؤ، ويقلد مطلقا عند من منعه.
  4. لأن الاجتهاد الثاني ليس أقوى من الأول، ولأن النقض يمنع استقرار الأحكام. ويُنقض الحكم إذا خالف نصا لا يحتمل التأويل أو إجماعا أو قياسا جليا، وعند الحنفية إذا خالف الكتاب أو السنة المشهورة أو الإجماع.
  5. العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة. ويخرج به العمل بقول النبي ﷺ وبالإجماع، لأنهما حجتان في أنفسهما.
  6. بما اتفق عليه الرافعي والنووي، ثم بما رجحه النووي، ثم بابن حجر والرملي. و«الأظهر» خلاف بين قولين للشافعي، و«الأصح» خلاف بين وجهين للأصحاب، وكلاهما يدل على قوة المقابل.

قضية واحدة من أولها إلى آخرها: النكاح بغير ولي على خط الاستنباط

موقع الفصل من المنظومة

الفصول السبعة قبله رسمت المنظومة قطبا قطبا. وهذا الفصل يشغّلها في قضية واحدة، فيمر بالمحطات الثماني كلها بترتيبها، ويقف عند كل محطة على ما يصنعه كل مذهب فيها. والقضية: النكاح بغير ولي. وقد حُلّت مختصرة في المسائل العشر من تخريج الفروع على الأصول، ويتابعها هذا الفصل بتفصيل أوفى، لأنها تجمع ما يندر اجتماعه في مسألة واحدة: حكما وضعيا في الصحة والبطلان، وأخبارا اختلفت المذاهب في قبولها، ودلالات لفظية متقابلة، وقياسا، ونظرا مقاصديا، وتحقيق مناط له ضوابط مفصلة عند الحنفية.

سؤال الافتتاح

امرأة بالغة عاقلة ثيب زوّجت نفسها رجلا كفؤا بمهر مثلها، دون علم أبيها. هل نكاحها صحيح؟ وما الحكم لو زوجت نفسها من غير كفء، أو بأقل من مهر مثلها؟ الجواب في المحطة الثامنة والجدول الأخير.

١ النصوص

  1. حديث أبي موسى الأشعري: «لا نكاح إلا بولي» (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه جماعة من الحفاظ، واختُلف في وصله وإرساله).

  2. حديث عائشة رضي الله عنها: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل»، وتمامه: «فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» (رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وابن ماجه).

  3. حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها» (رواه مسلم).

  4. قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، ونزلت في معقل بن يسار حين منع أخته أن ترجع إلى زوجها (رواه البخاري).

  5. قوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].

  6. ويستدل الجمهور معها بخطاب الرجال بالإنكاح: ﴿وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، و﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢].

  7. وأثر عائشة رضي الله عنها أنها زوّجت حفصة بنت أخيها عبد الرحمن وهو غائب بالشام (رواه مالك في الموطأ)، وهو عمدة الحنفية في محطة الثبوت.

١ المحطة الأولى: نوع الحكم

  1. المطلوب حكم وضعي. السؤال: هل الولي شرط في صحة عقد المرأة البالغة العاقلة؟ والشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده شيء (الحكم الشرعي). فإن كان الولي شرطا فعقدها بدونه غير صحيح، وإلا فهو صحيح، وللولي بعد ذلك ما يثبته له الدليل من حق.

  2. محل النزاع محرر. اتفقوا على أن الصغيرة والمجنونة لا تعقدان لأنفسهما، وأن الولي لا يجبر الثيب البالغة على النكاح، وأن رضاها شرط. والخلاف في عبارتها: هل تنعقد بها نكاحها؟

  3. ويتبع الوضعيَّ حكم تكليفي في الإقدام على العقد، وفي آثار الدخول بعده من مهر وعدة ونسب وحد. وهذه الآثار تختلف بحسب جواب السؤال الوضعي، ويأتي بيانها في المحطة الثامنة.

تنبيه النكاح بغير ولي ليس مثالا للفاسد عند الحنفية

الحنفية يفرقون في المعاملات بين الباطل والفاسد، وقد يُظن أن النكاح بغير ولي عندهم فاسد. وهو عندهم صحيح أصلا، والمثال الصحيح للفاسد في النكاح عندهم النكاح بغير شهود. وعند الجمهور النكاح بغير ولي لا يصح: يسميه الشافعية باطلا، ويعده الحنابلة من النكاح الفاسد لأنه مختلف في صحته فيُفرق فيه بطلاق أو فسخ، ويفسخه المالكية بطلاق (الحكم الوضعي).

١ المحطة الثانية: الأدلة وثبوتها

  1. الآيات قطعية الثبوت، وحديث «الأيم أحق بنفسها» صحيح في مسلم، وكل ذلك مقبول عند الجميع. ومحل النزاع الحديثان الأولان.

  2. الجمهور: الحديثان صالحان للاحتجاج. حديث أبي موسى صححه جماعة من الحفاظ ورجحوا وصله، وحديث عائشة حسنه الترمذي. وما يُروى من أن الزهري، وهو مدار حديث عائشة، سُئل عنه فلم يعرفه، أجابوا عنه بأن الحكاية تفرد بها إسماعيل ابن علية وضعفها يحيى بن معين، وبأن نسيان الشيخ لما رواه الثقة عنه لا يقدح في الرواية عند الجمهور (الكتاب والسنة).

  3. الحنفية: يجتمع عندهم في الحديثين ثلاثة قوادح. الأول: اضطراب حديث «لا نكاح إلا بولي» في وصله وإرساله. الثاني: إنكار الزهري حديث عائشة، والفرع إذا نسي الأصل ما رواه عنه رد خبره الكرخي وجماعة من الحنفية. الثالث: أن عائشة راوية الخبر زوّجت بنت أخيها وأبوها غائب، ومخالفة الراوي لما روى قادحة عندهم إذا كانت بعد الرواية ولم يحتمل خفاء الخبر عليه، لأن العدل لا يترك ما رواه إلا عن علم بناسخ أو دليل (الكتاب والسنة).

  4. وجواب الجمهور عن أثر عائشة قاعدتهم أن العبرة بما روى الراوي لا بما رأى، لأن الحجة في كلام النبي ﷺ لا في اجتهاد الراوي. ونقلوا عنها في بعض الروايات أنها كانت تمهد للعقد ثم تأمر رجلا من أهلها يعقده، فحملوا خبر الموطأ على ذلك.

  5. المالكية والشافعية والحنابلة في هذه المحطة صف واحد: يقبلون الحديثين، ولا يقدّمون رأي الراوي على روايته. والمالكية يعملون بالحديثين، فلم يُعارضا عندهم بعمل أهل المدينة كما عورض خبر خيار المجلس. فالافتراق في هذه المحطة بين الحنفية والجمهور وحده.

١ المحطة الثالثة: الدلالة

  1. «لا نكاح إلا بولي»: عند الجمهور نفي متوجه إلى الحقيقة الشرعية، أي الصحة، لأن الشارع ينفي ما يعرّفه هو، فإن تعذر حُمل على نفي الكمال (المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول). والحنفية، على تقدير ثبوته، يحملونه على نفي الكمال، أو على من لا تملك أمر نفسها كالصغيرة والمجنونة، أو يجعلون البالغة العاقلة ولية نفسها فيصدق عليها أن نكاحها بولي.

  2. «فنكاحها باطل»: صريح في البطلان عند الجمهور، وكرره النبي ﷺ ثلاثا في بعض الروايات تأكيدا. والحنفية، على تقدير ثبوته، حملوه على الأمة أو الصغيرة، أو على من زوجت نفسها من غير كفء، فيكون معنى البطلان أنه يؤول إليه باعتراض الولي. وهذا عند الجمهور تأويل بعيد، لأن «أيما» من أقوى صيغ العموم، وحمل العام القوي على صورة نادرة لا يقبل إلا بدليل قوي (المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول). واحتج بعض الحنفية على الجمهور إلزاما بأن مفهوم «بغير إذن وليها» صحة عقدها بإذنه، فعبارتها معتبرة في الجملة؛ وأجاب الجمهور بأن القيد خرج مخرج الغالب، وهو من موانع العمل بمفهوم المخالفة عندهم (طرق الدلالة بين المنهجين).

  3. إسناد النكاح إلى المرأة في الآيتين: احتج الحنفية بقوله ﴿أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ وقوله ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، والأصل في الإسناد الحقيقة، فالفعل فعلها، والعقد ينعقد بعبارتها. وأجاب الجمهور بأن الإسناد إليها لأنها محل العقد ورضاها شرط فيه، وهذا معروف في الاستعمال، وبأن آية البقرة: ٢٣٠ مسوقة لبيان غاية التحريم بعد الطلاق الثالث، لا لبيان من يتولى العقد.

  4. آية العضل: هي عند الجمهور أقوى ما في الباب، لأن النهي عن المنع لا يتوجه إلا إلى من يملكه، فلو كانت المرأة تعقد لنفسها لما كان لعضل الولي أثر. ويقوي ذلك سبب النزول، فالآية نزلت في معقل بن يسار وهو ولي، وصورة السبب قطعية الدخول عند الشافعية والحنابلة (العام والخاص). وقال الحنفية: الآية أسندت النكاح إليهن، والنهي عن العضل نهي عن المنع الحسي والتضييق، ولا يلزم منه أن العقد لا يتم إلا بالولي.

  5. «الأيم أحق بنفسها من وليها»: احتج به الحنفية على أن لها أن تعقد لنفسها، لأن «أحق» يفيد أن الحق في أمرها لها مقدما على الولي. وأجاب الجمهور بأن الحديث في الإذن والاختيار، بدليل مقابلته بقوله «والبكر تستأذن»، وبأن صيغة التفضيل «أحق من وليها» تقتضي أن للولي حقا أيضا، وحقه هو العقد، وحقها الرضا الذي لا يُعقد بدونه.

١ المحطة الرابعة: المعارض والجمع والترجيح

  1. صورة التعارض: نصوص تسند النكاح إلى المرأة وتجعلها أحق بنفسها، ونصوص تشترط الولي وتبطل عقدها بدونه. وهنا تعمل الشجرتان (التعارض والترجيح).

  2. فرع الجمهور: الجمع أولا. حملوا نصوص الإسناد إلى المرأة وحديث «الأيم أحق بنفسها» على الرضا والاختيار، وحملوا نصوص الولي على مباشرة العقد. فأُعمل الدليلان: لا يُعقد على الثيب إلا برضاها، ولا تعقد هي لنفسها. وهذا جمع بالحمل على جهتين مختلفتين.

  3. فرع الحنفية: التاريخ ثم الترجيح. لم يُعلم تاريخ، فرجحوا: حديث «الأيم أحق بنفسها» في صحيح مسلم لا كلام في سنده، والحديثان الآخران مطعون فيهما عندهم بما تقدم، ومع الأول ظاهر الآيات القطعية الثبوت. فالترجيح هنا بالسند وبموافقة ظاهر القرآن. وعلى قاعدتهم لا يكون حديث آحاد مختلف في ثبوته معارضا مكافئا لظاهر الكتاب.

  4. النتيجة في هذه المحطة: لم يحتج الجمهور إلى الترجيح لأن الجمع أمكنهم، ولم يحتج الحنفية إلى الجمع لأن الترجيح حسم عندهم. فالمحطة الرابعة هنا ثمرة المحطة الثانية: من قبل الحديثين احتاج إلى الجمع، ومن طعن فيهما رجح ما سلم.

١ المحطة الخامسة: الإلحاق بالقياس

  1. قياس الحنفية: البالغة العاقلة تتصرف في مالها بلا ولي بالاتفاق، لكمال أهلية الأداء فيها (الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه)، فكذلك تتصرف في نفسها، والنكاح عقد على منافعها هي، ورضاها شرط فيه بالاتفاق. فالأصل التصرف المالي، والفرع عقد النكاح، والجامع كمال الأهلية مع خلوص الحق لها.

  2. اعتراض الجمهور بالفارق: النكاح ليس حقا خالصا للمرأة، لأن أثره يتعدى إلى أوليائها في النسب والعار، والمال حقها الخالص. وهذا قادح الفرق. ثم إن القياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار عند من صحح الحديثين (القياس). والحنفية لا يسلمون فساد الاعتبار هنا، لأن النص عندهم لم يثبت على وجه يقاوم ظاهر الكتاب.

  3. ويجيب الحنفية عن الفارق بأنهم راعوا حق الأولياء فعلا، فأثبتوا لهم حق الاعتراض في غير الكفء، فيُحفظ الحق المتعدي دون إلغاء عبارة المرأة. فالخلاف في الإلحاق يرجع إلى سؤال: هل حق الولي يقتضي أن يكون العقد بيده، أم يكفي فيه حق الاعتراض؟

١ المحطة السادسة: الوزن المقاصدي

  1. المقصد المشترك: حفظ النسل والنسب، وحفظ العرض عند من زاده، ومنع النكاح الذي تجر عاقبته عارا على الأسرة أو ضررا على المرأة نفسها. فالفريقان متفقان على المقصد، مختلفان في الوسيلة التي تحققه.

  2. الجمهور: اشتراط الولي يحمي المرأة من أن تُخدع فتضع نفسها في غير كفء، ويحفظ صلة الأسرة بالعقد. وهو مكمل لحفظ النسل في مرتبة الحاجيات. ويُراعى فيه قيد الشاطبي في المكمل: ألا يعود على أصله بالإبطال (المقاصد). ولذلك جاء في تمام حديث عائشة: «فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له»، فإذا عضل الولي انتقلت الولاية إلى السلطان، وبقي مقصود النكاح قائما.

  3. الحنفية: يحققون المقصد نفسه بوسيلة أخرى، هي الكفاءة وحق الاعتراض، ويحفظون معه أهلية المرأة البالغة العاقلة في التصرف في نفسها. ومن هنا كان الوزن المقاصدي عندهم محطة تكميل: بنوا الصحة على النص والقياس، ثم ضبطوها بما يحفظ المقصد.

  4. المالكية: يتفاوت عندهم وزن المقصد بحسب حال المرأة، فلهم تفصيل في المرأة الدنيئة يجيز أن يزوجها بالولاية العامة رجل من المسلمين، والشريفة يزوجها وليها الخاص. وهذا تحقيق للمقصد في محله، لأن خطر العار والضياع يختلف بحسب الحال.

١ المحطة السابعة: تحقيق المناط

  1. عند الحنفية تعمل هذه المحطة بثلاثة مناطات، لأن الصحة عندهم مشروطة بحفظ حق الولي: - الكفاءة: تُعتبر في النسب، والإسلام، والحرية، والمال، والديانة، والحرفة، في جانب الرجل. فيُنظر في الزوج المعين: أهو كفء للمرأة المعينة في هذه الأوصاف بحسب عرف بلدها؟ - مهر المثل: إذا زوجت نفسها بأقل من مهر مثلها، فلولي العصبة عند أبي حنيفة أن يعترض حتى يتم الزوج مهر المثل أو يفرق القاضي بينهما، وخالفه صاحباه. - حق الاعتراض: يرفعه الولي العاصب إلى القاضي فيفرق، ما لم يكن قد رضي بالزوج، أو تلد المرأة أو يظهر حملها على ما في كتب المذهب.

  2. رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أن نكاحها من غير الكفء لا يصح أصلا، وهي المفتى بها عند متأخري الحنفية لفساد الزمان، وعدم صلاحية كل ولي للمرافعة وكل قاض للعدل (الحكم الوضعي). فتحقيق المناط هنا غيّر موضع الحكم: من صحة يلحقها حق اعتراض، إلى عدم انعقاد في غير الكفء.

  3. عند الجمهور تعمل المحطة في تعيين الولي وصفته: ترتيب الأولياء، وشروطهم من ذكورة وعقل وبلوغ، وتحقيق العضل، فإذا ثبت أن الولي منعها من كفء رضيته بمهر مثلها انتقلت الولاية إلى السلطان أو نائبه القاضي. وعند المالكية تعمل أيضا في تحقيق وصف الدناءة والشرف.

  4. في زماننا تدخل في تحقيق المناط عناصر جديدة: توثيق العقود في المحاكم، وغياب الولي في بلاد بعيدة، ووجود القاضي المسلم أو من يقوم مقامه. فيُنظر في كل واقعة: من الولي؟ وهل هو عاضل أو غائب غيبة منقطعة؟ ومن السلطان الذي ينتقل إليه الأمر؟ وهذه أسئلة في المحل لا في الحكم الكلي (أصول الفقه في زمننا).

١ المحطة الثامنة: الحكم ودرجته

  1. الحكم في كل مذهب: - الحنفية: يصح نكاح البالغة العاقلة بعبارتها، وللولي الاعتراض في غير الكفء، وهو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة؛ والمفتى به عند المتأخرين رواية الحسن أنه لا يصح من غير الكفء. ونُقل عن أبي يوسف ومحمد أنه لا ينعقد إلا بولي، وذُكر رجوعهما إلى قول الإمام. - المالكية: الولي شرط في الصحة، ولهم تفصيل في الدنيئة وولاية عامة المسلمين. وإذا وقع النكاح بلا ولي فُسخ بطلاق، وثبت به الميراث والعدة والنسب مراعاة للخلاف (الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة). - الشافعية: الولي شرط، ولا تعقد المرأة لنفسها ولا لغيرها. وإذا وقع ودخل بها فالنكاح باطل، ويثبت مهر المثل والعدة والنسب، ويُدرأ الحد للشبهة. - الحنابلة: الولي شرط كالشافعية، ويعدون النكاح بلا ولي فاسدا لأنه مختلف فيه، فيُفرق فيه بطلاق أو فسخ، ويرتبون على الدخول فيه مهر المثل والعدة والنسب ودرء الحد (الحكم الوضعي).

  2. درجة الحكم: ظنية عند الجميع، لأن الأدلة ظنية الثبوت أو الدلالة في محل النزاع. فالمسألة اجتهادية، وفيها ثلاثة آثار: - حكم الحاكم يرفع الخلاف: إذا قضى قاض بصحة نكاح بلا ولي لم يُنقض، لأن الاجتهاد لا يُنقض بمثله (الاجتهاد والتقليد). - تغير الاجتهاد: من تزوج بلا ولي معتقدا صحته ثم صار يرى البطلان، لزمه الفراق إن لم يحكم بصحته حاكم، ولم يلزمه إن حكم به. - التلفيق الممنوع: من تزوج بلا ولي تقليدا للحنفية، وبلا إشهاد عند العقد تقليدا للمالكية، ثم خلا نكاحه من الإشهاد قبل الدخول ومن الإعلان، فنكاحه باطل عند الجميع، لأن الحنفية يشترطون الإشهاد عند العقد، والمالكية يشترطون الولي ويوجبون الإشهاد قبل الدخول (التقليد والفتوى والمذهب).

  3. جواب سؤال الافتتاح: المرأة التي زوجت نفسها كفؤا بمهر مثلها نكاحها صحيح عند الحنفية، وليس لأبيها أن يعترض، وغير صحيح عند المالكية والشافعية والحنابلة. فإن زوجت نفسها من غير كفء فنكاحها صحيح موقوف على عدم اعتراض العاصب في ظاهر الرواية، وغير منعقد على رواية الحسن المفتى بها. وإن زوجت نفسها بأقل من مهر مثلها فللولي عند أبي حنيفة أن يعترض حتى يُتم الزوج مهر المثل أو يُفرق بينهما.

مسألة خلافية هل ينعقد النكاح بعبارة البالغة العاقلة دون ولي؟

  • الحنفية تنعقد، وللولي الاعتراض في غير الكفء، في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة؛ والمفتى به عند المتأخرين رواية الحسن أنه لا يصح من غير الكفء.
  • المالكية لا تنعقد، والولي شرط في الصحة، ولهم تفصيل في الدنيئة وولاية عامة المسلمين.
  • الشافعية لا تنعقد، ولا تعقد المرأة لنفسها ولا لغيرها.
  • الحنابلة لا تنعقد، كالشافعية.
  • سبب الخلاف ثلاثة مآخذ متراكبة: ثبوت حديثي الولي (مخالفة الراوي لروايته وإنكار الزهري)، ودلالة إسناد النكاح إلى المرأة وحديث «الأيم أحق بنفسها»، وصحة قياس عقد النكاح على تصرفها في مالها.
  • الثمرة صحة العقد ونفاذه، ثم آثار الدخول: الحنفية يرتبون آثار النكاح الصحيح، والمالكية يفسخونه بطلاق ويثبتون الميراث والعدة والنسب، والشافعية يبطلونه، والحنابلة يفرقون فيه بطلاق أو فسخ، ويثبت الفريقان المهر والعدة والنسب ويدرؤون الحد.

أداة تفكير سؤال سبب الخلاف

الأداة تطلب رد الخلاف إلى جذره: ثبوت، أو دلالة، أو قاعدة منهجية، أو نظر مقاصدي، أو تصور الواقعة. وهذه المسألة تُري حد الأداة: الخلاف فيها لا يرجع إلى جذر واحد. فالحنفي لو سلّم ثبوت الحديثين بقي عنده ظاهر الآيات والقياس، والشافعي لو سلّم صحة الإسناد إلى المرأة بقي عنده صريح «فنكاحها باطل». والحاصل أن الخلاف يطرد على قاعدة مخالفة الراوي لروايته، ومن مآخذه أيضا دلالة الإسناد والقياس على التصرف المالي. وهذا هو التعدد الذي نبه عليه تخريج الفروع على الأصول في حدود التخريج.

١ نقاط الافتراق

المحطة الحنفية المالكية الشافعية الحنابلة
١. نوع الحكم الولي ليس شرط صحة؛ للولي حق اعتراض الولي شرط صحة الولي شرط صحة الولي شرط صحة
٢. الثبوت الحديثان مطعون فيهما: الاضطراب، وإنكار الزهري، ومخالفة عائشة الحديثان مقبولان الحديثان مقبولان؛ العبرة بما روى الحديثان مقبولان
٣. الدلالة الإسناد إلى المرأة حقيقة؛ «أحق بنفسها» في العقد؛ «لا نكاح» نفي كمال على التقدير «لا نكاح» نفي صحة؛ العضل دليل ملك الولي كالمالكية، وصورة سبب آية العضل قطعية الدخول كالشافعية
٤. المعارض ترجيح حديث مسلم وظاهر الكتاب الجمع: الرضا للمرأة والعقد للولي الجمع كذلك الجمع كذلك
٥. الإلحاق قياس على التصرف في المال قياس مع الفارق قياس مع الفارق وفاسد الاعتبار كالشافعية
٦. المقصد يُحفظ بالكفاءة وحق الاعتراض يُحفظ باشتراط الولي، ويتفاوت بحال المرأة يُحفظ باشتراط الولي، والسلطان عند العضل كالشافعية
٧. تحقيق المناط الكفاءة، ومهر المثل، وحق الاعتراض الولي الخاص والعام، والدناءة والشرف، والعضل ترتيب الأولياء، والعضل، والسلطان كالشافعية
٨. الحكم صحيح؛ والمفتى به عدم الصحة في غير الكفء غير صحيح يُفسخ بطلاق، مع مراعاة الخلاف في الآثار باطل، مع آثار الشبهة فاسد يُفرق فيه بطلاق أو فسخ، مع آثار الشبهة
  1. ما يُتعلم من الجدول: أول نقطة افتراق المحطة الثانية، وهي بين الحنفية والجمهور وحدهم، ثم تتبعها المحطات الثالثة والرابعة والخامسة على الخط نفسه، فالخلاف في الثبوت حدد طريق الدفع في التعارض. والجمهور يتفرقون في المحطات المتأخرة: المالكية في المقصد وتحقيق المناط (الدنيئة) وفي آثار الوقوع (مراعاة الخلاف). والحنفية افترقوا داخل مذهبهم في المحطة السابعة، فانتقل المفتى به من ظاهر الرواية إلى رواية الحسن بتحقيق المناط في زمن المتأخرين.

أين التفصيل

أسئلة استرجاع

  1. لماذا كان الحكم المطلوب في المسألة وضعيا؟ وما محل النزاع بعد تحريره؟
  2. ما القوادح الثلاثة التي أوردها الحنفية على حديثي الولي؟ وبأي قاعدة أجاب الجمهور عن أثر عائشة؟
  3. كيف جمع الجمهور بين حديث «الأيم أحق بنفسها» وحديث «لا نكاح إلا بولي»؟
  4. ما أصل قياس الحنفية وفرعه وجامعه؟ وما الفارق الذي اعترض به الجمهور؟
  5. ما المناطات الثلاثة التي يحققها الحنفي في هذه المسألة؟ ولماذا انتقل المفتى به عند متأخريهم إلى رواية الحسن؟
  6. حنفي تزوج بلا ولي وبلا إشهاد عند العقد تقليدا للمالكية في الإشهاد: ما حكم نكاحه؟

أجوبة أسئلة الاسترجاع

  1. لأن السؤال عن كون الولي شرطا في صحة العقد، والشرط حكم وضعي. ومحل النزاع عبارة البالغة العاقلة في عقد نكاحها، بعد الاتفاق على اشتراط رضاها وعلى منع الصغيرة والمجنونة من العقد.
  2. اضطراب حديث أبي موسى في وصله وإرساله، وإنكار الزهري حديث عائشة، ومخالفة عائشة لما روت بتزويج بنت أخيها. وأجاب الجمهور بأن العبرة بما روى الراوي لا بما رأى.
  3. حملوا «الأيم أحق بنفسها» ونصوص الإسناد إلى المرأة على الرضا والاختيار، وحملوا أحاديث الولي على مباشرة العقد، فأعملوا الدليلين.
  4. الأصل تصرف البالغة العاقلة في مالها، والفرع عقد نكاحها، والجامع كمال الأهلية وخلوص الحق لها. والفارق أن النكاح يتعدى أثره إلى الأولياء في النسب والعار، والمال حقها الخالص.
  5. الكفاءة، ومهر المثل، وحق الاعتراض. وانتقل المفتى به لفساد الزمان، إذ ليس كل ولي يحسن المرافعة ولا كل قاض يعدل، فكان منع الانعقاد في غير الكفء أحفظ للمقصد.
  6. باطل عند الجميع إذا خلا من الإشهاد قبل الدخول أيضا، لأنه حقيقة مركبة لا يصححها مجتهد: الحنفية يشترطون الإشهاد عند العقد، والمالكية يشترطون الولي ويوجبون الإشهاد قبل الدخول.

متن المنظومة

هذا متن الكتاب: قضايا مرقمة تجمع العلم كله على ترتيب المنظومة، كل قضية جملة واحدة تصلح للحفظ والمراجعة، وخلاف المذاهب فيها بأوجز لفظ، وفي آخر كل باب إحالة إلى فصول التفصيل.

١ المقدمات

  1. أصول الفقه علم بالقواعد التي يُتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية.

  2. وحدّه البيضاوي بمعرفة دلائل الفقه إجمالا وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد، وابن الحاجب بالعلم بالقواعد، وابن الهمام بإدراك القواعد ليشمل الظن.

  3. والفقه العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، وهو عند أبي حنيفة معرفة النفس ما لها وما عليها.

  4. وموضوع الأصول الأدلة الإجمالية عند الآمدي، والأدلة والأحكام عند صدر الشريعة.

  5. واستمداده من الكلام والعربية وتصور الأحكام، وتعلمه فرض كفاية.

  6. والقاعدة الأصولية موضوعها الدليل وهي سابقة على الفرع، والقاعدة الفقهية موضوعها فعل المكلف وهي مستقرأة من الفروع.

  7. والقاعدة الأصولية كبرى في قياس، والنص المعين صغراه، والحكم الفقهي نتيجته.

  8. والتصور يُطلب بالحد، والتصديق يُطلب بالدليل، والحد يُشترط فيه الجمع والمنع.

  9. والدليل ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، والأمارة ما يوصل إلى الظن.

  10. ومراتب الإدراك العلم ثم الاعتقاد ثم الظن ثم الشك ثم الوهم، والظن الغالب يوجب العمل، والشك يُطرح ويُرجع إلى الأصل.

  11. وأقطاب العلم عند الغزالي أربعة: الثمرة وهي الحكم، والمثمر وهو الأدلة، وطرق الاستثمار وهي الدلالات، والمستثمر وهو المجتهد؛ وتحيط بها المقاصد والتنزيل.

  12. وخط الاستنباط ثماني محطات: نوع الحكم، فالأدلة وثبوتها، فالدلالة، فالمعارض، فالإلحاق، فالمقصد، فتحقيق المناط، فالحكم ودرجته وأهلية قائله.

  13. والرسالة للشافعي أول كتاب جامع في الأصول وصل إلينا.

  14. وطريقة المتكلمين تقرر القاعدة بالدليل، وطريقة الحنفية تستخرجها من فروع الأئمة، وطريقة الجمع تحققها وتحكي المذهبين.

  15. وأعاد الشاطبي بناء العلم على المقاصد، وأخرج منه ما لا ينبني عليه عمل.

  16. والحاكم هو الله باتفاق، والخلاف في طريق معرفة حكمه.

  17. والحسن والقبح بمعنى الثواب والعقاب عقليان عند المعتزلة، شرعيان عند الأشاعرة، والعقل عند الماتريدية يدرك ولا يوجب.

  18. وفي الأشياء قبل الشرع الحظر والإباحة والوقف، وبعد الشرع الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار المنع عند الجمهور.

  19. والخلاف في هذه المسائل بين مدارس الكلام، والمذاهب الفقهية تتوزع عليها.

أين التفصيل: حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه، نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية؛ والتقريب: ما أصول الفقه؟ العلم في صورة واحدة.

١ الثمرة: الحكم

  1. الحكم خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، وهو عند الحنفية أثر هذا الخطاب.

  2. والتكليفي خمسة عند الجمهور، وسبعة عند الحنفية بزيادة الواجب بين الفرض والمندوب، والمكروه تحريما بين الحرام والمكروه تنزيها.

  3. والفرض عند الحنفية ما ثبت بقطعي ويكفر جاحده، والواجب ما ثبت بظني ولا يكفر جاحده، وهما مترادفان عند الجمهور.

  4. فالفاتحة واجبة لا تبطل الصلاة بتركها عند الحنفية، ركن عند الجمهور.

  5. والواجب مطلق ومؤقت باعتبار الوقت، وعيني وكفائي باعتبار المكلف، ومعين ومخير باعتبار المطلوب، ومحدد وغير محدد باعتبار المقدار.

  6. والموسع يتعلق عند الحنفية بالجزء المتصل بالأداء وإلا فبآخر الوقت، وعند الشافعية والحنابلة بأوله.

  7. وما لا يتم الواجب إلا به واجب إن كان مقدورا ولم يكن شرطا للوجوب.

  8. والنفل يلزم بالشروع عند الحنفية والمالكية، ولا يلزم عند الشافعية والحنابلة إلا الحج والعمرة.

  9. والمباح حكم شرعي عند الجمهور، وليس مأمورا به من حيث هو.

  10. والوضعي جعل الشيء سببا أو شرطا أو مانعا، أو وصف الفعل بالصحة والفساد، أو بالعزيمة والرخصة.

  11. ولا يُشترط في الوضعي القدرة والعلم في الأصل، فيضمن الصبي ما أتلف.

  12. والسبب ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته، والشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده شيء، والمانع ما يلزم من وجوده العدم.

  13. والصحة في العبادات موافقة الأمر عند المتكلمين، وإسقاط القضاء عند الفقهاء، والخلاف لفظي.

  14. والباطل عند الحنفية ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، والفاسد ما شرع بأصله دون وصفه ويفيد الملك بالقبض، وهما مترادفان عند الجمهور.

  15. والنكاح بغير ولي صحيح عند أبي حنيفة، غير صحيح عند الجمهور، والنكاح بغير شهود فاسد عند الحنفية.

  16. والرخصة عند الحنفية رخصة ترفيه يبقى معها حكم العزيمة، ورخصة إسقاط يسقط معها، والقصر رخصة إسقاط فهو عزيمة في حق المسافر.

  17. والعاصي بسفره يترخص عند الحنفية، ولا يترخص عند الجمهور.

  18. والقضاء بالأمر الأول عند عامة الحنفية، وبأمر جديد عند أكثر الجمهور.

  19. وللحكم ثلاثة أطراف: الحاكم وهو الله، والمحكوم فيه وهو فعل المكلف، والمحكوم عليه وهو المكلف.

  20. وشرط المحكوم فيه أن يكون معلوما للمكلف علما ممكنا، مقدورا، من كسبه، والمكلف به في النهي الكف.

  21. وشرط التكليف فهم الخطاب، وأقام الشارع البلوغ علامة على العقل.

  22. وأهلية الوجوب مناطها الذمة، وأهلية الأداء مناطها التمييز، وكلتاهما ناقصة وكاملة.

  23. والعوارض سماوية كالجنون والإغماء والنوم والموت، ومكتسبة كالجهل والسكر والهزل والسفه والإكراه.

  24. وطلاق المكره يقع عند الحنفية لأن الإكراه يعدم الرضا دون الاختيار، ولا يقع عند الجمهور.

  25. والكفار مخاطبون بالفروع عند الجمهور ومشايخ العراق، وغير مخاطبين بأداء العبادات عند مشايخ ما وراء النهر، والثمرة المتفق عليها أخروية.

أين التفصيل: الحكم التكليفي، الحكم الوضعي، الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه؛ والتقريب: الحكم الشرعي.

١ المثمر: الأدلة

  1. الأدلة المتفق عليها الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وما عداها مختلف فيه.

  2. والقرآن عند الحنفية المنزل على الرسول المكتوب في المصاحف المنقول تواترا بلا شبهة، والتواتر شرط القرآنية.

  3. والقرآن قطعي الثبوت كله، ودلالته منها القطعي والظني.

  4. والقراءة الشاذة حجة كخبر الواحد عند الحنفية والحنابلة، وليست حجة عند المالكية، وللشافعية قولان.

  5. والبسملة آية مستقلة عند الحنفية والحنابلة، ومن الفاتحة عند الشافعية، وليست آية إلا في النمل عند المالكية.

  6. والسنة مع القرآن مؤكدة أو مبينة أو مستقلة بالتشريع.

  7. وأفعال النبي ﷺ جبلية وخاصة وبيانية ومطلقة، والتقرير دليل الجواز بشرط العلم والقدرة على الإنكار.

  8. والسنة من جهة السند متواتر يفيد العلم، وآحاد يوجب العمل ويفيد الظن، والمشهور قسم ثالث عند الحنفية يزاد به على الكتاب.

  9. ويرد الحنفية خبر الواحد فيما تعم به البلوى، ويقبله الجمهور، ومن ثمرته نقض الوضوء بمس الذكر.

  10. وإذا خالف الراوي ما رواه فالعبرة بما رأى عند الحنفية، وبما روى عند الجمهور.

  11. ويقدم عيسى بن أبان ومن تبعه القياس على خبر غير الفقيه إذا خالفه من كل وجه، ومنه حديث المصراة.

  12. ويعرض المالكية الخبر على عمل أهل المدينة النقلي والقواعد القطعية، ويكتفي الشافعية والحنابلة بصحة السند.

  13. والمرسل حجة عند الحنفية والمالكية، وعند الشافعي بشروط الاعتضاد، وعن أحمد روايتان.

  14. والنسخ رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ، وهو عند كثير من الحنفية بيان انتهاء مدة الحكم.

  15. والنسخ رفع في الزمان، والتخصيص قصر في الأفراد.

  16. ولا يُنسخ القطعي بخبر الواحد عند الجمهور.

  17. ونسخ القرآن بالسنة المتواترة يجيزه الحنفية والمالكية، ويمنعه الشافعي في الرسالة وصحح ابن السبكي جوازه، وعن أحمد روايتان.

  18. والزيادة على النص المغيرة لحكمه نسخ عند الحنفية لا تثبت بالآحاد، وبيان عند الجمهور.

  19. والإجماع اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي ﷺ في عصر على أمر، وهو يكشف عن دليل ولا ينشئ حكما.

  20. ولا يُشترط انقراض العصر عند الجمهور، واشترطه أبو يعلى وجماعة على ظاهر كلام أحمد.

  21. والسكوتي إجماع قطعي عند أكثر الحنفية، وحجة ظنية عند جماعة من المالكية والشافعية، وليس إجماعا ولا حجة في جديد الشافعي.

  22. والإجماع الصريح المتواتر قطعي، والسكوتي والمنقول آحادا ظنيان عند الجمهور.

  23. وإجماع أهل المدينة النقلي حجة عند المالكية، وإجماع الخلفاء الأربعة وأهل البيت ليس إجماعا عند الجمهور.

  24. والقياس مساواة فرع لأصل في علة حكمه، وأركانه الأصل والفرع وحكم الأصل والعلة.

  25. والعلة وصف ظاهر منضبط مناسب، والحكمة غير المنضبطة لا يُعلل بها.

  26. ومسالك العلة النص والإيماء والإجماع والسبر والتقسيم والمناسبة والشبه والدوران والطرد، والطرد مردود عند الجمهور.

  27. والعلة القاصرة المستنبطة لا يُعلل بها عند الحنفية، ويُعلل بها الجمهور.

  28. وعلة الربا القدر مع الجنس عند الحنفية والحنابلة في المعتمد، والاقتيات والادخار عند المالكية، والطعم عند الشافعية، والثمنية في النقدين عند المالكية والشافعية.

  29. وتخريج المناط استخراج علة لم يُنص عليها، وتنقيحه حذف الأوصاف الملغاة من سبب منصوص، وتحقيقه إثبات العلة في الواقعة المعينة.

  30. والقياس لا يجري في الحدود والكفارات والمقدرات والرخص عند الحنفية، ويجري فيها عند الجمهور إذا عُقل المعنى.

  31. والاستحسان عند الحنفية العدول بالمسألة عن حكم نظائرها لوجه أقوى، وعند المالكية الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي، وأنكره الشافعي بمعنى الحكم بغير دليل.

  32. والمصلحة المرسلة حجة عند المالكية بشروطها، ويعمل بها غيرهم تحت أسماء أخرى.

  33. وسد الذرائع أصل مستقل عند المالكية والحنابلة، والمذاهب متفقة على سد ما أجمع على سده، والخلاف في القدر.

  34. والعرف القولي يخصص الألفاظ عند الجميع، والعملي محل خلاف، وما كان مدركه العادة يتغير بتغيرها.

  35. والاستصحاب حجة للدفع لا للإثبات عند متأخري الحنفية، وحجة في الأمرين عند الجمهور.

  36. وقول الصحابي حجة عند الحنفية والمالكية والحنابلة في الجملة، وليس حجة في الجديد عند الشافعية على المعتمد.

  37. وشرع من قبلنا إذا قُص بلا إنكار شرع لنا عند الحنفية والمالكية والحنابلة، وليس شرعا لنا عند أكثر الشافعية.

  38. ومراعاة الخلاف عند المالكية إعطاء المخالف بعض ما يقتضيه دليله بعد الوقوع.

أين التفصيل: الكتاب والسنة، النسخ، الإجماع، القياس، الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف، الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة؛ والتقريب: الأدلة.

١ طرق الاستثمار: الدلالات

  1. الوضع فعل الواضع، والاستعمال فعل المتكلم، والحمل فعل السامع.

  2. والحقيقة اللفظ المستعمل فيما وُضع له في اصطلاح التخاطب، وهي لغوية وشرعية وعرفية.

  3. واللفظ في كلام الشارع يُحمل على المعنى الشرعي، ثم العرفي، ثم اللغوي.

  4. والمجاز يقوم على الاستعمال في غير الموضوع له، والعلاقة، والقرينة المانعة.

  5. ويمنع الحنفية الجمع بين الحقيقة والمجاز بلفظ واحد ويسلكون عموم المجاز، ويجيزه الشافعية إذا لم يتنافيا.

  6. والمشترك لا عموم له عند الحنفية، ويُحمل على معانيه عند الشافعية بشروط.

  7. والواو لمطلق الجمع عند الجمهور.

  8. والأمر القول الطالب للفعل على جهة الاستعلاء، والمجرد منه للوجوب عند المذاهب الأربعة.

  9. والأمر بعد الحظر يرد الحكم إلى ما كان قبل الحظر على القول الجامع للأمثلة.

  10. والأمر المطلق للتراخي عند الحنفية والشافعية، وللفور عند المالكية والحنابلة.

  11. والأمر المطلق لا يقتضي التكرار، ويتكرر إذا عُلق بعلة.

  12. والنهي للتحريم والدوام، ويفيد الكراهة التحريمية عند الحنفية إذا ثبت بدليل ظني.

  13. والنهي لذات الشيء يقتضي البطلان، ولوصف لازم يقتضي الفساد عند الحنفية والبطلان عند الجمهور، ولأمر مجاور لا يقتضي الفساد إلا عند الحنابلة وفي بعض فروع المالكية.

  14. والنهي عن التصرف الشرعي يقتضي عند الحنفية مشروعية أصله، ومنه انعقاد نذر صوم العيد.

  15. والعام لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر، والخاص لفظ وضع لمعنى معلوم على الانفراد.

  16. وصيغ العموم كل وجميع، والمعرف بأل الاستغراقية أو بالإضافة، والنكرة في سياق النفي والنهي والشرط، والموصولات، وأسماء الشرط والاستفهام.

  17. والعام قطعي الدلالة قبل التخصيص عند جمهور الحنفية، ظني عند الجمهور ومشايخ سمرقند.

  18. فلا يُخص عام القرآن ابتداء بخبر الواحد ولا بالقياس عند الحنفية، ويُخص بالحديث المشهور، ويجوز ذلك كله عند الجمهور.

  19. والمخصص المستقل يُشترط عند الحنفية أن يكون مقارنا، والمتراخي عندهم ناسخ.

  20. والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وصورة السبب قطعية الدخول عند الشافعية والحنابلة.

  21. والاستثناء بعد جمل متعاطفة يرجع إلى الأخيرة عند الحنفية، وإلى الجميع عند الجمهور، وثمرته شهادة القاذف التائب.

  22. والعام بعد التخصيص حجة فيما بقي، وهو عند الحنفية ظني بعد أن كان قطعيا.

  23. والخاص قطعي عند الحنفية لا يحتمل البيان.

  24. والمطلق ما دل على شائع في جنسه، والمقيد ما دل عليه مع قيد يقلل شيوعه.

  25. ويُحمل المطلق على المقيد إذا اتحد الحكم والسبب اتفاقا، ولا يُحمل عند اختلاف السبب عند الحنفية خلافا للجمهور، وثمرته رقبة كفارة الظهار.

  26. والمجمل ما لم تتضح دلالته، وحكمه التوقف حتى البيان.

  27. وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يقع، وعن وقت الخطاب جائز عند الجمهور، ويمنعه الحنفية في بيان التغيير.

  28. والنص عند المتكلمين ما لا يحتمل غير معنى واحد، والظاهر ما احتمل معنيين أحدهما أرجح.

  29. والتأويل صرف الظاهر إلى احتمال مرجوح بدليل يصيّره راجحا، وقوة الدليل بقدر بعد الاحتمال.

  30. ومراتب الوضوح عند الحنفية الظاهر ثم النص ثم المفسر ثم المحكم، ومراتب الخفاء الخفي ثم المشكل ثم المجمل ثم المتشابه.

  31. وطرق الدلالة عند الحنفية العبارة ثم الإشارة ثم الدلالة ثم الاقتضاء، وتترتب في القوة بهذا الترتيب.

  32. ولا عموم للمقتضى عند الحنفية، وله عموم عند كثير من الشافعية والحنابلة، ومن ثمرته طلاق المكره.

  33. والدلالة عند الجمهور منطوق ومفهوم، والمفهوم موافقة ومخالفة.

  34. ومفهوم الموافقة حجة عند الجميع، ودلالته لفظية عند الحنفية والأكثر، وهي عند الحنفية «دلالة النص».

  35. ومفهوم المخالفة ليس حجة في نصوص الشارع عند الحنفية، وحجة بشروطه عند الجمهور، وأضعفه مفهوم اللقب.

  36. والتعارض تقابل الدليلين على سبيل الممانعة في محل واحد وزمن واحد، ولا تعارض في نفس الأمر.

  37. ويدفعه الجمهور بالجمع ثم النسخ ثم الترجيح ثم التوقف أو التخيير، والحنفية بالنسخ ثم الترجيح ثم الجمع ثم التساقط والنزول إلى ما دون الدليلين.

  38. ووجوه الترجيح أربعة أبواب: السند والمتن والمدلول والأمر الخارج، والحنفية لا يرجحون بكثرة الأدلة.

أين التفصيل: مبادئ لغوية، الأمر والنهي، العام والخاص، المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول، طرق الدلالة بين المنهجين، التعارض والترجيح؛ والتقريب: دلالات الألفاظ، التعارض والترجيح.

١ المقاصد

  1. والمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، وهي معتبرة وملغاة ومرسلة بحسب شهادة الشرع.

  2. والمقاصد ضروريات وحاجيات وتحسينات، ولكل مرتبة مكملات تحميها.

  3. والمكمل يسقط اعتباره إذا عاد على أصله بالإبطال.

  4. والكليات الخمس الدين والنفس والعقل والنسل والمال، ثبتت بالاستقراء، وزاد بعضهم العرض.

  5. وتُعرف المقاصد بالأمر والنهي الابتدائي التصريحي، وبعلل الأمر والنهي، وبالمقاصد الأصلية والتابعة، وبسكوت الشارع مع قيام المقتضي، وفوقها الاستقراء.

  6. وقصد المكلف يجب أن يوافق قصد الشارع، ومن هنا بطلت الحيل.

  7. والنظر في المآل معتبر، ويتفرع عنه سد الذرائع وإبطال الحيل ومراعاة الخلاف والاستحسان.

  8. والمصلحة دخلت الأصول من باب المناسبة في القياس، ثم صارت دليلا عند بعضهم، ثم نظرية جامعة عند الشاطبي.

  9. والمقصد يعمل داخل قيود النص والإجماع، ولا يُدّعى إلا بمسلك، ولا يعود على النص الذي استُخرج منه بالإبطال.

  10. والأصل في العبادات التعبد، وفي العادات الالتفات إلى المعاني.

  11. ودعا ابن عاشور إلى علم مقاصد مستقل، وجعل الحرية والمساواة وحفظ نظام الأمة من المقاصد العامة.

أين التفصيل: مقاصد الشريعة، ومعه الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف؛ والتقريب: المقاصد.

١ المستثمر: المجتهد والمقلد

  1. والاجتهاد استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي، ومحله ما لا قاطع فيه.

  2. وهو فرض كفاية على الأمة، ويتعين على المجتهد في واقعته.

  3. وشرط المجتهد عند الغزالي الإحاطة بمدارك الشرع مع التمكن من استثارة الظن، والعدالة شرط لقبول فتواه، وجعل الشاطبي فهم المقاصد الوصف الأول.

  4. والاجتهاد يتجزأ عند الأكثر في كل مذهب.

  5. والمفتي مستقل أو غير مستقل، وغير المستقل منتسب، ومجتهد مذهب، ومجتهد فتوى، وحافظ للمذهب، وللحنفية سبع طبقات عند ابن كمال باشا.

  6. ومنع الحنابلة خلو العصر من مجتهد، وأجازه الجمهور.

  7. والمصيب في الفروع واحد عند جمهور المذاهب، والمخطئ مأجور، والتصويب قول الأشعري والباقلاني والغزالي.

  8. والاجتهاد لا يُنقض بمثله، ويُنقض الحكم إذا خالف نصا أو إجماعا أو قياسا جليا.

  9. والتقليد العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة، ويجب في الفروع على من لم يبلغ رتبة الاجتهاد.

  10. ويجوز تقليد المفضول مع وجود الفاضل، وتقليد الميت، عند الجمهور.

  11. وتتبع الرخص ممنوع، والتلفيق الذي يؤدي إلى صورة لا يقول بها مجتهد ممنوع.

  12. والفتوى إخبار غير ملزم، والقضاء إنشاء ملزم يرفع الخلاف في الواقعة.

  13. والمعتمد عند الحنفية ظاهر الرواية وما صححه أهل الترجيح، وعند المالكية المشهور والراجح وما جرى به العمل، وعند الشافعية ما اتفق عليه الشيخان ثم ما رجحه النووي ثم ابن حجر والرملي، وعند الحنابلة ما في الإقناع والمنتهى.

أين التفصيل: الاجتهاد، التقليد والفتوى والمذهب؛ والتقريب: الاجتهاد والتقليد.

١ التنزيل: الأصول في العمل

  1. والتخريج ثلاثة: تخريج الفروع على الأصول، وتخريج الأصول من الفروع، وتخريج الفروع على الفروع.

  2. وأصول الحنفية مستخرجة في أكثرها من فروع الأئمة، ولذلك سميت طريقتهم طريقة الفقهاء.

  3. والفرع قد يسبق القاعدة وقد يتعدد مأخذه، والاتفاق في الحكم قد يخفي اختلاف المأخذ.

  4. وخلاف الحنفية والجمهور يتركز في محطتي الدلالة والمعارض، والخلاف داخل الجمهور في الإلحاق وتحقيق المناط.

  5. وتحقيق المناط إثبات الوصف المعلوم في الواقعة المعينة، وهو الاجتهاد الذي لا ينقطع، ويقبله الجميع.

  6. والتنزيل أربع خطوات: الحكم الكلي، ثم محله، ثم تنزيله على المعين، ثم مآله.

  7. وتتغير الفتوى في المبني على العرف والمصلحة المتغيرة، والحكم الثابت بالقطعي لا يتغير.

  8. والاجتهاد الجماعي تشاور أهل النظر مع أهل الاختصاص، وقرار المجمع اجتهاد جماعي لا إجماع.

أين التفصيل: تخريج الفروع على الأصول، أصول الفقه في زمننا؛ والتقريب: قضية واحدة من أولها إلى آخرها: النكاح بغير ولي على خط الاستنباط.

القسم الثاني: التفصيل

حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه

موقع الفصل من المنظومة

يعرّف هذا الفصل العلم الذي يصف خط الاستنباط كله، ويحدد موضوعه ومصادر استمداده، ثم يضع في يد القارئ الأدوات المنطقية التي تتكرر في كل باب: الحد الذي تُعرَّف به المصطلحات، والدليل الذي يُبنى عليه الحكم، ومراتب الإدراك التي يوصف بها الحكم في آخر الخط (المحطة الثامنة: الحكم ودرجة اليقين فيه).

سؤال الافتتاح

توضأ رجل ثم شك بعد ساعة: هل أحدث أم لا؟ فقيل له: «اليقين لا يزول بالشك، فأنت على طهارتك». وقيل في مسألة أخرى: «الأمر المطلق للوجوب، فصلاة الوتر المأمور بها واجبة». كلتا العبارتين قاعدة كلية تنطبق على جزئيات كثيرة. أيهما من أصول الفقه، وأيهما من القواعد الفقهية؟ وما الفرق الذي يحكم بذلك؟

٢ المبادئ العشرة: كيف يُقدَّم علم

جرت عادة المؤلفين أن يقدموا بين يدي كل فن المبادئ العشرة التي جمعها الصبان في أبيات أولها: «إن مبادي كل فن عشرة»، وهي: الحد، والموضوع، والثمرة، والفضل، والنسبة، والواضع، والاسم، والاستمداد، وحكم الشارع، والمسائل. ويتولى هذا الفصل منها الحد والموضوع والاستمداد والثمرة والفضل والحكم والنسبة، ويتولى نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية الواضع وتاريخ العلم وكتبه، والمسائل هي الكتاب كله.

١ تعريف أصول الفقه باعتبار الإضافة

«أصول الفقه» لفظ مركب من مضاف ومضاف إليه، ثم نُقل فصار اسما (لقبا) لعلم مخصوص. فللعلماء فيه تعريفان: تعريف باعتبار جزأيه قبل النقل، وتعريف باعتباره اسما للفن. وقد بيّن الإسنوي في نهاية السول الفرق بينهما: المعنى الإضافي هو الأدلة خاصة، والمعنى اللقبي علم يشتمل على الأدلة وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد.

٢ الأصل

الأصل في اللغة ما يُبنى عليه غيره، وهو تعريف الجويني في الورقات: «فالأصل ما بني عليه غيره، والفرع ما يبنى على غيره». ويطلق في الاصطلاح على معان أربعة مشهورة: الدليل (أصل هذه المسألة الكتاب)، والراجح (الأصل في الكلام الحقيقة)، والقاعدة المستمرة (إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل)، والمقيس عليه في باب القياس. والمراد هنا المعنى الأول: أصول الفقه أدلته.

١ الفقه

الفقه في اللغة الفهم. وفي الاصطلاح تعريفات، أشهرها عند الشافعية تعريف الرازي الذي نقله البيضاوي في المنهاج: «العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية». وقيوده:

  • العلم: جنس يشمل كل إدراك. والمراد به هنا ما يعم الظن، لأن أكثر الفقه مظنون، وسيأتي بيانه في مراتب الإدراك.
  • بالأحكام: يخرج العلم بالذوات والصفات.
  • الشرعية: يخرج الأحكام العقلية (الواحد نصف الاثنين) واللغوية والحسية.
  • العملية: أي المتعلقة بكيفية عمل، فيخرج العلم بالأحكام الاعتقادية كوجوب الإيمان بالله، فذلك من علم الكلام.
  • المكتسب: يخرج علم الله تعالى وعلم النبي ﷺ الحاصل بالوحي، فهما غير مكتسبين بالنظر. ويخرج كذلك ما عُلم من الدين بالضرورة عند من قيّد به، وقد نبه التفتازاني على أن الشافعية لا يعدون العلم بوجوب الصلاة والصوم فقها في الاصطلاح لأنه يحصل بلا نظر.
  • من أدلتها التفصيلية: يخرج علم المقلد، فهو يعلم الحكم من قول إمامه لا من دليله.

والمنقول عن أبي حنيفة في تعريفه: «معرفة النفس ما لها وما عليها»، وهو يشمل الاعتقاد والأخلاق والعمل؛ ولذلك زاد صدر الشريعة في التوضيح كلمة «عملا» ليخرج علم الكلام وعلم الأخلاق، ويبقى الفقه بالمعنى الذي استقر عليه الاصطلاح. وفي الورقات تعريف مختصر: «معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد»، فهو يخرج ما عُلم بالضرورة ويحصر الفقه في المجتهد فيه.

تنبيه كيف يكون الفقه علما وأكثره ظن؟

اعترضوا على تعريف الفقه بالعلم بأن أكثر مسائله ظنية. وأجابوا بجوابين: الأول أن العلم هنا بمعنى مطلق الإدراك فيشمل الظن؛ والثاني، وهو جواب الرازي ومن تبعه، أن الحكم مظنون في دليله، لكن وجوب العمل بالمظنون مقطوع به، فالفقيه عالم قطعا بأنه يجب عليه العمل بما غلب على ظنه. ولهذا اختار ابن الهمام في التحرير لفظ «الإدراك» بدل «العلم» في حد الأصول، ليدخل الظن صراحة. فإذا قرأت في كتب الأصول أن «الفقه من باب الظنون» فالمراد المسائل المجتهد فيها، لا قواعد العمل بها.

١ تعريف أصول الفقه لقبا

للأصوليين في حد العلم طريقان: طريق يجعل الأصول الأدلة نفسها ومعرفتها، وطريق يجعلها القواعد التي يُتوصل بها إلى الاستنباط. وأشهر الحدود ثلاثة.

١ تعريف البيضاوي

قال البيضاوي في منهاج الوصول: «أصول الفقه معرفة دلائل الفقه إجمالا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد».

  • معرفة: جنس، والمراد الإدراك الجازم أو الظن بحسب المسائل.
  • دلائل الفقه: الكتاب والسنة والإجماع والقياس وما ألحق بها.
  • إجمالا: قيد يخرج معرفة الأدلة التفصيلية، كقوله ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] في وجوب الصلاة بعينها، فهذه وظيفة الفقيه. والأصولي ينظر في الدليل من حيث هو نوع: الأمر يفيد الوجوب، والعام يشمل أفراده، والقياس حجة.
  • وكيفية الاستفادة منها: أي شروط الاستدلال، ومعرفة التعارض والترجيح، ومراتب الأدلة، وطرق دلالة الألفاظ.
  • وحال المستفيد: أي المجتهد وشروطه، ويتبعه المقلد.

وهذا الحد قريب مما قرره الغزالي في المستصفى حين قال: «إن أصول الفقه عبارة عن أدلة هذه الأحكام وعن معرفة وجوه دلالتها على الأحكام من حيث الجملة لا من حيث التفصيل». ويمتاز حد البيضاوي بإدخال المجتهد في صلب العلم، فهو يرسم الأقطاب الثلاثة الأخيرة من أقطاب الغزالي في عبارة واحدة.

٢ تعريف ابن الحاجب

من المتون مختصر ابن الحاجب مع بيان المختصر للأصفهاني

فالعلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية.

الحل: ابن الحاجب مالكي، ومختصره عمدة المالكية والشافعية معا. جعل الأصول علما بقواعد، والقاعدة عند الشراح: الأمر الكلي المنطبق على جزئيات يُتعرف منه أحكامها. وبيّن الأصفهاني قيوده في بيان المختصر: قوله «بالقواعد» احترز به عن العلم بالأمور الجزئية، وعن العلم ببعض مسائل الأصول، لأن بعض الشيء غيره. وقوله «يتوصل بها إلى استنباط الأحكام» احترز به عن القواعد التي تستنبط منها الصنائع. وقوله «الشرعية» احترز به عن الأحكام الاصطلاحية والعقلية، وقوله «الفرعية» عن الأصولية الاعتقادية. وقوله «عن أدلتها التفصيلية» بيان للواقع لا احتراز، لأن الأحكام الفقهية لا تكون إلا كذلك. ثم رجح الأصفهاني أن الذي يُخرج علم الخلاف هو قيد «الاستنباط»، لأن الخلافي يحفظ الأحكام المستنبطة أو يردها ولا يستنبطها.

٢ تعريف الحنفية: صدر الشريعة وابن الهمام

قال صدر الشريعة في التنقيح: «وعلم أصول الفقه العلم بالقواعد التي يتوصل بها إليه على وجه التحقيق»، أي إلى الفقه. وفسره في التوضيح بأنه العلم بالقضايا الكلية التي يتوصل بها إلى الفقه توصلا قريبا، احترازا عن المبادئ كالعربية والكلام، فهي توصل إلى الفقه بواسطة؛ وقوله «على وجه التحقيق» احتراز عن علم الخلاف والجدل، فإنه وإن اشتمل على قواعد موصلة إلى مسائل الفقه فغرضه إلزام الخصم لا طلب الحق. وبيّن أن القاعدة الأصولية هي إحدى مقدمتي الدليل على مسائل الفقه، ومثّل لها: هذا الحكم ثابت لأنه حكم دل على ثبوته القياس، وكل حكم دل على ثبوته القياس فهو ثابت. فالكبرى قاعدة أصولية، والصغرى نظر في المسألة المعينة.

وقال ابن الهمام في التحرير: «إدراك القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الفقه». واختار لفظ «الإدراك» قصدا، وقال شارحه ابن أمير حاج في التقرير والتحبير إن المراد التصديق بالقواعد «أعم من أن يكون قطعيا أو ظنيا»، لأن كثيرا من قواعد الأصول نفسها ظني مختلف فيه. وعدّ ابن الهمام مباحث الاجتهاد والتقليد «متمم» مسائله، لا من صلبه.

مسألة خلافية هل أصول الفقه هي الأدلة أم القواعد؟ وهل حال المجتهد منه؟

  • الحنفية الأصول علم بالقواعد الموصلة إلى الفقه (صدر الشريعة، ابن الهمام). قال التفتازاني في التلويح عن صدر الشريعة إن المتوصل إلى الفقه هو المجتهد، «فلهذا لم تُذكر مباحث التقليد والاستفتاء في كتبنا»، ثم ذكر أنه لا يبعد أن يعم المجتهد والمقلد.
  • المالكية ابن الحاجب: علم بالقواعد، والاجتهاد يُذكر في آخر المختصر تبعا. والقرافي في تنقيح الفصول يسلك طريق المحصول.
  • الشافعية البيضاوي والغزالي: الأصول أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها، وأدخل البيضاوي حال المستفيد في الحد. وتعريف الجويني في الورقات قريب: «طرقه على سبيل الإجمال، وكيفية الاستدلال بها».
  • الحنابلة يتداولون الطريقين؛ ففي شرح الكوكب المنير تعريفه بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام، مع حكاية من عرّفه بطرق الفقه إجمالا.
  • سبب الخلاف هل الأصل اسم للدليل (وهو المعنى اللغوي الأقرب) فيكون العلم معرفته، أم اسم للقاعدة التي تحكم الاستدلال (وهي التي تُبحث فعلا في الكتب) فيكون العلم إدراكها؟ ثم: هل المجتهد موضوع للبحث أم آلة خارجة عنه؟
  • الثمرة الخلاف في أكثره لفظي، لأن الفريقين يبحثان المسائل نفسها. ويظهر أثره في بناء الكتب: من أدخل حال المستفيد في الحد جعل الاجتهاد والتقليد بابا أصيلا، ومن أخرجه ذكره لاحقا أو تركه.

وكتابنا يأخذ بتعريف يجمع الطريقين، لأنه يدرس الأدلة والقواعد والمجتهد معا: أصول الفقه علم يُعرف به أدلة الفقه الإجمالية، وطرق استفادة الأحكام منها، وحال من يستفيدها.

١ الأصول والفقه والقواعد الفقهية والتخريج

يكثر الخلط بين أربعة علوم متجاورة، والفرق بينها في الموضوع والوظيفة:

أصول الفقه الفقه القواعد الفقهية التخريج
موضوعه الدليل الإجمالي من حيث يثبت الحكم فعل المكلف من حيث يتعلق به الحكم أحكام فقهية متشابهة يجمعها حكم كلي العلاقة بين الأصل والفرع أو بين فرع وفرع
مثاله الأمر المطلق للوجوب الوتر واجب أو سنة اليقين لا يزول بالشك خُرّج إيجاب الوتر عند أبي حنيفة على أصل الأمر
وظيفته آلة الاستنباط ثمرة الاستنباط ضبط الفروع وحفظها تفسير الفروع بأصولها، وتوليد أحكام جديدة
من يستعمله المجتهد ابتداء الفقيه والمقلد الفقيه والمفتي والقاضي الفقيه المذهبي

وقد قسم القرافي في مقدمة الفروق أصول الشريعة قسمين: أصول الفقه، وهي في غالب أمرها قواعد الألفاظ وما يعرض لها من نسخ وترجيح ونحوهما؛ وقواعد كلية فقهية كثيرة العدد، لكل قاعدة من الفروع ما لا يحصى، ولم يُذكر منها في أصول الفقه شيء. وعلى هذا يُجاب سؤال الافتتاح: «الأمر المطلق للوجوب» قاعدة أصولية، لأن موضوعها الدليل (صيغة الأمر) ومحمولها صفة دلالية، وهي كبرى في قياس يستخرج حكما من نص. و«اليقين لا يزول بالشك» قاعدة فقهية، لأن موضوعها أحكام أفعال المكلفين (الطهارة، والصلاة، والطلاق، والدين)، وهي تجمع فروعا ثبت كل منها بدليله، وأصلها حديث عبد الله بن زيد في الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» (رواه البخاري ومسلم).

تنبيه القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية والضابط

ثلاثة فروق تكفي للتمييز. الأول في الموضوع: الأصولية موضوعها الدليل، والفقهية موضوعها فعل المكلف. الثاني في الرتبة: الأصولية سابقة على الفرع في الوجود الذهني، يُستنبط بها؛ والفقهية لاحقة له، تُستقرأ منه بعد ثبوته، ولذلك يكثر فيها الاستثناء. الثالث في السعة: القاعدة الفقهية تعم أبوابا («الأمور بمقاصدها»)، والضابط يختص بباب واحد («كل ماء لم يتغير بنجاسة فهو طهور»). وصلة القواعد الفقهية بالأصول والمذاهب مبسوطة في التقليد والفتوى والمذهب.

أما التخريج فثلاثة أنواع: تخريج الفروع على الأصول، وهو بيان أن هذا الفرع مبني على هذه القاعدة (كتاب الزنجاني، ومفتاح الوصول للتلمساني، والتمهيد للإسنوي)؛ وتخريج الأصول من الفروع، وهو استخراج قاعدة الإمام من فتاواه حين لم ينص عليها، وعليه قامت طريقة الحنفية في التأليف؛ وتخريج الفروع على الفروع، وهو إلحاق مسألة لم ينص عليها الإمام بمسألة نص عليها، ويسمى الحكم الناتج «قولا مخرّجا» أو «وجها». ولكل ذلك فصل مستقل: تخريج الفروع على الأصول.

٢ موضوع أصول الفقه

موضوع العلم عند المناطقة ما يُبحث فيه عن عوارضه الذاتية، أي الصفات التي تُحمل عليه في مسائل العلم. ولأهل الأصول ثلاثة أقوال:

  1. الأدلة الشرعية الإجمالية وحدها، وهو قول الآمدي ومن تبعه؛ والأحكام يحتاج الأصولي إلى تصورها فقط ليمكن إثباتها ونفيها.
  2. الأدلة والأحكام معا، وهو قول صدر الشريعة، وصححه في التوضيح، لأن مسائل العلم بعضها راجع إلى أحوال الأدلة (العام يوجب الحكم قطعا) وبعضها إلى أحوال الأحكام (الحكم المتعلق بالعبادة يثبت بخبر الواحد، والعقوبة لا تثبت بالقياس). والمبحوث عنه عنده «إثبات الأدلة للأحكام وثبوت الأحكام بالأدلة»، والإضافة لها طرفان، فالموضوع كلاهما.
  3. الأدلة والأحكام والمجتهد، عند من أدخل حال المستفيد في الحد.

والقول الثاني أقرب إلى صنيع الكتب كلها، وهو الذي يجري عليه بناء كتابنا: الثمرة (الأحكام)، والمثمر (الأدلة)، وما بينهما من طرق.

١ استمداد أصول الفقه

الاستمداد هو العلوم التي يأخذ منها الأصول مبادئه. قال ابن الحاجب: «وأما استمداده فمن الكلام والعربية والأحكام»، وعلل كل واحد:

  • الكلام: «لتوقف الأدلة الكلية على معرفة الباري تعالى وصدق المبلغ»، وصدق المبلغ يتوقف على دلالة المعجزة. فحجية الكتاب والسنة مسألة كلامية يأخذها الأصولي مسلّمة. ومن الكلام أيضا تأتي مسائل الحاكم والتحسين والتقبيح والتكليف بالمحال، وهي موضوع نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية.
  • العربية: «لأن الأدلة من الكتاب والسنة عربية». فدلالة الأمر، وصيغ العموم، ومعاني الحروف، والحقيقة والمجاز، كلها مأخوذة من علم اللغة والنحو والبلاغة، وموضعها مبادئ لغوية وما بعده.
  • الأحكام: والمراد تصورها لا إثباتها، «ليمكن إثباتها ونفيها، وإلا جاء الدور»؛ فلو كان الأصولي يثبت الأحكام الفقهية في علمه لتوقف الفقه على الأصول والأصول على الفقه.

وزاد بعضهم المنطق، وجعله الغزالي مقدمة المستصفى؛ وزاد آخرون علوم الحديث لأن قبول الخبر ورده من مسائل الأصول، والفقه نفسه لأنه مادة التمثيل. والتحقيق أن المنطق آلة لكل علم نظري، والفقه يُستمد منه المثال لا المبدأ.

٢ فائدة العلم وفضله وحكم تعلمه

قال ابن الحاجب: «وأما فائدته فالعلم بأحكام الله تعالى»، أي القدرة على استنباطها من أدلتها للمجتهد. وللمتبع فوائد دونها: أن يعرف مآخذ الأئمة وأسباب اختلافهم، فيقلد على بصيرة ويعذر المخالف، ويفهم مصطلح كتب الفقه.

وفضله ما قاله الغزالي في خطبة المستصفى: «وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع، وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل».

وحكم تعلمه عند الأصوليين فرض كفاية على الأمة، لأن حاجتها إلى المجتهدين والمفتين قائمة في كل عصر، والاجتهاد لا يتم إلا به؛ ويتعين على من تعين للاجتهاد أو الفتوى أو القضاء ولم يقم به غيره. وأصل الفرض الكفائي في الفقه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]، والفقه الاصطلاحي لا يكون إلا عن نظر في الأدلة، فدخل علم أصوله في هذا الفرض.

١ مبادئ منطقية لازمة

كتب الأصول المتوسطة تفتتح بمقدمة منطقية مختصرة (المستصفى، ومختصر ابن الحاجب، وجمع الجوامع). والقدر الذي لا يستغني عنه الطالب خمسة أمور.

٢ التصور والتصديق

قال ابن الحاجب: «والعلم ضربان: علم بمفرد، ويسمى تصورا ومعرفة؛ وعلم بنسبة، ويسمى تصديقا وعلما». فالتصور إدراك معنى «الوتر» أو «الوجوب»، والتصديق إدراك نسبة أحدهما إلى الآخر: «الوتر واجب». وكلاهما ضروري ومطلوب: الضروري ما لا يتوقف على نظر، والمطلوب ما يتوقف عليه. والتصور المطلوب يُنال بالحد، والتصديق المطلوب يُنال بالدليل.

١ الحد والرسم

الحد هو التعريف، وأقسامه:

  • الحد الحقيقي التام: ما تركب من الجنس والفصل القريبين، ويكشف حقيقة الشيء. كقولهم في الحكم: خطاب الله (جنس) المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير (فصل).
  • الرسم: ما تركب من الجنس والخاصة، أو من الآثار اللازمة. كقول الجويني في الورقات: «فالواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه»، فهو تعريف بالثمرة المترتبة لا بالحقيقة (انظر الحكم التكليفي).
  • التعريف اللفظي: تفسير لفظ بلفظ أوضح منه: «الفرض: اللازم».

وشرط الحد أن يكون جامعا لأفراد المحدود، ويسمى منعكسا؛ ومانعا من دخول غيرها، ويسمى مطردا. والاعتراض على الحد يكون بالنقض (فرد خارج عنه وهو من المحدود، أو داخل فيه وليس منه)، ولا يكون بالمطالبة بالدليل، لأن الحد تصور لا دعوى.

تنبيه العلم لا يحد؟

قال بعضهم: العلم لا يُحد، إما لعسر حده (وهو قول الجويني ونسبه ابن الحاجب إلى الإمام)، وإما لأنه ضروري يعلمه كل أحد من نفسه. وقرر ابن السبكي في رفع الحاجب أن المراد عسر الحد الحقيقي بالكنه، وأن تعريفه بالرسم والقسمة والمثال متاح. ولهذا عرّفه الجويني في الورقات بما يقرّبه: «معرفة المعلوم على ما هو به».

١ الدليل وأقسامه

الدليل لغة: المرشد، وما به الإرشاد. وفي الاصطلاح عند ابن الحاجب: «ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري». وقيوده:

  • ما يمكن التوصل: لا يشترط أن يُنظر فيه فعلا؛ فالآية دليل وإن لم ينظر فيها أحد.
  • بصحيح النظر: يخرج النظر الفاسد، فلا يصير الشيء دليلا بخطأ الناظر.
  • إلى مطلوب خبري: أي تصديق، فيخرج الحد لأنه يوصل إلى تصور.

وفرّق كثير من المتكلمين بين الدليل وهو ما يوصل إلى العلم، والأمارة وهي ما يوصل إلى الظن؛ وحكى ابن الحاجب القولين. والفقهاء يسمون الجميع أدلة. والنظر عند الجويني: «الفكر في حال المنظور فيه»، والاستدلال: «طلب الدليل».

وأقسام الدليل باعتبارات:

الاعتبار القسمان مثال
المصدر نقلي (سمعي) / عقلي الآية / البراءة الأصلية
المرتبة قطعي / ظني الخبر المتواتر / خبر الواحد
الشمول إجمالي / تفصيلي «الأمر للوجوب» / ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾
الاتفاق متفق عليه / مختلف فيه الكتاب والسنة / الاستحسان

ويتألف الاستدلال الفقهي من صغرى تخص المسألة وكبرى هي القاعدة الأصولية: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أمر مطلق (صغرى، يثبتها النظر في النص)، وكل أمر مطلق يفيد الوجوب (كبرى، يثبتها علم الأصول)؛ فإقامة الصلاة واجبة (نتيجة، وهي الفقه). فالأصولي يثبت الكبرى، والفقيه يركب منها ومن النص النتيجة.

١ القطع والظن

القطعي ما لا يحتمل غير مدلوله احتمالا ناشئا عن دليل، والظني ما يحتمله احتمالا مرجوحا. والقطع والظن يدخلان الدليل من جهتين: الثبوت (هل صح أن الشارع قاله؟) والدلالة (هل يدل على هذا المعنى وحده؟). ومن تركيبهما تنشأ الشبكة الرباعية التي تستعملها الفصول اللاحقة (الأداة الثانية: شبكة الثبوت والدلالة)، وعليها بنى الحنفية الفرق بين الفرض والواجب في الحكم التكليفي، وبُني عليها الخلاف في تخصيص العام بخبر الواحد في العام والخاص.

ويُشترط القطع في أصول الاعتقاد عند جمهور المتكلمين، ويكفي الظن الغالب في العمل. وقد ذم الله اتباع الظن في الاعتقاد فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]، وسمّى غلبة الظن علما في مقام العمل فقال في المهاجرات: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، والإيمان باطن لا يُعلم يقينا، فالمراد العلم الظاهر بالأمارات. وعلى هذا جرى الأصوليون: الظن الراجح يوجب العمل، والظن المجرد لا يثبت عقيدة.

١ مراتب الإدراك

من المتون الورقات لإمام الحرمين الجويني

والفقه أخص من العلم. والعلم معرفة المعلوم على ما هو به، والجهل تصور الشيء على خلاف ما هو به. والعلم الضروري ما لم يقع عن نظر واستدلال، كالعلم الواقع بإحدى الحواس الخمس التي هي السمع والبصر والشم والذوق واللمس، أو التواتر. وأما العلم المكتسب فهو الموقوف على النظر والاستدلال. والظن تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر، والشك تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر.

الحل: قوله «والفقه أخص من العلم» أي كل فقه علم بالمعنى العام، ولا عكس. وقوله «معرفة المعلوم على ما هو به» حد للعلم بالمطابقة، فيخرج به الجهل. والجهل عنده «تصور الشيء على خلاف ما هو به»، وهذا ما يسميه المتأخرون الجهل المركب، أي الاعتقاد الخاطئ؛ أما الجهل البسيط فعدم الإدراك أصلا، ولم يذكره الجويني. وعدّ التواتر طريقا للعلم الضروري لأن السامع يجد العلم في نفسه بلا نظر. وفي تعريفه للظن تسامح نبه عليه الشراح: الظن هو إدراك الطرف الأظهر، لا تجويز الأمرين معا. والطرف المرجوح لم يسمه الجويني، وهو الوهم.

وأكمل قسمة في المتوسطات قسمة ابن الحاجب: ما عنه الذكر الحكمي (أي الحكم بنسبة شيء إلى شيء) إن لم يحتمل متعلَّقه النقيض بوجه فهو العلم. وإن احتمله: فإن لم يحتمله عند الذاكر لو قدّره فهو الاعتقاد، فإن طابق فصحيح وإلا ففاسد. وإن احتمله عنده: فالراجح الظن، والمرجوح الوهم، والمساوي الشك.

أداة تفكير مراتب الإدراك

حالات الذهن تجاه حكم ما على سلّم واحد، من الأعلى إلى الأدنى:

  1. العلم (اليقين): جزم مطابق لا يحتمل النقيض، عن موجب (حس، أو تواتر، أو برهان).
  2. الاعتقاد: جزم يحتمل النقيض لو شُكك صاحبه، كاعتقاد المقلد. فإن طابق الواقع فصحيح، وإلا فهو الجهل المركب.
  3. الظن الغالب: رجحان قوي، وهو مناط أكثر الأحكام العملية: خبر الواحد الصحيح، والقياس الجلي، والشهادة.
  4. الظن: رجحان دون ذلك، يعمل به عند عدم الأقوى.
  5. الشك: تساوي الطرفين، ولا يُبنى عليه حكم، ويُرجع معه إلى الأصل.
  6. الوهم: الطرف المرجوح المقابل للظن، ولا عبرة به.

وتُستعمل الأداة في المحطة الثانية لوصف ثبوت الدليل، وفي المحطة الثامنة لوصف الحكم الناتج: مقطوع به، أو غالب الظن، أو أرجح القولين. وقاعدتها في العمل: العلم يلزم في الاعتقاد، والظن الغالب يكفي في العمل، والشك يُطرح ويُرجع إلى الأصل المستصحب. وحد الأداة: الأصوليون رتبوا هذه المراتب ترتيبا، أقوى وأضعف، ولم يقدّروها بالأرقام؛ فتشبيه الظن بالنسبة المئوية للاحتمال يُستعمل للإيضاح، ولا يصح أن يُبنى عليه حساب، لأن قوة الظن تتولد من قرائن لا تُجمع جمع الأعداد.

وللمراتب أثر ظاهر في الفروع؛ فالفقه كله يقرر أن الشك الطارئ لا يرفع يقينا سابقا، ويختلف الفقهاء في منزلة غلبة الظن: هل تقوم مقام اليقين، أم يُرجع معها إلى اليقين؟

مسألة خلافية من شك في عدد الركعات: هل يعمل بغالب ظنه أم يبني على اليقين؟

  • الحنفية إن كان الشك أول ما عرض له استأنف الصلاة، وإن كثر منه تحرى وعمل بغالب ظنه، فإن لم يترجح عنده شيء بنى على الأقل.
  • المالكية يبني على الأقل لأنه المتيقن ويسجد للسهو، إلا الموسوس الذي يكثر شكه فيعرض عنه.
  • الشافعية يبني على الأقل مطلقا، ولا يعمل بغلبة الظن في عدد الركعات.
  • الحنابلة المذهب البناء على اليقين مطلقا، وعليه جماهير الأصحاب، وعن أحمد رواية اختارها الخرقي أن الإمام يبني على غالب ظنه والمنفرد على اليقين.
  • سبب الخلاف ورد حديث أبي سعيد: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن» (رواه مسلم)، وحديث ابن مسعود: «وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه» (رواه البخاري ومسلم). فمن جعل غلبة الظن في منزلة اليقين حمل الأول على من لا ظن له والثاني على من له ظن فجمع بينهما بالتحري؛ ومن جعل التحري هو طلب اليقين حمل الثاني على الأول.
  • الثمرة مصلٍّ غلب على ظنه أنه صلى أربعا، وبقي عنده احتمال ضعيف أنها ثلاث: يسلّم عند الحنفية إذا كان الشك يعتاده ويسجد للسهو، ويأتي بركعة رابعة عند المالكية والشافعية والحنابلة.

ودفع التعارض بين الحديثين من مسائل التعارض والترجيح.

١ الصورة المنظومية: أقطاب الغزالي وخط الاستنباط

من المتون المستصفى للغزالي، صدر الكتاب

فإن الأحكام ثمرات، وكل ثمرة فلها صفة وحقيقة في نفسها، ولها مثمر ومستثمر وطريق في الاستثمار. والثمرة هي الأحكام، أعني الوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة والحسن والقبح والقضاء والأداء والصحة والفساد وغيرها. والمثمر هي الأدلة، وهي ثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع فقط. وطرق الاستثمار هي وجوه دلالة الأدلة، وهي أربعة [...]. والمستثمر هو المجتهد، ولا بد من معرفة صفاته وشروطه وأحكامه.

الحل: يبني الغزالي العلم على صورة الزرع: ثمرة تُطلب، ومثمر تخرج منه، وطريق تُستخرج به، ومستثمر يستخرجها. وبدأ بالأحكام لأنها «الثمرة المطلوبة»، ثم بالأدلة لأنه «بعد الفراغ من معرفة الثمرة لا أهم من معرفة المثمر». وفي عبارته أمران: الأول أنه عد الأدلة ثلاثة، وأخرج القياس منها، فجعله في طرق الاستثمار بوصفه دلالة «بالمعنى المعقول»، لأن القياس عنده يُظهر حكم النص في الفرع ولا ينشئه. والثاني أنه أدخل الحسن والقبح والقضاء والأداء والصحة والفساد في الثمرة، فجمع التكليفي والوضعي في قطب واحد. والطرق الأربعة عنده: دلالة بالمنظوم، ودلالة بالمفهوم، ودلالة بالضرورة والاقتضاء، ودلالة بالمعنى المعقول.

وقد اتخذ كتابنا هذه الأقطاب عمودا، فجعل الأحكام بابا، والأدلة (ومنها القياس على طريقة الجمهور) بابا، والدلالات بابا، والمجتهد بابا، وأضاف حلقتين: المقاصد، لأنها الغاية التي تضبط النظر كله، والتخريج والتنزيل، لأنهما الأصول في العمل. ثم حوّل الأقطاب الساكنة إلى طريق متحرك يسلكه الناظر في كل واقعة:

المحطة العمل القطب
١ تعيين نوع الحكم المطلوب: تكليفي أو وضعي الثمرة
٢ جمع الأدلة وفحص ثبوتها المثمر
٣ استخراج الدلالة ودرجتها طرق الاستثمار
٤ فحص المعارض: تخصيص، تقييد، نسخ، ترجيح طرق الاستثمار
٥ إلحاق ما لا نص فيه: قياس، استصلاح، استحسان، عرف المثمر
٦ الوزن المقاصدي والنظر في المآل المقاصد
٧ تحقيق المناط في الواقعة المعينة التنزيل
٨ الحكم، ودرجة اليقين فيه، وأهلية قائله المستثمر

ويختلف ترتيب الأبواب في كتب المذاهب، فالمتكلمون يبدؤون بالحكم كالغزالي، والحنفية يبدؤون بالأدلة ويؤخرون الحكم والأهلية، والصورة تصلح للجميع؛ وتفصيل ذلك في نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية.

تطبيق الوتر على خط الاستنباط

  1. نوع الحكم: المطلوب حكم تكليفي: هل الوتر واجب أم سنة؟
  2. الأدلة وثبوتها: حديث «الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا» (رواه أبو داود وأحمد، وفي إسناده عبيد الله بن عبد الله العتكي، ضعفه جماعة ووثقه آخرون)، وحديث «إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم: الوتر» (رواه أبو داود والترمذي، وفي إسناده مقال)، وحديث الأعرابي الذي سأل عن الصلوات فقيل له: «خمس صلوات في اليوم والليلة»، قال: هل علي غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع» (رواه البخاري ومسلم). فالأحاديث الموجبة آحاد مختلف في درجتها، وحديث الأعرابي صحيح.
  3. الدلالة: قوله «حق» و«أمدكم» يحتمل الوجوب والتأكيد، وقوله «إلا أن تطوع» صريح في نفي وجوب غير الخمس.
  4. المعارض: الجمهور جعلوا حديث الأعرابي صارفا. وأبو حنيفة رأى أدلة الإيجاب مقدمة، ولما كانت آحادا لم يجعله فرضا، فجعله واجبا بالمعنى الحنفي (انظر الحكم التكليفي). ٥، ٦، ٧. لا قياس هنا ولا وزن مقاصدي يغير الحكم، والتنزيل ظاهر.
  5. الحكم ودرجته: واجب عند أبي حنيفة بظن غالب لا يكفر جاحده، وسنة مؤكدة عند صاحبيه والجمهور. وكلا الحكمين في مرتبة الظن، فلا يُضلَّل المخالف.

صلة الفصل بغيره

خلاصة الفصل

  1. لأصول الفقه تعريفان: باعتبار الإضافة (أدلة الفقه)، وباعتباره لقبا لعلم مخصوص.
  2. الفقه عند الشافعية: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية؛ وعند أبي حنيفة: معرفة النفس ما لها وما عليها، وزاد صدر الشريعة «عملا».
  3. حد البيضاوي: معرفة دلائل الفقه إجمالا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد.
  4. حد ابن الحاجب: العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية، ويخرج علم الخلاف بقيد الاستنباط.
  5. حد صدر الشريعة: العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى الفقه على وجه التحقيق؛ وحد ابن الهمام: إدراك القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الفقه، واختار «الإدراك» ليشمل الظن.
  6. القاعدة الأصولية موضوعها الدليل وهي سابقة على الفرع، والقاعدة الفقهية موضوعها فعل المكلف وهي مستقرأة من الفروع.
  7. التخريج ثلاثة: تخريج الفروع على الأصول، وتخريج الأصول من الفروع، وتخريج الفروع على الفروع.
  8. موضوع العلم الأدلة الإجمالية عند الآمدي، والأدلة والأحكام عند صدر الشريعة.
  9. استمداده من الكلام والعربية وتصور الأحكام، وفائدته العلم بأحكام الله، وتعلمه فرض كفاية.
  10. التصور يُطلب بالحد، والتصديق يُطلب بالدليل؛ والحد يُشترط فيه الجمع والمنع.
  11. الدليل: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري؛ والأمارة ما يوصل إلى الظن.
  12. مراتب الإدراك: العلم، ثم الاعتقاد، ثم الظن، ثم الشك، ثم الوهم؛ والظن الغالب يوجب العمل، والشك يُطرح ويُرجع إلى الأصل.
  13. أقطاب الغزالي أربعة: الثمرة، والمثمر، وطرق الاستثمار، والمستثمر؛ وخط الاستنباط يحولها إلى ثماني محطات.

تمارين

  1. بيّن ما يخرج بكل قيد من قيود تعريف الفقه: «العملية»، «المكتسب»، «من أدلتها التفصيلية».
  2. صنّف كل عبارة: قاعدة أصولية، أم قاعدة فقهية، أم ضابط، أم حكم فقهي: (أ) النهي يقتضي الفساد. (ب) المشقة تجلب التيسير. (ج) كل ميتة نجسة إلا السمك والجراد. (د) صلاة العيد سنة مؤكدة. (هـ) خبر الواحد حجة في الأحكام.
  3. قارن بين حد البيضاوي وحد ابن الحاجب في موضع المجتهد من العلم، واذكر أثر ذلك في ترتيب الكتب.
  4. لماذا اختار ابن الهمام لفظ «الإدراك» بدل «العلم» في حد الأصول؟
  5. ركّب قياسا من مقدمتين ينتج حكم تحريم الربا من قوله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وعيّن القاعدة الأصولية فيه.
  6. حدد مرتبة الإدراك في كل حالة: (أ) علم المسلم بوجوب صوم رمضان. (ب) حكم المجتهد بما دل عليه خبر واحد صحيح. (ج) رجل لا يدري هل غسل رجله اليسرى أم لا، ولا يترجح عنده شيء. (د) احتمال ضعيف عند من غلب على ظنه دخول الوقت أنه لم يدخل.
  7. لماذا أخرج الغزالي القياس من «المثمر» وجعله في «طرق الاستثمار»؟
  8. من شك في صلاة الظهر وغلب على ظنه أنه صلى أربعا: ما حكمه عند الحنفية والشافعية؟ ورد كل قول إلى أصله.

أجوبة التمارين

  1. «العملية» تخرج الأحكام الاعتقادية كوجوب الإيمان بالله. «المكتسب» تخرج علم الله تعالى وعلم النبي ﷺ الحاصل بالوحي، وعند من قيّد به ما عُلم من الدين بالضرورة. «من أدلتها التفصيلية» تخرج علم المقلد الحاصل من قول إمامه.
  2. (أ) قاعدة أصولية، موضوعها صيغة النهي. (ب) قاعدة فقهية تعم الأبواب. (ج) ضابط في باب النجاسات. (د) حكم فقهي. (هـ) قاعدة أصولية، موضوعها نوع من الأدلة.
  3. البيضاوي أدخل «حال المستفيد» في الحد، فالاجتهاد والتقليد من صلب العلم. وابن الحاجب حصر الحد في القواعد، فجاء الاجتهاد في آخر المختصر تابعا. وعند الحنفية كصدر الشريعة قلّ ذكر التقليد والاستفتاء في كتبهم، وجعله ابن الهمام «متمما».
  4. لأن قواعد الأصول نفسها فيها الظني المختلف فيه، فلو اشترط العلم الجازم المطابق لخرج من الأصول أكثر مسائله؛ و«الإدراك» يشمل القطعي والظني.
  5. الصغرى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ لفظ صريح في التحريم متعلق بالربا. الكبرى: كل ما نص الشارع على تحريمه بلفظ التحريم فهو حرام. النتيجة: الربا حرام. والكبرى هي القاعدة الأصولية.
  6. (أ) علم ضروري بالتواتر والإجماع. (ب) ظن غالب يوجب العمل. (ج) شك، فيرجع إلى الأصل وهو عدم الغسل، فيغسلها. (د) وهم لا عبرة به.
  7. لأن الأدلة عنده ما يثبت الحكم ابتداء، والقياس يُظهر حكم النص في الفرع بمعقول النص ومعناه، فهو طريق في استثمار النص لا مثمر مستقل.
  8. الحنفية: إن كان الشك يعتاده عمل بغالب ظنه فسلم وسجد للسهو، وإن كان أول ما عرض له استأنف؛ وأصلهم تنزيل غلبة الظن منزلة اليقين في العمل، وحمل التحري على من له ظن. الشافعية: يبني على ثلاث ويأتي بركعة ويسجد؛ وأصلهم أن اليقين لا يُترك إلا بيقين، وأن التحري طلب اليقين.

نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية

موقع الفصل من المنظومة

كل فصل بعد هذا يقرر قاعدة ويحكي فيها أقوال المذاهب. وهذا الفصل يجيب عن سؤالين يسبقان ذلك: من أين جاءت هذه القواعد، ولماذا تختلف كتبها في الترتيب والمنهج؟ ثم ما المسلّمات الكلامية التي تسكن تحت القواعد وتتحكم في بعضها؟ فهو يخدم المحطة الأولى من خط الاستنباط، لأن السؤال عن الحكم يفترض حاكما ويفترض قدرة العقل أو عجزه عن إدراك الحكم؛ ويخدم المحطة الخامسة، لأن ما لا نص فيه يُرجع فيه إلى أصل كلي، والخلاف في هذا الأصل خلاف كلامي في أصله. ويحتاج إلى ما في حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه من حد العلم واستمداده من الكلام.

سؤال الافتتاح

حيوان لم يرد فيه نص بتحريم ولا إباحة، وليس له ناب يفترس به، ولا يدخل تحت وصف من أوصاف المحرمات المنصوصة. ما حكم أكله؟ وهل يمكن أن يختلف الجواب باختلاف موقف الناظر من سؤال كلامي هو: ما حكم الأشياء قبل أن يرد الشرع؟

٢ قبل التدوين

كان الصحابة يستنبطون ويقيسون ويرجحون، ويعرفون الناسخ والمنسوخ والعام والخاص، من غير أن يسموا شيئا من ذلك. وقد علل ابن خلدون تأخر التدوين بأن السلف «كانوا في غنية عنه» لأن استفادة المعاني من الألفاظ لم تكن تحتاج عندهم إلى أزيد مما عندهم من الملكة اللسانية، ولأن الأسانيد قريبة والنقلة معروفون؛ فلما ذهب الصدر الأول «وانقلبت العلوم كلها صناعة» احتاج الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل هذه القوانين، «فكتبوها فنا قائما برأسه سموه أصول الفقه». فالقواعد سابقة على الكتب، والتدوين إظهار لما كان يعمل في الاجتهاد من قبل.

١ الشافعي والرسالة

أول كتاب وصلنا مفردا في هذا العلم «الرسالة» للإمام الشافعي (ت ٢٠٤هـ). ويُروى أنه كتبها أولا ببغداد جوابا لعبد الرحمن بن مهدي حين سأله أن يضع كتابا في معاني القرآن وقبول الأخبار وحجية الإجماع والناسخ والمنسوخ، ثم أعاد كتابتها بمصر، والتي بين أيدينا هي المصرية. وموضوعاتها: البيان ومراتبه، ومنزلة السنة من الكتاب وحجيتها، والناسخ والمنسوخ، وعلل الأحاديث واختلافها، وخبر الواحد وشروط قبوله، والإجماع، والقياس، والاجتهاد، وإبطال الاستحسان، والاختلاف المذموم والسائغ.

والذي جعل الرسالة نقطة البدء أن الشافعي جمع هذه الموضوعات في نظرية واحدة: الشريعة كلها بيان من الله، والكتاب والسنة نظام يبين بعضه بعضا، والقياس والاجتهاد يعملان في حدود هذا البيان. ونُقل عن الرازي في مناقب الشافعي أن نسبته إلى الأصول كنسبة أرسطو إلى المنطق: كان الناس قبله يستدلون ويعترضون، وليس لهم قانون كلي يرجعون إليه في معرفة مراتب الأدلة، فوضع لهم ذلك القانون. ويُروى عن أحمد بن حنبل قوله: «لم نكن نعرف الخصوص والعموم حتى ورد الشافعي»، ونُقل عن الجويني في شرحه للرسالة أن الشافعي لم يسبقه أحد في تصانيف الأصول.

٢ هل سبق الشافعيَّ أحد؟

ذكرت مصادر الحنفية أن أبا يوسف (ت ١٨٢هـ) «أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة»، وهو نقل طلحة بن محمد بن جعفر الذي أورده ابن خلكان في وفيات الأعيان، وتابعه عليه كثير من المترجمين. وتُذكر لمحمد بن الحسن كتب في مسائل من الأصول. ولم يصل من ذلك شيء. والجمع بين القولين أن «أول من تكلم في الأصول» غير «أول من دوّن فيه كتابا جامعا وصل إلينا»: أبو حنيفة وأصحابه ومالك كانت لهم قواعد يعملون بها، ويُروى أن لأصحاب أبي حنيفة كتبا في بعض مسائلها، والرسالة أول تدوين جامع محفوظ. وبهذا المعنى قال ابن خلدون: «وكان أول من كتب فيه الشافعي رضي الله تعالى عنه».

وفي الدراسات الغربية الحديثة نقاش في هذه الأولية: رأى وائل حلاق في مقالته «هل كان الشافعي المهندس الأكبر للفقه الإسلامي؟» (١٩٩٣م) أن الرسالة لم تُحدث أثرها المباشر في زمنها، وأن علم الأصول بوصفه فنا مستقلا تشكل بعد الشافعي بنحو قرن في حلقة ابن سريج وتلاميذه. وقرأ جوزيف لوري الرسالة في كتابه عنها (٢٠٠٧م) قراءة داخلية، فوجدها نظرية متماسكة في «البيان» قائمة بنفسها، وإن لم تكن على ترتيب كتب الأصول اللاحقة. وفسّر أحمد الشمسي في The Canonization of Islamic Law (٢٠١٣م) أثر الشافعي بأنه نقل مرجع الفقه من العمل المتوارث في الأمصار إلى نصوص محددة يُقرأ فيها بمنهج معلن، وأن تلاميذه بمصر رسخوا ذلك بالتدوين. وهذه القراءات التاريخية تفيد في فهم السياق، والحكم في نسبة الأقوال يبقى لكتب المذاهب.

١ طريقة المتكلمين

سميت بذلك لأن أكثر من كتب فيها متكلمون من الأشاعرة والمعتزلة، وتسمى طريقة الشافعية أو الجمهور. وخصائصها:

  • تقرير القاعدة بالدليل عقلا ولغة وشرعا، ثم بناء الفروع عليها، ولو خالفت بعض فروع المذهب.
  • تجريد المسائل عن الفروع، وقلة الأمثلة الفقهية.
  • الاستمداد من الكلام والمنطق في المقدمات، والعناية بالحدود والاعتراضات والأجوبة.

وأمهاتها: «التقريب والإرشاد» للباقلاني (ت ٤٠٣هـ)، و«العمد» للقاضي عبد الجبار (ت ٤١٥هـ) وشرحه «المعتمد» لأبي الحسين البصري (ت ٤٣٦هـ)، وهما معتزليان؛ و«البرهان» للجويني (ت ٤٧٨هـ)، و«المستصفى» للغزالي (ت ٥٠٥هـ)، وهما أشعريان. ثم جمع الرازي (ت ٦٠٦هـ) ذلك في «المحصول»، والآمدي (ت ٦٣١هـ) في «الإحكام»، وعنهما تفرعت المختصرات: «منهاج الوصول» للبيضاوي (ت ٦٨٥هـ) من «الحاصل» للأرموي عن المحصول، و«تنقيح الفصول» للقرافي (ت ٦٨٤هـ) من المحصول، و«مختصر ابن الحاجب» (ت ٦٤٦هـ) من الإحكام.

من المتون مقدمة ابن خلدون، فصل أصول الفقه

ثم كتب فقهاء الحنفية فيه وحققوا تلك القواعد وأوسعوا القول فيها. وكتب المتكلمون أيضا كذلك، إلا أن كتابة الفقهاء فيها أمس بالفقه وأليق بالفروع، لكثرة الأمثلة منها والشواهد، وبناء المسائل فيها على النكت الفقهية. والمتكلمون يجردون صور تلك المسائل عن الفقه، ويميلون إلى الاستدلال العقلي ما أمكن، لأنه غالب فنونهم ومقتضى طريقتهم.

الحل: يفرق ابن خلدون بين الطريقتين بمعيارين: المادة (الفقهاء يمثلون بالفروع، والمتكلمون يجردون) والمنهج (المتكلمون يميلون إلى الاستدلال العقلي). و«النكت الفقهية» هي المعاني الدقيقة التي يُبنى عليها الفرق بين المسائل. ثم ذكر بعد هذا أن أحسن ما كتب المتكلمون أربعة: البرهان، والمستصفى، والعمد، والمعتمد، «وكانت الأربعة قواعد هذا الفن وأركانه»، ثم لخصها الرازي والآمدي.

وترتيب كتبها في الغالب: مقدمات (الحد، والمنطق أحيانا)، ثم الأحكام، ثم الأدلة، ثم الدلالات، ثم التعارض والاجتهاد. وفي المحصول تتقدم مباحث الألفاظ على الأدلة.

١ طريقة الحنفية

وتسمى طريقة الفقهاء. خاصيتها الكبرى استخراج القاعدة من فروع الأئمة: ينظر الأصولي الحنفي في فتاوى أبي حنيفة وصاحبيه، فيستخرج منها الأصل الذي بنوا عليه، ثم يصوغ القاعدة بحيث تفسر تلك الفروع، ويكثر فيها التمثيل بالمسائل. ومن أمثلة ذلك قاعدة «العام قطعي الدلالة» وقاعدة «الزيادة على النص نسخ»، فقد قرر الحنفية كلتيهما مستدلين بها على فروع منقولة عن أئمتهم، كرد خبر الواحد في الزيادة على نص الكتاب (انظر النسخ والعام والخاص).

وأوائلها: رسالة أبي الحسن الكرخي (ت ٣٤٠هـ) في الأصول التي عليها مدار كتب أصحابه، وهي أقرب إلى القواعد المستخرجة منها إلى علم الأصول؛ ثم «الفصول في الأصول» للجصاص (ت ٣٧٠هـ)، وهو أقدم ما وصل كاملا من أصول الحنفية؛ و«تقويم الأدلة» للدبوسي (ت ٤٣٠هـ)، الذي استقر به كثير من اصطلاح الحنفية في الدلالات والأهلية، وقال فيه ابن خلدون إنه «كتب في القياس بأوسع من جميعهم»؛ ثم «أصول البزدوي» (ت ٤٨٢هـ) وعليه «كشف الأسرار» لعبد العزيز البخاري، و«أصول السرخسي» (ت نحو ٤٩٠هـ). ثم المختصرات: «المنار» للنسفي (ت ٧١٠هـ) اختصار للبزدوي، و«المنتخب» المعروف بالحسامي للأخسيكثي، و«أصول الشاشي».

وترتيبها يختلف عن ترتيب المتكلمين: تبدأ بالأدلة الأربعة، فتُبسط تحت الكتاب مباحث الألفاظ بتقسيمات الحنفية الأربعة، ثم السنة وأحكام الرواية، ثم الإجماع، ثم القياس، ثم تأتي الأحكام وأسبابها والأهلية وعوارضها في آخر الكتاب.

تنبيه حدود الوصف «القواعد من الفروع»

الوصف صحيح في الاتجاه العام، ويُخطئ من يجعله مطلقا. فالدبوسي والسرخسي يستدلون للقواعد بالنصوص واللغة والعقل كما يستدل المتكلمون، والمتكلمون أيضا يتأثرون بفروع مذاهبهم. والأدق أن يقال: عند الحنفية تشهد الفروع للقاعدة، فإذا خالف الأصلُ المقترحُ فروعا ثابتة عن الأئمة أُعيد النظر في صياغته؛ وعند المتكلمين تحكم القاعدة على الفروع، فقد يُخطّأ الفرع إن خالفها. ويترتب على ذلك تنبيه منهجي في تخريج الفروع على الأصول: بعض ما يُذكر من «أصول الإمام» صاغه المتأخرون بعد استقرار الفروع، فلا يُنسب إليه نصا.

١ طريقة الجمع

نشأت في القرن السابع وما بعده، وغايتها الجمع بين تحقيق القاعدة بالدليل وتخريج الفروع عليها، مع حكاية مذهب الحنفية ومذهب الجمهور في كل مسألة. وأشهر كتبها:

  • «بديع النظام» لابن الساعاتي الحنفي (ت ٦٩٤هـ)، جمع فيه أصول البزدوي والإحكام للآمدي، وأثنى عليه ابن خلدون بأنه «من أحسن الأوضاع وأبدعها».
  • «التنقيح» وشرحه «التوضيح» لصدر الشريعة المحبوبي (ت ٧٤٧هـ)، جمع فيه البزدوي والمحصول ومختصر ابن الحاجب، وعليه «التلويح» للتفتازاني، وفيه دخول واسع في الكلام والمنطق.
  • «جمع الجوامع» لتاج الدين السبكي (ت ٧٧١هـ)، وأصله شافعي على طريقة المتكلمين، لكنه يحكي مذاهب الحنفية في مسائله، فيُعد معها؛ وعليه شرح المحلي وحاشيتا البناني والعطار، ونظمه «مراقي السعود» عند المالكية.
  • «التحرير» لابن الهمام (ت ٨٦١هـ)، وشرحاه «التقرير والتحبير» لابن أمير حاج و«تيسير التحرير» لأمير بادشاه.
  • «مسلم الثبوت» لمحب الله البهاري (ت ١١١٩هـ)، وشرحه «فواتح الرحموت» لعبد العلي اللكنوي.

وترتيبها في الغالب ترتيب المتكلمين، مع إدخال اصطلاح الحنفية في مواضعه. وهذا الترتيب هو الذي اختاره كتابنا لأنه يستوعب المنهجين في صلب كل مبحث.

٢ طريقة الشاطبي وطريقة التخريج

أعاد الشاطبي (ت ٧٩٠هـ) في «الموافقات» ترتيب العلم على المقاصد، فجعله خمسة أقسام: المقدمات، والأحكام، والمقاصد، والأدلة، والاجتهاد. ونقل مركز الثقل من دلالة الألفاظ المفردة إلى الكليات المستقرأة، وجعل الاستقراء المعنوي طريقا إلى القطع بأصول الشريعة. ومن مقدماته معيار يصلح ميزانا لكل مسألة في هذا الكتاب، وهو المقدمة الرابعة: «كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية، أو آداب شرعية، أو لا تكون عونا في ذلك؛ فوضعها في أصول الفقه عارية». وتفصيل منهجه في مقاصد الشريعة.

وطريقة تخريج الفروع على الأصول لا تعيد ترتيب العلم، وإنما تذكر تحت كل قاعدة ما بُني عليها من فروع: «تخريج الفروع على الأصول» للزنجاني (ت ٦٥٦هـ) بين الشافعية والحنفية، و«مفتاح الوصول» للشريف التلمساني (ت ٧٧١هـ) المالكي المقارن، و«التمهيد» للإسنوي (ت ٧٧٢هـ) الشافعي، و«القواعد والفوائد الأصولية» لابن اللحام الحنبلي. وموضعها تخريج الفروع على الأصول.

٢ الكتابة الحديثة

افتتح الكتب المدرسية الحديثة محمد الخضري بك (ت ١٩٢٧م) بأصول الفقه على ترتيب المتكلمين، ثم عبد الوهاب خلاف (ت ١٩٥٦م) بكتاب مختصر واضح رتّبه: الأدلة، ثم الأحكام، ثم القواعد اللغوية، ثم القواعد التشريعية، وكتب محمد أبو زهرة (ت ١٩٧٤م) كتابا سهلا عني فيه بأصول الحنفية والمالكية. وجاءت بعدهم الموسوعات المقارنة: «أصول الفقه الإسلامي» لوهبة الزحيلي، و«المهذب في علم أصول الفقه المقارن» لعبد الكريم النملة، و«الوجيز» لعبد الكريم زيدان؛ والدراسات المتخصصة: «تفسير النصوص» لمحمد أديب صالح في الدلالات، و«المناهج الأصولية» لفتحي الدريني، و«مقاصد الشريعة» لابن عاشور. ومشاريع التجديد والدراسات الأكاديمية والنماذج الحاسوبية موضعها أصول الفقه في زمننا.

١ سلالم الكتب في المذاهب

جرت عادة كل مذهب أن يتدرج طالبه في كتب معلومة. والجدول الآتي يرتبها من الأدنى إلى الأعلى، وفي كل مذهب بدائل تختلف باختلاف البلاد والشيوخ:

المرتبة الحنفية المالكية الشافعية الحنابلة
المبتدئ أصول الشاشي الورقات بشرح الحطاب (قرة العين)، أو نظم الورقات الورقات بشرح المحلي قواعد الأصول ومعاقد الفصول لصفي الدين البغدادي
المتوسط المنار بنور الأنوار أو فتح الغفار؛ الحسامي مرتقى الوصول لابن عاصم (المغرب)؛ مراقي السعود بنشر البنود أو نثر الورود (موريتانيا) لب الأصول وشرحه غاية الوصول لزكريا الأنصاري روضة الناظر لابن قدامة، مع نزهة الخاطر أو مذكرة الشنقيطي
فوق المتوسط مرآة الأصول شرح مرقاة الوصول لملا خسرو شرح تنقيح الفصول للقرافي منهاج البيضاوي بنهاية السول للإسنوي مختصر التحرير لابن النجار وشرحه الكوكب المنير
المنتهي التوضيح مع التلويح؛ التحرير بشرحيه؛ مسلم الثبوت بفواتح الرحموت مختصر ابن الحاجب بشرح العضد أو رفع الحاجب؛ جمع الجوامع بحاشية البناني جمع الجوامع بشرح المحلي وحاشية البناني أو العطار مختصر الروضة للطوفي وشرحه
الأمهات الفصول للجصاص، تقويم الأدلة، أصول البزدوي بكشف الأسرار، أصول السرخسي إحكام الفصول للباجي، نفائس الأصول للقرافي، الموافقات الرسالة، البرهان، المستصفى، المحصول، الإحكام، البحر المحيط العدة لأبي يعلى، التمهيد لأبي الخطاب، الواضح لابن عقيل، المسودة
التخريج تأسيس النظر للدبوسي؛ الزنجاني في مقابلة الشافعية مفتاح الوصول للتلمساني التمهيد للإسنوي؛ الزنجاني القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام

ومن أتقن كتابنا فقد قارب مرتبة «المتوسط» في المذاهب كلها، واطلع على مسائل «فوق المتوسط»، فيقرأ بعده كتب مذهبه في المرتبة التالية بفهم لمصطلحها وخلافها.

١ المسائل الكلامية في الأصول

علم الأصول يستمد من الكلام كما مر في حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه. وأكثر ما يأخذه منه مسلّمات لا يبحثها (وجود الله، وصدق الرسول)، وبعضه مسائل خلافية تُبحث في مقدمات الأحكام لأن لها أثرا في الأبواب: الحاكم، والتحسين والتقبيح، وشكر المنعم، وحكم الأشياء قبل الشرع، والتكليف بما لا يطاق.

١ الحاكم هو الله

اتفق المسلمون على أن الحاكم هو الله تعالى، لا حكم لغيره: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠]. والرسول مبلغ، والمجتهد كاشف عن الحكم. والخلاف في سؤال آخر: بماذا يُعرف حكم الله؟ هل يُعرف بالشرع وحده، أم يستقل العقل بإدراك بعضه قبل ورود الشرع؟ وحين يقول ابن السبكي «وحكّمت المعتزلة العقل» فمراده أنهم جعلوا العقل طريقا مستقلا إلى معرفة الحكم في بعض الأفعال، والمعتزلة أنفسهم يقولون إن الله هو الموجب، والعقل مدرك لإيجابه.

١ التحسين والتقبيح العقليان

من المتون جمع الجوامع لتاج الدين السبكي

الحسن والقبح بمعنى ملاءمة الطبع ومنافرته وصفة الكمال والنقص عقلي، وبمعنى ترتب الذم عاجلا والعقاب آجلا شرعي، خلافا للمعتزلة. وشكر المنعم واجب بالشرع لا العقل. ولا حكم قبل الشرع، بل الأمر موقوف إلى وروده. وحكّمت المعتزلة العقل، فإن لم يقض فثالثها لهم الوقف عن الحظر والإباحة.

الحل: يحرر ابن السبكي محل النزاع بتقسيم معنى «الحسن والقبح» ثلاثة: (١) ملاءمة الطبع ومنافرته، كحسن الحلو وقبح المر؛ (٢) صفة الكمال والنقص، كحسن العلم وقبح الجهل؛ وهذان عقليان بالاتفاق. (٣) ترتب الذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، وهذا محل النزاع: هو عند الأشاعرة شرعي لا يُعرف إلا بالشرع، و«خلافا للمعتزلة» أي إنهم يجعلونه عقليا. ثم فرّع عليه مسألتين: شكر المنعم واجب بالشرع، ولا حكم قبل الشرع. وقوله «بل الأمر موقوف إلى وروده» بيّن البناني أنه وقف في وجود الحكم، لا وقف شك في حكم موجود. وقوله «فإن لم يقض» أي إن لم يدرك العقل في فعلٍ حسنا ولا قبحا، فللمعتزلة فيه ثلاثة أقوال: الحظر، والإباحة، والوقف.

والأقوال ثلاثة:

  • المعتزلة: للأفعال صفات ذاتية تقتضي حسنها أو قبحها، يدركها العقل ضرورة (كحسن الصدق النافع) أو نظرا (كقبح الصدق الضار)، أو لا يدركها فيأتي الشرع كاشفا (كحسن صوم آخر يوم من رمضان وقبح صوم أول يوم من شوال). ويترتب على الإدراك العقلي الثواب والعقاب ولو لم يرد شرع.
  • الأشاعرة: لا حسن ولا قبح بالمعنى الثالث إلا بالشرع؛ فالحسن ما أُذن فيه أو أُمر به، والقبيح ما نُهي عنه. ودليلهم قوله تعالى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فلا تعذيب قبل الرسالة، فلا وجوب ولا تحريم قبلها.
  • الماتريدية: موقف وسط: للأفعال حسن وقبح يدرك العقل بعضه، والله لا يأمر بالقبيح، كما قال ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨]؛ لكن العقل معرّف للحكم وليس موجبا. ثم اختلفوا في ترتب التكليف على هذا الإدراك قبل الشرع: فمشايخ سمرقند، وعلى رأسهم أبو منصور الماتريدي، أوجبوا بالعقل معرفة الله والإيمان به على من بلغ وأمهل مدة يتأمل فيها، وحملوا عليه ما رُوي عن أبي حنيفة: «لا عذر لأحد في الجهل بخالقه لما يرى من خلق السماوات والأرض»؛ وأئمة بخارى قالوا كالأشاعرة: لا حكم قبل البعثة، وحملوا كلمة أبي حنيفة على ما بعد بلوغ الدعوة.

مسألة خلافية هل يستقل العقل بإدراك الحكم قبل ورود الشرع؟

  • الحنفية الغالب فيهم مذهب الماتريدية: العقل يدرك حسن بعض الأفعال وقبحها، والحاكم الله. ثم السمرقنديون يوجبون معرفة الله بالعقل، والبخاريون لا يثبتون حكما قبل الشرع. وقرر صدر الشريعة في التوضيح مذهب الماتريدية مستوفى، وذُكر أن ابن الهمام في التحرير مال إلى قول البخاريين.
  • المالكية على مذهب الأشاعرة غالبا، والحسن والقبح بمعنى الثواب والعقاب شرعيان. وفي الأشياء قبل الشرع أقوال حكاها شراح المراقي وجمع الجوامع: المنع عن أبي بكر الأبهري، والإباحة عن أبي الفرج، والوقف وهو المختار عند المحققين.
  • الشافعية الأشاعرة: لا حكم قبل الشرع، والأمر موقوف إلى وروده، كما في جمع الجوامع.
  • الحنابلة لهم في الأشياء قبل الشرع ثلاثة أقوال في المذهب: الحظر، والإباحة، والوقف. وقرر ابن تيمية وابن القيم (في مفتاح دار السعادة) أن العقل يدرك حسن الأفعال وقبحها، وأن العقاب لا يقع إلا بعد قيام الحجة بالرسالة، فقاربوا الماتريدية.
  • سبب الخلاف هل للأفعال صفات ذاتية تجعلها حسنة أو قبيحة، تصلح مناطا للثواب والعقاب، أم يتوقف ذلك كله على خطاب الشارع؟
  • الثمرة (١) من لم تبلغه الدعوة ومات على الشرك: لا يعذر عند السمرقنديين في ترك التوحيد، وهو ناج عند الأشاعرة والبخاريين لعدم التكليف قبل البلوغ بالرسالة. (٢) ما سكت عنه الشرع من الأعيان والأفعال، وهو موضوع المسألة الآتية.
  • التحقيق الخلاف في جوهره بين مدارس الكلام لا بين مذاهب الفقه؛ ولذلك تجد الحنفي والشافعي في صف واحد إذا كانا أشعريين أو بخاريين. وأهل السنة متفقون على أن تفاصيل العبادات والمقادير لا تُعرف إلا بالشرع، وأن حكم الله لا يتبدل باستحسان العقول بعد ورود النص.

٢ شكر المنعم

صورة المسألة: هل يجب على العاقل، قبل أن تبلغه رسالة، أن يشكر الله على نعمه بأن يعرفه ويعظمه ويصرف نعمه فيما خُلقت له؟ قالت المعتزلة: يجب بالعقل، لأن العاقل يدرك أنه لا يأمن العقوبة إن ترك شكر من أنعم عليه، ودفع الضرر المخوف واجب عقلا. وقال الأشاعرة: يجب بالشرع وحده، لأنه لو وجب بالعقل لعُذّب تاركه قبل البعثة، والآية نفت ذلك؛ ولقوله ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. والماتريدية السمرقنديون يوجبون أصل المعرفة والإيمان بالعقل، ولا يوجبون تفاصيل الشكر. والمسألة فرع على التحسين والتقبيح، وذكرها الأصوليون لأنها أشهر صوره.

١ حكم الأشياء قبل ورود الشرع

الأشياء التي ينتفع بها الإنسان، ما حكمها لو فُرض أنه لا شرع؟ في المسألة ثلاثة أقوال: الحظر، لأنها ملك لله، والتصرف في ملك الغير بغير إذنه ممنوع؛ والإباحة، لأن الله خلقها لمنافع عباده ولا ضرر عليه في انتفاعهم؛ والوقف، وهو قول الأشاعرة، ومعناه عندهم أنه لا حكم أصلا حتى يرد الشرع، ومعناه عند من قاله من الحنفية أن لها حكما لم نقف عليه بالعقل.

ثم ينتقل السؤال من «قبل الشرع» إلى «بعد الشرع فيما سكت عنه»، وهنا تظهر الثمرة الفقهية. قرر البيضاوي وابن السبكي أن الأصل في المنافع الإذن وفي المضار المنع، واستدلوا بقوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. وقال السيوطي في الأشباه والنظائر: «الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم. هذا مذهبنا، وعند أبي حنيفة: الأصل فيها التحريم حتى يدل الدليل على الإباحة، ويظهر أثر الخلاف في المسكوت عنه». واستدل بحديث أبي الدرداء: «ما أحل الله فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته» (رواه البزار والطبراني، وحسّن السيوطي سنده).

والنسبة إلى أبي حنيفة تحتاج إلى تحرير، لأن الحنفية أنفسهم نقلوا غير ذلك: فقد نقل ابن نجيم في الأشباه والنظائر أن الشافعية نسبوا التحريم إلى أبي حنيفة، ثم حكى عن كتب المذهب ثلاثة نقول: في «البديع» أن المختار ألا حكم للأفعال قبل الشرع، وفي شرح المنار أن الأشياء على الإباحة عند بعض الحنفية ومنهم الكرخي، وأن «أصحابنا» على التوقف بمعنى أن لها حكما لم نقف عليه بالعقل؛ ونقل عن الهداية أن الإباحة أصل. فالذي تدل عليه نقولهم أن التوقف قول جماعة من أئمتهم في الأشياء قبل الشرع، وأن الإباحة أصل في المسكوت عنه بعد الشرع عند صاحب الهداية والكرخي ومن وافقهما؛ ونسبة التحريم المطلق إلى أبي حنيفة حكاية من المخالف.

تطبيق حيوان لم يرد فيه نص: الزرافة على خط الاستنباط

  1. نوع الحكم: حكم تكليفي في الأطعمة: إباحة أم تحريم؟
  2. الأدلة وثبوتها: لا نص خاص. والنصوص العامة ثابتة قطعا أو بأخبار صحيحة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، ونهيه ﷺ عن «كل ذي ناب من السباع» (رواه البخاري ومسلم)، والنهي عن الخبائث: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
  3. الدلالة: الزرافة لا تدخل في «ذي الناب» لأنه ليس لها ناب تفترس به، ودخولها في «الخبائث» يحتاج إلى عرف يحكم باستخباثها.
  4. المعارض: لا معارض خاص.
  5. الإلحاق: لا قياس جليا على محرم منصوص. فيُرجع إلى الأصل في المسكوت عنه، وهذا موضع المسألة الكلامية: من قال الأصل الإباحة أباحها، ومن قال الأصل الحظر منعها حتى يرد دليل. ٦ و٧. المآل والتنزيل: لا مفسدة ظاهرة في أكلها، وتحقيق المناط فيها هو التثبت من أنها لا تفترس بناب.
  6. الحكم ودرجته: قال السبكي: المختار حل أكلها لأن الأصل الإباحة ولا ناب لها، ونقله السيوطي عن فتاوى القاضي حسين والغزالي، وعن نص الإمام أحمد. وجزم الشيرازي في التنبيه بتحريمها، وبه قال أبو الخطاب من الحنابلة. وقال السيوطي: لم يذكرها أحد من المالكية والحنفية، وقواعدهم تقتضي حلها. فالحكم ظني، ومأخذ الخلاف فيه هو الأصل الكلي الذي يُرجع إليه عند السكوت.

وبهذا يُجاب سؤال الافتتاح: جمهور المذاهب على إباحة ما لم يرد فيه دليل تحريم ولم يُستخبث، والموقف من الأشياء قبل الشرع يظهر أثره في هذا الأصل، والخلاف الكلامي المجرد قلما يغير الفتوى، لأن المتأخرين من المذاهب كلها رجعوا بعد الشرع إلى الإباحة في المنافع.

٢ التكليف بما لا يطاق

المحال ثلاثة أقسام: محال لذاته كالجمع بين الضدين؛ ومحال عادة لا عقلا كطيران الإنسان ومشي المقعد؛ ومحال لتعلق علم الله بعدم وقوعه مع إمكانه في نفسه، كإيمان من علم الله أنه لا يؤمن، ومثاله المشهور أبو لهب.

فقال ابن السبكي في جمع الجوامع: يجوز التكليف بالمحال مطلقا، أي عقلا، في الأقسام الثلاثة؛ وإليه أشار صاحب مراقي السعود بقوله: «وجوّز التكليف بالمحال، في الكل من ثلاثة الأحوال». ومنع أكثر المعتزلة، والشيخ أبو حامد الإسفراييني، والغزالي، وابن دقيق العيد، التكليف بالمحال إلا ما كان امتناعه لتعلق العلم بعدم وقوعه؛ وعلى المنع الماتريدية أيضا، لأن تكليف العاجز عبث ينافي الحكمة. والجمهور من القائلين بالجواز العقلي متفقون على أنه غير واقع في الشريعة في المحال لذاته والعادي، لقوله تعالى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. أما المحال لتعلق العلم فواقع بالاتفاق، لأن الكفار مكلفون بالإيمان وفيهم من علم الله أنه لا يؤمن، وهو ممكن في نفسه.

والمسألة في صورتها النظرية مثال لما قال فيه الشاطبي إن وضعه في الأصول «عارية»، ولها مع ذلك ثمرتان. الأولى في شروط التكليف: الفهم والقدرة، وتكليف الغافل والملجأ والمكره، وهي في الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه. والثانية في النسخ قبل التمكن من الفعل: من جوّز التكليف بما لا يُقصد إيقاعه، لأن الحكم قد يُراد به الامتحان والإذعان، جوّز أن يُنسخ الحكم قبل أن يتمكن المكلف من فعله، كما نقله الشربيني عن الزركشي، وهي في النسخ.

٢ أثر هذه المسائل في أبواب الأصول

المسلّمة الكلامية المسائل الأصولية التي تتأثر بها الفصل
الحاكم هو الله، والعقل معرّف أو غير معرّف حد الحكم، وهل الحكم قديم أم حادث، والحكم عند الحنفية أثر الخطاب الحكم التكليفي
التحسين والتقبيح تعليل الأحكام، والمناسبة في مسالك العلة، والمصالح المرسلة وضوابطها القياس، الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف، مقاصد الشريعة
حكم الأشياء قبل الشرع البراءة الأصلية، والاستصحاب، والأصل في المنافع والمضار الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة
شكر المنعم وبلوغ الدعوة شروط التكليف، وخطاب الكفار بالفروع، وأهل الفترة الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه
التكليف بما لا يطاق القدرة شرط التكليف، والنسخ قبل التمكن الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه، النسخ
أفعال الله معللة بالحكم أو غير معللة حجية القياس، وطرق إثبات المقاصد القياس، مقاصد الشريعة

أداة تفكير سؤال سبب الخلاف

إذا وجدت خلافا بين مذهبين في مسألة أصولية، فاسأل أولا: أين جذره؟ في ثبوت دليل، أم في دلالته، أم في قاعدة منهجية، أم في نظر مقاصدي، أم في مسلّمة كلامية؟ مسائل هذا الفصل من النوع الأخير، ولذلك لا ينطبق فيها خط المذاهب الفقهية على خط الخلاف: الحنفي البخاري أقرب في مسألة الحسن والقبح إلى الشافعي الأشعري منه إلى الحنفي السمرقندي. ويقابلها في الحياة الحديثة خلاف فلسفة القانون بين من يجعل للقيم الأخلاقية وجودا سابقا على التشريع ومن يجعل القاعدة القانونية مصدر الإلزام وحدها. وحد الأداة: التشبيه بفلسفة القانون يكشف بنية السؤال، ولا يعني أن أحد المذاهب الكلامية «قانون طبيعي» والآخر «وضعي»، لأن الجميع متفقون على أن الحاكم هو الله، والخلاف في طريق معرفة حكمه.

أداة تفكير الثمرة

بعد تحديد الجذر، اسأل: ما الفرع الفقهي الذي يتغير بتغير الجواب؟ فإن وجدته فالخلاف معنوي، وإن لم تجده فهو لفظي أو نظري. وقد جعل الشاطبي هذا ميزانا للعلم كله: ما لا ينبني عليه فرع أو أدب شرعي «فوضعه في أصول الفقه عارية». فمسألة الحسن والقبح لها ثمرة في أهل الفترة وفي الأصل في المسكوت عنه، ومسألة التكليف بالمحال لذاته لا تكاد تظهر لها ثمرة عملية، وثمرتها في النسخ قبل التمكن غير مباشرة. وحد الأداة: قلة الثمرة الفقهية لا تُسقط المسألة من الدرس إذا كانت أساسا لمسائل أصولية أخرى، كما نبه بعض المحققين على ميزان الشاطبي.

تنبيه الأشعرية والماتريدية ليستا مذهبين فقهيين

الشائع أن «الحنفية ماتريدية والشافعية والمالكية أشاعرة»، وهو وصف للغالب لا قاعدة مطردة. ففي الحنفية من كان على الاعتزال في الكلام، كالزمخشري صاحب الكشاف، والماتريدية أنفسهم فريقان كما مر. وفي الشافعية والمالكية من كان على طريقة أهل الحديث، وأكثر الحنابلة على طريقة أهل الأثر. فلا يصح أن تنسب قولا كلاميا إلى «مذهب أبي حنيفة» أو «مذهب الشافعي» إلا بالنقل عن الإمام أو عن جمهور أتباعه في تلك المسألة بعينها. والأمانة في هذا الباب أن تقول: هذا قول الأشاعرة، ومنهم أكثر الشافعية والمالكية؛ وهذا قول الماتريدية، ومنهم أكثر الحنفية.

صلة الفصل بغيره

خلاصة الفصل

  1. كانت قواعد الأصول معمولا بها قبل التدوين، ودُوّنت حين صارت العلوم صناعة.
  2. الرسالة للشافعي أول كتاب جامع وصل إلينا، وموضوعها البيان والسنة والنسخ والخبر والإجماع والقياس والاجتهاد.
  3. نُقل أن أبا يوسف أول من وضع كتبا في الأصول على مذهب أبي حنيفة، ولم يصل منها شيء؛ والجمع أن التكلم بالقواعد غير التدوين الجامع المحفوظ.
  4. طريقة المتكلمين تقرر القاعدة بالدليل وتجرد المسائل، وأمهاتها العمد والمعتمد والبرهان والمستصفى، ثم المحصول والإحكام.
  5. طريقة الحنفية تستخرج القواعد من فروع الأئمة وتكثر التمثيل، وأمهاتها الفصول وتقويم الأدلة والبزدوي والسرخسي.
  6. طريقة الجمع تحقق القاعدة وتحكي المذهبين: بديع النظام، والتنقيح والتوضيح، والتحرير، ومسلم الثبوت، ويُلحق بها جمع الجوامع.
  7. الشاطبي أعاد بناء العلم على المقاصد، وجعل ما لا ينبني عليه عمل خارجا عن الأصول.
  8. لكل مذهب سلم من الكتب: الشاشي فالمنار للحنفية، والورقات فالمراقي أو مرتقى الوصول للمالكية، والورقات فغاية الوصول للشافعية، وقواعد الأصول فالروضة للحنابلة.
  9. الحاكم هو الله باتفاق، والخلاف في طريق معرفة حكمه.
  10. الحسن والقبح بمعنى ملاءمة الطبع وصفة الكمال عقليان باتفاق، وبمعنى الثواب والعقاب محل النزاع.
  11. المعتزلة جعلوه عقليا، والأشاعرة شرعيا، والماتريدية وسطا: العقل يدرك ولا يوجب، ثم افترق السمرقنديون والبخاريون في المعرفة قبل الشرع.
  12. في الأشياء قبل الشرع ثلاثة أقوال: الحظر والإباحة والوقف، وبعد الشرع الأصل في المنافع الإباحة عند الجمهور، ونسبة التحريم المطلق إلى أبي حنيفة حكاية من المخالف لا تطابق نقول الحنفية.
  13. التكليف بالمحال جائز عقلا عند الأشاعرة، ممتنع عند المعتزلة والماتريدية، وغير واقع في المحال لذاته والعادي.
  14. الخلاف في هذه المسائل بين مدارس الكلام لا بين مذاهب الفقه.

تمارين

  1. اذكر ثلاثة فروق بين طريقة المتكلمين وطريقة الحنفية، ومثّل لكل طريقة بكتابين.
  2. صنّف الكتب الآتية بحسب طريقتها: المعتمد، أصول السرخسي، التحرير، المستصفى، المنار، الموافقات، مفتاح الوصول، بديع النظام.
  3. طالب مالكي في المغرب وآخر في موريتانيا يريدان قراءة كتاب متوسط في الأصول. ماذا يقرأ كل منهما؟ وما الكتاب الذي يقرؤه كل منهما بعده؟
  4. كيف تجمع بين قول ابن خلدون إن الشافعي أول من كتب في الأصول، ونقل ابن خلكان أن أبا يوسف أول من وضع الكتب فيه على مذهب أبي حنيفة؟
  5. حرر محل النزاع في مسألة الحسن والقبح بالمعاني الثلاثة التي ذكرها ابن السبكي.
  6. رجل نشأ في جزيرة منقطعة لم تبلغه دعوة نبي، وأدرك بعقله وجود الخالق ثم أعرض. ما حكمه عند الأشاعرة، وعند ماتريدية سمرقند، وعند ماتريدية بخارى؟
  7. نسب السيوطي إلى أبي حنيفة أن الأصل في الأشياء التحريم. ما الذي نقله ابن نجيم عن كتب الحنفية في هذه المسألة؟ وماذا تستفيد من ذلك في منهج النسبة؟
  8. هل تجد ثمرة فقهية لمسألة التكليف بالمحال لذاته؟ استعمل ميزان الشاطبي في الجواب.
  9. حنفي وشافعي اتفقا في مسألة الحكم قبل الشرع، وحنفيان اختلفا فيها. كيف يمكن ذلك؟

أجوبة التمارين

  1. المتكلمون يقررون القاعدة بالدليل ويحكمون بها على الفروع، والحنفية يستخرجونها من فروع الأئمة؛ المتكلمون يجردون المسائل، والحنفية يكثرون الأمثلة الفقهية؛ المتكلمون يقدمون الأحكام غالبا، والحنفية يقدمون الأدلة ويؤخرون الأحكام والأهلية. أمثلة الأولى: البرهان، المستصفى. وأمثلة الثانية: تقويم الأدلة، أصول البزدوي.
  2. المعتمد والمستصفى: المتكلمين. أصول السرخسي والمنار: الحنفية. التحرير وبديع النظام: الجمع. الموافقات: المقاصد. مفتاح الوصول: تخريج الفروع على الأصول.
  3. المغربي: مرتقى الوصول لابن عاصم، ثم شرح تنقيح الفصول أو جمع الجوامع بحاشية البناني. الموريتاني: مراقي السعود بنشر البنود أو نثر الورود، ثم جمع الجوامع أو مختصر ابن الحاجب.
  4. الشافعي أول من دوّن كتابا جامعا وصل إلينا، وأبو يوسف نُقل أنه كتب في الأصول على مذهب أبي حنيفة ولم يصل كتابه؛ والكلام في القواعد سابق على التدوين عند الجميع.
  5. الحسن والقبح بمعنى ملاءمة الطبع ومنافرته، وبمعنى صفة الكمال والنقص، عقليان بالاتفاق. ومحل النزاع المعنى الثالث: ترتب الذم عاجلا والعقاب آجلا، فهو شرعي عند الأشاعرة، عقلي عند المعتزلة، والماتريدية يقولون العقل يدرك الحسن والقبح ولا يستقل بالإيجاب.
  6. الأشاعرة: لا يعذب لأنه لا تكليف قبل الرسالة. سمرقند: لا يعذر في ترك التوحيد إن أمهل مدة التأمل. بخارى: كالأشاعرة، لا حكم قبل البعثة.
  7. نقل ابن نجيم أن الشافعية نسبوا التحريم إلى أبي حنيفة، وأن في كتب المذهب: لا حكم قبل الشرع (البديع)، والإباحة عند بعضهم ومنهم الكرخي، والتوقف عند «أصحابنا»، والإباحة أصل (الهداية). فالنسبة إلى مذهب تؤخذ من كتب أهله المعتمدة، لا من حكاية المخالف.
  8. لا تظهر لها ثمرة عملية مباشرة، لأن المحال لذاته غير واقع في الشريعة بالاتفاق؛ فهي على ميزان الشاطبي من «العارية» في وجهها النظري، وتظهر ثمرتها غير المباشرة في النسخ قبل التمكن وشروط التكليف.
  9. لأن الخلاف كلامي لا فقهي: الحنفي البخاري يوافق الشافعي الأشعري في أنه لا حكم قبل الشرع، ويخالف الحنفي السمرقندي الذي يوجب معرفة الله بالعقل.

الحكم التكليفي

موقع الفصل من المنظومة

خط الاستنباط يبدأ بسؤال: ما نوع الحكم المطلوب في هذه الواقعة؟ وينتهي بحكم له درجة من اليقين. هذا الفصل يقف عند الطرفين معا: المحطة الأولى، حيث يعيّن الناظر نوع الحكم الذي يبحث عنه، والمحطة الثامنة، حيث يصف الحكم الذي وصل إليه وصفا مضبوطا. فالحكم التكليفي هو «الثمرة» في قسمة الغزالي، وكل ما بعده من أدلة ودلالات وترجيح وسائل إليه. ويحتاج الفصل مما قبله إلى مراتب الإدراك (العلم والظن) والفرق بين القطعي والظني في حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه، وإلى مسألة الحاكم والتحسين والتقبيح في نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية.

سؤال الافتتاح

رجل صلى الظهر فترك قراءة الفاتحة عامدا وقرأ آيات من سورة أخرى. هل صلاته باطلة؟ وإن لم تكن باطلة، فهل عليه شيء؟ ستجد أن جواب المذاهب يختلف، وأن سبب اختلافه مسألة من مسائل هذا الفصل لا من مسائل الصلاة.

١ تعريف الحكم الشرعي

الحكم في اللغة المنع والقضاء. وفي اصطلاح الأصوليين من المتكلمين: خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير، وزاد ابن الحاجب وغيره: أو الوضع، ليدخل الحكم الوضعي في الحد.

قيود الحد:

  • خطاب الله: كلامه الموجّه إلى العباد. ويدخل فيه ما دل عليه من السنة والإجماع والقياس، لأنها كواشف عن خطابه ومعرّفات له، وليست منشئة لحكم من عندها.
  • المتعلق بأفعال المكلفين: يخرج به الخطاب المتعلق بذات الله وصفاته، والمتعلق بالجمادات، والمتعلق بأفعال العباد على جهة الإخبار كقوله ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]. والمراد بالفعل ما يعم عمل القلب والقول والكف.
  • بالاقتضاء: أي الطلب، وهو أربعة: طلب فعل جازم (الإيجاب)، وطلب فعل غير جازم (الندب)، وطلب ترك جازم (التحريم)، وطلب ترك غير جازم (الكراهة).
  • أو التخيير: الإباحة.
  • أو الوضع: جعل الشيء سببا أو شرطا أو مانعا، وهو موضوع الحكم الوضعي.

ويقع على هذا الحد اعتراض مشهور: إن كان الحكم هو الخطاب، والخطاب كلام الله القديم، فالحكم قديم؛ فكيف يتعلق بفعل حادث وبمكلف لم يوجد بعد؟ وجوابهم أن للخطاب تعلقا معنويا قديما وتعلقا تنجيزيا حادثا يقع عند وجود المكلف مستوفيا للشروط.

٢ الحكم عند الحنفية: أثر الخطاب

سلك محققو الحنفية طريقا آخر: الحكم عندهم أثر الخطاب المترتب عليه في فعل المكلف، فالحكم هو الوجوب والحرمة والإباحة، والخطاب هو الإيجاب والتحريم. فقوله ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] إيجاب من جهة الله، ووجوب في جهة الفعل، والحكم عندهم الثاني. وهذا هو الذي يجري في ألسنة الفقهاء: يقولون «الصلاة واجبة» ولا يقولون «الصلاة إيجاب».

ولهذا الاختيار أثر في البناء الحنفي كله: إذا كان الحكم صفة للفعل ثابتة بالخطاب، أمكن أن تتفاوت هذه الصفة بتفاوت الطريق الذي وصل به الخطاب إلينا، فيكون الوجوب الثابت بطريق قطعي غير الوجوب الثابت بطريق ظني. وعلى هذا قام التفريق بين الفرض والواجب.

تنبيه الحكم والفقه والدليل

«الحكم» في الأصول غير «الفقه» وغير «الدليل». فالدليل ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، والحكم وجوب الصلاة، والفقه علم المجتهد بهذا الوجوب مستفادا من دليله التفصيلي. ومن خلط بينها ظن أن تقسيم الحكم إلى خمسة تقسيم للأدلة، وهو تقسيم لما تدل عليه.

١ أقسام الحكم التكليفي: خمسة أو سبعة

القسمة عند الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة خمسة، تخرج من السبر: الخطاب إما طلب أو تخيير؛ والطلب طلب فعل أو طلب ترك؛ وكل منهما جازم أو غير جازم. فيكون: الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والحرام.

والقسمة عند الحنفية سبعة: الفرض، والواجب، والسنة والمندوب (وهو النفل والمستحب على تفصيل يأتي)، والمباح، والمكروه تنزيها، والمكروه تحريما، والحرام. فزادوا في طرف الطلب الجازم للفعل رتبة، وفي طرف الطلب الجازم للترك رتبة.

من المتون الورقات لإمام الحرمين الجويني

والأحكام سبعة: الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه والصحيح والباطل. فالواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه. والمندوب ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه. والمباح ما لا يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه. والمحظور ما يثاب على تركه ويعاقب على فعله. والمكروه ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله. والصحيح ما يتعلق به النفوذ ويعتد به، والباطل ما لا يتعلق به النفوذ ولا يعتد به.

الحل: سبعة الجويني غير سبعة الحنفية. هو يعد الخمسة التكليفية ويضم إليها اثنين من الحكم الوضعي، هما الصحيح والباطل، فيبلغ سبعة. وقوله «الواجب» و«المحظور» تسمية لمتعلق الحكم، أي الفعل الموصوف، لا للحكم نفسه، فالحكم الإيجاب والحظر. وتعريفاته كلها بالأثر المترتب، أي الثواب والعقاب، ويسمى هذا تعريفا بالرسم؛ ولذلك قيده الشراح بأن الثواب لمن فعل امتثالا، وأن العقاب استحقاق يجوز معه العفو. والتعريف بالحقيقة: الواجب ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، وهكذا في البقية. وتجد الصحيح والباطل مبسوطين في الحكم الوضعي.

١ الفرض والواجب عند الحنفية

الواجب عند الجمهور ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، والفرض مرادف له؛ فقول الشافعي «فرض» و«واجب» سواء. ويستثني الشافعية والحنابلة والمالكية باب الحج، فيفرقون فيه بين الركن الذي لا يُجبر والواجب الذي يُجبر بدم، وهو اصطلاح باب لا تقسيم عام للحكم.

أما الحنفية فالطلب الجازم عندهم رتبتان:

  • الفرض: ما ثبت لزومه بدليل قطعي لا شبهة فيه، ككتاب أو سنة متواترة أو إجماع، مع قطعية الدلالة. حكمه: لزوم العمل والاعتقاد، ويكفر جاحده، ويفسق تاركه بلا عذر.
  • الواجب: ما ثبت لزومه بدليل فيه شبهة، كخبر الواحد، أو كالقطعي الثبوت الظني الدلالة. حكمه: لزوم العمل دون الاعتقاد القطعي، فلا يكفر جاحده، ويفسق تاركه إن استخف بالدليل، وإثمه دون إثم تارك الفرض.

مسألة خلافية هل الفرض والواجب مترادفان؟

  • الحنفية يفرقون: الفرض ما ثبت بقطعي، والواجب ما ثبت بظني؛ ويرتبون على ذلك آثارا في الاعتقاد والصحة والجبر.
  • المالكية مترادفان في الأصول، ويفرق الفقهاء في العبادات بين الفرض والسنة والفضيلة، وفي الحج بين الركن والواجب المجبور بالدم.
  • الشافعية مترادفان، والتفريق في الحج اصطلاح خاص بالباب.
  • الحنابلة المذهب الترادف، وعن أحمد رواية بالتفريق بين ما ثبت بالقرآن وما ثبت بالسنة، ذكرها ابن قدامة في روضة الناظر.
  • سبب الخلاف هل ينظر إلى صفة الطلب (وهو جازم في الحالين فلا تفاوت)، أم إلى طريق ثبوته (فيتفاوت الطلب بتفاوت قوة دليله)؟ الحنفية نظروا إلى الطريق، والجمهور إلى الصفة.
  • الثمرة الفاتحة في الصلاة: الفرض عند الحنفية مطلق القراءة لقوله ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، والفاتحة واجبة لحديث «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (رواه البخاري ومسلم)، لأن الخبر لا يقوى على الزيادة على القطعي؛ فمن تركها سهوا سجد للسهو، ومن تركها عمدا أساء ووجبت عليه الإعادة، ولا تبطل الصلاة. والجمهور: ركن تبطل الصلاة بتركه. ومثلها الوتر: واجب عند أبي حنيفة يُقضى ولا يكفر جاحده، وسنة مؤكدة عند صاحبيه والجمهور.
  • التحقيق يرى كثير من الجمهور الخلاف لفظيا، لأنهم يسلمون أن الأدلة تتفاوت وأن جاحد ما ثبت بالآحاد لا يكفر. ويبقى الخلاف معنويا في موضع واحد على الأقل: الحنفية جعلوا للرتبة الوسطى حكما خاصا في العبادات (الصحة مع وجوب الإعادة أو الجبر)، والجمهور لا يعرفون هذه الرتبة في الصلاة؛ فهي إما ركن أو سنة.

وعلى هذا جاء جواب سؤال الافتتاح: تارك الفاتحة عمدا صلاته صحيحة عند الحنفية ناقصة نقصا يوجب الإعادة، وباطلة عند الجمهور.

١ المكروه تحريما والمكروه تنزيها

ما صنعه الحنفية في جانب الفعل صنعوه في جانب الترك. فالطلب الجازم للترك إن ثبت بقطعي فهو الحرام، وإن ثبت بظني فهو المكروه تحريما، وهو في مقابلة الواجب كما أن الحرام في مقابلة الفرض. والطلب غير الجازم للترك هو المكروه تنزيها، وهو إلى الحل أقرب.

واختلف أئمة المذهب في المكروه تحريما: فعند محمد بن الحسن كل مكروه حرام، غير أنه لما لم يجد فيه نصا قاطعا لم يطلق عليه لفظ الحرام؛ وعند أبي حنيفة وأبي يوسف هو إلى الحرام أقرب، ولا يسمى حراما. والمكروه إذا أطلق في كتب الحنفية انصرف إلى التحريمي.

مسألة خلافية هل بين الحرام والمكروه رتبة وسطى؟

  • الحنفية نعم، المكروه تحريما: ما طُلب تركه طلبا جازما بدليل ظني. يأثم فاعله، ولا يكفر جاحده.
  • المالكية لا رتبة وسطى في التقسيم، مع أن مالكا يقول «أكره» في ما هو حرام عنده تورعا، فيحتاج تعيين مراده إلى نظر أهل المذهب.
  • الشافعية النهي الجازم تحريم، وغير الجازم كراهة، ويقع لفظ الكراهة في كلام الشافعي بمعنى التحريم أحيانا.
  • الحنابلة كالجمهور، ولفظ الكراهة في جواب أحمد يحتمل التحريم والتنزيه، وفي حمله خلاف بين الأصحاب.
  • سبب الخلاف فرع عن مسألة الفرض والواجب؛ من جعل لطريق الثبوت أثرا في الطلب الجازم جعل للنهي الجازم الظني رتبة مستقلة.
  • الثمرة من ترك واجبا من واجبات الصلاة عمدا، كالقعود الأول عند الحنفية، فصلاته صحيحة مكروهة تحريما وتجب إعادتها في الوقت. والجمهور: إما ركن تبطل بتركه، وإما سنة لا تجب الإعادة بتركها.

أداة تفكير شبكة الثبوت والدلالة

ضع كل دليل في مربع من أربعة: قطعي الثبوت قطعي الدلالة (آية محكمة في معناها)، قطعي الثبوت ظني الدلالة (آية تحتمل معنيين)، ظني الثبوت قطعي الدلالة (خبر واحد صريح)، ظني الثبوت ظني الدلالة. الحنفية يجعلون المربع الأول وحده منتجا للفرض والحرام، والثلاثة الباقية منتجة للواجب والمكروه تحريما. فالحكم عندهم يحمل في اسمه أثرا من درجة دليله، كما تحمل الوثيقة في القانون الحديث درجة توثيقها (رسمية أو عرفية) فيختلف أثرها في الإثبات. وحد الأداة: الشبكة تصف قوة الدليل، والحنفية لم يجعلوها آلة حسابية؛ فقد يرتقي الظني بالشهرة أو بالإجماع على العمل، والمشهور عندهم رتبة بين المتواتر والآحاد يزاد به على الكتاب (انظر الكتاب والسنة والنسخ).

٢ أقسام الواجب

يقسم الواجب باعتبارات أربعة، ولكل قسمة ثمرة.

٢ باعتبار الوقت: المطلق والمؤقت

الواجب المطلق ما لم يعين الشارع لأدائه وقتا، كالكفارات وقضاء رمضان عند من لم يوجب الفور فيه. والمؤقت ما عين له وقتا، وهو عند الجمهور قسمان: موسع يسع وقته الفعل وغيره من جنسه كالصلوات الخمس، ومضيق لا يسع إلا الفعل كصوم رمضان.

وللحنفية في الوقت تقسيم أوفى، يرجع إلى ثلاثة أنواع:

  • الوقت الظرف: يفضل عن الأداء، وهو للصلاة. فيه يجوز أداء غير الواجب من جنسه، ولا بد فيه من تعيين النية، لأن الوقت يقبل غير الفرض.
  • الوقت المعيار: يستغرقه الأداء ولا يسع غيره، وهو لصوم رمضان. ولهذا قالوا إن صوم رمضان يتأدى من الصحيح المقيم بمطلق النية وبنية النفل، لأن الوقت لا يقبل غيره، فانصرف كل إمساك منوي فيه إلى الفرض. والشافعية يوجبون تعيين النية وتبييتها في كل فرض.
  • الوقت المشكل (ذو الشبهين): يشبه الظرف من جهة والمعيار من جهة، وهو الحج: لا يصح في السنة إلا حج واحد، فهو كالمعيار، وأفعاله لا تستغرق أيامه، فهو كالظرف.

ويقرر الحنفية أن الوقت في الصلاة ظرف للمؤدى، وشرط للأداء، وسبب للوجوب. والسبب عندهم الجزء الذي يتصل به الأداء، فإن لم يؤد حتى ضاق الوقت تعين آخره سببا.

وفي الموسع عند المتكلمين مسألتان: الأولى، هل يجب على من أخّر الفعل عن أول الوقت أن يعزم على فعله فيه؟ أوجبه القاضي الباقلاني وجماعة، والمختار في جمع الجوامع أنه لا يجب. والثانية، من أخّره وهو يظن السلامة فمات في أثناء الوقت لم يعص، ومن ظن أنه لا يعيش إلى آخره تضيّق عليه، فإن أخّر عصى.

مسألة خلافية بأي جزء من الوقت يتعلق الوجوب الموسع؟

  • الحنفية بالجزء الذي يتصل به الأداء، فإن لم يؤد تعين آخر الوقت؛ فالعبرة في الأعذار والأحوال بآخر الوقت.
  • المالكية الوجوب موسع من أول الوقت، والعبرة في سقوط الصلاة بالأعذار كالحيض والإغماء بإدراك ما يسع ركعة من الوقت بعد زوال العذر أو قبل طروئه.
  • الشافعية يجب بأول الوقت وجوبا موسعا، ويستقر بمضي ما يسع الفعل.
  • الحنابلة يجب بأول الوقت، ويستقر بإدراك قدر تكبيرة الإحرام منه على المذهب.
  • سبب الخلاف هل الوقت كله سبب للوجوب فيثبت بأوله، أم السبب لحظة الأداء التي يقع بها الامتثال؟
  • الثمرة امرأة دخل عليها الوقت فلم تصل حتى حاضت. عند الشافعية يجب عليها القضاء إن مضى ما يسع الصلاة، وعند الحنابلة بإدراك قدر تكبيرة، وعند الحنفية لا قضاء لأن العبرة بآخر الوقت وهي فيه حائض، وعند المالكية لا قضاء إن بقي من الوقت ما يسعها. ومثلها من سافر في أثناء الوقت ولم يصل: يقصر عند الحنفية، ويتم عند الحنابلة على المذهب لأنها وجبت عليه في الحضر.

٢ باعتبار المكلف: العيني والكفائي

العيني ما طُلب من كل مكلف بعينه، كالصلوات الخمس. والكفائي ما طُلب حصوله من مجموع المكلفين دون نظر إلى فاعله، كصلاة الجنازة والأمر بالمعروف وتعلم الصناعات التي تقوم بها الأمة. فإذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإن تركه الجميع أثم كل من علم وقدر.

واختلفوا: هل يتعلق الخطاب بالكفائي بالجميع ويسقط بفعل البعض، وهو قول الجمهور، أم يتعلق ببعض مبهم، وهو اختيار الرازي وابن السبكي؟ والأول أظهر في تفسير إثم الجميع عند الترك. ومن ثمرات المسألة عند الشافعية أن فرض الكفاية يتعين بالشروع فيه على الأصح، فمن شرع في صلاة الجنازة لم يكن له قطعها.

٢ باعتبار المطلوب: المعين والمخير

المعين ما طلب الشارع فعله بعينه كالصلاة. والمخير ما طلب واحدا مبهما من أمور معينة، ككفارة اليمين في قوله ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. والجمهور على أن الواجب واحد لا بعينه، يتعين بفعل المكلف؛ ونُسب إلى المعتزلة أن الجميع واجب على البدل. والخلاف عند المحققين قريب من اللفظي، إذ اتفقوا على أنه لا يلزمه الجمع، ولا يأثم بترك الكل إلا إثما واحدا.

٢ باعتبار المقدار: المحدد وغير المحدد

المحدد ما عين الشارع مقداره، كالزكاة وركعات الصلاة. وغير المحدد ما لم يعين مقداره، كالإنفاق في سبيل الله وإطعام الجائع. ويذكر المعاصرون من ثمرته أن المحدد يثبت دينا في الذمة، وغير المحدد لا يثبت دينا حتى يتحدد بقضاء أو تراض، وبنوا عليه قول الحنفية في نفقة الزوجة والقريب أنها لا تصير دينا بمضي الزمان إلا بقضاء أو تراض.

٢ ما لا يتم الواجب إلا به

ما يتوقف عليه وجود الواجب نوعان:

  1. ما ليس في قدرة المكلف، أو ما جعله الشارع شرطا للوجوب أو سببا له، كالنصاب للزكاة، والاستطاعة للحج، ودخول الوقت للصلاة. وهذا غير واجب بالاتفاق؛ فلا يجب تحصيل النصاب ليجب عليه الزكاة، ولا الاكتساب ليستطيع الحج.

  2. ما في قدرة المكلف، وهو شرط لوجود الواجب لا لوجوبه، كالوضوء للصلاة، والسعي إلى الجمعة، وغسل جزء من الرأس ليستوعب غسل الوجه، وإمساك جزء من الليل ليستوعب صوم النهار. وهذا واجب بوجوب الواجب عند الجمهور إذا كان الواجب مطلقا غير مقيد بحصول المقدمة. واختار ابن الحاجب أن الواجب منه الشرط الشرعي وحده دون العقلي والعادي، وفي المسألة أقوال أخرى.

ومن فروعها: من نسي صلاة من خمس لا يعرف عينها لزمه أن يصلي الخمس، لأن براءة ذمته من الواحدة لا تتم إلا بها. ومن اشتبهت عليه أخته بأجنبية في عدد محصور حرم عليه نكاح الجميع. وهذه القاعدة هي الوجه الآخر لسد الذرائع: وسيلة الواجب مطلوبة كما أن وسيلة الحرام ممنوعة (انظر الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف).

١ المندوب ومراتبه

المندوب ما طلب الشارع فعله طلبا غير جازم، فيثاب فاعله امتثالا ولا يعاقب تاركه. ويسمى سنة ونافلة ومستحبا وتطوعا ومرغبا فيه وإحسانا.

وتختلف المذاهب في ترتيبه:

  • الحنفية: يجعلون السنة نوعين: سنة الهدى، وهي ما واظب عليه النبي ﷺ على وجه العبادة، كالأذان والجماعة والسنن الرواتب، وتاركها يستوجب الإساءة واللوم؛ وسنة الزوائد، وهي ما فعله على وجه العادة كسيره في لباسه وقعوده، وتاركها لا يستوجب إساءة. ثم النفل وهو المندوب والمستحب: ما فعله أحيانا أو رغب فيه، يثاب فاعله ولا يلام تاركه. ومن السنة المؤكدة عندهم ما يقرب من الواجب حتى يأثم المصر على تركه.
  • المالكية: يرتبونه ثلاث رتب: السنة وهي ما فعله النبي ﷺ وأظهره في جماعة وداوم عليه ولم يدل دليل على وجوبه، كالوتر والعيدين؛ والرغيبة، وهي ما رغب فيه وحده تحديدا ولم يظهره في جماعة، وهي عندهم ركعتا الفجر؛ والفضيلة أو المندوب، وهي ما قل تأكده كالرواتب غير الوتر والفجر. ثم النافلة المطلقة.
  • الشافعية: المعتمد أن السنة والمندوب والمستحب والتطوع ألفاظ مترادفة. وفرّق القاضي حسين وغيره: السنة ما واظب عليه النبي ﷺ، والمستحب ما فعله أحيانا، والتطوع ما ينشئه الإنسان باختياره. ويقسمون السنة إلى مؤكدة وغير مؤكدة.
  • الحنابلة: كالشافعية في الترادف، مع التمييز بين السنن المؤكدة وغيرها.

تنبيه السنة في لسان الأصولي والفقيه والمحدث

لفظ «السنة» له ثلاثة استعمالات: عند الأصولي دليل من أدلة الأحكام، أي ما صدر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير (الكتاب والسنة)؛ وعند الفقيه حكم، أي المندوب أو رتبة منه؛ وعند المحدث يعم الصفات والسير. فقولك «ثبت بالسنة» غير قولك «حكمه سنة»: قد يثبت الوجوب بالسنة، وقد يثبت الندب بالقرآن.

٢ هل المندوب مأمور به؟ وهل هو تكليف؟

ذهب أكثر الشافعية والمالكية إلى أن المندوب مأمور به حقيقة، لأن الأمر طلب، والمندوب مطلوب، ولأنه يسمى طاعة، والطاعة امتثال الأمر. وذهب الكرخي والجصاص من الحنفية وبعض الشافعية إلى أنه مأمور به مجازا، لأن الأمر عندهم حقيقة في الإيجاب، ولقوله ﷺ «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك» (رواه البخاري ومسلم)، والسواك مندوب، فدل على أن الأمر لم يتناوله. والمسألة متصلة بمسألة دلالة الأمر المطلق على الوجوب في الأمر والنهي.

والجمهور على أن المندوب ليس تكليفا، لأن التكليف إلزام ما فيه كلفة، وتسميته تكليفيا من باب التغليب. وقال بعضهم إنه تكليف، نظرا إلى أن التكليف طلب ما فيه كلفة، والخلاف راجع إلى تفسير التكليف: إلزام هو أم طلب؟

٢ هل يلزم النفل بالشروع؟

مسألة خلافية هل يلزم المندوب بالشروع فيه؟

  • الحنفية يلزم بالشروع، فيحرم قطعه بغير عذر، ويجب قضاؤه إن أفسده، بعذر أو بغير عذر، لقوله ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، ولأن المؤدَّى صار لله فوجب صونه، قياسا على النذر الذي يصير به النفل واجبا بالقول، فصيرورته واجبا بالفعل أولى.
  • المالكية يلزم بالشروع، فمن قطعه عمدا بلا عذر قضاه، ومن أفسده لعذر فلا قضاء عليه.
  • الشافعية لا يلزم بالشروع إلا الحج والعمرة، لأن فاسدهما يمضى فيه؛ ويكره القطع بلا عذر، ويستحب القضاء ولا يجب.
  • الحنابلة كالشافعية في الجملة.
  • سبب الخلاف هل صار المؤدى من النفل حقا لله يجب صونه فيعم قوله ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ النوافل، أم بقي على وصفه الأول تطوعا يتخير فيه المكلف؟ ومعه تعارض الآثار: احتج الشافعية بحديث عائشة أن النبي ﷺ قال لما قُدّم إليه حيس: «أرينيه فلقد أصبحت صائما» فأكل (رواه مسلم)، وبحديث أم هانئ «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر» (رواه أحمد والترمذي، وقال الترمذي: في إسناده مقال). واحتج الحنفية والمالكية بحديث عائشة وحفصة لما أفطرتا في صوم تطوع: «اقضيا يوما آخر مكانه» (رواه أبو داود والترمذي، ورجح الترمذي إرساله، فهو ضعيف الإسناد موصولا)، وبالآية.
  • الثمرة من صام تطوعا ثم أفطر بلا عذر: يقضي عند الحنفية والمالكية، ولا قضاء عليه عند الشافعية والحنابلة ويستحب. ومن أفطر لعذر كمرض طرأ: يقضي عند الحنفية، ولا يقضي عند المالكية. ومن شرع في صلاة نفل ثم قطعها: يلزمه قضاء ركعتين عند الحنفية.

تطبيق صوم التطوع على خط الاستنباط

الواقعة: صام رجل يوم الاثنين تطوعا، فدعاه أخوه إلى طعام عند الظهر فأفطر. ١. نوع الحكم المطلوب: هل يجب عليه القضاء؟ سؤال عن حكم تكليفي (وجوب أو ندب) يتعلق بفعل لاحق. ٢. الأدلة وثبوتها: آية ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ قطعية الثبوت؛ حديث مسلم في الحيس صحيح؛ حديث «اقضيا يوما مكانه» في وصله مقال. ٣. الدلالة: الآية عامة في الأعمال، ودلالة العام ظنية عند الجمهور وقطعية عند الحنفية (العام والخاص)؛ والحنفية يحملونها على عمومها فيدخل النفل، والشافعية يرونها في إبطال الأعمال بالردة أو الرياء على ما فسرها جماعة من السلف. ٤. المعارض: فعل النبي ﷺ في حديث الحيس يعارض عموم الآية عند الشافعية، والحنفية يجيبون بأنه محمول على العذر أو على أنه قضاه. ٥. الحكم ودرجته: يقضي عند الحنفية وجوبا، والضيافة عندهم عذر يبيح الفطر ولا يسقط القضاء. ويقضي عند المالكية، لأن دعوة الأخ ليست من الأعذار المسقطة عندهم، والعذر عندهم كالمرض، أو أمر الوالد أو الشيخ بالفطر شفقة. ويستحب له القضاء ولا يجب عند الشافعية والحنابلة. وكلها أحكام ظنية مما يسوغ فيه الاجتهاد.

١ المباح

المباح ما خيّر الشارع المكلف بين فعله وتركه، فلا ثواب في فعله ولا عقاب في تركه من حيث هو. ويُعرف بلفظ الحل، أو نفي الإثم والجناح كقوله ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، أو بالأمر بعد الحظر عند من يقول إنه للإباحة كقوله ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، أو بالبراءة الأصلية.

٢ هل المباح حكم شرعي؟

الجمهور على أنه حكم شرعي، لأن التخيير خطاب من الشارع. ونقل عن بعض المعتزلة أنه ليس حكما شرعيا، لأن معناه نفي الحرج عن الفعل والترك، وهذا ثابت قبل ورود الشرع. وأجيب بأن المباح الشرعي هو المخيَّر فيه بخطاب، أما نفي الحرج السابق على الشرع فهو البراءة الأصلية، وهي غير المباح بالخطاب، والفرق بينهما يظهر في مسألة حكم الأشياء قبل الشرع (نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية).

٢ هل المباح مأمور به؟ شبهة الكعبي

ذهب أبو القاسم الكعبي من المعتزلة إلى أنه لا مباح في الشريعة، وأن كل فعل يوصف بالإباحة واجب. وحجته: ما من مباح إلا ويحصل به ترك حرام؛ فالسكوت يحصل به ترك القذف، والسكون يحصل به ترك القتل؛ وترك الحرام واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ فالمباح واجب.

وجواب الجمهور من وجوه:

  1. ترك الحرام لا يتوقف على هذا المباح بعينه، بل يحصل بأي فعل من الأفعال المضادة، فلا يتعين واحد منها، وغاية ما يلزم أن يكون الواجب واحدا لا بعينه من الأضداد، وهذا لا يجعل كل واحد منها واجبا بعينه.
  2. الحجة تثبت أكثر مما يريد صاحبها: فإن الحرام أيضا يحصل به ترك حرام آخر، فيلزم أن يكون الزنا واجبا لأنه ترك للقتل، وهذا باطل بالاتفاق.
  3. الإجماع قبل الكعبي على انقسام الأفعال إلى مباح وغيره.

ورأى بعض المحققين أن الخلاف مع الكعبي يرجع إلى اللفظ إذا حُمل كلامه على أن المباح يجب من جهة ما يحصل به ترك الحرام، لا من جهة ذاته. والجمهور على أن المباح من حيث هو غير مأمور به، لأن الأمر طلب، ولا طلب فيه.

تنبيه المباح بالجزء والمطلوب بالكل

قرر الشاطبي في الموافقات أن المباح قد يكون مخيرا فيه بالنظر إلى آحاده، مطلوبا بالنظر إلى جملته؛ فالأكل مباح في الوجبة الواحدة، ومطلوب في الجملة لأن تركه بالكلية يهلك النفس. وهذا لا يرفع الإباحة عن الجزء، لكنه يمنع أن يُستدل بإباحة الجزء على جواز ترك الكل. وتجد بقيته في مقاصد الشريعة.

١ الحرام

الحرام ما طلب الشارع تركه طلبا جازما، ويسمى المحظور والمعصية والذنب. ويعرف بلفظ التحريم، أو نفي الحل، أو النهي المطلق، أو ترتيب العقوبة على الفعل.

وهو قسمان:

  • الحرام لذاته: ما كانت مفسدته في ذاته، كالزنا وأكل الميتة وشرب الخمر. حكمه: لا يشرع سببا لحكم شرعي، فالعقد على محرمة مؤبدة باطل، ولا يباح إلا لضرورة.
  • الحرام لغيره: ما كان مشروعا في أصله، وطرأ عليه وصف أو أمر مجاور اقتضى تحريمه، كالبيع وقت النداء للجمعة بقوله ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، والصلاة في الأرض المغصوبة، وصوم يوم العيد. حكمه: يباح للحاجة ولا تشترط فيه الضرورة عند كثير، ويختلف أثره في الصحة.

ويتفرع على هذا التقسيم سؤال: هل يقتضي النهي الفساد؟ والصلاة في الدار المغصوبة صحيحة عند الحنفية والمالكية والشافعية مع الإثم، لأن النهي لأمر مجاور هو الغصب، وباطلة على المذهب عند الحنابلة. وتفصيل الحنفية بين النهي لذات الشيء ولوصفه اللازم ولأمر مجاور مبسوط في الأمر والنهي، وأثره في الفاسد والباطل في الحكم الوضعي.

تنبيه المكروه في لسان المتقدمين

كثير من المتقدمين يقولون «أكره كذا» ويريدون التحريم، تورعا عن إطلاق لفظ الحرام على ما لم يرد فيه نص قاطع. وقد ورد لفظ المكروه في القرآن بمعنى المحرم: ﴿كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨] بعد ذكر القتل والزنا. فلا يُحمل لفظ «يكره» في جواب إمام على الكراهة الاصطلاحية إلا بعد النظر في عادته وقرائن جوابه، وهو باب من أبواب معرفة المذهب في التقليد والفتوى والمذهب.

صلة الفصل بغيره

خلاصة الفصل

  1. الحكم عند المتكلمين خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، وعند الحنفية أثر هذا الخطاب في الفعل (الوجوب لا الإيجاب).
  2. القسمة عند الجمهور خمسة: واجب، مندوب، مباح، مكروه، حرام.
  3. الحنفية يجعلونها سبعة بزيادة الواجب بين الفرض والمندوب، والمكروه تحريما بين الحرام والمكروه تنزيها.
  4. الفرض ما ثبت بقطعي ويكفر جاحده، والواجب ما ثبت بظني ولا يكفر جاحده، وأثر التفريق ظاهر في الفاتحة والطمأنينة والوتر.
  5. الوقت عند الحنفية ظرف للصلاة، ومعيار لصوم رمضان، ومشكل في الحج، ولكل نوع أحكام في النية.
  6. الواجب الموسع يتعلق عند الحنفية بالجزء المتصل بالأداء وإلا فبآخر الوقت، وعند الشافعية والحنابلة بأوله، وثمرته في الحائض والمسافر.
  7. الواجب الكفائي يخاطب به الجميع عند الجمهور ويسقط بفعل البعض.
  8. ما لا يتم الواجب إلا به واجب إن كان في قدرة المكلف ولم يكن شرطا للوجوب.
  9. مراتب المندوب: سنة الهدى والزوائد والنفل عند الحنفية، والسنة والرغيبة والفضيلة عند المالكية، والترادف عند الشافعية والحنابلة.
  10. النفل يلزم بالشروع عند الحنفية والمالكية، ولا يلزم عند الشافعية والحنابلة إلا الحج والعمرة؛ وثمرته قضاء صوم التطوع إذا أفسد.
  11. المباح حكم شرعي عند الجمهور، وليس مأمورا به من حيث هو؛ وحجة الكعبي مردودة بأن ترك الحرام لا يتعين بمباح معين.
  12. الحرام لذاته لا يشرع سببا، والحرام لغيره يبقى أصله مشروعا، وعلى هذا يبنى الخلاف في أثر النهي في الصحة.

تمارين

  1. صنّف الأحكام الآتية على قسمة الحنفية السبعة: الطمأنينة في الركوع، صلاة الظهر، الوتر، أكل لحم الخنزير، صلاة النافلة بعد صلاة العصر.
  2. لماذا لم يجعل الحنفية الفاتحة فرضا مع صحة حديث «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»؟ أجب بأداة شبكة الثبوت والدلالة.
  3. امرأة أدركت أول وقت العصر ثم حاضت قبل أن تصلي. اذكر حكم القضاء في المذاهب الأربعة، ورد كل جواب إلى أصله.
  4. صائم رمضان نوى في الليل صوما تطوعا. ما حكم صومه عند الحنفية والشافعية؟ وما الأصل الذي بنى عليه الحنفية جوابهم؟
  5. قارن بين ترتيب المندوب عند الحنفية والمالكية، ومثّل لكل رتبة.
  6. قال قائل: «النوم مباح، لكنه واجب لأنه يحصل به ترك المعاصي». ما اسم هذه الحجة؟ ولمن تنسب؟ وما أقوى جواب عنها؟
  7. ميّز بين الحرام لذاته والحرام لغيره في: بيع الخمر، البيع بعد نداء الجمعة، الصلاة في ثوب مغصوب.
  8. رجل شرع في صلاة ركعتين نافلة ثم قطعهما بلا عذر. ما حكمه عند الحنفية والشافعية؟ وما سبب الخلاف؟

أجوبة التمارين

  1. الطمأنينة: واجب عند أبي حنيفة ومحمد (وركن عند أبي يوسف). الظهر: فرض. الوتر: واجب عند أبي حنيفة. لحم الخنزير: حرام لثبوته بقطعي. النافلة بعد العصر: مكروهة تحريما عند الحنفية لثبوت النهي بأخبار الآحاد.
  2. الحديث ظني الثبوت، وآية ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ قطعية الثبوت مطلقة في القراءة؛ فجعل الفاتحة ركنا زيادة على القطعي بظني، وهي نسخ عندهم لا يجوز بالآحاد. فأخذوا بالحديث في رتبته: وجوب يُجبر تركه ولا تبطل به الصلاة.
  3. الشافعية: يجب القضاء إن مضى ما يسعها. الحنابلة: يجب بإدراك قدر تكبيرة. الحنفية: لا قضاء، لأن السبب آخر الوقت ولم تدركه طاهرا. المالكية: لا قضاء إن حاضت وقد بقي من الوقت ما يسع الصلاة. والأصل: بأي جزء من الوقت يتعلق الوجوب.
  4. الحنفية: يقع عن رمضان، لأن وقته معيار لا يقبل غير الفرض من الصحيح المقيم، فانصرفت النية إليه. الشافعية: لا يصح عن رمضان لعدم تعيين النية الواجبة.
  5. الحنفية: سنة الهدى (الجماعة، الرواتب)، سنة الزوائد (هيئات لباسه ﷺ وقعوده)، النفل (صلاة الضحى). المالكية: السنة (الوتر والعيدان)، الرغيبة (ركعتا الفجر)، الفضيلة (الرواتب غير المؤكدة)، ثم النافلة المطلقة.
  6. شبهة الكعبي: لا مباح لأن كل مباح ترك لحرام. والجواب: ترك الحرام يحصل بأي ضد، فلا يتعين النوم؛ وتلزم الحجة أن يكون الحرام واجبا إذا حصل به ترك حرام آخر.
  7. بيع الخمر: حرام لذاته (المحل غير قابل). البيع بعد النداء: حرام لغيره لأمر مجاور هو التشاغل عن السعي. الصلاة في الثوب المغصوب: حرام لغيره، صحيحة عند الجمهور مع الإثم، وباطلة على المذهب عند الحنابلة.
  8. الحنفية: يأثم إن كان بلا عذر، ويلزمه قضاء ركعتين، لأن النفل يلزم بالشروع. الشافعية: يكره القطع ولا قضاء واجبا. والسبب: هل صار المؤدى حقا لله يعمه النهي عن إبطال الأعمال.

الحكم الوضعي

موقع الفصل من المنظومة

في المحطة الأولى من خط الاستنباط يسأل الناظر عن نوع الحكم المطلوب. وكثير من أسئلة الناس أسئلة عن الحكم الوضعي في حقيقتها: هل انعقد هذا البيع؟ هل وقع هذا الطلاق؟ هل يجب القضاء أم تكفي الإعادة؟ هل يجوز القصر في هذا السفر؟ فالحكم الوضعي يبين متى يتوجه الحكم التكليفي، وبأي شرط، وما الذي يمنعه، وما الذي يترتب على الفعل بعد وقوعه. ويفترض الفصل ما تقرر في الحكم التكليفي من تعريف الحكم وأقسامه، ويحيل في أثر النهي على الأمر والنهي، وفي العلة القياسية على القياس.

سؤال الافتتاح

رجل اشترى سيارة بثمن مؤجل، واشترط البائع زيادة على الثمن عن كل شهر تأخير، وقبض المشتري السيارة ثم باعها لآخر. هل ملكها المشتري الأول حتى يصح بيعه الثاني؟ جواب الحنفية فيه غير جواب الشافعية والحنابلة، والفرق بينهم في معنى «الفاسد».

١ حقيقة الحكم الوضعي

الحكم الوضعي خطاب الله المتعلق بجعل الشيء سببا لشيء، أو شرطا له، أو مانعا منه، أو كون الفعل صحيحا أو فاسدا، أو رخصة أو عزيمة. وسمي وضعيا لأن الشارع وضعه، أي جعله علامة يُعرف بها وجود الحكم التكليفي أو انتفاؤه. فقوله ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] فيه حكمان: تكليفي هو وجوب الصلاة، ووضعي هو جعل الدلوك سببا لهذا الوجوب.

١ الفرق بينه وبين التكليفي

  1. من جهة المضمون: التكليفي طلب أو تخيير، والوضعي ربط بين أمرين، فهو خبر عن الشارع أن هذا علامة على ذاك.
  2. من جهة المقدور: التكليفي لا يتعلق إلا بفعل مقدور للمكلف كسبي له، والوضعي قد يتعلق بما لا قدرة له عليه كالدلوك والحيض والقرابة.
  3. من جهة الأهلية والعلم: التكليفي يشترط فيه العقل والعلم بالخطاب، والوضعي لا يشترطان فيه في الأصل. فالصبي والمجنون والنائم يضمنون ما أتلفوا، لأن الإتلاف سبب للضمان، والضمان يتعلق بمالهم ويؤديه الولي.

ويستثنى من هذا الأصل أمران نبه عليهما القرافي في الفروق: أسباب العقوبات كالزنا والسرقة، فلا تترتب عليها الحدود إلا مع العلم والقصد والتكليف؛ والأسباب الناقلة للملك كالبيع والهبة، فلا تنعقد إلا من أهل قاصد. والعلة في الأول أن العقوبة جزاء على معصية، ولا معصية مع الجهل والصغر؛ وفي الثاني أن نقل الملك قائم على الرضا، والرضا لا يكون إلا من مدرك.

تنبيه هل الحكم الوضعي حكم مستقل؟

ذهب بعض الأصوليين إلى أن الوضعي راجع إلى التكليفي، فمعنى «الدلوك سبب للصلاة» عندهم: إذا دلكت الشمس فصلّوا. والجمهور على استقلاله، لأن الضمان يثبت على الصبي ولا تكليف عليه، فلو رجع الوضعي إلى التكليفي لم يثبت. وكتب الحنفية لا تفرد للوضعي بابا بهذا الاسم، لكنها تبسط مباحثه في «ما يتعلق به الحكم» من السبب والعلة والشرط والعلامة، وفي العزيمة والرخصة، وفي الأداء والقضاء.

١ السبب

السبب في اللغة ما يتوصل به إلى غيره، ومنه الحبل. وفي الاصطلاح: الوصف الظاهر المنضبط الذي جعله الشارع علامة على الحكم، يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته. فزوال الشمس سبب لوجوب الظهر، وملك النصاب سبب لوجوب الزكاة، والقتل العمد العدوان سبب للقصاص. وقيد «لذاته» يحترز به عما إذا وُجد السبب وتخلف الحكم لفقد شرط أو وجود مانع، كمن ملك النصاب ولم يحل عليه الحول.

وينقسم السبب باعتبار تعلقه بالمكلف إلى: ما ليس من فعله كالوقت والاضطرار، وما هو من فعله كالسفر سببا للقصر، والعقد سببا للملك. والثاني يكون مطلوبا أو منهيا عنه أو مباحا من جهة التكليف، وسببا من جهة الوضع؛ فالقتل حرام تكليفا، وسبب للقصاص وضعا.

٢ السبب والعلة

الجمهور يستعملون السبب والعلة متقاربين، ومن فرّق منهم جعل العلة ما كان بين الوصف والحكم فيه مناسبة يدركها العقل، كالإسكار لتحريم الخمر، وجعل السبب ما لا تظهر فيه المناسبة، كالزوال لوجوب الظهر. فكل علة سبب، وليس كل سبب علة.

وللحنفية فيما يتعلق به الحكم تقسيم رباعي مبسوط في المنار وشروحه:

  • العلة: ما يضاف إليه وجوب الحكم ابتداء، كالبيع للملك، والقتل للقصاص.
  • السبب: ما يكون طريقا إلى الحكم من غير أن يضاف إليه وجوب ولا وجود، تتخلله علة مستقلة هي فعل فاعل مختار. ومثاله الدال على مال غيره سارقا: لا يضمن، لأن بين دلالته والإتلاف فعل السارق المختار، فيضاف الحكم إلى السارق.
  • الشرط: ما يتعلق به وجود الحكم دون وجوبه، كالشهود للنكاح.
  • العلامة: ما يعرف به وجود الحكم من غير أن يتعلق به وجوب ولا وجود، كالإحصان في الزنا عند الحنفية، فهو معرّف للرجم لا علة له ولا شرط.

ويتفرع على هذا التقسيم قولهم في حافر البئر في الطريق: إذا وقع فيها إنسان ضمن الحافر ديته، لأن الحفر شرط في معنى العلة، إذ أزال الماسك عن الواقع، والواقع لم يقصد السقوط فلا يضاف إليه. ولو ألقاه غيره فيها فالضمان على الملقي، لأنه صاحب العلة.

أداة تفكير الأصل والاستثناء

السبب قاعدة تعمل حتى يظهر ما يرفعها: إذا وُجد السبب ثبت الحكم، ما لم يتخلف شرط أو يقم مانع. وهذا ما يسميه المنطق الحديث الاستدلال القابل للنقض: النتيجة صحيحة بقرينة ما نعلم، وتسقط إذا ظهر معطى جديد. فمن ملك النصاب حكمنا بوجوب الزكاة عليه حتى يتبين أن الحول لم يحل، أو أن عليه دينا يستغرق المال عند من يجعل الدين مانعا. وحد الأداة: الشروط والموانع في الشرع محصورة بالدليل، فلا يُفترض مانع لم يدل عليه نص أو قياس، وعبء إثباته على من ادعاه.

١ الشرط

الشرط في اللغة العلامة، ومنه أشراط الساعة. وفي الاصطلاح: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. فالطهارة شرط للصلاة: إذا انتفت انتفت صحة الصلاة، وإذا وُجدت لم يلزم وجود الصلاة. وهو خارج عن ماهية المشروط، وبهذا يفارق الركن؛ فالركوع ركن داخل في حقيقة الصلاة، والطهارة شرط خارج عنها.

وأنواعه أربعة:

  • الشرعي: ما جعله الشارع شرطا، كالطهارة للصلاة، والحول للزكاة، والشهود للنكاح.
  • العقلي: ما لا يتصور المشروط عقلا بدونه، كالحياة للعلم، والفهم للتكليف.
  • العادي: ما جرت العادة بتوقف المشروط عليه، كنصب السلم لصعود السطح، والغذاء لحياة الحيوان.
  • اللغوي: ما دخلت عليه أداة الشرط، كقول الرجل لامرأته «إن دخلت الدار فأنت طالق». وقرر القرافي أن الشرط اللغوي في حقيقته سبب، لأنه يلزم من وجوده وجود المعلق، ومن عدمه عدمه؛ فإذا دخلت الدار وقع الطلاق.

ويقسم الشرط الشرعي أيضا إلى شرط وجوب كالبلوغ والعقل وملك النصاب، فإذا انتفى لم يتوجه الخطاب، وشرط صحة كالطهارة واستقبال القبلة، فإذا انتفى توجه الخطاب ولم يصح الفعل. وهذه القسمة هي التي يدور عليها جواب مسألة «ما لا يتم الواجب إلا به» في الحكم التكليفي: شرط الوجوب لا يجب تحصيله، وشرط الصحة يجب.

١ المانع

المانع: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته. وهو نوعان:

  • مانع الحكم: وصف يمنع ترتب الحكم مع قيام سببه، لمعنى يخالف حكمة الحكم. ومثاله الأبوة في القصاص: إذا قتل الأب ابنه عمدا فالسبب قائم وهو القتل العمد العدوان، والأبوة تمنع القصاص عند الحنفية والشافعية والحنابلة، لأن الأب سبب في وجود الابن فلا يكون الابن سببا في إعدامه. وعند المالكية يقتص من الأب إذا قصد القتل قصدا لا شبهة فيه، كأن يضجعه فيذبحه، فلا تكون الأبوة مانعا مطلقا عندهم. ومن موانع الحكم اختلاف الدين والقتل في الميراث.
  • مانع السبب: وصف يخل بحكمة السبب فيمنع انعقاده سببا. ومثاله الدين في الزكاة عند من قال به: سبب الزكاة الملك التام للنصاب، وحكمته الغنى، والمدين بما يستغرق ماله غير غني، فالدين يمنع انعقاد السبب.

مسألة خلافية هل يمنع الدين وجوب الزكاة؟

  • الحنفية الدين الذي له مطالب من جهة العباد يمنع وجوب الزكاة بقدره، في أموال الزكاة كلها، ولا يمنع العشر.
  • المالكية يمنع في العين (الذهب والفضة) دون الحرث والماشية والمعدن.
  • الشافعية الأظهر أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة.
  • الحنابلة يمنع في الأموال الباطنة رواية واحدة، وفي الظاهرة روايتان، والمذهب أنه يمنع فيها أيضا إذا نقص النصاب، كما قرره المرداوي في الإنصاف.
  • سبب الخلاف هل الدين يخل بالملك التام الذي هو سبب الوجوب وبمعنى الغنى الذي هو حكمته، أم الملك قائم والدين متعلق بالذمة لا بعين المال؟ ومن فرق بين الباطن والظاهر نظر إلى أن السعاة كانوا يأخذون زكاة الماشية والزرع دون سؤال عن الدين.
  • الثمرة تاجر يملك مائة ألف وعليه دين حالّ قدره ستون ألفا: يزكي الأربعين عند الحنفية والمالكية والحنابلة، ويزكي المائة كلها عند الشافعية على الأظهر.

١ الصحة والفساد والبطلان

الصحة في الجملة: موافقة الفعل ذي الوجهين للشرع، والبطلان: مخالفته. وقيد «ذي الوجهين» يخرج ما لا يقع إلا على وجه واحد كمعرفة الله ورد الوديعة، فلا يوصف بالصحة والبطلان. وأثر الصحة في العبادات براءة الذمة وسقوط الطلب، وفي المعاملات ترتب الأثر المقصود من العقد كالملك في البيع والحل في النكاح.

من المتون الورقات لإمام الحرمين الجويني

والصحيح ما يتعلق به النفوذ ويعتد به، والباطل ما لا يتعلق به النفوذ ولا يعتد به.

الحل: «النفوذ» في المعاملات ترتب الأثر، كالملك في البيع؛ و«الاعتداد» في العبادات إجزاؤها وسقوط الطلب بها. فجمع الجويني الطرفين في عبارة واحدة: الصحيح ما يترتب عليه أثره في البابين. والتعريف تعريف بالأثر كتعريفاته للأحكام الخمسة. ولم يذكر الجويني الفاسد، لأنه عند الشافعية مرادف للباطل، فلا رتبة ثالثة عنده، وهذا موضع افتراق الشافعية عن الحنفية.

٢ الصحة في العبادات: موافقة الأمر أم إسقاط القضاء؟

اختلف المتكلمون والفقهاء في معنى صحة العبادة:

  • المتكلمون: الصحة موافقة الأمر في ظن المكلف، وإن لزمه القضاء بعد ذلك.
  • الفقهاء: الصحة ما أسقط القضاء.

وتظهر الصورة في من صلى ظانا أنه متطهر ثم تبين أنه محدث: صلاته صحيحة على اصطلاح المتكلمين لأنه وافق الأمر بحسب ظنه، وفاسدة على اصطلاح الفقهاء لأنها لم تسقط القضاء. واتفقوا على أن القضاء واجب، فالخلاف لفظي في التسمية، ونبه عليه ابن السبكي وغيره.

١ الفاسد والباطل في المعاملات: التفريق الحنفي

الحنفية يفرقون في المعاملات بين ثلاث رتب:

  • الصحيح: ما شرع بأصله ووصفه، فاستوفى أركانه وشروطه، وترتب عليه أثره.
  • الباطل: ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، أي اختل ركنه أو محله، كبيع الميتة والدم، وبيع المجنون والصبي غير المميز. لا وجود له شرعا، ولا يفيد ملكا ولو قبض.
  • الفاسد: ما شرع بأصله دون وصفه، أي استوفى أركانه ومحله، واختل وصف خارج عن الماهية لازم لها، كالبيع بثمن مجهول، أو بشرط فاسد، أو بزيادة ربوية. له وجود شرعي ناقص: يفيد الملك بالقبض بإذن البائع، ويجب فسخه رفعا للمعصية، فإن تصرف المشتري فيه تصرفا لازما نفذ وامتنع الفسخ، ووجبت القيمة أو المثل.

والجمهور على أن الفاسد والباطل مترادفان في المعاملات: كل عقد خالف الشرع في ركن أو شرط فلا يترتب عليه أثره. واستثنى الشافعية أبوابا معدودة فرقوا فيها بين الفاسد والباطل، أشهرها الحج والعمرة: يفسدان بالجماع قبل التحلل ويجب المضي في فاسدهما، ويبطلان بالردة. وذكر السيوطي في الأشباه والنظائر أبوابا أخرى كالخلع والكتابة والعارية.

مسألة خلافية هل الفاسد رتبة بين الصحيح والباطل؟

  • الحنفية نعم في المعاملات؛ الباطل ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، والفاسد ما شرع بأصله دون وصفه، ويفيد الملك بالقبض مع وجوب الفسخ. وفي العبادات هما سواء.
  • المالكية مترادفان في الأصل، لكن البيع الفاسد إذا فات المبيع بتغير سوق أو ذات أو تصرف مضى بالقيمة أو الثمن على تفصيل، مراعاة للخلاف ولما طرأ.
  • الشافعية مترادفان، إلا في أبواب معدودة كالحج والعمرة.
  • الحنابلة مترادفان، ويستثنى الحج والعمرة.
  • سبب الخلاف هل النهي عن الوصف يسري إلى الأصل فيعدمه، أم يقتصر أثره على الوصف؟ الحنفية فصلوا بين أصل مشروع ووصف منهي عنه، فأبقوا للأصل وجودا؛ والجمهور جعلوا المخالفة مانعة من ترتب الأثر كله. وأصل المسألة اقتضاء النهي الفساد في الأمر والنهي.
  • الثمرة البيع بزيادة ربوية: فاسد عند الحنفية يفيد الملك بالقبض ويجب فسخه، فإن باع المشتري ما قبضه نفذ بيعه وضمن القيمة للبائع الأول. وباطل عند الشافعية والحنابلة لا يفيد ملكا ولو قبض، فبيع المشتري الثاني بيع لما لا يملك. وعند المالكية يفسخ ما لم يفت، فإن فات مضى بالقيمة.

وعلى هذا يجاب سؤال الافتتاح: اشتراط زيادة عن كل شهر تأخير زيادة ربوية في الثمن، فالبيع الأول فاسد عند الحنفية، ملك به المشتري السيارة بالقبض، فنفذ بيعه الثاني، ولزمه للبائع قيمة السيارة. وعند الشافعية والحنابلة لم يملكها، فالبيع الثاني بيع لملك الغير.

تطبيق نذر صوم يوم النحر

الواقعة: نذر رجل أن يصوم يوم عيد الأضحى. ١. نوع الحكم: هل ينعقد النذر؟ وما الذي يجب به؟ سؤال عن حكم وضعي (انعقاد السبب) وما يتبعه من حكم تكليفي. ٢. الدليل: نهي النبي ﷺ عن صوم يومي العيد (رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري). ٣. الدلالة: النهي للتحريم، والسؤال عن أثره في الصحة. ٤. تكييف النهي: عند الحنفية الصوم مشروع بأصله، إمساك لله، والنهي لوصف لازم هو الإعراض عن ضيافة الله في هذا اليوم. فالمنهي عنه الوصف، والأصل مشروع. ٥. النتيجة عند الحنفية: النذر منعقد، لأنه التزام بصوم مشروع الأصل؛ ويجب عليه أن يفطر ذلك اليوم، ويقضي يوما مكانه. فإن صامه صح مع الإثم وسقط النذر. ٦. النتيجة عند المالكية والشافعية: النذر غير منعقد، لأن صوم ذلك اليوم معصية، وفي الحديث: «لا وفاء لنذر في معصية» (رواه مسلم من حديث عمران بن حصين). وعند الحنابلة لا يصومه، وفي لزوم القضاء والكفارة روايات في المذهب. ٧. موضع الافتراق: المحطة الرابعة، أي تكييف النهي: لذات الفعل أم لوصفه. ويذكر الزنجاني هذا الفرع في تخريج الفروع على الأصول مثالا على بناء الفاسد على أصل الحنفية في النهي.

٢ الفاسد والباطل في النكاح

والحنفية يستعملون الفاسد في النكاح أيضا، ويريدون به ما فقد شرطا من شروط الصحة كالنكاح بغير شهود، ونكاح المعتدة، والجمع بين الأختين. والفاسد لا يحل به الوطء، ويجب التفريق فيه، فإن وقع الدخول ترتبت عليه آثار: يجب مهر المثل، وتجب العدة، ويثبت النسب، ويدرأ الحد للشبهة.

أما النكاح بغير ولي فليس فاسدا عند أبي حنيفة أصلا: المرأة البالغة العاقلة تزوج نفسها، والعقد صحيح، وللولي حق الاعتراض إن زوجت نفسها من غير كفء، والمفتى به عند متأخري الحنفية رواية الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يصح من غير الكفء. وعند المالكية والشافعية والحنابلة النكاح بغير ولي لا يصح، لحديث «لا نكاح إلا بولي» (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه جماعة من الحفاظ). ويسميه الشافعية باطلا، والحنابلة يعدونه من النكاح الفاسد لأنه مختلف في صحته، فيفرق بينهما بطلاق أو فسخ، ويفسخه المالكية بطلاق.

تنبيه آثار العقد غير الصحيح عند الجمهور

لا يُفهم من ترادف الفاسد والباطل عند الجمهور أن العقد المختل لا أثر له مطلقا. فالشافعية والحنابلة يرتبون على النكاح بغير ولي إذا اتصل به الدخول مهر المثل والعدة وثبوت النسب ودرء الحد، لشبهة الخلاف. والمالكية يقررون أن النكاح المختلف في صحته يفسخ بطلاق ويقع فيه الإرث، مراعاة للخلاف (الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة). فالفرق بين المذهبين في الأصل: الحنفية يجعلون للفاسد وجودا شرعيا ناقصا يفيد بعض الأثر بذاته، والجمهور ينفون عنه الوجود ويثبتون بعض الأثر بأدلة أخرى كالشبهة والضرورة ومراعاة الخلاف.

١ العزيمة والرخصة

العزيمة في اللغة القصد المؤكد، والرخصة السهولة. وفي الاصطلاح: العزيمة الحكم الثابت بدليل شرعي ابتداء، لا لعذر، كوجوب الصلوات تامة وصوم رمضان. والرخصة الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر، مع قيام السبب المقتضي لحكم العزيمة. فقيد «لعذر» يخرج النسخ، لأن الحكم المنسوخ رُفع لا لعذر؛ وقيد «مع قيام السبب» يخرج ما سقط لزوال سببه.

والرخصة عند الجمهور تكون واجبة كأكل الميتة للمضطر، ومندوبة كالقصر في السفر الطويل عند الشافعية، ومباحة كالسلم، وقد عده ابن السبكي في جمع الجوامع من أمثلة الرخصة، وخلاف الأولى كفطر المسافر الذي لا يجهده الصوم عند الشافعية.

١ أقسام الرخصة عند الحنفية: رخصة ترفيه ورخصة إسقاط

قسم الحنفية الرخصة، على طريقة فخر الإسلام البزدوي، إلى أربعة أنواع، اثنان منها رخصة حقيقة واثنان رخصة مجاز. ويرجع هذا التقسيم إلى قسمين كبيرين:

  • رخصة الترفيه (الحقيقية): يبقى معها حكم العزيمة قائما وسببه قائما، ويرخص للمكلف في تركها مع أن الأخذ بالعزيمة أفضل. ومثالها إجراء كلمة الكفر على اللسان مع اطمئنان القلب بالإيمان عند الإكراه الملجئ، لقوله ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]: الحرمة باقية، والصبر حتى القتل أفضل. ومنها فطر المسافر في رمضان: الصوم أفضل عندهم إن لم يجهده، لقوله ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤].
  • رخصة الإسقاط (المجازية): يسقط معها حكم العزيمة في حق المعذور، فيصير الحكم الثابت في حقه هو العزيمة. ومنها ما وُضع عن هذه الأمة من الإصر والأغلال التي كانت على من قبلها، وتسميته رخصة مجاز لأن الحكم الأصلي لم يشرع في حقنا أصلا. ومنها قصر الصلاة في السفر: الركعتان الأخريان ساقطتان عن المسافر، فالقصر عزيمة في حقه.

واستدل الحنفية بحديث عائشة: «فُرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأُقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر» (رواه البخاري ومسلم)، وبحديث عمر حين سأل عن القصر مع الأمن فقال له النبي ﷺ: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» (رواه مسلم من حديث يعلى بن أمية)، قالوا: والصدقة التي لا تحتمل التمليك إسقاط محض لا يرتد بالرد، والأمر بقبولها للوجوب.

مسألة خلافية هل قصر الصلاة في السفر رخصة أم عزيمة؟

  • الحنفية عزيمة، لأنه رخصة إسقاط؛ والركعتان الأخريان غير مشروعتين للمسافر.
  • المالكية القصر سنة مؤكدة على المشهور، ومن أتم أعاد في الوقت.
  • الشافعية رخصة، والإتمام جائز، والقصر أفضل إذا بلغ السفر ثلاث مراحل.
  • الحنابلة رخصة، والقصر أفضل، ويجوز الإتمام من غير كراهة على الصحيح من المذهب.
  • سبب الخلاف ماهية الرخصة: هل هي ما شرع لعذر مع بقاء حكم الأصل قائما، فيتخير المكلف، أم يدخل فيها ما سقط فيه حكم الأصل عن المعذور؟ ومعه فهم حديث عائشة، وآية ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]: نفي الجناح يدل على الإباحة عند الجمهور، وأجاب الحنفية بأنه لرفع ما وقع في نفوسهم من حرج النقص.
  • الثمرة مسافر صلى الظهر أربعا: عند الحنفية إن قعد قدر التشهد على رأس الركعتين صح فرضه مع الإساءة لتأخير السلام، وكانت الأخريان نفلا، وإن لم يقعد بطل فرضه لأنه ترك القعود الأخير وهو فرض. وعند الشافعية والحنابلة صلاته صحيحة ولا إساءة، وعند المالكية صحيحة ويعيد في الوقت.

٢ هل تناط الرخص بالمعاصي؟

مسألة خلافية هل يترخص العاصي بسفره؟

  • الحنفية يترخص، لأن النصوص علقت الرخصة بمطلق السفر، والمعصية مجاورة للسفر لا وصف فيه.
  • المالكية المشهور أنه لا يقصر، وفي المذهب قول بالجواز مع الإثم.
  • الشافعية لا يترخص حتى يتوب، لأن الرخصة إعانة والمعصية لا يعان عليها، وقاعدتهم: الرخص لا تناط بالمعاصي.
  • الحنابلة لا يترخص على المذهب.
  • سبب الخلاف هل يقيد إطلاق نصوص السفر بالمعنى المناسب لشرعية الرخصة وهو التخفيف على المطيع؟ وهل المعصية متعلقة بذات السفر أم بأمر مجاور له؟
  • الثمرة من سافر لقطع الطريق أو للعقوق: يقصر ويفطر عند الحنفية، ولا يترخص عند الجمهور حتى يتوب. وقال الشافعية والحنابلة في المضطر العاصي بسفره: لا تباح له الميتة حتى يتوب، وتوبته ممكنة في الحال.

ويفرق الشافعية بين العاصي بسفره (من أنشأ السفر لمعصية) والعاصي في سفره (من سافر لمباح ثم عصى في أثنائه)، فالثاني يترخص عندهم، لأن السفر نفسه ليس معصية.

١ الأداء والإعادة والقضاء

هذه الأوصاف للعبادة المؤقتة:

  • الأداء: فعل العبادة في وقتها المقدر لها شرعا. وعند الجمهور: يكون أداء إن أدرك ركعة في الوقت، لحديث «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» (رواه البخاري ومسلم)، وعند الحنفية يدرك الأداء بإدراك التحريمة في الوقت.
  • الإعادة: فعل العبادة ثانيا في وقتها لخلل في الأولى أو لتحصيل فضيلة، كمن صلى منفردا ثم أعادها في جماعة. وعند الحنفية تجب الإعادة في الوقت لمن ترك واجبا من واجبات الصلاة عمدا، جبرا لنقصها.
  • القضاء: فعل العبادة بعد خروج وقتها، استدراكا لما سبق له وجوب أو انعقد سبب وجوبه. وتسمية ما تقضيه الحائض من الصوم قضاء مع أنها لم يجب عليها الأداء حال الحيض جارية على اعتبار انعقاد السبب في حقها.

وللحنفية في الأداء والقضاء تقسيم أوفى:

  • الأداء الكامل: كالصلاة في جماعة.
  • الأداء القاصر: كصلاة المنفرد.
  • الأداء الشبيه بالقضاء: كفعل اللاحق (من أدرك أول الصلاة مع الإمام ثم فاته بعضها بنوم أو حدث) بعد فراغ الإمام: هو أداء لأنه في الوقت، وشبيه بالقضاء لأنه يقضي ما التزمه مع الإمام. ومن ثمرته عندهم: إذا نوى اللاحق المسافر الإقامة في أثناء ما يأتي به بعد فراغ الإمام لم يتغير فرضه إلى الأربع، لأنه في حكم المقتدي الذي فرغ إمامه.
  • القضاء بمثل معقول: كقضاء الصلاة بالصلاة والصوم بالصوم.
  • القضاء بمثل غير معقول: كالفدية عن الصوم للشيخ الفاني، ثبتت بالنص على خلاف القياس، ولذلك لم يقيسوا عليها الصلاة إلا استحسانا في الوصية بها.

٢ هل يجب القضاء بالأمر الأول أم بأمر جديد؟

مسألة خلافية بأي أمر يجب القضاء؟

  • الحنفية عامة المشايخ ومنهم السرخسي والبزدوي: القضاء يجب بما يجب به الأداء، أي بالسبب والأمر الأول، ونقلوا عن مشايخ العراق أنه لا يجب إلا بنص مقصود.
  • المالكية الأكثر على أنه بأمر جديد.
  • الشافعية المعتمد عند الأصوليين أنه بأمر جديد، لأن الأمر المؤقت لا يتناول ما بعد الوقت.
  • الحنابلة في المذهب قولان: نسب إلى القاضي أبي يعلى وجماعة أنه بالأمر الأول، واختار آخرون أنه بأمر جديد.
  • سبب الخلاف هل الوقت قيد في ذات المطلوب فلا يبقى الطلب بعده، أم ظرف لأدائه والمقصود المصلحة الباقية بعد خروجه؟
  • الثمرة قضاء الصلاة المتروكة عمدا واجب عند الأربعة: عند الحنفية بالأمر الأول، وعند الجمهور بأمر جديد هو حديث «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (رواه مسلم) بطريق الأولى أو بالإجماع. فالثمرة هنا في المأخذ لا في الفتوى. وتظهر في ما لا نص فيه كالمنذورات المؤقتة: من نذر اعتكاف شهر رمضان فصامه ولم يعتكف، قال أبو حنيفة ومحمد: يقضي الاعتكاف بصوم مقصود، لأن القضاء بالسبب الأول وقد فات الصوم الذي كان يتأدى به؛ وقال أبو يوسف: لا يقضي.

ويرتبط هذا الخلاف بمسألة دلالة الأمر على الفور والتكرار، وبمسألة الأمر المؤقت؛ وتفصيله في الأمر والنهي.

صلة الفصل بغيره

خلاصة الفصل

  1. الحكم الوضعي جعل الشيء سببا أو شرطا أو مانعا، أو وصف الفعل بالصحة والفساد، أو بالعزيمة والرخصة.
  2. لا يشترط في الحكم الوضعي القدرة والعلم في الأصل، فيضمن الصبي ما أتلف؛ ويستثنى منه أسباب العقوبات والأسباب الناقلة للملك.
  3. السبب ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته؛ والعلة عند من فرق سبب ظهرت مناسبته.
  4. للحنفية تقسيم رباعي: العلة، والسبب، والشرط، والعلامة؛ وعليه بنوا ضمان حافر البئر وعدم ضمان الدال على السرقة.
  5. الشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده شيء، وهو شرعي وعقلي وعادي ولغوي، واللغوي في حقيقته سبب.
  6. المانع ما يلزم من وجوده العدم، وهو مانع حكم كالأبوة في القصاص، ومانع سبب كالدين في الزكاة عند من قال به.
  7. الصحة في العبادات موافقة الأمر عند المتكلمين وإسقاط القضاء عند الفقهاء، والخلاف لفظي.
  8. الحنفية يفرقون في المعاملات بين الباطل (ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه) والفاسد (ما شرع بأصله دون وصفه)، والفاسد يفيد الملك بالقبض ويجب فسخه.
  9. الجمهور يجعلون الفاسد والباطل مترادفين، ويستثني الشافعية والحنابلة الحج والعمرة، ويثبتون للعقد المختل بعض الآثار بالشبهة ومراعاة الخلاف.
  10. النكاح بغير ولي صحيح عند أبي حنيفة، غير صحيح عند الجمهور؛ والنكاح بغير شهود فاسد عند الحنفية.
  11. الرخصة عند الحنفية رخصة ترفيه يبقى معها حكم العزيمة، ورخصة إسقاط يسقط معها؛ والقصر رخصة إسقاط فهو عزيمة في حق المسافر.
  12. العاصي بسفره يترخص عند الحنفية، ولا يترخص عند الجمهور.
  13. الأداء والإعادة والقضاء أوصاف للعبادة المؤقتة، وللحنفية فيها تقسيم إلى كامل وقاصر وشبيه بالقضاء، وقضاء بمثل معقول وغير معقول.
  14. القضاء بالأمر الأول عند عامة الحنفية، وبأمر جديد عند أكثر الجمهور، وأثره في المنذورات المؤقتة.

تمارين

  1. استخرج الحكم التكليفي والحكم الوضعي من قوله ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
  2. صبي في السابعة كسر زجاج جار له. هل عليه ضمان؟ ولماذا لا يمنع صغره الضمان كما يمنع وجوب الصلاة؟
  3. صنّف كل أمر مما يأتي: سبب، شرط، مانع، ركن: الطهارة للصلاة، الحيض للصلاة، الركوع في الصلاة، الزوال للظهر، الحول للزكاة، اختلاف الدين في الميراث.
  4. رجل باع دارا بشرط أن يسكنها البائع سنة، وقبضها المشتري ثم وهبها لابنه. ما حكم الهبة عند الحنفية والشافعية؟ ورد الجواب إلى أصله.
  5. لماذا لا يكون النكاح بغير ولي مثالا للفاسد عند الحنفية؟ وما المثال الصحيح للفاسد في النكاح عندهم؟
  6. مسافر حنفي صلى العصر أربعا ولم يجلس بعد الركعتين. ما حكم صلاته عند الحنفية والشافعية؟ وما الأصل الذي بني عليه الفرق؟
  7. رجل سافر ليعق والديه، فأفطر في رمضان. ما حكم فطره عند الحنفية والشافعية؟
  8. ما الفرق بين الأداء الشبيه بالقضاء والقضاء الشبيه بالأداء عند الحنفية؟ مثّل للأول.
  9. هل يترتب على الخلاف في وجوب القضاء بالأمر الأول أو بأمر جديد ثمرة في قضاء الصلاة الفائتة؟ وأين تظهر ثمرته؟

أجوبة التمارين

  1. التكليفي: وجوب صوم الشهر. الوضعي: جعل شهود الشهر سببا لهذا الوجوب.
  2. نعم، يضمن من ماله ويؤدي عنه وليه، لأن الإتلاف سبب للضمان، والسبب حكم وضعي لا يشترط فيه التكليف. أما الصلاة فحكم تكليفي يشترط فيه العقل والبلوغ.
  3. الطهارة: شرط. الحيض: مانع. الركوع: ركن. الزوال: سبب. الحول: شرط. اختلاف الدين: مانع حكم.
  4. البيع بشرط فاسد فاسد عند الحنفية، يفيد الملك بالقبض بإذن البائع، فالهبة نافذة وتجب على المشتري قيمة الدار للبائع. وعند الشافعية البيع باطل لا يفيد ملكا، فالهبة هبة لملك الغير لا تصح. والأصل: هل النهي عن الوصف يعدم الأصل.
  5. لأن البالغة العاقلة تزوج نفسها عند أبي حنيفة فالعقد صحيح، ولا خلل في أصله ولا وصفه. ومثال الفاسد عندهم النكاح بغير شهود، ونكاح المعتدة.
  6. عند الحنفية فرضه باطل، لأن القعود على رأس الركعتين هو القعود الأخير في حقه وهو فرض، والقصر عزيمة. وعند الشافعية صلاته صحيحة، لأن القصر رخصة والإتمام رجوع إلى الأصل.
  7. الحنفية: يجوز له الفطر، لأن الرخصة معلقة بمطلق السفر والمعصية مجاورة له. الشافعية: لا يجوز حتى يتوب، لأن الرخص لا تناط بالمعاصي.
  8. الأداء الشبيه بالقضاء ما فُعل في الوقت وفيه معنى استدراك ما التُزم، كفعل اللاحق بعد فراغ الإمام. والقضاء الشبيه بالأداء ما فُعل بعد فوات محله وفيه معنى الأداء، كمن أدرك الإمام في صلاة العيد راكعا فإنه يكبر تكبيرات العيد في ركوعه، وقد فات محلها وهو القيام.
  9. لا ثمرة في الفتوى، لأن الجميع يوجبون القضاء: الحنفية بالأمر الأول، والجمهور بحديث «من نسي صلاة» وبالإجماع. وتظهر الثمرة في المنذورات المؤقتة وما لا نص فيه، كمن نذر اعتكاف رمضان فلم يعتكف.

الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه

موقع الفصل من المنظومة

كل حكم شرعي يقتضي ثلاثة أطراف: حاكما يصدر عنه الخطاب، ومحكوما فيه هو الفعل الذي يتعلق به الحكم، ومحكوما عليه هو المكلف الذي يتوجه إليه. وعلى خط الاستنباط يعمل هذا الفصل في المحطة الأولى، لأن تعيين نوع الحكم يقتضي أن نعرف أن الفعل قابل للتكليف وأن الشخص أهل له؛ وفي المحطة الثامنة، لأن الحكم الذي يصل إليه الناظر لا يتنزل على شخص بعينه حتى تُفحص أهليته وما يعرض لها. فإذا قال الفقيه «يقع طلاق السكران» فقد حكم في مسألة من مسائل هذا الفصل قبل أن يحكم في باب الطلاق. ويفترض الفصل ما تقرر في الحكم التكليفي والحكم الوضعي.

سؤال الافتتاح

رجل هدده ظالم بالقتل إن لم يطلق امرأته، فطلقها. هل وقع الطلاق؟ وهل يختلف الجواب لو أُكره على بيع داره؟

١ الحاكم

الحاكم هو الله تعالى وحده، لا حكم إلا له: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]. والرسول ﷺ مبلغ عنه ومبين، والمجتهد كاشف عن الحكم مظهر له، لا منشئ. وهذا محل اتفاق بين المذاهب، والخلاف إنما هو في طريق معرفة حكم الله: هل يستقل العقل بإدراك الحسن والقبح فيعرف به الحكم قبل الشرع، كما تقول المعتزلة ويقول الماتريدية في بعضه، أم لا حكم إلا بالشرع كما يقول الأشاعرة؟ وتفصيل ذلك، مع مسألة شكر المنعم وحكم الأشياء قبل الشرع، في نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية.

ومن أثر هذا الخلاف في الفصل: أن الماتريدية من الحنفية ينقلون عن أبي حنيفة أن معرفة الله تجب بالعقل، فلا يعذر العاقل البالغ بجهل الخالق وإن لم تبلغه الدعوة، والأشاعرة يقولون ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].

١ المحكوم فيه

المحكوم فيه هو فعل المكلف الذي تعلق به الخطاب، إيجابا أو ندبا أو تحريما أو كراهة أو إباحة. ويشترط لصحة التكليف به:

  1. أن يكون معلوما للمكلف علما يمكّنه من الامتثال: أن يعلم حقيقته، وأن يعلم أنه مأمور به من الله. والمراد إمكان العلم لا حصوله بالفعل؛ فمن بلغ في دار الإسلام كُلف وإن لم يتعلم، لأن العلم متاح له، ولذلك قالوا: لا يعذر بالجهل بالأحكام في دار الإسلام.
  2. أن يكون مقدورا للمكلف، لقوله ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. والتكليف بالمحال لذاته كالجمع بين الضدين غير واقع بالاتفاق، والخلاف في جوازه العقلي مسألة كلامية في نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية.
  3. أن يكون من كسب المكلف: فلا يكلف أحد بفعل غيره، وإنما يكلف بما يقدر عليه من أسباب فعل الغير، كالأمر بالمعروف.
  4. أن يكون معدوما عند التكليف أو متجددا، لأن تحصيل الحاصل محال.

وفي النهي: المكلف به عند الجمهور الكف، وهو فعل النفس، أي حملها على الترك قصدا. ولذلك لا يثاب على ترك المحرم إلا من تركه امتثالا، أما من لم يخطر بباله فقد سلم من الإثم ولم ينل ثواب الكف.

تنبيه المشقة التي يرفعها الشرع

التكليف لا يخلو من كلفة، وهي مشقة الامتثال المعتادة كالسهر في القيام والجوع في الصوم، ولا يرفعها الشرع لأنها لازمة لمعنى التكليف. أما المشقة الخارجة عن المعتاد، التي تفسد على النفس أو المال أو تقطع عن العمل، فهي التي شرعت لها الرخص، كما قرر الشاطبي في الموافقات. فقوله ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ينفي الحرج الخارج عن المعتاد، والرخصة هي أداة رفعه (الحكم الوضعي).

١ حقوق الله وحقوق العباد

ينقسم المحكوم فيه باعتبار صاحب الحق إلى حق الله وحق العبد وما اجتمع فيه الحقان. وحق الله ما تعلق به النفع العام للعالم من غير اختصاص بأحد، ونسب إلى الله تعظيما وتنبيها على أنه لا يملك أحد إسقاطه. وحق العبد ما تعلقت به مصلحة خاصة، كحرمة ماله.

وأبسط من فصّل هذا التقسيم الحنفية، فجعلوا حقوق الله الخالصة ثمانية أنواع على طريقة البزدوي والنسفي:

  1. عبادات خالصة: كالإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج.
  2. عقوبات كاملة: كالحدود؛ حد الزنا والسرقة والشرب.
  3. عقوبات قاصرة: كحرمان القاتل من الميراث، وسموها قاصرة لأنها لا تؤلم في البدن ولا تنقص المال الموجود.
  4. حقوق دائرة بين العبادة والعقوبة: كالكفارات؛ فيها معنى العبادة لأنها تؤدى بالصوم والإعتاق والإطعام، ومعنى العقوبة لأنها جزاء على فعل محظور.
  5. عبادة فيها معنى المؤونة: كصدقة الفطر، تجب على الإنسان عن نفسه وعمن يمونه، فشابهت النفقة.
  6. مؤونة فيها معنى العبادة: كالعشر في الأرض الزراعية، مؤونة الأرض وفيها معنى الزكاة.
  7. مؤونة فيها معنى العقوبة: كالخراج، مؤونة الأرض وفيها معنى الإذلال.
  8. حق قائم بنفسه: ثبت لله من غير أن يتعلق بذمة عبد، كخمس الغنائم والمعادن.

ثم حقوق العباد الخالصة: كضمان المتلفات والديون والدية. ثم ما اجتمع فيه الحقان: وحق الله غالب كحد القذف عند الحنفية، أو حق العبد غالب كالقصاص.

وثمرة هذا التقسيم أن حق الله لا يسقط بإسقاط العبد ولا يورث ولا يجري فيه الصلح، وحق العبد يسقط بالعفو ويورث ويصالح عليه. ومن هنا جاء الخلاف في حد القذف.

مسألة خلافية حد القذف: حق الله أم حق العبد؟

  • الحنفية حق الله غالب فيه، لأن المقصود منه صيانة الأعراض وإخلاء العالم من الفساد، فلا يسقط بعفو المقذوف بعد رفعه إلى الإمام، ولا يورث، وتتداخل فيه الحدود.
  • المالكية حق للعبد قبل بلوغ الإمام فله العفو، فإذا بلغ الإمام لم يصح العفو إلا أن يريد المقذوف الستر على نفسه، على المشهور.
  • الشافعية حق العبد غالب فيه، فيسقط بعفو المقذوف ويورث.
  • الحنابلة كالشافعية على المذهب.
  • سبب الخلاف أي المعنيين أغلب في الحد: صيانة العرض الخاص بالمقذوف، أم دفع الفساد العام؟ وتردده بين الحقين جعل الترجيح بالأغلب.
  • الثمرة إذا مات المقذوف قبل استيفاء الحد سقط عند الحنفية، وورثه أولياؤه عند الشافعية والحنابلة فلهم المطالبة به.

مسألة خلافية زكاة مال الصبي والمجنون

  • الحنفية لا تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون، لأنها عبادة خالصة، والعبادة لا تتأدى إلا بنية من أهل الأداء، ولا أهلية أداء لهما. ويجب في مالهما العشر لأنه مؤونة الأرض، وصدقة الفطر عند أبي حنيفة وأبي يوسف لأن فيها معنى المؤونة، خلافا لمحمد.
  • الجمهور تجب الزكاة في مالهما ويخرجها الولي، لأنها حق مالي يتعلق بالمال، والمقصود منها سد خلة الفقير.
  • سبب الخلاف هل الغالب في الزكاة معنى العبادة البدنية المفتقرة إلى أهلية الأداء، أم معنى الحق المالي الذي ينوب فيه الولي؟ وهو تطبيق مباشر لتقسيم الحنفية في الحقوق والأهلية معا.
  • الثمرة يتيم يملك نصابا من النقد: لا يخرج عنه وليه زكاة عند الحنفية، ويخرجها عند المالكية والشافعية والحنابلة.

١ المحكوم عليه: شروط التكليف

المحكوم عليه هو المكلف، ويشترط فيه شرطان:

  1. أن يكون قادرا على فهم الخطاب، لأن التكليف خطاب، وخطاب من لا يفهم محال. والفهم بالعقل، والعقل خفي يتفاوت، فأقام الشارع البلوغ مقامه علامة ظاهرة منضبطة. ولذلك لم يُكلف الصبي والمجنون، لقوله ﷺ: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» (رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد من حديث عائشة، وصححه الحاكم وابن حبان).
  2. أن يكون أهلا لما كلف به، وهذه هي الأهلية.

من المتون الورقات لإمام الحرمين الجويني

يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون، والساهي والصبي والمجنون غير داخلين في الخطاب، والكفار مخاطبون بفروع الشريعة وبما لا تصح إلا به وهو الإسلام.

الحل: يحدد الجويني من يتوجه إليه الخطاب التكليفي. فالمؤمن المكلف داخل. والساهي والصبي والمجنون خارجون لأن شرط الخطاب الفهم، وهو غائب عنهم. وخروجهم من الخطاب التكليفي لا يمنع ما يلزمهم بالخطاب الوضعي (الحكم الوضعي)، فقد نبه الحطاب في قرة العين على أن الساهي يؤمر بعد ذهاب سهوه بقضاء ما فاته وضمان ما أتلف، لوجود السبب. وقوله «والكفار مخاطبون بفروع الشريعة» يذكر فيه الشراح قيد «على الصحيح»، وهو قول الجمهور، والإسلام شرط لصحتها مخاطبون به اتفاقا.

١ الأهلية

الأهلية في اللغة الصلاحية. وفي الاصطلاح: صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه، ولصدور الأفعال منه على وجه يعتد به شرعا. وهي نوعان:

١ أهلية الوجوب والذمة

أهلية الوجوب: صلاحية الإنسان لأن تثبت له الحقوق وتجب عليه الواجبات. ومناطها الذمة، وهي عند الحنفية وصف يصير به الإنسان أهلا للإيجاب له وعليه، وعرفها بعضهم بأنها نفس لها عهد. والذمة تثبت للإنسان بإنسانيته، فكل إنسان له أهلية وجوب، ولا يختلف فيها عاقل ومجنون وكبير وصغير. وتنقسم:

  • أهلية وجوب ناقصة: للجنين في بطن أمه، تثبت له بها حقوق لا تحتاج إلى قبول، كالإرث والوصية والنسب والاستحقاق في الوقف، ولا تجب عليه حقوق. وكانت ناقصة لأن الجنين جزء من أمه من وجه، ونفس مستقلة من وجه.
  • أهلية وجوب كاملة: تثبت بالولادة حيا، فتجب له الحقوق وعليه ما يمكن أداؤه عنه، كضمان المتلفات ونفقة القريب وثمن ما اشتراه له وليه.

١ أهلية الأداء

أهلية الأداء: صلاحية الإنسان لصدور الأفعال منه على وجه يعتد به شرعا، فتصح عباداته وتنفذ تصرفاته ويؤاخذ بأفعاله. ومناطها العقل والتمييز، لأن الأداء فعل قاصد. وتنقسم:

  • أهلية أداء ناقصة: للصبي المميز والمعتوه، تثبت بقدرة قاصرة.
  • أهلية أداء كاملة: للبالغ العاقل، تثبت بقدرة كاملة، وبها يتوجه الخطاب التكليفي كاملا.

وعلى أهلية الأداء الناقصة بنى الحنفية تقسيم تصرفات الصبي المميز:

  1. النافعة نفعا محضا: كقبول الهبة والصدقة، تصح منه بلا إذن الولي.
  2. الضارة ضررا محضا: كالطلاق والعتق والهبة والصدقة من ماله، لا تصح منه ولو أذن الولي، لأن الولي نفسه لا يملكها في ماله.
  3. الدائرة بين النفع والضرر: كالبيع والإجارة، تنعقد موقوفة على إجازة الولي، فإن أجازها نفذت، لأن رأي الولي يجبر نقص رأيه.

مسألة خلافية تصرفات الصبي المميز المالية

  • الحنفية الدائر بين النفع والضرر موقوف على إجازة الولي، والنافع محضا صحيح، والضار محضا باطل.
  • المالكية تصرفه المالي المعاوض موقوف على إجازة الولي، كالحنفية في الجملة.
  • الشافعية لا يصح تصرف الصبي ولو مميزا، ولو بإذن الولي، لأن عبارته ملغاة في العقود.
  • الحنابلة يصح تصرف المميز بإذن الولي، ويصح بغير إذنه في الشيء اليسير.
  • سبب الخلاف هل للمميز عبارة معتبرة تكملها إجازة الولي، أم لا عبارة له قبل البلوغ الذي جعله الشارع حدا للتكليف؟
  • الثمرة صبي في العاشرة اشترى كتابا بثمن مثله: العقد صحيح موقوف عند الحنفية والمالكية، ينفذ بإجازة الأب؛ وصحيح بإذن الولي عند الحنابلة؛ وباطل عند الشافعية ولو أذن الأب.

ومن أثر أهلية الأداء الناقصة في الاعتقاد: يصح إسلام الصبي المميز استقلالا عند الحنفية والمالكية والحنابلة، لأن الإسلام نفع محض، وصح إسلام علي رضي الله عنه وهو صبي. والأصح عند الشافعية أنه لا يصح استقلالا، ويتبع أبويه في الإسلام.

أداة تفكير مراتب الإدراك وطبقات الأهلية

نظرية الأهلية عند الحنفية سلّم متدرج: الجنين له نصف أهلية وجوب، والمولود أهلية وجوب كاملة، والمميز أهلية أداء ناقصة، والبالغ العاقل أهلية أداء كاملة. ويقابل كل درجة من الإدراك درجة من الحكم. والقانون المدني الحديث يقرر قريبا من ذلك في «الشخصية القانونية» و«أهلية الأداء» و«سن التمييز»، وحد التشبيه: الشخصية القانونية في القانون قد تثبت للشخص الاعتباري، والذمة في الفقه لصيقة بالإنسان، والكلام في ذمة الشخص الاعتباري اجتهاد معاصر لا نقل عن المتقدمين؛ والقانون يضبط السن رقما، والفقه يجعل التمييز وصفا يُتحقق منه، والبلوغ علامة طبيعية قبل أن يكون سنا.

١ عوارض الأهلية

العوارض أحوال تطرأ على الإنسان بعد كمال أهليته، فتزيلها أو تنقصها أو تغير بعض أحكامها. وقسمها الحنفية إلى سماوية ليس للعبد فيها اختيار ولا اكتساب، ومكتسبة للعبد فيها كسب، إما بمباشرتها أو بترك إزالتها.

٢ العوارض السماوية

  1. الصغر: هو في أوله عدم الأهلية، ثم يصير المميز أهلا ناقصا كما تقدم. وما يتعلق بحقوق العباد المالية لازم له من ماله، وما يحتمل العفو من حقوق الله ساقط عنه.

  2. الجنون: يزيل أهلية الأداء كلها، ولا يمس أهلية الوجوب، فيضمن المجنون ما أتلف. والحنفية يفرقون بين الجنون الممتد وغير الممتد، لأن غير الممتد يلحق بالنوم فلا يسقط القضاء. فإن استغرق في الصلاة أكثر من يوم وليلة، أي زاد على خمس صلوات، سقط قضاؤها؛ وإن أفاق في جزء من شهر رمضان لزمه قضاء الشهر كله، وإن استغرقه لم يقض.

  3. العته: اختلال في العقل يجعل صاحبه قليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير، دون هياج المجنون. والمعتوه عندهم كالصبي المميز: أهلية أداء ناقصة، فتصح عباداته ولا تجب عليه، وتصرفاته الدائرة موقوفة.

  4. النسيان: لا ينافي أهلية الوجوب ولا الأداء، لأنه لا يزيل العقل. وهو عذر في حقوق الله من جهة الإثم، دون حقوق العباد، فيضمن الناسي ما أتلف. ومن ثمرته: أكل الصائم ناسيا لا يفطره عند الحنفية والشافعية والحنابلة، لحديث «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» (رواه البخاري ومسلم)؛ وعند المالكية يفطر في الفرض وعليه القضاء ولا كفارة. وترك التسمية على الذبيحة ناسيا لا يحرمها عند الحنفية والمالكية والحنابلة، ويحرمها تركها عمدا؛ وعند الشافعية التسمية سنة، فتحل الذبيحة في الحالين.

  5. النوم: يمنع أهلية الأداء ما دام قائما، لأنه يعطل العقل عن الاختيار، ولا يسقط الوجوب لأن النوم لا يمتد عادة، فيجب القضاء لحديث «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (رواه مسلم). ولا يعتد بأقوال النائم، فلا يقع طلاقه ولا عتاقه ولا إسلامه ولا ردته.

  6. الإغماء: كالنوم في منع الأداء، وأشد منه في الامتداد.

مسألة خلافية قضاء الصلاة على المغمى عليه

  • الحنفية إن زاد الإغماء على يوم وليلة سقط قضاء ما فاته استحسانا، وإن كان دونهما قضاه، إلحاقا للقصير بالنوم والطويل بالجنون.
  • المالكية لا قضاء عليه إلا إن أفاق وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة بعد الطهارة.
  • الشافعية لا قضاء عليه إن استغرق الإغماء الوقت.
  • الحنابلة يقضي كالنائم على المذهب.
  • سبب الخلاف هل يلحق الإغماء بالنوم فلا يسقط الوجوب، أم بالجنون فيسقطه، أم يفرق بالامتداد؟ وفيه آثار عن الصحابة: عن عمار أنه أغمي عليه فقضى (رواه الدارقطني والبيهقي، وفي إسناده ضعف)، وعن ابن عمر أنه أغمي عليه فلم يقض (رواه مالك في الموطأ).
  • الثمرة مريض أغمي عليه يومين: لا قضاء عليه عند الحنفية والشافعية والمالكية، ويقضي صلوات اليومين عند الحنابلة.
  1. الرق: لا ينافي أهلية الوجوب ولا الأداء في العبادات البدنية، لكنه ينافي مالكية المال عند الجمهور، ويسقط عن الرقيق ما يتوقف على المال أو المنافع المملوكة لسيده كالحج والجمعة، وينصف بعض العقوبات كحد الزنا لقوله ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].

  2. المرض: لا ينافي الأهلية، فالمريض أهل للعبادات والتصرفات، وتخفف عنه العبادات بقدر عجزه. ومرض الموت يتعلق به حق الورثة والغرماء في ماله، فيحجر عليه في التبرع بما زاد على الثلث، ولا يصح إقراره لوارث عند الحنفية والحنابلة ويصح عند الشافعية في الأظهر.

مسألة خلافية طلاق المريض مرض الموت (طلاق الفار)

  • الحنفية إن طلقها بائنا في مرض موته بغير رضاها ثم مات وهي في العدة ورثته، معاملة له بنقيض قصده.
  • المالكية ترثه ولو انقضت عدتها وتزوجت غيره.
  • الشافعية لا ترثه على القول الجديد إذا كان الطلاق بائنا.
  • الحنابلة ترثه ما لم تتزوج، ولو بعد العدة.
  • سبب الخلاف هل يتعلق حق الورثة بمال المريض من أول مرضه فيُرد قصده الفرار، أم يبقى تصرفه نافذا ويُنظر إلى وقت الموت؟ ومعه أثر عثمان رضي الله عنه في توريث تماضر امرأة عبد الرحمن بن عوف.
  • الثمرة مريض طلق امرأته طلاقا بائنا ثم مات بعد سنة: لا ترث عند الحنفية لانقضاء العدة، وترث عند المالكية، وعند الحنابلة إن لم تتزوج، ولا ترث عند الشافعية.
  1. الحيض والنفاس: لا ينافيان أهلية الوجوب ولا الأداء، لكن الطهارة شرط لصحة الصلاة والصوم، فتسقط الصلاة عنهما دفعا للحرج لتكررها، ويجب قضاء الصوم لأنه لا يتكرر في السنة إلا مرة، لحديث عائشة: «كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (رواه مسلم).

  2. الموت: ينهي أهلية الأداء كلها، وتسقط به الأحكام التكليفية، وتبقى أحكام تتعلق بالمال. والحنفية يقولون إن الذمة تضعف بالموت أو تخرب، فلا يبقى فيها إلا ما يُحتاج إليه لقضاء الحقوق.

مسألة خلافية الكفالة بدين الميت المفلس

  • الحنفية قال أبو حنيفة: لا تصح الكفالة عن ميت لم يترك مالا ولا كفيلا، لأن الدين سقط بخراب الذمة وعدم المال، والكفالة ضم ذمة إلى ذمة.
  • الجمهور تصح، ومعهم أبو يوسف ومحمد، لحديث أبي قتادة لما امتنع النبي ﷺ من الصلاة على من عليه دين فقال: «صل عليه يا رسول الله وعلي دينه» فصلى عليه (رواه البخاري من حديث سلمة بن الأكوع).
  • سبب الخلاف هل تبقى الذمة بعد الموت محلا للدين، أم تخرب ولا يبقى الدين إلا في التركة؟ وتأوّل أبو حنيفة الحديث بأنه إقرار بكفالة سابقة أو وعد بالتبرع.
  • الثمرة من قال «عليّ دين فلان الميت» ولا تركة له: يلزمه الوفاء عند الجمهور، ولا يلزمه بحكم الكفالة عند أبي حنيفة.

٢ العوارض المكتسبة

  1. الجهل: يقسمه الحنفية أربعة أقسام بحسب صلاحيته للعذر: - جهل لا يصلح عذرا ولا شبهة، كجهل الكافر بالتوحيد، وجهل صاحب الهوى المخالف للدليل الواضح. - جهل في موضع اجتهاد صحيح أو في موضع شبهة، فيصلح شبهة تدرأ الحد، كمن وطئ جارية أبيه أو امرأته ظانا أنها تحل له. - جهل في دار الحرب ممن أسلم ولم يهاجر، فيعذر في الشرائع حتى تبلغه، فلا قضاء عليه عندهم لما فاته من الصلاة قبل علمه. - جهل في موضع خفاء، كجهل الوكيل بعزله، والشفيع بالبيع، والبكر بتزويج وليها لها، والمأذون بالحجر عليه، فيكون عذرا.

  2. السكر: إن كان بطريق مباح، كمن شرب دواء أو أكره على شرب الخمر فسكر، فهو كالإغماء، لا يقع طلاقه ولا تصح تصرفاته. وإن كان بطريق محرم فهو موضع الخلاف.

مسألة خلافية طلاق السكران المتعدي بسكره

  • الحنفية يقع طلاقه وتنفذ تصرفاته عقوبة له وزجرا، ويؤاخذ بأقواله، إلا الردة فلا يحكم بها استحسانا، لأنها تتعلق بالاعتقاد وهو غائب. واختار الطحاوي والكرخي من الحنفية عدم الوقوع.
  • المالكية المشهور وقوع طلاقه.
  • الشافعية المذهب وقوع طلاقه.
  • الحنابلة روايتان، والمشهور في المذهب الوقوع، واختار ابن تيمية عدمه.
  • سبب الخلاف هل السكر المحرم يُلحق بالجنون فتسقط عبارة صاحبه لغياب القصد، أم يُجعل صاحبه في حكم الصاحي عقوبة له لأنه أزال عقله بمعصية؟ ومعه قوله ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، استدل به من قال بالوقوع لأن السكران مخاطب بالنهي، واستدل به من نفاه لأن الآية جعلته لا يعلم ما يقول. وعلّق البخاري في صحيحه عن عثمان رضي الله عنه قوله: ليس لمجنون ولا لسكران طلاق.
  • الثمرة سكران طلق امرأته ثلاثا: بانت منه عند جمهور المذاهب الأربعة، وعند الطحاوي والكرخي وابن تيمية ومن وافقهم لا يقع.
  1. الهزل: أن يريد باللفظ غير ما وضع له، فيقصد التلفظ دون الحكم. وهو لا ينافي الأهلية، لكنه ينافي الرضا بالحكم. فما لا يشترط فيه الرضا بالحكم يقع مع الهزل، كالطلاق والنكاح والرجعة والعتق، لحديث «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة» (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب). وما يشترط فيه الرضا بالحكم كالبيع والإجارة لا يثبت حكمه مع الهزل المتفق عليه بين المتعاقدين. وهزل الردة كفر، لأن الاستخفاف بالدين كفر في ذاته.

  2. السفه: خفة تبعث الإنسان على تبذير ماله على خلاف مقتضى العقل والشرع. ولا ينافي الأهلية ولا الخطاب.

مسألة خلافية الحجر على السفيه

  • الحنفية قال أبو حنيفة: لا يحجر على الحر البالغ العاقل للسفه، لأن في الحجر إهدارا لآدميته وأهليته، وهو أشد ضررا من إتلاف المال؛ لكن لا يدفع إليه ماله حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة. وقال أبو يوسف ومحمد: يحجر عليه، وعليه الفتوى عند المتأخرين.
  • الجمهور يحجر على السفيه، لقوله ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، فجعل الرشد شرطا لدفع المال.
  • سبب الخلاف الموازنة بين مفسدة إهدار الأهلية ومفسدة ضياع المال، وفهم آية الرشد: هل هي في اليتيم عند بلوغه فقط، أم في كل من فقد الرشد؟
  • الثمرة بالغ مبذر باع أرضه بغبن فاحش: ينفذ بيعه عند أبي حنيفة، ويرد عند الصاحبين والجمهور إذا كان محجورا عليه.
  1. الخطأ: أن يقع الفعل أو القول على غير ما قصده صاحبه، كمن رمى صيدا فأصاب إنسانا. ولا ينافي الأهلية، وهو عذر في إسقاط الإثم والقصاص، دون الضمان والدية، لقوله ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]. ومن ثمرته: من أراد أن يقول لامرأته «اسقيني» فسبق لسانه إلى «أنت طالق»، يقع طلاقه قضاء عند الحنفية لأن القصد باطن لا يطلع عليه، ولا يقع ديانة فيما بينه وبين الله.

  2. السفر: لا ينافي الأهلية، وهو سبب للتخفيف بالقصر والفطر وغيرهما. ويعد في المكتسبة لأن الإنسان ينشئه باختياره. وتفصيل أحكامه في الرخصة (الحكم الوضعي).

  3. الإكراه: حمل الغير على ما لا يرضاه بتهديد قادر على إيقاع ما هدد به. وهو عند الحنفية نوعان: - إكراه ملجئ (تام): بالقتل أو قطع عضو أو ضرب يخاف منه التلف، يعدم الرضا ويفسد الاختيار. - إكراه غير ملجئ (ناقص): بالحبس أو القيد أو الضرب اليسير، يعدم الرضا ولا يفسد الاختيار.

والإكراه بنوعيه لا ينافي الأهلية ولا الخطاب عند الحنفية، لأن المكره مبتلى بين فعلين، وهذا عين الخطاب. ثم قسموا أقواله: ما لا يحتمل الفسخ ولا يتوقف على الرضا كالطلاق والنكاح والعتق والرجعة واليمين والنذر، ينفذ مع الإكراه كما ينفذ مع الهزل؛ وما يحتمل الفسخ ويتوقف على الرضا كالبيع والإجارة والهبة والإقرار، يفسد أو يتوقف على إجازة المكره بعد زوال الإكراه.

مسألة خلافية طلاق المكره

  • الحنفية يقع طلاق المكره، لأنه قصد اللفظ واختار أهون الشرين، فهو مختار في التلفظ وإن لم يرض بالحكم، والطلاق لا يشترط فيه الرضا كما لا يشترط في طلاق الهازل.
  • المالكية لا يقع.
  • الشافعية لا يقع.
  • الحنابلة لا يقع.
  • سبب الخلاف هل ينعدم بالإكراه القصد إلى اللفظ والاختيار، أم الرضا بالحكم وحده؟ الحنفية فرقوا بين الاختيار والرضا وقاسوه على الهازل؛ والجمهور جعلوا الإكراه معدما للقصد المعتبر، واستدلوا بقوله ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، فإذا سقط حكم كلمة الكفر بالإكراه فما دونها أولى، وبحديث «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (رواه ابن ماجه والحاكم، وحسنه النووي)، وحديث «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق» (رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد، وصححه الحاكم، وفي إسناده كلام)، وفسروا الإغلاق بالإكراه.
  • الثمرة هي سؤال الافتتاح: من أكره على طلاق امرأته بالتهديد بالقتل وقع طلاقه عند الحنفية، ولم يقع عند الجمهور. ومن أكره على بيع داره فبيعه فاسد أو موقوف عند الحنفية، وباطل أو غير لازم عند الجمهور؛ فالحنفية فرقوا بين الطلاق والبيع، والجمهور سووا بينهما.

ومن أفعال المكره: القتل بالإكراه الملجئ. قال أبو حنيفة ومحمد: القصاص على المكرِه، لأن المكرَه آلة له؛ وقال زفر: على المباشر؛ وقال أبو يوسف: لا قصاص على أحد منهما، وتجب الدية. وعند المالكية والحنابلة والشافعية في الأظهر: القصاص عليهما جميعا. واتفقوا على أن المكره على القتل يأثم، لأن الإكراه لا يبيح قتل المعصوم.

تطبيق طلاق السكران على خط الاستنباط

الواقعة: رجل شرب الخمر حتى سكر، فطلق امرأته، ثم أفاق ولم يذكر شيئا. ١. نوع الحكم المطلوب: هل وقع الطلاق؟ سؤال عن حكم وضعي (هل اللفظ سبب لزوال الملك) مقيد بحال المحكوم عليه. ٢. الأدلة: آية ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ﴾، وأثر عثمان في عدم الوقوع، وآثار عن غيره من الصحابة في الوقوع، وعمومات الطلاق. ٣. الدلالة: الآية تخاطب السكران بالنهي، فدلت عند القائلين بالوقوع على بقاء التكليف؛ وجعلت غايته العلم بما يقول، فدلت عند النافين على أنه لا عبارة له. ٤. فحص المعارض: يتعارض أثر عثمان مع ما روي عن غيره، فيرجع الناظر إلى أصل الأهلية: السكران فاقد للعقل في الحال، فأهلية أدائه معطلة حقيقة. ٥. الإلحاق: النافون قاسوه على المجنون والمغمى عليه بجامع زوال العقل. والقائلون بالوقوع فرقوا: زال عقله بمعصية، فلا يستحق التخفيف، ويُجعل كالصاحي زجرا. ٦. الوزن المقاصدي: القائلون بالوقوع نظروا إلى الزجر وسد الذريعة؛ والنافون نظروا إلى أن العقوبة على السكر مقدرة بالحد، وأن إيقاع الطلاق يضر المرأة والأولاد ولا يخص السكران بالعقوبة. ٧. الحكم: يقع عند الحنفية والمالكية والشافعية وفي المشهور عند الحنابلة، ولا يقع عند الطحاوي والكرخي وابن تيمية ومن وافقهم. وهو ظني مما يسوغ فيه الاجتهاد، وبعدم الوقوع أخذت قوانين أحوال شخصية معاصرة.

١ خطاب الكفار بفروع الشريعة

اتفق الأصوليون على أن الكفار مخاطبون بالإيمان، وبالمعاملات والعقوبات في الجملة. واختلفوا في خطابهم بالعبادات كالصلاة والصوم.

مسألة خلافية هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟

  • الحنفية قولان في المذهب: مشايخ العراق كالكرخي والجصاص قالوا هم مخاطبون؛ ومشايخ ما وراء النهر كالدبوسي والبزدوي والسرخسي قالوا هم غير مخاطبين بأداء العبادات، مخاطبون بالإيمان والمعاملات والعقوبات، وهو المشهور في كتب أصول الحنفية المتأخرة.
  • المالكية مخاطبون على الصحيح المشهور.
  • الشافعية مخاطبون على الصحيح، ولا يصح منهم الأداء حال الكفر، وفائدته مضاعفة العقاب في الآخرة.
  • الحنابلة مخاطبون على الصحيح من المذهب، وعن أحمد رواية أنهم مخاطبون بالنواهي دون الأوامر.
  • سبب الخلاف هل الإيمان شرط لصحة الخطاب بالعبادة فلا يتوجه الخطاب بها قبله، أم شرط لصحة أدائها فقط كما أن الطهارة شرط لصحة الصلاة والمحدث مخاطب بها؟ واستدل الجمهور بقوله ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ۝ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٢-٤٣]، وأجاب المانعون بأن المراد لم نك من المؤمنين المصلين، أو أنها حكاية لقولهم.
  • الثمرة الثمرة المتفق على ظهورها أخروية: يعاقب الكافر على ترك الفروع زيادة على عقاب الكفر عند الجمهور، ولا يعاقب على ترك الأداء عند مشايخ ما وراء النهر. أما الثمرات الدنيوية فأكثرها له مأخذ آخر: الكافر إذا أسلم لا يقضي ما فاته بالاتفاق، لحديث «الإسلام يهدم ما كان قبله» (رواه مسلم من حديث عمرو بن العاص). وفي المرتد إذا أسلم: يقضي ما تركه في ردته عند الشافعية، ولا يقضي عند الحنفية والمالكية، وهو المذهب عند الحنابلة كما قرره ابن قدامة في المغني، وعن أحمد رواية بالقضاء؛ ويبني الزنجاني قول الشافعية على الخطاب بالفروع وعلى بقاء التزام المرتد بأحكام الإسلام.
  • التحقيق البناء الدنيوي على هذه القاعدة فيه قدر من التخريج اللاحق، لأن الفروع المذكورة قررها الأئمة بأدلتها الخاصة قبل أن يصاغ الأصل؛ وهذا من حدود التخريج المذكورة في تخريج الفروع على الأصول.

صلة الفصل بغيره

خلاصة الفصل

  1. للحكم ثلاثة أطراف: الحاكم وهو الله وحده، والمحكوم فيه وهو فعل المكلف، والمحكوم عليه وهو المكلف.
  2. يشترط في المحكوم فيه أن يكون معلوما للمكلف علما ممكنا، مقدورا، من كسبه؛ والمكلف به في النهي الكف.
  3. قسم الحنفية حقوق الله ثمانية أنواع، وجعلوا ما اجتمع فيه الحقان على الأغلب منهما؛ وحد القذف حق الله غالب فيه عندهم، وحق العبد غالب فيه عند الشافعية والحنابلة.
  4. لا تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون عند الحنفية لأنها عبادة تفتقر إلى أهلية الأداء، وتجب عند الجمهور.
  5. شرط التكليف فهم الخطاب، وأقام الشارع البلوغ علامة على العقل.
  6. أهلية الوجوب مناطها الذمة، ناقصة للجنين وكاملة بالولادة؛ وأهلية الأداء مناطها التمييز، ناقصة للمميز وكاملة للبالغ العاقل.
  7. تصرفات المميز: النافعة محضا صحيحة، والضارة محضا باطلة، والدائرة موقوفة على إجازة الولي عند الحنفية والمالكية، وباطلة عند الشافعية.
  8. العوارض سماوية (الصغر، الجنون، العته، النسيان، النوم، الإغماء، الرق، المرض، الحيض، الموت) ومكتسبة (الجهل، السكر، الهزل، السفه، الخطأ، السفر، الإكراه).
  9. يفرق الحنفية في الجنون والإغماء بين الممتد وغيره، فيسقط القضاء بما زاد على يوم وليلة.
  10. الموت يخرب الذمة عند أبي حنيفة، فلا تصح الكفالة عن الميت المفلس، وتصح عند الجمهور والصاحبين.
  11. طلاق السكران المتعدي يقع عند جمهور المذاهب الأربعة، والطلاق مع الهزل يقع بالنص.
  12. أبو حنيفة لا يحجر على السفيه البالغ، والصاحبان والجمهور يحجرون عليه.
  13. طلاق المكره يقع عند الحنفية لأن الإكراه يعدم الرضا دون الاختيار، ولا يقع عند الجمهور؛ وبيع المكره فاسد أو موقوف عند الحنفية.
  14. الكفار مخاطبون بالفروع عند الجمهور ومشايخ العراق، وغير مخاطبين بأداء العبادات عند مشايخ ما وراء النهر؛ والثمرة المتفق عليها أخروية.

تمارين

  1. حدد نوع الأهلية ودرجتها: جنين أوصي له بمال، طفل في الثالثة ورث أباه، صبي في التاسعة يصلي، شاب في العشرين.
  2. صبي مميز وهب دراجته لصديقه، وقبل هدية من عمه، وباع كتابه بثمن المثل. ما حكم كل تصرف عند الحنفية؟ وما حكم البيع عند الشافعية؟
  3. صنّف الحقوق الآتية على تقسيم الحنفية: صدقة الفطر، كفارة اليمين، حد السرقة، حرمان القاتل من الميراث، الخراج، خمس الغنيمة.
  4. امرأة قذفها رجل، ثم ماتت قبل أن يقام عليه الحد. هل لورثتها المطالبة به؟ أجب على المذاهب، واذكر الأصل.
  5. مريض أغمي عليه ثلاثة أيام ثم أفاق. ما الذي يقضيه من الصلوات عند الحنفية والحنابلة؟
  6. هدد رجل جاره بالضرب الشديد المتلف إن لم يطلق امرأته ويبع سيارته، ففعل. ما حكم الطلاق والبيع عند الحنفية والشافعية؟ ولماذا فرق الحنفية بينهما؟
  7. لماذا جعل الحنفية ردة السكران غير معتبرة مع أنهم يوقعون طلاقه؟
  8. رد هذا الفرع إلى أصله: «المرتد إذا أسلم يقضي ما ترك من الصلوات في ردته» عند الشافعية.
  9. قارن بين النسيان والخطأ من حيث أثرهما في الإثم والضمان، ومثّل لكل منهما.
  10. يقول قائل: «المكره غير مكلف، فلا يأثم إن قتل غيره تحت الإكراه». ما وجه الخطأ في هذه العبارة على أصول الحنفية والجمهور؟

أجوبة التمارين

  1. الجنين: أهلية وجوب ناقصة. طفل الثالثة: أهلية وجوب كاملة، لا أهلية أداء. صبي التاسعة المميز: أهلية وجوب كاملة وأهلية أداء ناقصة، فتصح صلاته نفلا. شاب العشرين العاقل: أهلية أداء كاملة.
  2. الهبة ضارة محضا فباطلة ولو أذن الولي. قبول الهدية نافع محضا فصحيح. البيع دائر بين النفع والضرر فموقوف على إجازة الولي. وعند الشافعية البيع باطل لأن عبارة الصبي ملغاة.
  3. صدقة الفطر: عبادة فيها معنى المؤونة. كفارة اليمين: دائرة بين العبادة والعقوبة. حد السرقة: عقوبة كاملة. حرمان القاتل: عقوبة قاصرة. الخراج: مؤونة فيها معنى العقوبة. خمس الغنيمة: حق قائم بنفسه.
  4. الحنفية: يسقط الحد ولا يورث، لأن حق الله فيه غالب. الشافعية والحنابلة: يورث فلورثتها المطالبة، لأن حق العبد غالب. والأصل: تقسيم الحقوق والترجيح بالأغلب في ما اجتمع فيه الحقان.
  5. الحنفية: لا يقضي شيئا، لأن الإغماء زاد على يوم وليلة فألحق بالجنون الممتد. الحنابلة: يقضي صلوات الأيام الثلاثة على المذهب، إلحاقا بالنائم.
  6. الحنفية: يقع الطلاق، ويفسد البيع أو يتوقف على إجازته بعد زوال الإكراه؛ لأن الإكراه يعدم الرضا دون الاختيار، والطلاق لا يشترط فيه الرضا بالحكم كطلاق الهازل، والبيع يشترط فيه الرضا. الشافعية: لا يقع الطلاق ولا يصح البيع.
  7. لأن الردة تتعلق بالاعتقاد وتبدل الدين، والسكران لا اعتقاد له في حال سكره، فلا تثبت ردته استحسانا؛ أما الطلاق فيتعلق باللفظ، وأُخذ به زجرا.
  8. الأصل عند الشافعية: الكفار مخاطبون بالفروع، والمرتد التزم أحكام الإسلام بإسلامه السابق، فبقي الخطاب في حقه، فيقضي. والحنفية والمالكية، والحنابلة على المذهب، جعلوه كالكافر الأصلي فلا يقضي ما تركه في ردته.
  9. النسيان: ذهول عن الشيء مع العلم به، يسقط الإثم ولا يسقط ضمان حقوق العباد، كأكل الصائم ناسيا، وإتلاف مال الغير ناسيا. الخطأ: وقوع الفعل على غير المقصود، يسقط الإثم والقصاص ولا يسقط الدية والضمان، كمن رمى صيدا فأصاب إنسانا.
  10. المكره مكلف عند الحنفية والجمهور، لأنه فاهم للخطاب مختار بين أمرين، والإكراه لا يبيح قتل المعصوم؛ فيأثم المكره على القتل باتفاق، وإنما اختلفوا في القصاص على من يجب.

الكتاب والسنة

موقع الفصل من المنظومة

هذا الفصل أول أبواب قطب المثمر، ويقع على المحطة الثانية من خط الاستنباط: جمع الأدلة وفحص ثبوتها. فالناظر بعد أن يعرف نوع الحكم المطلوب (الحكم التكليفي والحكم الوضعي) يسأل: ما النصوص التي تتكلم في الواقعة، وما درجة ثبوت كل منها؟ ودلالتها موضوع الباب الرابع (مبادئ لغوية إلى التعارض والترجيح)، ورفع بعضها لبعض موضوع النسخ. ويُبنى الفصل على ما تقرر في حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه من القطع والظن.

سؤال الافتتاح

رجل حلف بالله ثم حنث، ولم يجد ما يطعم به عشرة مساكين ولا ما يكسوهم ولا رقبة، فصام ثلاثة أيام متفرقة: يوما في أول الشهر، ويوما في وسطه، ويوما في آخره. هل أجزأه صومه؟ والآية تقول: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، ولم تذكر التتابع.

١ الكتاب: حده وحجيته

الكتاب في اصطلاح الأصوليين هو القرآن. وللمدرستين في حده عبارتان متقاربتان في المضمون مختلفتان في المدخل:

  • عبارة الحنفية، وعليها النسفي في المنار ومن قبله البزدوي: القرآن هو المنزل على الرسول ﷺ، المكتوب في المصاحف، المنقول عنه نقلا متواترا بلا شبهة.
  • عبارة المتكلمين، وعليها ابن السبكي في جمع الجوامع ومن تبعه: اللفظ المنزل على محمد ﷺ للإعجاز بسورة منه، المتعبد بتلاوته.

فالحنفية بنوا الحد على طريق ثبوته، لأن غرض الأصولي معرفة ما يحتج به، والمتكلمون بنوه على خصائصه الذاتية، ثم جعلوا التواتر شرطا في ثبوت كل جزء منه.

٢ قيود التعريف وما يخرج بها

  • المنزل: يخرج كلام البشر، والحديث النبوي لأن لفظه من النبي ﷺ وإن كان معناه وحيا.
  • على محمد ﷺ: يخرج التوراة والإنجيل.
  • للإعجاز بسورة منه: يخرج الحديث القدسي، فلم يقع التحدي به.
  • المتعبد بتلاوته: يخرج ما نسخت تلاوته، والقراءة الشاذة.
  • المنقول تواترا بلا شبهة (في حد الحنفية): يخرج الشاذ والمشهور من القراءات.

ومن ثمرة قيد «اللفظ» أن الترجمة ليست قرآنا، فلا تقوم مقامه في الصلاة عند الجمهور. ونُقل عن أبي حنيفة جواز القراءة بالفارسية في الصلاة لمن يحسن العربية، ونقل أصحابه رجوعه عنه، وعلى الرجوع استقر المذهب.

١ حجية الكتاب

حجية القرآن أصل الأصول، ثابتة بالإعجاز الدال على صدق الرسول ﷺ، وكل دليل بعده يرجع إليه في حجيته، كما يأتي في الإجماع والقياس.

١ التواتر شرط القرآنية

اتفق الأصوليون على أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، لأنه معجزة الرسالة الباقية، وما كان كذلك تتوافر الدواعي على نقله نقلا قاطعا، فما نُقل آحادا مع توافر الدواعي دل على أنه ليس قرآنا.

وما وراء القراءات المتواترة يسمى القراءة الشاذة. والمعتمد عند المتأخرين أن الشاذ ما وراء القراءات العشر، وكان كثير من المتقدمين يقصرون المتواتر على السبع.

٢ القراءة الشاذة وحجيتها في الأحكام

لا تجوز القراءة بالشاذ في الصلاة ولا يُتعبد بتلاوته، وهذا محل اتفاق. والخلاف في أمر آخر: إذا روى الصحابي في قراءته زيادة لم تتواتر، هل يُحتج بها في الأحكام كما يحتج بخبر الواحد؟

مسألة خلافية هل القراءة الشاذة حجة في الأحكام؟

  • الحنفية حجة تنزل منزلة خبر الواحد، وقراءة ابن مسعود المشهورة عندهم في حكم الخبر المشهور الذي يزاد به على الكتاب. فالصحابي العدل نقلها عن النبي ﷺ، فإن لم تثبت قرآنا بقيت خبرا مسموعا: قرآنا نسخت تلاوته أو تفسيرا.
  • المالكية المشهور عند أصولييهم، كابن الحاجب، أنها ليست حجة، لأن الراوي نقلها قرآنا ولم ينقلها خبرا، فإذا بطل كونها قرآنا لم يبق ما يُحتج به.
  • الشافعية نُقل عن الشافعي ما يدل على الاحتجاج بها، واختار إمام الحرمين والنووي أنها ليست حجة، واعتمد ابن السبكي في جمع الجوامع وكثير من المتأخرين أنها تجري مجرى خبر الآحاد. فالمسألة عندهم ذات قولين معتبرين.
  • الحنابلة حجة على المذهب، كخبر الواحد.
  • سبب الخلاف ما نُقل قرآنا ولم يتواتر، هل يسقط بالكلية لأن ناقله لم يقصد الخبر، أم يبقى له حكم الخبر لأن عدالة الناقل تمنع أن يكون اختلقه؟
  • الثمرة التتابع في صيام كفارة اليمين، بقراءة ابن مسعود وأبي بن كعب: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات». الحنفية والحنابلة: يشترط التتابع. المالكية: لا يشترط ويستحب. الشافعية: لا يشترط على الأظهر في المذهب، وهو الجديد.

ومتأخرو الشافعية القائلون بحجية الشاذ لم يشترطوا التتابع، فالقاعدة وحدها لا تفسر الفرع (تخريج الفروع على الأصول).

تطبيق التتابع في كفارة اليمين على خط الاستنباط

  1. نوع الحكم: هل التتابع شرط لصحة صوم الكفارة؟ حكم وضعي متعلق بواجب.

  2. الأدلة وثبوتها: آية المائدة متواترة بلا قيد. وقراءة «متتابعات» غير متواترة: مشهورة عند الحنفية، وخبر آحاد معمول به عند الحنابلة، ساقطة عند المالكية، ولا يقيد بها الشافعية على الأظهر.

  3. الدلالة: «ثلاثة أيام» مطلق، و«متتابعات» قيد.

  4. المعارض: تقييد المطلق القطعي زيادة على النص، وهي نسخ عند الحنفية لا تثبت بالآحاد وتثبت بالمشهور (النسخ). والحنابلة يجيزون التقييد بالآحاد.

  5. الحكم: لم يجزئه صومه عند الحنفية والحنابلة فيستأنف متتابعا، وأجزأه عند المالكية والشافعية، والحكم ظني عند الجميع.

٢ البسملة

اتفقوا على أن البسملة بعض آية في سورة النمل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]، وعلى أنها ليست في أول سورة براءة. واختلفوا فيما سوى ذلك.

مسألة خلافية هل البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة؟

  • الحنفية آية من القرآن مستقلة، أنزلت للفصل بين السور والتبرك، وليست من الفاتحة ولا من غيرها.
  • المالكية ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها، إلا في سورة النمل.
  • الشافعية آية من الفاتحة قطعا عند الأصحاب، ومن أول كل سورة على الأصح.
  • الحنابلة آية مستقلة ليست من الفاتحة على المذهب، وعن أحمد رواية أنها من الفاتحة.
  • سبب الخلاف كتبها الصحابة في المصاحف مع تجريدهم المصحف مما ليس قرآنا، فهل يكفي ذلك في إثبات قرآنيتها في كل موضع، أم يشترط تواتر كونها آية في كل موضع بعينه؟ ويُضم إليه تعارض أحاديث الجهر والإسرار بها.
  • الثمرة قراءتها في الصلاة. الشافعية: واجبة مع الفاتحة في كل ركعة، ويجهر بها في الجهرية. الحنفية والحنابلة: تقرأ سرا سنة. المالكية: تكره في الفريضة على المشهور.

تنبيه لماذا لا يكفّر من نفى البسملة أو أثبتها؟

القطع حاصل بأنها مكتوبة في المصحف بإجماع الصحابة، وكونها آية في أول كل سورة بعينه موضع اجتهاد فيه شبهة قوية من الجانبين، والتكفير لا يكون إلا بإنكار مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة.

١ قطعية الثبوت وظنية بعض الدلالات

القرآن كله قطعي الثبوت. أما دلالته فمنها القطعي، كقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] في العدد، ومنها الظني، كدلالة «القرء» على الحيض أو الطهر، ودلالة العام عند الجمهور.

أداة تفكير شبكة الثبوت والدلالة

تُرسم المربعات الأربعة هكذا، ويوضع فيها كل نص يُحتج به:

قطعي الدلالة ظني الدلالة
قطعي الثبوت آية مفسرة أو محكمة، كعدد الجلد مئة آية فيها لفظ مشترك أو عام، كالقرء
ظني الثبوت خبر واحد صريح لا يحتمل غير معناه خبر واحد محتمل الدلالة

وعليها يبني الحنفية تقسيم الطلب: ما ثبت بقطعي الثبوت والدلالة فرض، وما فيه شبهة في أحد الطرفين واجب (الحكم التكليفي)، فالقراءة في الصلاة فرض بآية ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وتعيين الفاتحة واجب بخبر الواحد.

وحد الأداة: الشبكة تصنف الدليل الواحد، وقد تتضافر أدلة ظنية فيرتفع مجموعها إلى القطع، كما يقرر الشاطبي في الاستقراء المعنوي.

٢ المحكم والمتشابه

قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]. والمحكم عند جمهور المتكلمين: ما اتضح معناه، والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه أو لم يتضح معناه إلا بنظر دقيق. فمن وقف على ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] جعل المتشابه ما لا يعلمه إلا الله، كحقائق الغيب ووقت الساعة، ومن وصل جعل الراسخين يعلمون تأويله. وللحنفية فيهما اصطلاح خاص: المحكم أعلى مراتب الوضوح، لا يحتمل تأويلا ولا نسخا، والمتشابه أعلى مراتب الخفاء (طرق الدلالة بين المنهجين). والذي يعني الأصولي هنا أن ما يتعلق به العمل مبين أو قابل للبيان، إذ لا يكلف الله بما لا يُفهم.

٣ المعرب والمجاز في القرآن

المعرب لفظ استعملته العرب في معنى وُضع له في غير لغتها، كالمشكاة والقسطاس والإستبرق. أنكر الشافعي في الرسالة وقوعه في القرآن، تمسكا بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، وأثبته آخرون بما نُقل عن ابن عباس وعكرمة، وألف فيه السيوطي «المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب». وجمع أبو عبيد القاسم بن سلام بين القولين بأن أصولها أعجمية ثم عربتها العرب فصارت عربية، والخلاف لفظي لا يتعلق به حكم عملي.

وأما المجاز في القرآن فالجمهور على وقوعه، وأنكره قوم من أهل الظاهر وابن خويز منداد من المالكية، وأنكر ابن تيمية وابن القيم تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز أصلا (مبادئ لغوية).

١ السنة: حجيتها ومنزلتها

السنة في اصطلاح الأصوليين: ما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن، من قول أو فعل أو تقرير. والأصولي يبحث فيها من جهة ما يصلح دليلا للحكم، فلا يدخل عنده وصف الخلقة الذي يدخل عند المحدثين.

وحجيتها ثابتة بالقرآن: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، و﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: ٤]، وبإجماع الصحابة على الرجوع إليها، وبأن العمل بالقرآن نفسه لا يتم إلا بها، فكيفية الصلاة ومقادير الزكاة ومناسك الحج مأخوذة منها. وفي حديث المقدام بن معديكرب: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» رواه أبو داود وأحمد، وإسناده صحيح.

١ منزلة السنة من القرآن

السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه:

  1. مؤكدة: توافقه في الحكم، فيتوارد الدليلان على حكم واحد، كأحاديث وجوب الصلاة والزكاة وتحريم الربا.

  2. مبينة: تفصل مجمله، وتخصص عامه، وتقيد مطلقه. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. ومنه بيان الصلاة بالفعل: «صلوا كما رأيتموني أصلي» رواه البخاري، وبيان المناسك: «لتأخذوا مناسككم» رواه مسلم.

  3. مستقلة بالتشريع: تأتي بحكم سكت عنه القرآن، كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها (متفق عليه)، وتحريم كل ذي ناب من السباع (متفق عليه)، وإعطاء الجدة السدس.

والوجهان الأولان محل اتفاق. والثالث يثبته الجمهور قسما قائما، ويرد الشافعي في الرسالة والشاطبي في الموافقات كل سنة إلى أصل في الكتاب. والجميع يعملون بهذه الأحكام، والخلاف في وصف علاقتها بالقرآن (النسخ).

١ أقسام السنة: القول والفعل والتقرير

السنة القولية أقوى الأقسام دلالة، لأن اللفظ وُضع للإفهام، وتجري عليها مباحث الألفاظ كلها في الباب الرابع.

٢ أفعال النبي ﷺ

الفعل لا صيغة له، فدلالته على الحكم تحتاج إلى معرفة وجهه، ولهذا قسمه الأصوليون:

  1. الأفعال الجبلية: ما فعله بمقتضى الطبع، كالقيام والأكل والنوم. حكمها الإباحة، ولا يتأسى بها على وجه القربة عند الجمهور، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يتتبعها حبا. ويتردد بين الجبلي والشرعي ما وقع في عبادة، كجلسة الاستراحة في الصلاة، والركوب في الحج، والنزول بالمحصب. فالشافعية جعلوا جلسة الاستراحة سنة، والحنفية والمالكية حملوها على الحاجة عند الكبر، وهو المذهب عند الحنابلة، وعن أحمد رواية بسنيتها.

  2. الأفعال الخاصة به: ما ثبت بدليل أنه خاص به، كالوصال في الصوم، لقوله: «إني لست كهيئتكم» (متفق عليه)، والزيادة على أربع نسوة، ووجوب قيام الليل عليه في قول. فلا يقتدى به فيها.

  3. الأفعال البيانية: ما وقع بيانا لمجمل، فحكمه حكم المبين: إن بيّن واجبا فهو واجب، وإن بيّن مندوبا فمندوب. ويُعرف كونه بيانا بالقول («صلوا كما رأيتموني أصلي»)، أو بقرينة الحال، كقطعه يد السارق من الكوع بيانا لآية السرقة.

  4. الأفعال المطلقة: ما لم يظهر فيه شيء من ذلك. فإن عُلمت صفته من وجوب أو ندب أو إباحة فأمته مثله، لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وإن لم تُعلم صفته ففيه أقوال: الوجوب، ونُسب إلى مالك في رواية وابن سريج وجماعة من الحنابلة؛ والندب، وهو المنقول عن الشافعي وعليه كثير من أصحابه؛ والإباحة؛ والتوقف، واختاره جماعة من المتكلمين كالغزالي. والتفريق بين ما ظهر فيه قصد القربة فيحمل على الندب، وما لم يظهر فيه فيحمل على الإباحة، وهو المنقول عن الكرخي، أقرب الأقوال إلى عمل الفقهاء.

تنبيه الفعل لا عموم له

الفعل واقعة عين لا تعم الأحوال كما يعم القول، ولهذا يقدم الجمهور القول على الفعل عند التعارض، ويحملون الفعل المخالف للقول العام على الخصوصية أو بيان الجواز (التعارض والترجيح).

٢ التقرير

التقرير: أن يعلم النبي ﷺ بقول أو فعل صدر بحضرته أو في زمنه، فيسكت عنه قادرا على الإنكار، أو يستبشر به. وهو دال على الجواز، لأنه لا يسكت على منكر. وشرطه علمه، وقدرته على الإنكار، وألا يكون الفاعل كافرا معاندا.

ومن ثمرة النظر في وجه التقرير: قصة مجزز المدلجي حين رأى أقدام أسامة وزيد فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فسُر النبي ﷺ بذلك (متفق عليه). فاحتج به الشافعية والحنابلة على اعتبار القيافة في إثبات النسب، والمالكية في الجملة، والمشهور عندهم قصرها على أولاد الإماء. وقال الحنفية: سروره كان لقطع طعن المنافقين في نسب أسامة بما يعتقدونه، والنسب ثابت قبل ذلك بالفراش، فلا يدل على أن القيافة طريق شرعي للإثبات. فالخلاف هنا في تحديد محل التقرير: هل أقر الطريق أم أقر النتيجة؟

١ السنة من جهة السند

١ المتواتر

المتواتر: خبر جمع يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب، عن مثلهم إلى منتهى السند، ومستندهم الحس. وهو يفيد العلم الضروري عند الجمهور، ولا يشترط فيه عدد معين على الصحيح.

والمتواتر قسمان: لفظي، كحديث «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (متفق عليه، ورواه جمع كبير من الصحابة)؛ ومعنوي، تختلف ألفاظ رواياته وتتفق على قدر مشترك، كأحاديث رفع اليدين في الدعاء، والمسح على الخفين.

٢ المشهور عند الحنفية

انفرد الحنفية بقسم ثالث بين المتواتر والآحاد هو المشهور: ما كان آحادا في الطبقة الأولى من الصحابة، ثم انتشر في عصر التابعين وتابعيهم حتى نقله جمع لا يتوهم تواطؤهم على الكذب، وتلقته الأمة بالقبول. ومثلوا له بحديث المسح على الخفين، وحديث الرجم، و«لا وصية لوارث»، وقراءة ابن مسعود في التتابع.

وحكمه عندهم أنه يفيد طمأنينة القلب، وهي دون اليقين وفوق الظن، على قول عيسى بن أبان وأكثرهم، وذهب الجصاص إلى أنه يفيد العلم. وجاحده يضلل ولا يكفر. وثمرته الكبرى أنه يزاد به على الكتاب ويخصص به عامه ابتداء، وخبر الواحد لا يقوى على ذلك عندهم: فمسح الخفين ثبت بالمشهور زيادة على آية الوضوء، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها خص عموم ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. والمشهور عند الجمهور نوع من الآحاد يقوى بكثرة طرقه ولا يخرج عن الظن.

تنبيه المشهور عند الحنفية غير المشهور عند المحدثين

المشهور عند المحدثين ما رواه ثلاثة فأكثر في كل طبقة ولم يبلغ التواتر، وهو من الآحاد. والمشهور عند الحنفية يُنظر فيه إلى انتشاره في القرن الثاني والثالث وتلقي الأمة له.

١ الآحاد وحجيته

خبر الواحد: ما لم يبلغ حد التواتر، رواه واحد أو أكثر. وهو يفيد الظن عند الجمهور، ويفيد العلم إذا احتفت به القرائن عند جماعة، كما في أحاديث الصحيحين التي تلقتها الأمة بالقبول عند ابن الصلاح ومن وافقه، وعن أحمد رواية أنه يفيد العلم.

وأما العمل به فواجب عند جماهير العلماء من المذاهب الأربعة، وخالف فيه بعض المعتزلة. ودليل الوجوب: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]، والطائفة تصدق على الواحد؛ ومفهوم قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، فخبر العدل لا يلزم فيه التبين؛ وإرسال النبي ﷺ الآحاد إلى الآفاق، كبعث معاذ إلى اليمن (متفق عليه)؛ وتحول أهل قباء إلى الكعبة في الصلاة بخبر رجل واحد (متفق عليه).

ويشترط في الراوي عند الجميع: الإسلام، والتكليف عند الأداء، والعدالة، والضبط. وتفصيل الجرح والتعديل في علوم الحديث.1

من المتون الورقات للجويني

وأما الأخبار، فالخبر ما يدخله الصدق والكذب. [...] فالمتواتر ما يوجب العلم، وهو أن يروي جماعة لا يقع التواطؤ على الكذب من مثلهم إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه، فيكون في الأصل عن مشاهدة أو سماع لا عن اجتهاد. والآحاد هو الذي يوجب العمل ولا يوجب العلم.

الحل: الخبر ما يحتمل الصدق والكذب لذاته. وفي حد المتواتر ثلاثة قيود: «جماعة لا يقع التواطؤ على الكذب من مثلهم»، وهو قيد الكثرة المحيلة للكذب عادة؛ و«إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه»، أي في كل طبقة إلى منتهى السند؛ و«عن مشاهدة أو سماع لا عن اجتهاد»، فاتفاق جمع على رأي اجتهادي لا يجعله متواترا. وجعل الآحاد ما «يوجب العمل ولا يوجب العلم»، فجمع مذهب الجمهور في المسألتين: وجوب العمل به، وإفادته الظن. ولم يذكر قسم المشهور، لأن التقسيم الثلاثي حنفي.

٢ شروط العمل بخبر الواحد بين المذاهب

اختلفت المذاهب في شروط زائدة على صحة السند، ترجع إلى سؤال واحد: هل تدل قرائن خارجية على علة خفية في الخبر الصحيح السند؟ فالحنفية والمالكية نظروا في هذه القرائن، والشافعية والحنابلة اكتفوا بصحة السند واتصاله.

٢ الحنفية: الانقطاع الباطن

قسم الحنفية، كالبزدوي والسرخسي، الانقطاع إلى ظاهر في السند، وباطن: أن يصح السند ويقترن بالخبر ما يدل على خلل فيه، وذلك في مواضع:

  • أن يخالف الكتاب، كرد عمر رضي الله عنه حديث فاطمة بنت قيس في نفي السكنى والنفقة للمبتوتة، وقوله: «لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت» رواه مسلم.
  • أن يخالف السنة المشهورة.
  • أن يكون فيما تعم به البلوى.
  • أن يعرض عنه الصحابة عند اختلافهم في المسألة، فلا يحتج به أحد منهم.

ويُضم إليها شرطان في الراوي: ألا يخالف الراوي ما رواه، وأن يكون فقيها إذا خالف خبره القياس من كل وجه، على قول بعضهم.

مسألة خلافية هل يقبل خبر الواحد فيما تعم به البلوى؟

  • الحنفية لا يقبل عند الكرخي وجمهور المتأخرين، لأن ما يحتاج إليه الكافة تتوافر الدواعي على نقله، فانفراد الواحد به أمارة على سهو أو نسخ.
  • المالكية يقبل، ولا يرد لعموم البلوى، وإنما يقدم عليه عند مالك عمل أهل المدينة.
  • الشافعية يقبل، ولا أثر لعموم البلوى، لأن الصحابة قبلوا الأخبار فيما تعم به البلوى، كخبر عائشة في الغسل من التقاء الختانين.
  • الحنابلة يقبل.
  • سبب الخلاف هل العادة تقضي بشيوع نقل ما تعم الحاجة إليه، فيكون الانفراد قرينة على الخلل؟ أم أن الناس قد يكتفون بالعمل عن الرواية، فلا يلزم من عموم الحاجة كثرة الرواة؟
  • الثمرة نقض الوضوء بمس الذكر. حديث بسرة بنت صفوان: «من مس ذكره فليتوضأ» رواه مالك وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح. الحنفية: لا ينقض، لأن المس مما تعم به البلوى، فلو كان ناقضا لاشتهر، ولهم معه حديث طلق بن علي: «إنما هو بضعة منك» رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وصححه ابن حبان. الشافعية: ينقض المس ببطن الكف والأصابع. الحنابلة: ينقض المس باليد بطنا وظهرا على المذهب. المالكية: ينقض ببطن الكف أو الأصابع أو جنبها على المعتمد.

ومن هذا الباب رفع اليدين عند الركوع والرفع منه: حديث ابن عمر فيه متفق عليه، وأخذ به الشافعية والحنابلة. والحنفية لا يرفعون إلا عند الافتتاح، بحديث ابن مسعود (رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وضعفه ابن المبارك وأبو داود) وبعموم البلوى. والمشهور عند المالكية، رواية ابن القاسم، عدم الرفع، ومأخذهم العمل.

مسألة خلافية إذا خالف الراوي ما رواه، فالعبرة بما روى أم بما رأى؟

  • الحنفية العبرة بما رأى، إذا كانت مخالفته بعد الرواية، ولم يحتمل خفاء الخبر عليه، لأن العدل لا يترك ما رواه إلا عن علم بناسخ أو دليل.
  • المالكية العبرة بما روى عند الأكثر.
  • الشافعية العبرة بما روى، لأن الحجة في كلام النبي ﷺ لا في اجتهاد الراوي، وقد يترك الراوي العمل لنسيان أو تأويل.
  • الحنابلة العبرة بما روى على الصحيح، وعن أحمد رواية بالأخذ بقول الراوي.
  • سبب الخلاف هل مخالفة الراوي قرينة على علمه بنسخ أو تأويل، أم اجتهاد منه لا يلزم غيره؟
  • الثمرة عدد الغسلات من ولوغ الكلب. حديث أبي هريرة: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا» متفق عليه، وفي رواية لمسلم: «أولاهن بالتراب». الحنفية: يغسل ثلاثا، لأن أبا هريرة راوي السبع أفتى بالثلاث فيما رواه الطحاوي والدارقطني. الشافعية والحنابلة: سبعا إحداهن بالتراب. المالكية: يندب غسله سبعا تعبدا، مع حكمهم بطهارة الكلب وطهارة الماء.

ويتصل بهذا الباب إنكار الأصل ما رواه عنه الفرع، ويسمى عند المحدثين «من حدّث ونسي». فإن جزم الشيخ بالنفي رُدّ الحديث عند الأكثر دون جرح أحدهما. وإن قال: لا أذكره، قبله الجمهور، لأن الفرع ثقة جازم والنسيان لا يبطل جزمه. ورده الكرخي وجماعة من الحنفية، ويُنقل عن أبي يوسف، لأن الفرع فرع للأصل، فإذا لم يثبته الأصل لم يثبت. ومثاله حديث عائشة: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل» رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم، من طريق سليمان بن موسى عن الزهري؛ ونُقل عن ابن جريج أنه سأل الزهري عنه فلم يعرفه. فرد الحنفية الحديث بذلك، ومعه عندهم أن عائشة زوّجت حفصة بنت أخيها عبد الرحمن وهو غائب، فخالفت ما روت. وأجاب الجمهور بأن الراوي ثقة، وبأن حكاية ابن جريج تفرد بها إسماعيل ابن علية وضعفها يحيى بن معين. وتخريج النكاح بلا ولي على هذه الأصول في تخريج الفروع على الأصول.

مسألة خلافية إذا خالف خبر الواحد القياس، هل يشترط فقه الراوي؟

  • الحنفية قال عيسى بن أبان، وتبعه الدبوسي والبزدوي والسرخسي: الراوي المعروف بالعدالة والضبط دون الفقه، إذا خالف خبره القياس من كل وجه حتى انسد باب الرأي، قدم القياس، لاحتمال أن يكون روى بالمعنى ففاته المقصود. وقال الكرخي وأتباعه: لا يشترط فقه الراوي، ويقدم الخبر على القياس.
  • المالكية المعتمد عند المحققين كالباجي تقديم الخبر، ونقل ابن القصار عن مالك تقديم القياس، وعمل المذهب على رد الخبر إذا خالف القواعد القطعية أو العمل.
  • الشافعية يقدم الخبر على القياس مطلقا، ولا يشترط فقه الراوي.
  • الحنابلة يقدم الخبر على القياس، بل يقدم أحمد الحديث الضعيف على القياس في نقل أصحابه.
  • سبب الخلاف الخبر يحتمل الوهم في النقل، والقياس المستند إلى أصول ثابتة يحتمل الخطأ في الإلحاق، فأي الاحتمالين أقرب؟
  • الثمرة حديث المصراة: «لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها: إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاع تمر» متفق عليه من حديث أبي هريرة. أبو حنيفة ومحمد: لا يرد بعيب التصرية ولا يجب الصاع، لأن الحديث خالف قياس الضمان بالمثل أو القيمة من كل وجه. الشافعية والمالكية والحنابلة وأبو يوسف في رواية: يردها وصاعا من تمر.
  • التحقيق الجمهور ومحققو الحنفية على أن أبا هريرة فقيه مفت، وكثير من متأخري الحنفية يجعلون المناط مخالفة الأصول المقطوع بها لا شخص الراوي، فيقرب مذهبهم من مذهب المالكية.

٢ المالكية: العرض على العمل والقواعد

يقبل المالكية خبر الواحد الصحيح ويحتجون به، ويعرضونه على أمرين:

  1. عمل أهل المدينة: العمل النقلي المتوارث، كالأذان والصاع والمد، نقل جماعة عن جماعة، فهو عند مالك أقوى من خبر الفرد (الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة).

  2. القواعد القطعية: إذا خالف الخبر أصلا قطعيا مستقرا ولم يعضده أصل آخر، تُوقف فيه أو أُول. ومنه عندهم حديث الولوغ: أخذوا بالعدد تعبدا، ولم يحكموا بنجاسة الكلب، لأن الأصل عندهم طهارة كل حي.

وأشهر ثمرات العرض على العمل خيار المجلس. حديث ابن عمر: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» متفق عليه، رواه مالك في الموطأ ثم قال عقبه: «وليس لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به فيه»، فنفاه المالكية بالعمل. ونفاه الحنفية بتأويل التفرق بالتفرق بالأقوال. وأثبته الشافعية والحنابلة بظاهر الحديث، وبفعل ابن عمر راويه، إذ كان إذا بايع رجلا فارقه ليلزم البيع (رواه البخاري)، فوافق فعل الراوي ما روى.

٢ الشافعية والحنابلة: صحة السند كافية

قرر الشافعي في الرسالة أن الخبر إذا صح سنده واتصل لزم العمل به، ولا يُعرض على عمل بلد ولا على قياس، وناظر في ذلك أهل المدينة وأهل العراق. ووافقه الحنابلة، والحديث الضعيف الذي يقدمه أحمد على القياس هو في اصطلاح أصحابه ما لم يبلغ رتبة الصحيح ولم يشتد ضعفه.

أداة تفكير سؤال سبب الخلاف

إذا رُدت هذه الخلافات إلى جذرها ظهر أنها في ثبوت الدليل لا في دلالته: الحنفية والمالكية يردون الخبر الصحيح السند بقرينة خارجية، والشافعية والحنابلة لا يعتبرونها مسقطة. وقد رد ابن تيمية في رفع الملام أعذار الأئمة في ترك الحديث إلى ثلاثة أصناف: عدم اعتقاد ثبوته، أو عدم اعتقاد دلالته على المسألة، أو اعتقاد نسخه.

وحد الأداة: رد الفرع إلى سبب واحد تبسيط؛ ففي مس الذكر اجتمع عند الحنفية عموم البلوى وحديث طلق المعارض.

٢ المرسل

المرسل عند المحدثين: ما رفعه التابعي إلى النبي ﷺ. وعند الأصوليين قول العدل الذي لم يلق النبي ﷺ: قال رسول الله ﷺ، فيدخل فيه المنقطع والمعضل. ومرسل الصحابي حجة عند الجمهور، لأن الصحابة عدول.

مسألة خلافية هل المرسل حجة؟

  • الحنفية حجة، إذا كان المرسل ثقة من أهل القرون الثلاثة، بل قدمه بعضهم كعيسى بن أبان على المسند، لأن الثقة لا يجزم بنسبة القول إلى النبي ﷺ إلا وقد وثق بمن حدثه. ومرسل من بعد القرون الثلاثة يقبل إذا كان المرسل إماما، وفيه خلاف عندهم.
  • المالكية حجة، وهو مذهب مالك وأصحابه في الجملة، والموطأ فيه مراسيل وبلاغات كثيرة.
  • الشافعية ليس حجة بذاته. وقبله الشافعي في الرسالة بشروط: أن يكون المرسل من كبار التابعين الذين لقوا جماعة من الصحابة، وأن يعتضد بواحد من أربعة: مسند يوافقه، أو مرسل آخر من غير طريقه، أو قول صحابي، أو فتوى أكثر أهل العلم بمعناه، وأن يكون المرسل إذا سمّى لم يسم مجهولا ولا مرغوبا عن الرواية عنه، وإذا شارك الحفاظ في حديث لم يخالفهم. وقال في مراسيل سعيد بن المسيب ما معناه إن إرساله عنده حسن، وفُسر بالاستحسان مع بقاء شرط الاعتضاد، كما قرره النووي والخطيب.
  • الحنابلة عن أحمد روايتان، والذي عليه جماعة من أصحابه قبوله، ويقدم عليه المتصل.
  • سبب الخلاف هل إسقاط الثقة للواسطة توثيق ضمني لها، أم أن جهالة الواسطة تمنع الحكم بعدالتها، والعدالة شرط؟
  • الثمرة نقض الوضوء بالقهقهة في الصلاة. الحنفية: تنقض الوضوء والصلاة، بمرسل أبي العالية، مع مخالفته القياس. الجمهور: تبطل الصلاة دون الوضوء. وبيع اللحم بالحيوان: منعه الشافعية والمالكية والحنابلة في الجملة بمرسل سعيد بن المسيب، وأجازه أبو حنيفة وأبو يوسف؛ فالشافعي يأخذ بالمرسل المعتضد، والحنفي القائل بالمرسل قد يتركه لمعارض.

صلة الفصل بغيره

خلاصة الفصل

  1. حد الحنفية للقرآن مبني على طريق ثبوته، وحد المتكلمين على خصائصه: الإعجاز والتعبد بالتلاوة.

  2. التواتر شرط القرآنية، فما نُقل آحادا فليس قرآنا ولا تصح الصلاة به.

  3. القراءة الشاذة حجة كخبر الواحد عند الحنفية والحنابلة، وليست حجة عند المالكية، وللشافعية قولان؛ وثمرتها التتابع في كفارة اليمين.

  4. البسملة آية مستقلة عند الحنفية والحنابلة، ومن الفاتحة عند الشافعية، وليست آية إلا في النمل عند المالكية؛ وثمرتها حكم قراءتها في الصلاة.

  5. القرآن قطعي الثبوت كله، ودلالته منها القطعي والظني.

  6. السنة حجة بالكتاب والإجماع، وهي مع القرآن مؤكدة أو مبينة أو مستقلة بالتشريع.

  7. أفعال النبي ﷺ: جبلية، وخاصة به، وبيانية حكمها حكم المبين، ومطلقة: ما عُلمت صفته فأمته مثله، وما لم تعلم ففيه أربعة أقوال.

  8. التقرير دليل الجواز بشرط العلم والقدرة على الإنكار، والنظر في محل التقرير يحدد ما يثبت به.

  9. السنة من جهة السند: متواتر يفيد العلم، وآحاد يوجب العمل ويفيد الظن، والمشهور قسم ثالث عند الحنفية يزاد به على الكتاب.

  10. شروط الحنفية الزائدة: ألا يخالف الكتاب أو السنة المشهورة، وألا يكون فيما تعم به البلوى، وألا يخالفه راويه، وفقه الراوي عند مخالفة القياس عند عيسى بن أبان ومن تبعه. وإذا نسي الأصل ما رواه عنه الفرع قبله الجمهور ورده جماعة من الحنفية.

  11. المالكية يعرضون الخبر على عمل أهل المدينة النقلي والقواعد القطعية، والشافعية والحنابلة يكتفون بصحة السند.

  12. المرسل حجة عند الحنفية والمالكية، وعند الشافعي بشروط الاعتضاد، وعن أحمد روايتان.

تمارين

  1. صنف كل نص في خانته من شبكة الثبوت والدلالة: (أ) ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]؛ (ب) قراءة «متتابعات»؛ (ج) حديث «من مس ذكره فليتوضأ».

  2. لماذا لا تصح الصلاة بالقراءة الشاذة عند من يحتج بها في الأحكام؟ بيّن ذلك بقيود حد القرآن.

  3. حنفي يقول: قراءة الفاتحة واجبة لا فرض. اربط قوله بمبحثي هذا الفصل.

  4. صنف الأفعال الآتية: (أ) وصاله ﷺ في الصوم؛ (ب) قطعه يد السارق من الكوع؛ (ج) نومه على جنبه الأيمن؛ (د) جلسة الاستراحة.

  5. قارن بين مأخذ الحنفية ومأخذ المالكية في نفي خيار المجلس.

  6. حديث المصراة رواه أبو هريرة وخالف القياس عند أبي حنيفة. ما الأصل الذي رد به أبو حنيفة ومحمد الحديث؟ وما جواب الجمهور؟

  7. رد هذا الفرع إلى أصله: الحنفي يقول بنقض الوضوء بالقهقهة في الصلاة، ولا يقول بنقضه بمس الذكر، مع أن دليل الأول مرسل ودليل الثاني مسند.

أجوبة التمارين

  1. (أ) قطعي الثبوت والدلالة في العدد. (ب) ظني الثبوت، قطعي الدلالة على التتابع. (ج) ظني الثبوت، ظني الدلالة في محل الخلاف (صفة المس).

  2. لأن القرآن ما نقل تواترا ويتعبد بتلاوته، والشاذ لم يتواتر. أما الاحتجاج به فلأنه خبر عدل يكفي فيه الظن.

  3. الفرض عندهم ما ثبت بقطعي، وأصل القراءة ثبت بآية المزمل، وتعيين الفاتحة بخبر واحد فهو واجب، وجعلها ركنا زيادة على النص لا تثبت بالآحاد.

  4. (أ) خاص به. (ب) بياني لآية السرقة. (ج) جبلي، ويستحب لورود الأمر القولي به. (د) متردد: سنة عند الشافعية، ولحاجة عند الحنفية والمالكية والحنابلة على المذهب.

  5. المالكية تركوا ظاهر الحديث لعمل أهل المدينة، فالخلاف في ثبوت العمل به. والحنفية حملوا التفرق على التفرق بالأقوال، فالخلاف في الدلالة.

  6. شرط فقه الراوي عند عيسى بن أبان ومن تبعه، مع مخالفة الحديث قياس ضمان المتلفات بالمثل أو القيمة. والجمهور: الخبر مقدم على القياس، وأبو هريرة فقيه، والحديث أصل مستقل.

  7. المرسل حجة عند الحنفية، فثبت به النقض بالقهقهة. وحديث بسرة رُد لأنه فيما تعم به البلوى ولمعارضته حديث طلق، فمدار الفرق على الشروط الزائدة على السند.


  1. المصادر الأساسية للفصل: الرسالة للشافعي (باب خبر الواحد، وباب المرسل)؛ أصول السرخسي (باب الكلام في قبول أخبار الآحاد، وأقسام الانقطاع)؛ المنار للنسفي وشرحه كشف الأسرار؛ إحكام الفصول للباجي؛ جمع الجوامع لابن السبكي وشرح المحلي؛ روضة الناظر لابن قدامة؛ الورقات للجويني؛ أثر الاختلاف في القواعد الأصولية لمصطفى الخن. ↩

النسخ

موقع الفصل من المنظومة

يقع النسخ على المحطتين الثانية والرابعة من خط الاستنباط. ففي الثانية يسأل الناظر بعد جمع الأدلة وفحص ثبوتها (الكتاب والسنة): هل ما زال هذا الحكم قائما، أم رُفع بعد ثبوته؟ وفي الرابعة يرد النسخ طريقا من طرق دفع التعارض بين دليلين، إلى جانب الجمع والترجيح (التعارض والترجيح). ومن أخطأ في هذا الباب بنى حكما على نص منسوخ، أو عطل نصا محكما بدعوى نسخ لا بينة عليها.

ويحتاج الفصل إلى ما تقرر في الكتاب والسنة من مراتب الثبوت (المتواتر والمشهور والآحاد)، لأن أكثر خلاف المذاهب هنا يرجع إلى سؤال: هل يقوى هذا الدليل على رفع ذاك؟1

سؤال الافتتاح

زان بكر أقيم عليه الحد مئة جلدة كما في سورة النور. فهل يتم حده بذلك، أم يُغرّب عاما أيضا لقوله ﷺ: «البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة»؟ وما صلة هذه المسألة بالنسخ، ولم يقل أحد إن الحديث نسخ الآية؟

١ حقيقة النسخ

النسخ في اللغة يطلق على الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل، وعلى النقل، يقال: نسخت الكتاب، أي نقلت ما فيه. وفي الاصطلاح: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ عنه.

وقيود الحد:

  • رفع الحكم: انقطاع تعلقه بالمكلف، فلا يبقى مطلوبا بعد أن كان مطلوبا. ويخرج به رفع البراءة الأصلية بأول الشرع، فإيجاب الصلاة بعد أن لم تكن واجبة ليس نسخا، لأن ما قبله حكم عقلي أو براءة لا حكم شرعي.
  • الشرعي: يخرج رفع الحكم العقلي.
  • بدليل شرعي: يخرج ارتفاع الحكم بالموت أو الجنون أو العجز، فهو سقوط للتكليف لا نسخ.
  • متراخ: يخرج المتصل كالاستثناء والشرط والغاية، فهي بيان لمقدار الحكم من أوله، لا رفع له بعد ثبوته.

وعبر كثير من الحنفية عنه بأنه بيان لانتهاء مدة الحكم: فهو في علم الله بيان لأمد كان مقدرا له، وفي حقنا رفع، لأننا كنا نظن بقاءه. والعبارتان تؤديان معنى واحدا في العمل، وإنما اختار الحنفية لفظ البيان فرارا من توهم البداء على الله تعالى.

من المتون الورقات للجويني

وأما النسخ فمعناه لغة: الإزالة، وقيل: معناه النقل [...] وحده: الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه.

الحل: «الخطاب الدال» جنس الناسخ، وهو كلام الشارع، فلا يكون الناسخ عقلا ولا إجماعا. و«رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم» يخرج رفع البراءة الأصلية، لأنها لم تثبت بخطاب. و«على وجه لولاه لكان ثابتا» يخرج ما كان مؤقتا في نفسه، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فانتهاء الصوم بالليل انتهاء لحكم مؤقت، لا نسخ. و«مع تراخيه عنه» يخرج المخصصات المتصلة. فاجتمعت في عبارة الجويني قيود الحد الأربعة التي ذكرناها، بترتيب مختلف.

١ جواز النسخ ووقوعه

النسخ جائز عقلا، لأن الأحكام مصالح للعباد، والمصلحة تختلف باختلاف الأزمان والأحوال، فيجوز أن يكون الحكم مصلحة في وقت ثم يكون غيره مصلحة في وقت آخر، والله يعلم ذلك كله أزلا. وهو واقع شرعا بإجماع المسلمين، ودليله قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، و﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١]، ووقوعه في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤].

ونُقل عن أبي مسلم الأصفهاني (ت ٣٢٢هـ)، من المعتزلة، إنكار وقوع النسخ في القرآن، تمسكا بقوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]. وأجاب الجمهور بأن الباطل المنفي هو الكذب والتناقض، والمنسوخ حق من عند الله في وقته. وحقق جماعة من الأصوليين أن أبا مسلم يسمي النسخ تخصيصا في الأزمان، فيقول: كان الحكم مغيا بغاية في علم الله ثم ظهرت، فخلافه أقرب إلى اللفظي. ولذلك تجد خلافه في آحاد الآيات: آية العدة حولا يحملها على أنها في وصية مستحبة لا عدة، وآية المصابرة يحملها على حال دون حال، وهكذا.

٢ حكمة النسخ

  • التدرج: نقل الناس من عادة مستحكمة إلى الشرع على مراحل، كتحريم الخمر: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، ثم ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ﴾ [النساء: ٤٣]، ثم ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]. ومن العلماء من يعد هذا تدرجا في البيان لا نسخا، لأن الأوليين لم تبيحا الشرب إباحة شرعية.
  • الابتلاء: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
  • التخفيف والرحمة: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦].
  • رعاية المصلحة المتغيرة في زمن التشريع، مع ختم ذلك بانقطاع الوحي، فلا نسخ بعد وفاة النبي ﷺ.

١ شروط النسخ

  1. أن يكون المنسوخ حكما شرعيا عمليا. فلا نسخ في العقائد، ولا في أصول الأخلاق كالعدل والصدق، ولا في الأخبار المحضة، لأن نسخ الخبر تكذيب له. أما الخبر الذي بمعنى الطلب فيدخله النسخ.

  2. أن يكون الناسخ خطابا شرعيا، فلا يُنسخ بالعقل ولا بالقياس ولا بالإجماع، لأن الإجماع لا يكون إلا بعد وفاة النبي ﷺ، ولا نسخ بعدها. وإذا أجمعوا على ترك نص دل إجماعهم على وجود ناسخ، فالإجماع دليل على النسخ لا ناسخ.

  3. أن يكون الناسخ متراخيا عن المنسوخ.

  4. ألا يكون المنسوخ مؤقتا بوقت ينتهي بانتهائه، ولا مؤبدا بنص يمنع رفعه.

  5. أن يكون الناسخ مساويا للمنسوخ أو أقوى منه في الثبوت عند الجمهور، فلا يُرفع المتواتر بالآحاد، كما يأتي.

  6. تعذر الجمع بين الدليلين، فإن أمكن الجمع بتخصيص أو تقييد أو حمل على حالين لم يُصر إلى النسخ عند الجمهور، لأن إعمال الدليلين أولى من إبطال أحدهما.

١ الفرق بين النسخ وما يشتبه به

النسخ التخصيص التقييد البداء
موضوعه رفع الحكم في الزمان بعد ثبوته قصر العام على بعض أفراده تضييق المطلق بوصف ظهور أمر بعد خفائه
الدليل متراخ متصل أو منفصل متصل أو منفصل
بقاء الأصل يرتفع العمل بالمنسوخ في محل النسخ يبقى العام حجة في الباقي يبقى المطلق معمولا به مقيدا
الأخبار لا يدخلها يدخلها يدخلها
في حق الله بيان لما علمه أزلا بيان للمراد بيان للمراد محال

فالتخصيص يُخرج أفرادا كانت تبدو داخلة في اللفظ، والنسخ يُخرج زمانا كان الحكم يبدو شاملا له. ولذلك سمى بعضهم النسخ «تخصيصا في الأزمان». والبداء نشأة رأي جديد لم يكن، وهو محال على الله، ومنه شبهة من أنكر النسخ. والفرق أن الله يعلم في الأزل أن الحكم مصلحة إلى وقت معين، فإذا جاء الناسخ ظهر لنا ما كان معلوما له.

مسألة خلافية هل المخصص المتأخر نسخ؟

  • الحنفية المخصص المستقل يشترط أن يكون مقارنا للعام، فإن تراخى عنه فهو ناسخ لما تناوله من أفراد، لا مخصص؛ لأن العام عندهم قطعي يوجب العمل في كل أفراده، فإذا رفع الحكم عن بعضهم بعد ثبوته كان رفعا.
  • الجمهور التخصيص بيان، فيجوز تأخره عن العام ما لم يتأخر عن وقت الحاجة إلى العمل.
  • سبب الخلاف قطعية دلالة العام عند الحنفية وظنيتها عند الجمهور.
  • الثمرة ما ثبت عند الحنفية نسخا يُشترط فيه شروط الناسخ، فلا يقوى عليه خبر الواحد. وتفصيله في العام والخاص والتعارض والترجيح.

تنبيه النسخ في لسان السلف أوسع منه عند الأصوليين

كان الصحابة والتابعون يسمون تخصيص العام، وتقييد المطلق، وبيان المجمل، ورفع ما يُتوهم من ظاهر اللفظ «نسخا». وقد نبه على ذلك ابن تيمية والشاطبي في الموافقات وابن القيم. فإذا وجدت في تفسير منقول «هذه الآية نسختها آية كذا»، فقد يكون المراد التخصيص أو البيان. وعدم التنبه لهذا من أكبر أسباب تضخم دعاوى النسخ، كما يأتي في آخر الفصل.

١ طرق معرفة الناسخ

لا يثبت النسخ بالاحتمال ولا بالاجتهاد المجرد، لأن الأصل بقاء الحكم. ويُعرف الناسخ بطرق:

  1. النص الصريح من الشارع: كقوله ﷺ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» رواه مسلم.

  2. قول الصحابي إن هذا كان آخر الأمرين: كقول جابر: «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار» رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان. أما قول الصحابي «هذا منسوخ» دون ذكر الناسخ، ففي قبوله خلاف: قبله جماعة، وتوقف فيه الأكثرون لاحتمال أن يكون عن اجتهاد منه.

  3. العلم بالتاريخ: كأن يُعلم أن أحد الحكمين كان في غزوة كذا والآخر بعدها.

  4. الإجماع: إجماع الأمة على ترك العمل بنص، فيدل على ناسخ قد لا ينقل إلينا، كما سبق.

ولا يثبت النسخ بأمور: تأخر الآية في ترتيب المصحف، فالترتيب ليس على النزول؛ ولا بحداثة سن الراوي أو تأخر إسلامه وحده، لأنه قد يروي عن غيره ما تقدم؛ ولا بموافقة أحد النصين للبراءة الأصلية.

٢ أنواع النسخ من جهة التلاوة والحكم

ثلاثة أنواع، كلها جائز عند الجمهور وواقع:

  1. نسخ الحكم وبقاء التلاوة: وهو أكثرها، كعدة المتوفى عنها حولا في قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، على قول الجمهور. وحكمة بقاء التلاوة: الثواب بها، وتذكير الأمة بنعمة التخفيف.

  2. نسخ التلاوة وبقاء الحكم: كآية الرجم التي ذكرها عمر رضي الله عنه في خطبته (متفق عليه).

  3. نسخ التلاوة والحكم معا: كقول عائشة رضي الله عنها: «كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات» رواه مسلم.

ومنع بعض المعتزلة نسخ التلاوة دون الحكم وعكسه، لأن الحكم تابع للتلاوة عندهم. والجواب: التلاوة حكم، ومدلولها حكم آخر، فيجوز رفع أحدهما دون الآخر، وقد وقع.

١ الناسخ والمنسوخ من جهة الرتبة

اتفقوا على جواز نسخ القرآن بالقرآن، والسنة المتواترة بمثلها، والآحاد بالآحاد وبالمتواتر. واختلفوا فيما سوى ذلك.

من المتون الورقات للجويني

ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب، ونسخ السنة بالكتاب، ونسخ السنة بالسنة، ولا يجوز نسخ الكتاب بالسنة. ويجوز نسخ المتواتر بالمتواتر منهما، ونسخ الآحاد بالآحاد وبالمتواتر، ولا يجوز نسخ المتواتر بالآحاد.

الحل: قرر الجويني في متنه المختصر أربع مسائل: جواز نسخ السنة بالكتاب، خلافا لقول الشافعي في الرسالة، ومنع نسخ الكتاب بالسنة، موافقة له، ثم ضبط المسألة من جهة الثبوت: الأقوى يرفع الأضعف والمساوي، والأضعف لا يرفع الأقوى. و«منهما» أي من الكتاب والسنة، والمتواتر من الكتاب هو الكتاب كله. فيلزم من عبارته أن السنة المتواترة لا تنسخ القرآن، مع تساويهما في القطع، وهذا الموضع الذي يقع فيه الخلاف الأشهر.

مسألة خلافية هل يُنسخ القرآن بالسنة، والسنة بالقرآن؟

  • الحنفية يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة والمشهورة، لأن الكل وحي، والناسخ في الحقيقة هو الله تعالى، والرسول مبلغ. ويجوز نسخ السنة بالقرآن.
  • المالكية يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة عند الجمهور منهم كالباجي والقرافي، ويجوز نسخ السنة بالقرآن.
  • الشافعية نص الشافعي في الرسالة على أن القرآن لا يُنسخ إلا بقرآن، وأن السنة لا تنسخها إلا سنة، وأن الله لو نسخ سنة بقرآن لسنّ رسوله ﷺ سنة تبين ذلك. وخالفه كثير من أصحابه في جواز نسخ السنة بالقرآن، وفي الجواز العقلي لنسخ القرآن بالسنة المتواترة، وصحح ابن السبكي في جمع الجوامع الجواز في الجهتين، وحمل نص الشافعي على أن الناسخ إذا وقع بأحدهما كان معه من الآخر ما يعضده.
  • الحنابلة عن أحمد روايتان في نسخ القرآن بالسنة، والمنع أشهر عند كثير من أصحابه، ويجوز عندهم نسخ السنة بالقرآن.
  • سبب الخلاف هل يشترط التجانس بين الناسخ والمنسوخ، ففي قوله ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] ما يدل على أن الناسخ للآية آية؟ أم يكفي أن يكون الناسخ وحيا مساويا في الثبوت؟ ومعه: هل وظيفة السنة البيان وحده، فلا ترفع ما تبينه؟
  • الثمرة الوصية للوالدين والأقربين في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. اتفقوا على أنها لا تجب للوارث. والحنفية وكثير من المالكية: نسخت بحديث «لا وصية لوارث» (رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح، وابن ماجه)، وهو مشهور عند الحنفية متلقى بالقبول، مع آية المواريث. والشافعي: نسختها آية المواريث، والحديث مبين لذلك. فالحكم واحد والمأخذ مختلف، والخلاف نظري في أكثر صوره، وفائدته في فهم منزلة السنة من القرآن.

قال الشافعي في الرسالة، في باب ابتداء الناسخ والمنسوخ: «وأبان الله لهم أنه إنما نسخ ما نسخ من الكتاب بالكتاب، وأن السنة لا ناسخة للكتاب، وإنما هي تبع للكتاب، يمثل ما نزل نصا، ومفسرة معنى ما أنزل الله منه جملا». فمأخذه أن السنة مبينة، والمبين لا يرفع ما يبينه. وقال في السنة: «وهكذا سنة رسول الله، لا ينسخها إلا سنة لرسول الله». وغرضه من هذا كله صيانة منزلة السنة: فلا يقال إن سنة ثابتة خالفت القرآن فنسخها، لأن الله لو نسخها بقرآن لبين رسوله ذلك بسنة.

واستدل الجمهور على نسخ السنة بالقرآن بتحويل القبلة: فاستقبال بيت المقدس ثبت بالسنة الفعلية، ونُسخ بقوله ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. وأجاب الشافعية بأن السنة صاحبت الآية في التحويل، فالنسخ بهما معا.

٢ النسخ بخبر الواحد

الجمهور على أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن ولا السنة المتواترة، لأن الظني لا يرفع القطعي. وأجازه أهل الظاهر، وقال بعضهم بجوازه في زمن النبي ﷺ دون ما بعده، واستدلوا بتحول أهل قباء إلى الكعبة في صلاتهم بخبر واحد (متفق عليه). وأجاب الجمهور بأن خبر قباء احتفت به قرائن أفادت العلم، كما كانوا يتوقعون التحويل.

٢ النسخ إلى بدل وإلى غير بدل، والأخف والأثقل

  1. إلى بدل أخف: كنسخ مصابرة الواحد للعشرة في قوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] بمصابرة الواحد للاثنين في الآية بعدها.

  2. إلى بدل مساو: كنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة.

  3. إلى بدل أثقل: كنسخ التخيير بين الصوم والفدية في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] بتعيين الصوم في قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، كما في حديث سلمة بن الأكوع (متفق عليه). ومنعه بعض أهل الظاهر وبعض المعتزلة، لأن الله يريد بعباده اليسر. والجواب: الأثقل قد يكون أصلح، وثوابه أعظم، وقد وقع.

  4. إلى غير بدل: كنسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول ﷺ في قوله: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢]، بالآية بعدها. ومنعه بعضهم بظاهر ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. والجواب: إسقاط التكليف قد يكون هو الخير، أو يقال: البدل هو الرجوع إلى الإباحة الأصلية.

٣ النسخ قبل التمكن من الفعل

إذا أمر الشارع بفعل ثم نسخه قبل أن يمضي من الوقت ما يتسع لفعله، فهل يصح؟ الجمهور من الأشاعرة والفقهاء، ومعهم أكثر الحنفية، على الجواز إذا تمكن المكلف من اعتقاد الوجوب والعزم على الفعل، لأن الابتلاء يحصل بالاعتقاد والعزم. واستدلوا بأمر إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه ثم فدائه قبل الفعل، وبفرض خمسين صلاة ليلة المعراج ثم نسخها إلى خمس قبل التمكن (متفق عليه). ومنعه المعتزلة وبعض الحنفية، لأن الأمر بما يُعلم رفعه قبل التمكن منه عبث عندهم، وهذا مبني على قولهم في الحسن والقبح العقليين (نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية). وثمرته عقدية أكثر منها فقهية.

٢ الزيادة على النص

إذا ورد نص قطعي بحكم، ثم جاء دليل يزيد فيه جزءا أو شرطا أو وصفا، فهل هذه الزيادة نسخ للنص الأول؟ هذه المسألة من أكثر مسائل الأصول ثمرة، وعليها بنى الحنفية فروعا كثيرة خالفوا فيها الجمهور.

وصورة الزيادة: أن يكون النص الأول يقتضي إجزاء الفعل بدون المزيد، فإذا اشتُرط المزيد لم يعد الفعل الأول مجزئا وحده. فالحنفية يقولون: الإجزاء حكم شرعي ثابت بالنص القطعي، والزيادة رفعته، والرفع نسخ، والنسخ لا يكون بالآحاد. والجمهور يقولون: الزيادة ضم حكم إلى حكم، والأصل باق لم يرفع، فهي بيان أو تخصيص أو تقييد، تثبت بما يثبت به البيان.

مسألة خلافية هل الزيادة على النص نسخ؟

  • الحنفية الزيادة على النص التي تغير حكم المزيد عليه شرعا، فتجعله بعض المطلوب بعد أن كان كله، أو تجعل المطلق مقيدا، نسخ. فلا تثبت بخبر الواحد ولا بالقياس إذا كان المزيد عليه قطعيا، وتثبت بالمتواتر والمشهور. أما الزيادة التي لا تغير حكم الأصل، كزيادة عبادة مستقلة، فليست نسخا.
  • المالكية ليست نسخا عند الأكثر، وتقبل بخبر الواحد، وفيهم من فصّل.
  • الشافعية ليست نسخا، لأن النسخ رفع، والزيادة ضمت إلى الحكم الأول حكما ولم ترفع منه شيئا.
  • الحنابلة ليست نسخا.
  • سبب الخلاف حقيقة النسخ. هل إزالة إجزاء المزيد عليه وحده رفع لحكم شرعي، فيكون نسخا؟ أم أن الإجزاء وحده لم يكن حكما ثابتا بالنص، بل كان سكوتا عن الزيادة، فرفعه رفع للبراءة الأصلية لا لحكم شرعي؟ ويُضم إليه قطعية دلالة العام والمطلق عند الحنفية.

وعكس المسألة النقص من العبادة: إذا نُسخ جزء منها أو شرط، كنسخ استقبال بيت المقدس، فالنسخ عند الجمهور للجزء أو الشرط وحده، والباقي ثابت بدليله الأول، ونقل بعض المتكلمين أنه نسخ للعبادة كلها، وفصّل آخرون بين الجزء والشرط.

ثمرات المسألة:

  1. تغريب الزاني البكر مع الجلد. آية النور: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وحديث عبادة بن الصامت: «البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة» رواه مسلم. الحنفية: التغريب ليس من الحد، ويجوز للإمام أن يغرب سياسة وتعزيرا إن رأى المصلحة. الشافعية والحنابلة: التغريب من الحد للرجل والمرأة. المالكية: يغرب الرجل الحر دون المرأة.

  2. القضاء بالشاهد واليمين. آية الدين: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وحديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ «قضى بيمين وشاهد» رواه مسلم. الحنفية: لا يقضى به، لأنه زيادة على نصاب الشهادة المذكور في الآية. المالكية والشافعية والحنابلة: يقضى به في الأموال.

  3. النية في الوضوء. آية الوضوء [المائدة: ٦] أمرت بغسل الأعضاء ولم تذكر النية، وحديث «إنما الأعمال بالنيات» متفق عليه. الحنفية: النية سنة في الوضوء، لأن اشتراطها زيادة على الآية، ولهم مأخذ آخر هو أن الوضوء وسيلة والماء مطهر بطبعه. الجمهور: شرط.

  4. الفاتحة في الصلاة. ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] مع حديث «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» متفق عليه. الحنفية: الفرض مطلق القراءة بالآية، والفاتحة واجبة بالحديث، فلا تبطل الصلاة بتركها، لأن جعلها ركنا زيادة على النص. الجمهور: ركن. ومثلها عند أبي حنيفة ومحمد الطمأنينة في الركوع والسجود: واجبة لا فرض.

  5. الإيمان في رقبة كفارة اليمين والظهار. ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] مطلقة. الحنفية: تجزئ الكافرة، لأن تقييدها بالإيمان قياسا على كفارة القتل زيادة لا تثبت بالقياس. الجمهور: يشترط الإيمان، حملا للمطلق على المقيد (المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول).

تطبيق التغريب على خط الاستنباط

  1. نوع الحكم: هل التغريب جزء من حد الزنا للبكر؟ حكم تكليفي (وجوب العقوبة) يتعلق بالإمام، ووضعي في وصف الحد.

  2. الأدلة وثبوتها: آية النور متواترة، قطعية الثبوت. وحديث عبادة في صحيح مسلم، صحيح السند، وهو عند الحنفية خبر واحد لا مشهور.

  3. الدلالة: الآية جعلت الجلد مئة هو الحد، والسياق سياق بيان لجزاء كامل. والحديث صريح في ضم النفي إلى الجلد.

  4. المعارض: عند الحنفية الآية دلت على أن الجلد وحده حد تام مجزئ، والحديث يجعله بعض الحد، فهذا رفع للإجزاء، والرفع نسخ، والآحاد لا تنسخ القطعي. فيُعمل بالحديث على غير وجه الحد: سياسة يجوز للإمام. وعند الجمهور الحديث بيّن تمام الحد، ولا رفع، فيعمل به حدا. وقد يقال: آية النور نفسها ناسخة لقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، والحديث نفسه مصرح بأنه بيان للسبيل: «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا» (رواه مسلم في أول حديث عبادة)، فهو عند الجمهور بيان، لا زيادة متراخية.

  5. الحكم: البكر الزاني يُجلد مئة ويغرب عاما حدا عند الشافعية والحنابلة، والرجل دون المرأة عند المالكية، ويجلد مئة عند الحنفية ويغربه الإمام إن رأى ذلك تعزيرا.

ويُجاب بهذا عن سؤال الافتتاح: لم يقل أحد إن الحديث نسخ الآية، لكن الحنفية جعلوا العمل به حدا في معنى النسخ، فمنعوه بالآحاد.

أداة تفكير الأصل والاستثناء

الأصل في كل حكم ثبت بالشرع أنه باق حتى يقوم دليل رفعه، وهذا من استصحاب الحكم (الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة). فالنسخ استثناء من أصل البقاء، لا يثبت إلا بدليل صحيح متراخ متعذر الجمع معه. ولهذا يقدم الجمهور الجمع على النسخ، ويرد المحققون دعوى النسخ بمجرد التعارض الظاهر، أو بقول المفسر «نُسخت» دون بيان، أو بتأخر الآية في المصحف. فإذا قال لك قائل: هذه الآية منسوخة، فاسأله عن الناسخ، وعن الدليل على تأخره، وعن تعذر الجمع. فإن فقد شرط من الثلاثة بقي الحكم على أصله.

وحد الأداة: الحنفية يقدمون النسخ على الجمع عند العلم بالتاريخ (التعارض والترجيح)، فالأصل عندهم أيضا البقاء، لكنهم إذا علموا التأخر لم يتكلفوا الجمع.

٢ كم آية منسوخة في القرآن؟

أكثر المؤلفون في الناسخ والمنسوخ من دعوى النسخ، حتى ذكر الدارسون أن بعضهم ادعاه في أكثر من مئتي آية، وجعل آية السيف وحدها ناسخة لعشرات الآيات في الصبر والعفو والإعراض عن المشركين. وأسباب هذا التضخم:

  • إطلاق السلف اسم النسخ على التخصيص والتقييد والبيان، كما سبق في التنبيه.
  • عد التدرج في التشريع نسخا، وما رُفع فيه إنما كان براءة أصلية أو حكما مؤقتا.
  • دعوى النسخ عند كل تعارض ظاهر، مع إمكان الجمع بحمل كل آية على حال.
  • عد الآيات المغياة بغاية منسوخة عند بلوغ الغاية.

وقد حرر السيوطي في الإتقان ما يصح فيه النسخ عنده، فجعله نحو عشرين آية، ونظمها في أبيات معروفة، وقرر أن ما سواها إما مخصوص أو مؤول. ثم جاء شاه ولي الله الدهلوي في الفوز الكبير، فنظر في عشرين السيوطي، وجمع في أكثرها بين الآيتين، وأبقى خمسا يتعذر فيها الجمع عنده:

  1. آية الوصية للوالدين والأقربين [البقرة: ١٨٠]، بآية المواريث.

  2. آية مصابرة الواحد للعشرة [الأنفال: ٦٥]، بالآية بعدها.

  3. قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢]، بقوله قبلها: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، على قول من جعل المتقدم في المصحف متأخرا في النزول.

  4. آية تقديم الصدقة بين يدي النجوى [المجادلة: ١٢]، بالآية بعدها.

  5. قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢]، بآخر السورة.

وأما آية عدة الحول [البقرة: ٢٤٠]، فجمع فيها الدهلوي وجماعة بأنها في وصية للمرأة بالسكنى متاعا إن شاءت، والعدة اللازمة أربعة أشهر وعشر. فإذا تأمل الطالب هذا التحرير وجد أن النسخ في القرآن قليل، وأن أكثر ما ادعي فيه يدخل في أبواب الدلالة: العام والخاص (العام والخاص)، والمطلق والمقيد (المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول)، والجمع بين الأدلة (التعارض والترجيح).

صلة الفصل بغيره

خلاصة الفصل

  1. النسخ رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ، وهو عند كثير من الحنفية بيان انتهاء مدة الحكم.

  2. النسخ جائز عقلا واقع شرعا بالإجماع، وخلاف أبي مسلم الأصفهاني أقرب إلى اللفظي، لأنه يسميه تخصيصا في الأزمان.

  3. حكمته التدرج والابتلاء والتخفيف ورعاية المصلحة في زمن التشريع، ولا نسخ بعد وفاة النبي ﷺ.

  4. شروطه: أن يكون المنسوخ حكما شرعيا عمليا غير مؤقت، والناسخ خطابا شرعيا متراخيا، مساويا أو أقوى عند الجمهور، مع تعذر الجمع.

  5. يفترق النسخ عن التخصيص بأنه رفع في الزمان لا في الأفراد، وعن البداء بأنه بيان لما علمه الله أزلا.

  6. يُعرف الناسخ بالنص، وبقول الصحابي «آخر الأمرين»، وبالتاريخ، وبالإجماع دليلا على الناسخ.

  7. يقع نسخ الحكم دون التلاوة، والتلاوة دون الحكم، والأمرين معا.

  8. نسخ القرآن بالسنة المتواترة يجيزه الحنفية والمالكية، ويمنعه الشافعي في الرسالة وصحح ابن السبكي جوازه، وعن أحمد روايتان؛ ونسخ السنة بالقرآن جائز عند الجمهور.

  9. لا ينسخ القطعي بخبر الواحد عند الجمهور.

  10. يجوز النسخ إلى بدل أخف ومساو وأثقل، وإلى غير بدل، وقبل التمكن من الفعل عند الجمهور.

  11. الزيادة على النص المغيرة لحكمه نسخ عند الحنفية لا تثبت بالآحاد، وبيان عند الجمهور؛ وثمرتها التغريب، والشاهد واليمين، والنية، والفاتحة، والرقبة المؤمنة.

  12. النسخ الثابت في القرآن قليل: نحو عشرين آية عند السيوطي، وخمس عند الدهلوي، وأكثر ما ادعي فيه تخصيص أو تقييد أو جمع ممكن.

تمارين

  1. بيّن أي هذه الصور نسخ: (أ) إيجاب الصلاة بعد أن لم تكن واجبة؛ (ب) انتهاء الصوم بدخول الليل؛ (ج) نسخ عدة الحول بعدة أربعة أشهر وعشر؛ (د) سقوط الصلاة عن المجنون.

  2. فرّق بين النسخ والتخصيص في مثال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] مع عدة الحامل، وعدة الحول مع عدة الأربعة الأشهر والعشر.

  3. قال تابعي في آية: «نسختها آية كذا». ما الاحتمالان في كلامه، وكيف تتحقق؟

  4. لماذا لا يكون الإجماع ناسخا، مع أنه يُعرف به النسخ؟

  5. قارن بين قول الشافعي والحنفية في نسخ القرآن بالسنة، وبيّن أثر الخلاف في الوصية للوارث.

  6. رد الفرع إلى أصله: الحنفي لا يقضي بالشاهد واليمين، ولا يجعل النية شرطا في الوضوء.

  7. لماذا يرى الحنفية تعيين الفاتحة واجبا لا ركنا؟ اربط الجواب بالفصلين السادس والسابع.

  8. ادعى قائل أن آية السيف نسخت قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ [الزخرف: ٨٩]. ما الأسئلة الثلاثة التي توجهها إليه قبل قبول دعواه؟

أجوبة التمارين

  1. (أ) ليس نسخا، لأنه رفع للبراءة الأصلية. (ب) ليس نسخا، لأنه حكم مؤقت بغاية متصلة. (ج) نسخ عند الجمهور. (د) ليس نسخا، لأنه سقوط التكليف بفوات شرطه.

  2. عدة الحامل بوضع الحمل أخرجت بعض أفراد المطلقات من حكم الأقراء، فهي تخصيص في الأفراد. وعدة الأربعة الأشهر والعشر رفعت عدة الحول عن جميع المتوفى عنهن في الزمان اللاحق، فهي نسخ.

  3. يحتمل النسخ الاصطلاحي، ويحتمل التخصيص أو التقييد أو البيان على اصطلاح السلف. ويُتحقق بالنظر: هل رُفع الحكم كله بعد ثبوته، أم بقي معمولا به في بعض أفراده أو أحواله؟

  4. لأن الإجماع لا ينعقد إلا بعد وفاة النبي ﷺ، ولا نسخ بعدها. فإذا أجمعوا على ترك نص دل ذلك على ناسخ سابق علموه.

  5. الشافعي: لا ينسخ القرآن إلا قرآن، والسنة مبينة. الحنفية: يجوز بالمتواتر والمشهور لأن الكل وحي. فالوصية للوارث نسخت عند الحنفية بحديث «لا وصية لوارث» مع آية المواريث، وعند الشافعي بآية المواريث والحديث مبين. والحكم واحد.

  6. كلاهما من الزيادة على النص: الشاهد واليمين زيادة على نصاب آية الدين، والنية زيادة على آية الوضوء، والزيادة نسخ عندهم لا تثبت بالآحاد.

  7. الفرض ما ثبت بقطعي، وأصل القراءة ثابت بآية المزمل. وتعيين الفاتحة بخبر الواحد، فلو جُعل ركنا لكان زيادة على النص ترفع إجزاء مطلق القراءة، وهي نسخ لا يقوى عليه الآحاد، فيبقى الحديث موجبا للعمل دون الركنية.

  8. ما الناسخ بعينه وما ثبوته؟ وما الدليل على تأخره؟ وهل يتعذر الجمع، كحمل الصفح على حال الضعف أو على من لم يحارب؟ فإن أمكن الجمع بطلت دعوى النسخ.


  1. المصادر الأساسية للفصل: الرسالة للشافعي (باب ابتداء الناسخ والمنسوخ)؛ الورقات للجويني (باب النسخ)؛ أصول السرخسي (باب النسخ، وفصل الزيادة على النص)؛ إحكام الفصول للباجي؛ المحصول للرازي؛ جمع الجوامع لابن السبكي؛ روضة الناظر لابن قدامة؛ الإتقان للسيوطي (نوع الناسخ والمنسوخ)؛ الفوز الكبير في أصول التفسير لشاه ولي الله الدهلوي؛ تخريج الفروع على الأصول للزنجاني؛ أثر الاختلاف في القواعد الأصولية لمصطفى الخن. ↩

الإجماع

موقع الفصل من المنظومة

الإجماع في المحطة الثانية من خط الاستنباط: جمع الأدلة وفحص ثبوتها. وهو دليل من طبيعة خاصة، فالمجمعون لا يشرّعون حكما من عند أنفسهم، وإنما يكشف اتفاقهم عن دليل استندوا إليه، ثم يرفع الحكم إلى رتبة القطع أو يقرّبه منها. فإذا كان الحكم في آحاد أدلته ظني الثبوت أو ظني الدلالة، صار بالاتفاق عليه مستقرا ينقطع بعده الاجتهاد في أصله. لذلك يحتاج هذا الفصل إلى ما تقرر في حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه من القطع والظن ومراتب الإدراك، وإلى ما في الكتاب والسنة من التواتر والآحاد، لأن الإجماع نفسه يصل إلينا منقولا، إما بالتواتر وإما بخبر الواحد.

سؤال الافتتاح

روى مسلم عن علي رضي الله عنه: «جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنة». واستشار عمر الصحابة في حد الشارب فاستقر الأمر على الثمانين، ولم يُنقل عن أحد منهم إنكار. فهل الثمانون حد ثابت بالإجماع لا يجوز النقص عنه، أم الحد أربعون وما زاد تعزير يرجع إلى نظر الإمام؟

١ حقيقة الإجماع

١ الإجماع في اللغة

يطلق الإجماع في اللغة على معنيين: العزم المصمم، ومنه ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]، أي اعزموا عليه؛ والاتفاق، يقال: أجمع القوم على كذا إذا اتفقوا. والفرق بينهما أن العزم يصح من الواحد، والاتفاق لا يكون إلا من جماعة، والمعنى الاصطلاحي مأخوذ من الثاني.

١ التعريف الاصطلاحي وقيوده

أشهر حدوده عند المتأخرين حد ابن السبكي في جمع الجوامع: «اتفاق مجتهد الأمة بعد وفاة محمد ﷺ في عصر على أي أمر كان».2 ولكل قيد عمل:

  • اتفاق: الاشتراك في الاعتقاد أو القول أو الفعل أو ما يقوم مقامها من التقرير. ويخرج به قول الأكثر مع مخالفة الأقل، فلا يسمى إجماعا عند الجمهور.
  • مجتهد: اسم جنس مضاف فيعم كل مجتهد. يخرج به العوام والمقلدون، فلا عبرة بموافقتهم ولا مخالفتهم في انعقاده على المختار.
  • الأمة: أمة الإجابة، فيخرج اتفاق مجتهدي الأمم السابقة، لأن العصمة ثبتت لهذه الأمة.
  • بعد وفاة محمد ﷺ: لأن الحجة في حياته قوله وتقريره، فلا ينعقد إجماع دونه.
  • في عصر: أي عصر كان، فلا يشترط اتفاق المجتهدين إلى يوم القيامة، وإلا لم يتحقق إجماع أبدا.
  • على أي أمر كان: يشمل الشرعي واللغوي والعقلي والدنيوي. ومن قصره على الحكم الشرعي، كالجويني في الورقات، نظر إلى ما يحتاجه الفقيه من الإجماع.

من المتون الورقات للجويني

وأما الإجماع: فهو اتفاق علماء أهل العصر على حكم الحادثة، ونعني بالعلماء: الفقهاء، ونعني بالحادثة الحادثة الشرعية.1 وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها... والإجماع حجة على العصر الثاني، وفي أي عصر كان، ولا يشترط انقراض العصر على الصحيح.

الحل: «علماء أهل العصر» يقابل قيد «مجتهد» في حد ابن السبكي، وفسّر الجويني العلماء بالفقهاء ليخرج غيرهم من أهل الفنون في مسائل الفقه. و«الحادثة الشرعية» قصر للإجماع على ما يحتاجه الفقيه. و«حجة على العصر الثاني» أي يلزم من بعدهم، فلا يسع أهل العصر التالي مخالفته. و«في أي عصر كان» رد على من خص الإجماع بالصحابة. و«لا يشترط انقراض العصر على الصحيح» إشارة إلى مسألة يأتي بيانها في هذا الفصل، وصيغة «على الصحيح» تدل على أن في المذهب قولا آخر.

٢ إمكانه ووقوعه والعلم به

ذهب النظام وبعض الشيعة إلى أن اتفاق الجم الغفير على حكم ظني ممتنع عادة، كما يمتنع اتفاقهم على طعام واحد في يوم واحد. وأجاب الجمهور بأن الاتفاق على الطعام لا داعي له، والاتفاق على الحكم له داع هو الدليل الذي اشتركوا في النظر فيه. والوقوع دليل الإمكان: أجمعوا على وجوب الصلوات الخمس، وعلى خلافة أبي بكر، وعلى أن للجدة السدس، وعلى جمع القرآن في المصحف.

والمسألة الأدق إمكان العلم به ونقله بعد انتشار العلماء في الأمصار. ومن هنا جاء ما روي عن الإمام أحمد: «من ادعى الإجماع فهو كاذب»، وفي تتمة الرواية التي ينقلها ابن القيم في إعلام الموقعين: لعل الناس اختلفوا، وليقل: «لا نعلم الناس اختلفوا».3 وتلقاها أصحابه على وجوه:

  1. الورع في العبارة: حمله أبو يعلى وجماعة على أن أحمد كره إطلاق لفظ الإجماع فيما لم يُحط فيه الناقل بأقوال جميع المجتهدين، وأرشد إلى عبارة تطابق علم الناقل.
  2. الرد على مدّعين بأعيانهم: قرر ابن تيمية وابن القيم أن الكلام موجه إلى من كان يدّعي الإجماع ليرد به السنن الثابتة، من متكلمي عصره كبشر المريسي والأصم، وهم أقل الناس علما بأقوال الصحابة والتابعين.
  3. إثبات الأصل مع ضبط النقل: أحمد نفسه احتج بالإجماع في مواضع كثيرة، وجعل المذهب الإجماع حجة. فالرواية تتعلق بطريق معرفته بعد عصر الصحابة، لا بأصل حجيته.

وتشدد ابن حزم في هذا الباب فقرر في الإحكام أن الإجماع المتيقن هو إجماع الصحابة، لأنهم كانوا عددا محصورا يمكن الإحاطة بأقوالهم.

١ حجية الإجماع

اتفقت المذاهب الأربعة على أن الإجماع حجة شرعية يجب العمل بها وتحرم مخالفتها، وخالف النظام وطوائف من الخوارج. والإمامية يحتجون به لأنه يتضمن عندهم قول المعصوم، فالحجة عندهم قوله لا الاتفاق.

أدلة الجمهور ثلاثة أنواع:

أولا، القرآن. أشهر ما استُدل به قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، وهو استدلال الشافعي. ووجهه أن الله توعد على اتباع غير سبيل المؤمنين كما توعد على مشاقة الرسول، فوجب اتباع سبيلهم، وما أجمعوا عليه سبيلهم.4 ومنه ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، والوسط العدل، والشاهد العدل يُقبل قوله. و﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، فلو أجمعوا على باطل لكانوا آمرين بمنكر.

ثانيا، السنة. أحاديث كثيرة معناها عصمة الأمة من الاجتماع على الضلالة، منها: «إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة» (رواه الترمذي وقال: غريب، ورواه ابن ماجه بلفظ قريب، وفي أسانيدها مقال، وقوّاها جماعة بمجموع طرقها)، و«لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» (رواه البخاري ومسلم بألفاظ). وقرر الغزالي وغيره أن هذه الأحاديث وإن كانت آحادا في ألفاظها، فقد تواتر القدر المشترك منها، وهو عصمة الأمة، تواترا معنويا.

ثالثا، العادة والإجماع. استقر عمل الصحابة والتابعين على تقديم المجمع عليه والإنكار على مخالفه، وتمتنع العادة أن يجتمع هذا العدد من أهل العلم والورع على القطع بتخطئة المخالف من غير مستند قاطع.

وأورد المخالفون على الآية أن «سبيل المؤمنين» يحتمل سبيلهم في الإيمان ومتابعة الرسول، ونازع الرازي في إفادتها القطع. فالتحقيق أن القطع بحجية الإجماع يأتي من مجموع هذه الأدلة، وأن آحادها ظنية الدلالة.

أداة تفكير شبكة الثبوت والدلالة

الإجماع يعمل في الشبكة عمل الرافع: حكم ثبت بخبر آحاد ظني الثبوت، أو بنص ظني الدلالة، إذا انعقد عليه إجماع صريح منقول بالتواتر صار قطعيا. وحدّ الأداة هنا أن الإجماع نفسه يدخل الشبكة بطريق نقله: الإجماع الصريح المتواتر قطعي، والسكوتي أو المنقول آحادا ظني. فيُسأل عن كل إجماع سؤالان: ما قوة انعقاده، وما قوة نقله.

٢ مستند الإجماع

لا ينعقد إجماع إلا عن مستند، لأن القول في الدين بغير دليل خطأ، والأمة معصومة من الاجتماع على الخطأ. وحكي عن قوم جواز انعقاده عن توفيق من غير دليل، ورده الجمهور. ثم المستند قد يكون نصا من الكتاب أو السنة، وقد يكون قياسا عند الجمهور، كإجماعهم على تحريم شحم الخنزير إلحاقا بلحمه، وعلى إراقة الشيرج والدبس الذائب إذا وقعت فيه فأرة قياسا على السمن. ومنع الظاهرية وابن جرير الطبري انعقاده عن قياس، بناء على أصلهم في القياس عند الظاهرية، وعلى أن القياس محل خلاف فلا يجتمع الناس عليه عند ابن جرير.

وثمرة المستند أن الإجماع إذا انعقد صار هو الحجة، فلا يُحتاج بعده إلى البحث عن مستنده، ولا يضره ضعف المستند المنقول، لأن المجمعين ربما استندوا إلى غيره. ويتفرع عليه أن الإجماع لا يَنسخ ولا يُنسخ عند الجمهور، وإذا وجد إجماع على خلاف نص دل على وجود ناسخ بلغهم، كما في النسخ.

١ أهل الإجماع

١ المجتهدون

أهل الإجماع هم المجتهدون، وفي كل فن أهله: فالمعتبر في مسائل الفقه الفقهاء المجتهدون، وفي مسائل الأصول الأصوليون. ويدخل المجتهد العدل بلا خلاف. فإذا خالف واحد أو اثنان لم ينعقد الإجماع عند الجمهور، لأن اسم الأمة لا يصدق على من عداهم، ولأن الصحابة سوغوا انفراد ابن عباس في العول والمتعة، وابن مسعود في مسائل من الفرائض. وروي عن ابن جرير الطبري، وعن أحمد في رواية، أن مخالفة الواحد والاثنين لا تمنع انعقاده، وأن قول الأكثر حجة.

ويعتد بالتابعي المجتهد إذا أدرك عصر الصحابة وصار من أهل الاجتهاد قبل انعقاد إجماعهم، لأن الصحابة رجعوا إلى أقوال بعض التابعين كشريح وسعيد بن المسيب، وفي المسألة رواية عن أحمد بخلافه.

٢ العوام

لا يعتبر العوام في انعقاد الإجماع عند الجمهور، لأن قولهم في الدين بلا دليل، وهم مأمورون بالتقليد. وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني إلى اعتبار موافقتهم في تسمية الاتفاق «إجماع الأمة»، لأنهم من الأمة. والخلاف عند التحقيق قريب من اللفظي، فالقاضي لا يجعل لمخالفة العامي أثرا في وجوب اتباع المجتهدين، وإنما ينازع في إطلاق الاسم.

٢ أهل الأهواء

المبتدع الذي تُكفّره بدعته خارج عن الأمة فلا يعتد به. واختلفوا في المبتدع غير المكفَّر إذا كان مجتهدا: فاعتد به كثير من الأصوليين كالغزالي والآمدي، لأن العصمة ثابتة للأمة وهو منها، وفسقه لا يمنع صدق الاسم عليه. ولم يعتد به جماعة من الحنفية والحنابلة، لأن الفسق في الاعتقاد يسقط قبول القول في الدين، ومنهم من فرّق بين الداعية إلى بدعته وغيره. وثمرة الخلاف تظهر في مسائل تفرد فيها بعض أهل الأهواء بقول، فمن لم يعتد بهم حكى الإجماع فيها، ومن اعتد بهم حكى الخلاف.

٢ انقراض العصر

انقراض العصر موت جميع المجتهدين الذين انعقد بهم الإجماع. والسؤال: هل يستقر الإجماع بمجرد اتفاقهم، أم يبقى معلقا حتى يموتوا عليه؟

مسألة خلافية هل يشترط انقراض العصر لانعقاد الإجماع؟

  • الحنفية لا يشترط عند أكثرهم، فإذا اتفقوا لحظة انعقد الإجماع ولم يجز لأحدهم الرجوع.
  • المالكية لا يشترط على المختار عندهم.
  • الشافعية لا يشترط على الصحيح، كما في الورقات، واشترطه بعض أصحابهم.
  • الحنابلة اشترطه أبو يعلى وجماعة على ظاهر كلام أحمد، وفي المذهب قول آخر بعدم الاشتراط.
  • سبب الخلاف هل الحجة في الاتفاق نفسه، فيكفي وجوده لحظة، أم في الاتفاق المستقر الذي لا يُتوقع الرجوع عنه، والرجوع ممكن ما داموا أحياء؟
  • الثمرة (١) بيع أمهات الأولاد: قال علي رضي الله عنه: اجتمع رأيي ورأي عمر على ألا يُبعن، ثم رأيت أن يُبعن (رواه عبد الرزاق والبيهقي من طريق عبيدة السلماني، وإسناده صحيح). فمن اشترط الانقراض جعل رجوع علي قادحا في انعقاد الإجماع، ومن لم يشترطه احتاج إلى جواب آخر، كأن يقول إن الاتفاق لم يكن من جميع الصحابة. (٢) من صار مجتهدا قبل موت المجمعين: يعتد بخلافه عند من اشترط الانقراض، ولا يعتد به عند غيرهم، كما في الورقات.

١ الإجماع السكوتي

الإجماع السكوتي أن يقول بعض المجتهدين قولا أو يفعل فعلا في مسألة اجتهادية، وينتشر ذلك في أهل العصر، فيسكتوا عنه بعد العلم به ومضي مدة التأمل، من غير مانع من الإنكار. ولقيود التعريف عمل: الانتشار شرط لأن السكوت مع الجهل بالقول لا دلالة فيه، ومضي مدة التأمل شرط لأن السكوت قبل النظر لا يدل على رأي، وانتفاء المانع من خوف أو تقية أو هيبة شرط لأن السكوت معه محمول على المانع. وزاد ابن الحاجب في مختصره قيد أن يكون ذلك قبل استقرار المذاهب، لأن السكوت بعد استقرارها قد يكون لعلم الساكت أن المسألة مستقرة الخلاف.6

مسألة خلافية هل الإجماع السكوتي إجماع وحجة؟

  • الحنفية إجماع قطعي عند أكثرهم بالشروط المذكورة، لأن العادة أن المجتهدين لا يسكتون عما يرونه خطأ في الدين، ولو اشترط التصريح من الجميع لتعذر الإجماع.
  • المالكية حجة عند جمهورهم، واختلفوا في تسميته إجماعا. وردد ابن الحاجب في المختصر بين كونه إجماعا أو حجة، ومحصل اختياره أنه حجة في الأقل.
  • الشافعية نص الشافعي في الجديد على أنه ليس إجماعا ولا حجة، بقوله المشهور: «لا ينسب إلى ساكت قول». واختار جماعة من أصحابه كالآمدي وابن السبكي أنه حجة ظنية، وجعل ابن السبكي الخلاف في تسميته إجماعا لفظيا.
  • الحنابلة إجماع وحجة على المذهب.
  • سبب الخلاف السكوت يحتمل الموافقة، ويحتمل التروي، أو الهيبة، أو اعتقاد أن كل مجتهد مصيب فلا يُنكر على مجتهد. فمن رجح احتمال الموافقة بالعادة جعله إجماعا، ومن رأى الاحتمالات متقاربة لم ينسب إلى الساكت قولا، ومن رآها ترجح الموافقة دون أن تقطع بها جعله حجة ظنية.
  • الثمرة حد شارب الخمر. الحنفية والمالكية والحنابلة في المذهب: ثمانون جلدة، لما استقر في عهد عمر بلا نكير. الشافعية: الحد أربعون، والزيادة إلى الثمانين تعزير يجوز للإمام إذا رآه. ولأحمد رواية بالأربعين.

وبهذا يجاب سؤال الافتتاح: من جعل السكوتي إجماعا ثبتت عنده الثمانون حدا لا ينقص منه، ومن نفاه رجع إلى المنقول عن النبي ﷺ وأبي بكر، وهو أربعون، وحمل زيادة عمر على التعزير، وقوّاه بقول علي «وكلٌّ سنة»، فإنه جعل الأمرين سنة، ولو كانت الثمانون حدا لازما لما وصف الأربعين بأنها سنة. فالمسألة لها مأخذ نصي إلى جانب مأخذها الأصولي.

ويلحق بالسكوتي ما سماه بعضهم «الإجماع الفعلي» و«الإجماع على الترك»، وهو أن يُعرف عمل الجميع أو ترك الجميع لأمر، والجويني نص في الورقات على صحة الإجماع بالفعل كما يصح بالقول.

٢ الإجماع بعد الخلاف

للمسألة صورتان:

الأولى: أن يختلف أهل عصر على قولين، ثم يتفقوا هم أنفسهم على أحدهما قبل استقرار الخلاف. فهذا إجماع عند الأكثر، كاختلاف الصحابة في دفن النبي ﷺ ثم اتفاقهم على دفنه في بيت عائشة، واختلافهم في قتال مانعي الزكاة ثم اتفاقهم عليه.

الثانية: أن يستقر الخلاف في عصر على قولين، ثم يتفق أهل العصر التالي على أحدهما.

مسألة خلافية اتفاق العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول

  • الحنفية يصير إجماعا يرفع الخلاف عند أكثرهم، ورتبه فخر الإسلام البزدوي في أدنى مراتب الإجماع.
  • الشافعية لا يرتفع الخلاف عند كثير منهم كأبي الحسن الأشعري والغزالي، بقول الشافعي المشهور: إن المذاهب لا تموت بموت أصحابها. واختار آخرون منهم أنه إجماع.
  • الحنابلة عن أحمد روايتان.
  • سبب الخلاف هل اختلاف الأولين إجماع منهم على جواز الأخذ بكل من القولين، فلا يرفعه من بعدهم، أم هو خلاف يرتفع بوجود اتفاق جديد يصدق عليه حد الإجماع؟
  • الثمرة بيع أمهات الأولاد. اختلف فيه الصحابة، ثم اتفق من بعدهم على المنع. فلو قضى قاض بجواز بيعها، فالمنقول عن محمد بن الحسن أن قضاءه لا ينفذ لمخالفته الإجماع المتأخر، والمنقول عن أبي حنيفة أنه ينفذ، لأن ارتفاع الخلاف المتقدم محل اجتهاد، والقضاء في المجتهد فيه نافذ.

٢ إحداث قول ثالث

إذا اختلف أهل عصر على قولين، فهل لمن بعدهم أن يحدث قولا ثالثا؟ منعه الجمهور، لأن اقتصارهم على القولين اتفاق على بطلان ما عداهما، وأجازه بعض الحنفية وأهل الظاهر، لأن الأولين لم يصرحوا بالمنع. والمختار عند المحققين كالآمدي وابن الحاجب التفصيل: إن كان الثالث يرفع ما اتفق عليه القولان امتنع، وإلا جاز.

ومثال الرافع ميراث الجد مع الإخوة: للصحابة فيه قولان، أن الجد يحجب الإخوة، وأنه يقاسمهم. فالقولان متفقان على أن للجد نصيبا، فالقول بأن الإخوة يحجبونه إحداث ثالث رافع ممنوع.

ومثال غير الرافع مسألتا العمريتين: زوج وأبوان، وزوجة وأبوان. قال الجمهور فيهما: للأم ثلث الباقي بعد فرض الزوجين، وقال ابن عباس: ثلث الأصل. وفصّل ابن سيرين فأعطاها في مسألة الزوجة ثلث الأصل، وفي مسألة الزوج ثلث الباقي. وهذا تفصيل لم يرفع متفقا عليه، لأنه وافق كل فريق في صورة، فأجازه أصحاب التفصيل.

ويجري الحكم نفسه في إحداث دليل أو تأويل جديد: يجوز عند الجمهور ما لم يُبطل ما أجمعوا عليه، لأن الأولين ربما تركوا الدليل استغناء بغيره.

٢ الإجماعات الخاصة

٢ إجماع أهل المدينة

جعل مالك عمل أهل المدينة حجة، وكتب في ذلك إلى الليث بن سعد. وحقق المالكية كالباجي والقاضي عياض أن العمل قسمان: نقلي، وهو ما طريقه النقل المستمر عن زمن النبي ﷺ، كالأذان والصاع والمد وترك أخذ الزكاة من الخضروات، وهذا حجة عندهم مقدم على خبر الواحد؛ واجتهادي، وهو ما اتفقوا عليه بالاستدلال، وفي حجيته خلاف بين المالكية. والجمهور لا يجعلونه حجة بذاته، لأن العصمة للأمة لا لبلد منها. ويأتي تفصيل العمل وأثره في تقديمه على الخبر في الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة.

٢ إجماع الخلفاء الأربعة والشيخين

ذهب أحمد في رواية، وأبو خازم القاضي من الحنفية، إلى أن اتفاق الخلفاء الأربعة حجة، وحكي أن أبا خازم قضى بذلك في توريث ذوي الأرحام وقدّمه على قول زيد. واحتجوا بقوله ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» (رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح). وقال بعضهم بحجية قول الشيخين لحديث «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (رواه الترمذي وحسّنه). والجمهور على أن ذلك ليس إجماعا، لأنهم بعض الأمة، والحديثان يدلان على فضل الاقتداء بهم دون أن يجعلا قولهم حجة مع مخالفة غيرهم. ومكان هذا من الأدلة مبحث قول الصحابي في الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة.

٣ إجماع أهل البيت

ذهبت الزيدية والإمامية إلى حجية إجماع العترة، احتجاجا بآية التطهير وحديث الثقلين. والجمهور على أنهم بعض الأمة، يعتد بقول المجتهد منهم في الإجماع ولا ينفرد اتفاقهم بالحجية. وفي معناه قول من جعل إجماع أهل الحرمين أو أهل المصرين، الكوفة والبصرة، حجة، وهو قول مردود عند الجمهور.

١ مراتب الإجماع من القطع والظن

ما يسمى إجماعا يتفاوت في رتبته، ويُنظر فيها من جهتين: جهة الانعقاد، وجهة النقل.

الإجماع رتبته حكم مخالفه
صريح منقول بالتواتر في أمر معلوم من الدين بالضرورة (الصلوات الخمس، تحريم الزنا) قطعي يكفر جاحده لتكذيبه ما علم مجيء الشرع به
صريح منقول بالتواتر في غير المعلوم بالضرورة قطعي يُضلل ويُنقض الحكم المخالف له، والتكفير محل تفصيل
سكوتي قطعي عند أكثر الحنفية، ظني عند غيرهم يُخطأ ولا يكفر
منقول بالآحاد ظني، والجمهور من الفقهاء يحتجون به يُخطأ ولا يكفر
اتفاق متأخر بعد خلاف مستقر محل خلاف، وهو أضعف المراتب عند من أثبته محل اجتهاد

ورتب فخر الإسلام البزدوي ومن تبعه من الحنفية الإجماع مراتب، أعلاها إجماع الصحابة نصا، وهو عندهم بمنزلة الآية والخبر المتواتر، ثم ما ثبت بنص بعضهم وسكوت الباقين، ثم إجماع من بعدهم فيما لم يسبق فيه خلاف، ثم إجماعهم على أحد أقوال سبقهم فيها خلاف، وهذه أدناها.7

أداة تفكير مراتب الإدراك

تنقل هذه الأداة سؤال «هل هذا إجماع؟» إلى سؤال «ماذا يفيد هذا الإجماع؟». الصريح المتواتر يفيد العلم، فيلزم في الاعتقاد ويكفر جاحده إذا عُلم بالضرورة. والسكوتي والمنقول آحادا يفيدان الظن الغالب، وهو كاف في العمل ولا يكفي للتكفير. وحدّ الأداة أن الأصوليين رتبوا هذه الدرجات ولم يقدروها بأرقام، وأن الحنفية يرفعون السكوتي إلى القطع، فيختلف موضع الإجماع الواحد على السلم بحسب المذهب.

١ دعاوى الإجماع وكيف تُختبر

٢ كتب الإجماع ومناهج أصحابها

كثرت حكاية الإجماع في كتب الفقه والخلاف، وتفاوت الحاكون في الضبط:

  • ابن المنذر (ت ٣١٨هـ) في كتاب الإجماع، والإشراف على مذاهب العلماء: يحكي الإجماع بعبارة «أجمعوا» أو «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم»، وعبارته الثانية تقيد الإجماع بعلمه، ويذكر الخلاف في الإشراف إذا بلغه.
  • ابن حزم (ت ٤٥٦هـ) في مراتب الإجماع: اشترط في مقدمته شروطا صارمة، وجعل الإجماع المتيقن إجماع الصحابة، ثم حكى في الكتاب إجماعات كثيرة.
  • ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ) في نقد مراتب الإجماع: تتبع جملة من إجماعات ابن حزم وبيّن وجود الخلاف فيها، أو أن المحكي اتفاق في عبارة دون الحكم، وقرر أن كثيرا من دعاوى الإجماع مبناها عدم العلم بالمخالف.5
  • ومن بعدهم ابن عبد البر والنووي وابن قدامة، ولكل منهم عبارات تتفاوت دلالتها: «أجمعوا»، «بلا خلاف»، «لا نعلم فيه خلافا»، «اتفق الأئمة».

تنبيه عبارات حكاية الإجماع ليست سواء

«لا أعلم فيه خلافا» إخبار عن علم الحاكي، وهي العبارة التي أرشد إليها أحمد، فلا تساوي «أجمعوا». و«اتفق الأئمة الأربعة» حكاية اتفاق المذاهب المتبوعة، وهو أضيق من إجماع الأمة، لأن قبل المذاهب وخارجها مجتهدين لهم أقوال. و«بلا خلاف» في كتب المذاهب كثيرا ما يراد بها نفي الخلاف داخل المذهب. فمن جعل هذه العبارات كلها إجماعا قاطعا حمّل النقل ما لم يقله الناقل.

٢ خطوات الاختبار

إذا وقف الطالب على دعوى إجماع، فحصها بأسئلة متتابعة:

  1. من الحاكي؟ وهل عُرف بالتحري في النقل أو بالتوسع فيه؟
  2. ما عبارته؟ «أجمعوا» أم «لا أعلم خلافا» أم «اتفق الأئمة»؟
  3. ما نطاقه؟ إجماع الصحابة، أم أهل عصر معين، أم المذاهب الأربعة؟
  4. هل نُقل خلاف؟ في كتب الآثار كمصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة، وفي كتب الخلاف العالي كالإشراف والمحلى والمغني.
  5. ما نوعه؟ صريح أم سكوتي، وهل سبقه خلاف مستقر؟
  6. على أي شيء وقع الاتفاق؟ على الحكم نفسه، أم على عبارة أو أصل عام يختلف الناس في تطبيقه؟

تطبيق اختبار دعوى إجماع: طلاق الثلاث بلفظ واحد

الواقعة: رجل قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا، في مجلس واحد.

  1. نوع الحكم المطلوب: حكم وضعي، هل يقع الطلاق ثلاثا فتبين بينونة كبرى، أم يقع واحدة؟

  2. جمع الأدلة وفحص ثبوتها: حكى جماعة الإجماع على وقوعه ثلاثا، وهو المعتمد في المذاهب الأربعة. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس: «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة»، ثم أمضاه عمر عليهم ثلاثا. ونازع ابن تيمية في دعوى الإجماع، ونقل الخلاف عن بعض السلف.

تطبيق الاختبار: الحاكي والعبارة تفيدان أن المذاهب الأربعة متفقة. والنطاق: اتفاق المذاهب المتبوعة، مع نقل خلاف قبلها. والنوع: إمضاء عمر وسكوت الصحابة عليه سكوتي عند من يحتج به، وسبقه عمل مخالف في العهد النبوي على ظاهر رواية ابن عباس.

النتيجة: من أثبت الإجماع قطع به، وأوّل رواية ابن عباس بتأويلات معروفة في شروح مسلم. ومن لم يثبته نقل المسألة من محطة الإجماع إلى محطة الدلالة والترجيح، فصار البحث في معنى الحديث وفي قوة إمضاء عمر. وهذا هو المقصود من الاختبار: معرفة المحطة التي يُحسم فيها الحكم.

أداة تفكير اختبار الحجة بالاعتراض

دعوى الإجماع حجة تُفحص بالأسئلة الناقدة كما تُفحص سائر الحجج: سؤال المصدر (من حكاه)، وسؤال الصيغة (بأي عبارة)، وسؤال الاستثناء (هل نُقل مخالف)، وسؤال الانطباق (هل وقع الاتفاق على محل النزاع نفسه). والمعترض في المناظرة يبدأ بمنع وجود الإجماع، ثم بمنع كونه في محل النزاع. وحدّ الأداة أن الاعتراض على دعوى إجماع ثابت قطعا مردود، فالأداة لتمييز الثابت من المدعى، لا للتشكيك في أصل الحجية.

صلة الفصل بغيره

خلاصة الفصل

  1. الإجماع اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي ﷺ في عصر على أمر، ولكل قيد من الحد عمل.
  2. الإجماع يكشف عن دليل ولا ينشئ حكما، ولا ينعقد إلا عن مستند، ويجوز أن يكون المستند قياسا عند الجمهور.
  3. إمكانه ووقوعه ثابتان، والنزاع الأقوى في العلم به بعد انتشار العلماء.
  4. «من ادعى الإجماع فهو كاذب» عند الحنابلة محمولة على الورع في العبارة، أو على مدعين بأعيانهم، وأحمد يحتج بالإجماع.
  5. حجيته ثابتة بمجموع الآية والأحاديث وعمل الصحابة، وآحاد الأدلة ظنية.
  6. أهله المجتهدون، ولا عبرة بالعوام على المختار، والمبتدع غير المكفَّر محل خلاف.
  7. مخالفة الواحد والاثنين تمنع الانعقاد عند الجمهور.
  8. لا يشترط انقراض العصر عند الجمهور، واشترطه أبو يعلى وجماعة على ظاهر كلام أحمد.
  9. السكوتي إجماع قطعي عند أكثر الحنفية، وليس إجماعا ولا حجة في جديد الشافعي، وحجة ظنية عند جماعة من الشافعية والمالكية، وإجماع عند الحنابلة.
  10. اتفاق العصر الثاني على أحد قولي الأول يرفع الخلاف عند أكثر الحنفية، ولا يرفعه عند كثير من الشافعية.
  11. إحداث قول ثالث رافع لما اتفق عليه القولان ممنوع، وغير الرافع جائز عند المحققين.
  12. إجماع أهل المدينة حجة عند المالكية في النقلي خاصة بلا خلاف بينهم، وإجماع الخلفاء الأربعة وأهل البيت ليس إجماعا عند الجمهور.
  13. الإجماع مراتب: الصريح المتواتر قطعي، والسكوتي والمنقول آحادا ظنيان عند الجمهور.
  14. دعوى الإجماع تُختبر بالحاكي والعبارة والنطاق ونقل المخالف ونوع الإجماع ومحل الاتفاق.

تمارين

  1. بيّن ما يخرج بكل من القيود الآتية في حد الإجماع: «مجتهد»، «الأمة»، «بعد وفاة محمد ﷺ».
  2. صنّف ما يأتي إلى إجماع صريح، أو سكوتي، أو ليس إجماعا: (أ) أفتى صحابي بفتوى واشتهرت ولم يُنكر عليه، (ب) اتفق ثلاثة من أربعة مجتهدين في عصر، (ج) نُقل عن الصحابة جميعا التصريح بوجوب الصلوات الخمس.
  3. قارن بين الحنفية والشافعية في الإجماع السكوتي، واذكر سبب الخلاف وثمرته في حد الشارب.
  4. اختلف الصحابة في الجد مع الإخوة على قولين. فلو قال قائل من المتأخرين إن الجد يسقط مع الإخوة، فما حكم قوله؟ ولماذا؟
  5. علّل: الإجماع لا ينعقد إلا عن مستند، ولا يلزم بعد انعقاده البحث عن مستنده.
  6. ما الوجوه التي حمل عليها الحنابلة قول أحمد: «من ادعى الإجماع فهو كاذب»؟
  7. وجدت في كتاب فقه: «ولا نعلم في هذا خلافا». هل يصح أن تحتج بها على أن المسألة مجمع عليها إجماعا قطعيا؟ علّل.
  8. رد الفرع إلى أصله: قاض حنفي قضى بجواز بيع أم الولد. على أي أصل يبنى الخلاف في نفاذ قضائه بين أبي حنيفة ومحمد؟
  9. هل يُكفّر من خالف إجماعا سكوتيا؟ أجب على ضوء مراتب الإجماع.

أجوبة التمارين

  1. «مجتهد» يخرج العوام والمقلدين؛ «الأمة» يخرج اتفاق الأمم السابقة؛ «بعد وفاة محمد ﷺ» يخرج اتفاق الصحابة في حياته، لأن الحجة حينئذ قوله وتقريره.
  2. (أ) سكوتي، إذا تحققت شروط الانتشار ومضي المدة وانتفاء المانع. (ب) ليس إجماعا عند الجمهور، لأن مخالفة الواحد تمنع الانعقاد. (ج) صريح قطعي.
  3. الحنفية: إجماع قطعي بشروطه؛ الشافعي في الجديد: ليس إجماعا ولا حجة. سبب الخلاف: احتمال السكوت للموافقة وغيرها. الثمرة: الثمانون حد عند الحنفية، والحد أربعون والزائد تعزير عند الشافعية.
  4. ممنوع، لأنه إحداث قول ثالث يرفع ما اتفق عليه القولان، وهو أن للجد نصيبا مع الإخوة.
  5. لا ينعقد إلا عن مستند لأن القول في الدين بلا دليل خطأ والأمة معصومة منه؛ ولا يلزم البحث عن المستند بعد الانعقاد لأن الإجماع صار هو الحجة، والمجمعون ربما استندوا إلى ما لم يُنقل.
  6. الورع في العبارة لمن لم يُحط بأقوال المجتهدين، والرد على من ادعى الإجماع ليرد به السنن كبشر المريسي والأصم، مع بقاء أصل الحجية عنده.
  7. لا تكفي، فهي إخبار عن علم الحاكي، وتفيد ظنا يتفاوت بحسب سعة اطلاعه، ويُطلب بعدها البحث عن المخالف.
  8. على مسألة اتفاق العصر الثاني على أحد قولي الأول: محمد يجعله إجماعا رافعا للخلاف فيرد القضاء، وأبو حنيفة يجعل ارتفاع الخلاف محل اجتهاد فينفذه.
  9. لا يكفر، لأن السكوتي ظني عند الجمهور، والتكفير يختص بجحد الإجماع القطعي المعلوم من الدين بالضرورة. وعند الحنفية هو قطعي، لكنه ليس من المعلوم بالضرورة غالبا، فيُخطّأ المخالف دون تكفير.

  1. الجويني، الورقات، باب الإجماع. ↩

  2. ابن السبكي، جمع الجوامع، الكتاب الثالث في الإجماع. ↩

  3. ابن القيم، إعلام الموقعين، في أصول فتاوى الإمام أحمد؛ وأبو يعلى، العدة، باب الإجماع. ↩

  4. الشافعي، الرسالة، باب الإجماع؛ والغزالي، المستصفى، الأصل الثالث. ↩

  5. ابن حزم، مراتب الإجماع؛ وابن تيمية، نقد مراتب الإجماع. ↩

  6. ابن الحاجب، مختصر المنتهى، مسألة الإجماع السكوتي؛ والآمدي، الإحكام. ↩

  7. البزدوي، كنز الوصول، باب الإجماع؛ والسرخسي، الأصول، باب الإجماع. ↩

القياس

موقع الفصل من المنظومة

القياس في المحطة الخامسة من خط الاستنباط: إلحاق ما لا نص فيه. يصل الناظر إليها بعد أن جمع الأدلة في المحطة الثانية، فلم يجد في الواقعة نصا ولا إجماعا، أو وجد نصا في نظيرها. والسؤال الذي يجيب عنه الفصل: متى يجوز أن يُعطى المسكوت عنه حكم المنطوق، وبأي جامع، وكيف يُثبت هذا الجامع؟ ويحتاج الفصل إلى الكتاب والسنة والإجماع، لأن حكم الأصل يثبت بالنص أو الإجماع، وإلى ما في الحكم الوضعي من التفريق بين العلة والسبب والشرط.

سؤال الافتتاح

رجل باع كيلو من الأرز بكيلوين من الأرز يدا بيد، وآخر باع كيلو من الحديد بكيلوين من الحديد يدا بيد. والحديث نص على ستة أصناف ليس منها الأرز ولا الحديد. فأي البيعين ربا عند كل مذهب، ولماذا؟

١ حقيقة القياس

القياس في اللغة التقدير والمساواة: قست الثوب بالذراع إذا قدّرته به، وفلان لا يقاس بفلان أي لا يساويه.

وفي الاصطلاح عبارات متقاربة. منها حد القاضي الباقلاني الذي تداوله المتكلمون: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما. وحد ابن الحاجب: مساواة فرع لأصل في علة حكمه. وعبارة الحنفية تدور على تقدير الفرع بالأصل في الحكم والعلة. ومن قال «حمل» أو «رد» جعل القياس فعل المجتهد، ومن قال «مساواة» جعله دليلا نصبه الشارع يكشف عنه المجتهد.

من المتون الورقات للجويني

وأما القياس: فهو رد الفرع إلى الأصل، بعلة تجمعهما في الحكم. وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إلى قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبه. فقياس العلة: ما كانت العلة فيه موجبة الحكم، وقياس الدلالة: هو الاستدلال بأحد النظيرين على الآخر، وهو أن تكون العلة دالة على الحكم، ولا تكون موجبة للحكم، وقياس الشبه: هو الفرع المتردد بين أصلين، فيلحق بأكثرهما شبها.1

الحل: «رد الفرع إلى الأصل» يذكر ركنين، و«بعلة» الركن الثالث، و«في الحكم» الرابع، فالحد يتضمن الأركان الأربعة. و«موجبة الحكم» أي لا يحسن عقلا تخلف الحكم عنها، ومراد الجويني قوة الظهور لا الإيجاب على الله. و«دالة على الحكم» أي الجامع أمر يلازم العلة ويدل عليها، كأثر لها أو حكم من أحكامها. و«المتردد بين أصلين» هو محل قياس الشبه الآتي في المسالك.

١ حجية القياس

اتفقت المذاهب الأربعة على أن القياس حجة يجب العمل بها في الأحكام الشرعية العملية عند عدم النص والإجماع. وأنكره الظاهرية، وأشدهم فيه ابن حزم، وحكي عن داود قبول ما نُص على علته لأنه عنده من دلالة النص. وأنكره قبلهم النظام من المعتزلة، بحجة أن الشريعة فرقت بين المتماثلات وجمعت بين المختلفات، فلا يُدرك فيها جامع بالعقل.

أدلة الجمهور:

  1. القرآن: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، والاعتبار العبور من الشيء إلى نظيره، والآية جاءت بعد ذكر عقوبة بني النضير، أي قيسوا أنفسكم بهم.
  2. السنة: قوله ﷺ للمرأة التي سألت عن صوم نذرته أمها: «أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته، أكان يؤدي ذلك عنها؟» قالت: نعم، قال: «فصومي عن أمك» (رواه البخاري ومسلم بألفاظ، وفي بعضها: «فدين الله أحق أن يقضى»). وقوله لعمر حين سأله عن القبلة للصائم: «أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟» (رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم). وفيهما إلحاق نظير بنظير بجامع. وحديث معاذ: «أجتهد رأيي ولا آلو» (رواه أبو داود والترمذي، وقال الترمذي: ليس إسناده عندي بمتصل، وضعفه البخاري، وقبله جماعة لتلقي العلماء له بالقبول).
  3. عمل الصحابة: قاسوا في وقائع كثيرة، كإلحاق الجد بالأب أو بالأخ، وتقديم أبي بكر للخلافة قياسا على تقديمه للصلاة عند من رواه، وانتشر ذلك بلا نكير.
  4. المعقول: النصوص متناهية والوقائع غير متناهية، والشريعة معللة بالمصالح في جملتها كما في مقاصد الشريعة، فإذا عُرفت العلة لزم تعدية الحكم حيث وجدت.

وأجاب الجمهور عن حجة النظام بأن التفريق بين المتماثلات في الظاهر يدل على فارق خفي، والقياس لا يجري إلا حيث عُقل المعنى.

١ أركان القياس

للقياس أربعة أركان:

الركن تعريفه المثال
الأصل المحل المنصوص على حكمه أو المجمع عليه الخمر
الفرع المحل المسكوت عنه المراد إلحاقه النبيذ المسكر
حكم الأصل الحكم الشرعي الثابت للأصل التحريم
العلة الوصف الجامع الذي بُني عليه الحكم الإسكار

وحكم الفرع ثمرة القياس، فلا يُعد ركنا. والأصل عند الفقهاء محل الحكم، وعند بعض المتكلمين النص الدال عليه.

٢ شروط حكم الأصل

  1. أن يكون ثابتا بنص أو إجماع، فلا يُقاس على فرع ثبت حكمه بالقياس عند الجمهور، لأن العلة الجامعة إن وجدت بين الأصل الأول والفرع الثاني كان القياس على الأول أولى.
  2. ألا يكون منسوخا، لأن المنسوخ لا يثبت به حكم.
  3. أن يكون معقول المعنى، فالأحكام التعبدية كأعداد الركعات ومقادير نصب الزكاة لا يُقاس عليها في تقديرها.
  4. ألا يكون معدولا به عن سنن القياس. وهذا الشرط يكثر عند الحنفية، ومرادهم ما ثبت على خلاف القواعد العامة لدليل خاص، فيقتصر على مورده. ومثاله شهادة خزيمة بن ثابت التي جُعلت بشهادة رجلين (رواه أبو داود والنسائي، وإسناده صحيح)، فلا يُلحق به غيره ولو كان أفضل منه. ومثاله عندهم أيضا أكل الصائم ناسيا، فالقياس فساد صومه لفوات ركنه، وترك القياس بحديث «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه» (رواه البخاري ومسلم)، فلم يلحقوا به المخطئ والمكره، وقالوا بفساد صومهما.
  5. ألا يكون دليل حكم الأصل شاملا للفرع، لأنه حينئذ يثبت حكم الفرع بالنص لا بالقياس.

٢ شروط الفرع

  1. أن توجد فيه علة الأصل بتمامها، فإن وجدت ناقصة لم يصح الإلحاق، وهذا موضع تحقيق المناط الآتي.
  2. ألا يكون منصوصا على حكمه بما يخالف القياس، فالقياس المصادم للنص فاسد الاعتبار.
  3. ألا يتقدم حكمه على حكم الأصل، كقياس الوضوء على التيمم في النية، والتيمم شُرع بعده، إلا على وجه الاستئناس.

١ العلة

١ تعريف العلة

اختلفت عبارات الأصوليين في حد العلة بحسب مذاهبهم في تعليل أفعال الله:

  • المعرّف: العلة علامة نصبها الشارع لمعرفة الحكم، وهو اختيار الرازي والبيضاوي من الأشاعرة، فرارا من القول بأن شيئا يوجب على الله حكما.
  • الباعث: الوصف المشتمل على حكمة صالحة لأن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم، وهو اختيار الآمدي وابن الحاجب. ومعنى «الباعث» عندهم أنه باعث للمكلف على الامتثال ومناط لمقصد الشارع، دون أن يكون باعثا لله على الحكم.
  • المؤثر: المؤثر في الحكم بذاته عند المعتزلة، والمؤثر بجعل الله عند الغزالي.

والحكمة غير العلة: الحكمة المصلحة المقصودة من الحكم، كالمشقة في رخصة السفر، والعلة الوصف الظاهر المنضبط الذي تُناط به الحكمة، كالسفر نفسه. وأكثر الأصوليين يمنعون التعليل بالحكمة المجردة إذا لم تنضبط، لأن المشقة تتفاوت فلا تصلح مناطا لحكم عام.

٢ شروط العلة

  1. أن تكون وصفا ظاهرا، فلا يُعلل بأمر خفي كالرضا في البيع، وإنما بمظنته الظاهرة وهي الإيجاب والقبول.
  2. أن تكون منضبطة، لها حقيقة معينة لا تختلف كثيرا باختلاف الأحوال، كالسفر دون المشقة.
  3. أن تكون مناسبة، أي يترتب على ربط الحكم بها مصلحة مقصودة، فالإسكار مناسب للتحريم لما فيه من حفظ العقل. وهذا في العلة بمعنى الباعث، أما العلامة المجردة فلا يشترط فيها ذلك عند من يجعلها معرّفا.
  4. أن تطرد، فتوجد معها الأحكام حيث وجدت، والخلاف فيها هو مسألة النقض الآتية في القوادح.
  5. أن تكون متعدية عند الحنفية، وهي المسألة الآتية.

ويجوز عند الجمهور تعليل الحكم الواحد بعلتين منصوصتين تستقل كل منهما به، كنقض الوضوء بالبول والمس عند من يقول به، واختلفوا في المستنبطتين، فمنعه جماعة لأن الاستنباط يقتضي تعيين الوصف المؤثر.

مسألة خلافية هل يصح التعليل بالعلة القاصرة؟

  • الحنفية لا يصح التعليل بالقاصرة المستنبطة، لأن فائدة التعليل تعدية الحكم إلى الفرع، والقاصرة لا تتعدى محل النص فلا فائدة فيها. ويقبلون القاصرة المنصوصة أو المجمع عليها، لأن ثبوتها بالنص لا يحتاج إلى فائدة.
  • المالكية يصح.
  • الشافعية يصح، وفائدتها معرفة حكمة الحكم فيكون أدعى إلى قبوله، والمنع من القياس على محل النص، وتقوية دلالة النص.
  • الحنابلة في المذهب روايتان، والأكثر على الصحة مع عدم التعدية.
  • سبب الخلاف هل فائدة العلة محصورة في تعدية الحكم إلى الفرع، أم لها فوائد في فهم النص نفسه؟
  • الثمرة علة الربا في الذهب والفضة. الشافعية والمالكية: الثمنية، وهي قاصرة على النقدين عند الشافعية، فلا ربا عندهم في الحديد والنحاس. الحنفية: الوزن مع الجنس، وهي متعدية إلى كل موزون، فيجري الربا عندهم في الحديد والنحاس ونحوهما. والحنابلة في الرواية المشهورة كالحنفية.

١ مسالك العلة

مسالك العلة الطرق التي يُعرف بها كون الوصف علة. وهي قلب باب القياس، لأن ثبوت العلة هو الذي يجعل الإلحاق دليلا لا مجرد تشبيه. ونتخذ الربا مثالا جاريا في المسالك كلها.

قال ﷺ: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد» (رواه مسلم من حديث عبادة بن الصامت). والحديث لم ينص على العلة، فاستنبطها كل مذهب بمسلكه:

مسألة خلافية علة ربا الفضل في الأصناف الستة

  • الحنفية القدر مع الجنس، والقدر الكيل في المكيلات والوزن في الموزونات، فيجري الربا في كل مكيل وموزون بيع بجنسه، مطعوما كان أو غير مطعوم.
  • المالكية في الطعام الاقتيات والادخار، أي ما تقوم به البنية ويدخر، وفي النقدين الثمنية.
  • الشافعية في الأربعة الطعم على الجديد، وفي النقدين الثمنية، وهي علة قاصرة عندهم.
  • الحنابلة في الرواية المشهورة وهي المعتمد في المذهب: الكيل أو الوزن مع الجنس كالحنفية، وعن أحمد رواية كقول الشافعية، ورواية ثالثة بالطعم مع الكيل أو الوزن اختارها ابن قدامة وابن تيمية.
  • سبب الخلاف اختلاف المسلك. فالحنفية أخذوا العلة من قوله «مثلا بمثل» وما ورد في بعض الروايات من الكيل والوزن، وقوله ﷺ في حديث تمر خيبر: «وكذلك الميزان» (رواه البخاري ومسلم بمعناه)، فالمماثلة تُعرف بالمعيار. والشافعية أخذوها بالإيماء من حديث «الطعام بالطعام مثلا بمثل» (رواه مسلم)، لأن تعليق الحكم باسم مشتق يؤذن بعلية ما اشتق منه. والمالكية أخذوها بالمناسبة، فالربا شُدد فيه حفظا لأقوات الناس التي تقوم بها حياتهم.
  • الثمرة الأرز ربوي عند الجميع، لأنه مكيل ومطعوم ومقتات مدخر. والحديد والجص ربويان عند الحنفية والحنابلة في المعتمد لأنهما موزون ومكيل، وليسا ربويين عند المالكية والشافعية. والفواكه الرطبة التي لا تدخر ربوية عند الشافعية لأنها مطعومة، وليست ربوية في التفاضل عند المالكية لفقد الادخار.5

وبهذا يُجاب سؤال الافتتاح: بيع الأرز متفاضلا ربا عند المذاهب الأربعة، وبيع الحديد متفاضلا ربا عند الحنفية والحنابلة في المعتمد، وجائز عند المالكية والشافعية.

١ المسلك الأول: النص الصريح

أن يدل لفظ الشارع على العلية بوضعه، وأعلاه ما لا يحتمل غيرها، كقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، وقوله ﷺ: «إنما جعل الاستئذان من أجل البصر» (رواه البخاري ومسلم)، و«إنما نهيتكم من أجل الدافة» (رواه مسلم). ودونه الظاهر، كاللام والباء و«إنّ»، كقوله ﷺ في الهرة: «إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات» (رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح). فعلة طهارة سؤرها الطواف ومشقة الاحتراز، فيلحق بها ما في معناها من صغار الحيوان المخالط للناس.

١ المسلك الثاني: الإيماء والتنبيه

أن يقترن الحكم بوصف اقترانا لو لم يكن الوصف علة لكان الكلام معيبا عند أهل اللسان. وصوره كثيرة، أشهرها:

  • ترتيب الحكم على الوصف بالفاء: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، و﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
  • ترتيب الحكم على واقعة رُفعت إلى النبي ﷺ: قال الأعرابي: هلكت، وقعت على امرأتي وأنا صائم، فأمره بالكفارة (رواه البخاري ومسلم). فيُفهم أن الوقاع في نهار رمضان علة الكفارة.
  • السؤال عن وصف ثم ترتيب الحكم عليه: سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: «أينقص الرطب إذا يبس؟» قالوا: نعم، فنهى عن ذلك (رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح). فالنقص بالجفاف علة المنع.
  • ذكر وصف مناسب مع الحكم: «لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان» (رواه البخاري ومسلم)، فالغضب المشوش للفكر علة النهي.
  • تعليق الحكم باسم مشتق: «الطعام بالطعام مثلا بمثل»، وهو مأخذ الشافعية في الطعم كما سبق.

١ المسلك الثالث: الإجماع

أن يُجمع أهل العصر على أن وصفا معينا علة الحكم، كإجماعهم على أن الصغر علة الولاية على المال، فيلحق به الجنون. وكإجماعهم على أن علة النهي عن القضاء مع الغضب تشويش الفكر، فيُلحق به الجوع المفرط والحزن الشديد. ويُقدَّم على المسالك المستنبطة، لأن الإجماع قاطع للاحتمال كما في الإجماع.

١ المسلك الرابع: السبر والتقسيم

التقسيم حصر الأوصاف التي يحتمل أن تكون علة، والسبر اختبارها وإبطال ما لا يصلح منها، فيتعين الباقي. ففي البر: يحتمل أن تكون العلة الطعم، أو الكيل، أو الاقتيات، أو المالية، فيبطل الشافعي الكيل بأن الحكم وُجد في القليل الذي لا يكال كالحفنة، ويبطل المالكي الطعم المجرد بخروج ما لا يدخر. ويشترط له أمران: أن يكون الحصر تاما أو مسلما من الخصم، وأن يكون الإبطال بدليل. وهو حجة عند الجمهور، وقطعي إذا قطع بالحصر والإبطال. وأكثر الحنفية يردون مسالك الاستنباط إلى التأثير، فلا يكفي عندهم في الوصف الباقي أن يسلم من الإبطال حتى يظهر أثره في الحكم بنص أو إجماع.

١ المسلك الخامس: المناسبة

المناسبة، وتسمى الإخالة وتخريج المناط، أن يكون الوصف بحيث يترتب على شرع الحكم عنده مصلحة مقصودة للشارع، من جلب نفع أو دفع ضرر. كالإسكار للتحريم حفظا للعقل، والقتل العمد العدوان للقصاص حفظا للنفس. والمناسب ينقسم باعتبار شهادة الشرع له:

القسم تعريفه مثاله
المؤثر ما ثبت بنص أو إجماع اعتبار عينه في عين الحكم الصغر في الولاية على المال
الملائم ما ثبت اعتبار عينه في جنس الحكم، أو جنسه في عين الحكم، أو جنسه في جنسه، بترتيب الحكم على وفقه الصغر في ولاية النكاح، لثبوت اعتبار الصغر في جنس الولاية
الغريب ما لم يشهد له إلا ترتيب الحكم على وفقه في محله توريث المبتوتة في مرض الموت معاملة بنقيض القصد، قياسا على حرمان القاتل
المرسل ما لم يشهد له الشرع باعتبار ولا إلغاء جمع المصحف وتدوين الدواوين
الملغى ما شهد الشرع بإلغائه إيجاب الصوم على الملك في كفارة الوقاع بدل العتق لأنه أزجر له

والمؤثر والملائم حجة عند القائلين بالمناسبة، والغريب مختلف فيه، والمرسل هو المصلحة المرسلة ومكانها الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف، والملغى مردود باتفاق.3 وأكثر الحنفية لا يقبلون الإخالة المجردة، ويشترطون التأثير، أي أن يظهر أثر الوصف في جنس الحكم بنص أو إجماع، وهو قريب من «المؤثر» و«الملائم» عند غيرهم.

تنبيه «المؤثر» بين اصطلاحين

المؤثر عند ابن الحاجب والآمدي قسم من المناسب ثبت اعتبار عينه في عين الحكم بنص أو إجماع. والتأثير عند الحنفية أوسع، فهو ظهور أثر الوصف في الحكم أو في جنسه بنص أو إجماع، ويقابلونه بالطرد والإخالة المجردة. فإذا قرأت في كتب الحنفية «العلة المؤثرة» فالمراد معنى قريب من المؤثر والملائم معا عند المتكلمين.

٢ المسلك السادس: الشبه

الشبه منزلة بين المناسب والطرد: وصف لا تظهر مناسبته بذاته، لكن عُهد من الشارع الالتفات إليه في بعض الأحكام. وأشهر صوره قياس غلبة الأشباه: فرع يتردد بين أصلين فيلحق بأكثرهما شبها. كالعبد المقتول: يشبه الحر لأنه آدمي مكلف، ويشبه البهيمة لأنه مال يباع، فمن ألحقه بالمال أوجب قيمته بالغة ما بلغت، ومن نظر إلى شبهه بالحر لم يجاوز بها دية الحر، وهو قول أبي حنيفة. وقبل الشافعية قياس الشبه، وهو منصوص الشافعي، ورده القاضي الباقلاني وأكثر الحنفية، وعن أحمد روايتان.

٢ المسلك السابع: الدوران

الدوران، ويسمى الطرد والعكس، أن يوجد الحكم عند وجود الوصف وينعدم عند عدمه. كعصير العنب: حلال قبل الشدة، فإذا اشتد وأسكر حرم، فإذا صار خلا حل. فدار التحريم مع الإسكار وجودا وعدما. وهو مفيد للظن عند الجمهور، ورده آخرون لأن الوصف قد يكون ملازما للعلة لا علة.

٢ المسلك الثامن: الطرد

الطرد مقارنة الحكم للوصف في جميع الصور غير صورة النزاع، من غير مناسبة ولا شبه. ومثلوا له بقول من قال في الخل: مائع لا تُبنى القنطرة على جنسه، فلا تزال به النجاسة كالدهن. والجمهور على رده، لأن المقارنة المجردة لا تدل على العلية.

١ تنقيح المناط وتخريجه وتحقيقه

المناط هو العلة، سميت بذلك لأن الحكم نيط بها أي عُلق. وقسم الغزالي النظر في المناط ثلاثة أقسام، تتميز بموضع عمل المجتهد:

تخريج المناط: أن ينص الشارع على الحكم ولا يتعرض للعلة أصلا، فيستخرجها المجتهد بالمناسبة أو السبر. وهو ما سبق في علة الربا، وهو أكثر الأقسام خلافا، وفيه أنكر الظاهرية القياس.

تنقيح المناط: أن يضيف الشارع الحكم إلى سبب، ويقترن به أوصاف لا مدخل لها في العلية، فيحذفها المجتهد ويُنيط الحكم بالباقي. ومثاله حديث الأعرابي: كونه أعرابيا، وكون الموطوءة زوجته، وكون الوقاع في ذلك الشهر بعينه، أوصاف ملغاة بالاتفاق. ثم اختلفوا: فبقي عند الشافعية والحنابلة الوقاع في نهار رمضان، فلا كفارة في الأكل عمدا. وحذف الحنفية والمالكية خصوص الوقاع، وأناطوا الكفارة بإفساد الصوم عمدا بما يتعلق به الشهوة عند الحنفية، وبانتهاك حرمة الشهر عند المالكية، فأوجبوها في الأكل والشرب عمدا. ومنه قوله تعالى في الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، فحذف الأنوثة وأُلحق العبد بالأمة في تنصيف الحد، وهذا ما يسمى إلغاء الفارق. وأقر بتنقيح المناط كثير ممن ضيّق القياس، والحنفية يسمون كثيرا منه استدلالا بالنص.

تحقيق المناط: أن تكون العلة معلومة بنص أو إجماع أو استنباط، فيُنظر في وجودها في الواقعة المعينة. كقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]، فالمثلية معلومة، والنظر في أن هذه البقرة مثل لهذا الحمار الوحشي تحقيق مناط. ومثله تحقق العدالة في شاهد بعينه، وجهة القبلة في مكان بعينه، وكون شراب معين مسكرا. وهذا القسم لا ينكره أحد، حتى منكرو القياس، لأن كل حكم كلي لا يُطبق إلا به. وقسمه الشاطبي إلى تحقيق عام في الأنواع، وخاص في الأشخاص وأحوالهم، وعليه يُبنى مبحث فقه الواقع والنوازل في أصول الفقه في زمننا.26

أداة تفكير التنزيل الرباعي

الأقسام الثلاثة تقع في مواضع مختلفة من خط الاستنباط. تخريج المناط وتنقيحه في المحطة الخامسة، لأنهما يصنعان الحكم الكلي للمسكوت عنه. وتحقيق المناط في المحطة السابعة، لأنه ينزل الحكم الكلي على المعين. فالأداة تفصل بين صحة القاعدة وصحة تطبيقها: قد يتفق فقيهان على أن الثمنية علة، ويختلفان في أن ورقة نقدية معينة ثمن، فخلافهما في التحقيق لا في التخريج. وحدّ الأداة أن الفصل بين الطبقتين يعين على تشخيص موضع الخلاف، والمجتهد يمارسها في نظر واحد متصل.

تطبيق الأوراق النقدية على خط الاستنباط

الواقعة: بيع مئة دينار ورقي بمئة وعشرة إلى أجل.

  1. نوع الحكم: تكليفي (حل أو تحريم) ووضعي (صحة العقد).

  2. الأدلة: حديث عبادة في الأصناف الستة، ولا نص في الورق النقدي.

  3. الدلالة: الحديث نص في الذهب والفضة، والورق ليس منهما لغة.

  4. الإلحاق: تخريج المناط في النقدين. الحنفية والحنابلة في المعتمد: الوزن مع الجنس، والورق لا يوزن، فلا يتعدى إليه الحكم بهذه العلة. المالكية والشافعية: الثمنية. ثم اختلف الشافعية في الثمنية: هي جوهرية قاصرة على الذهب والفضة، أم ثمنية مطلقة تتعدى إلى كل ما راج ثمنا؟

  5. تحقيق المناط: هل الورق النقدي اليوم ثمن غالب يُقوّم به كل شيء؟ الواقع يشهد بذلك.

الحكم: انتهى أكثر المجامع الفقهية المعاصرة إلى أن الأوراق النقدية يجري فيها الربا بنوعيه، أخذا بالثمنية المطلقة متعدية: فقرر المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي أنها نقد قائم بذاته له حكم النقدين، وقرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته الثالثة بعمّان سنة ١٤٠٧هـ أنها نقود اعتبارية فيها صفة الثمنية كاملة، لها أحكام الذهب والفضة في الربا والزكاة. وموضع الاجتهاد في هذا الحكم مزدوج: تخريج يوسع العلة، وتحقيق يثبتها في الورق.

٢ قوادح القياس

القوادح اعتراضات يوردها المناظر على القياس ليبطله أو يضعفه، وتبلغ في المطولات نحو خمسة وعشرين، أهمها:

  • المنع: منع حكم الأصل، أو منع وجود العلة في الأصل أو الفرع، أو منع كون الوصف علة. وهو أصل الاعتراضات، وبه يُطالب المستدل بإثبات كل مقدمة.
  • النقض: وجود العلة في صورة مع تخلف الحكم عنها. كأن يقول الشافعي في تبييت النية: صوم عري أوله عن النية فلا يصح، فيُنقض عليه بصوم التطوع، فإنه يصح بنية من النهار. فيجيب بأن التطوع خرج بدليل، وهو حديث عائشة: «فإني إذن صائم» (رواه مسلم).
  • عدم التأثير: أن يكون في الوصف قيد لا أثر له في الحكم، كقولهم في بيع الغائب: مبيع غير مرئي فلا يصح كالطير في الهواء، فيقال: كونه غير مرئي لا أثر له، فالطير في الهواء لا يصح بيعه ولو رُئي، لعدم القدرة على التسليم.
  • القلب: أن يستدل المعترض بعلة المستدل نفسها على نقيض حكمه. كقول الحنفي: الاعتكاف لبث مخصوص فلا يكون قربة بنفسه كالوقوف بعرفة، فيشترط فيه الصوم. فيقول الشافعي: لبث مخصوص، فلا يشترط فيه الصوم كالوقوف بعرفة.
  • القول بالموجب: تسليم ما يقتضيه دليل المستدل مع بقاء النزاع. كقول الشافعي في القتل بالمثقل: التفاوت في الآلة لا يمنع القصاص كالتفاوت في المقتول. فيقول الحنفي: نسلم أن التفاوت لا يمنعه، والنزاع في وجود المقتضي للقصاص، وانتفاء المانع لا يثبت المقتضي.
  • الفرق: إبداء وصف في الأصل لا يوجد في الفرع، أو مانع في الفرع لا يوجد في الأصل. كقياس الشافعي الوضوء على التيمم في النية، فيفرق الحنفي بأن التيمم بالتراب لا يطهر بطبعه فاحتاج إلى نية، والماء مطهر بطبعه.
  • فساد الاعتبار: أن يكون القياس مصادما لنص أو إجماع. كقياس متروك التسمية عمدا على متروكها نسيانا في حل الذبيحة، فيعترض الحنفي بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].
  • فساد الوضع: أن يكون الجامع مقتضيا لنقيض الحكم المرتب عليه في وضع الشرع. كقولهم: مسح فيسن تثليثه كالاستجمار، فيقال: المسح موضوع في الشرع للتخفيف، كالمسح على الخف لا يسن تثليثه، فلا يناسب التكثير.

مسألة خلافية تخصيص العلة: هل النقض قادح؟

  • الحنفية أجاز أكثر العراقيين كالكرخي والجصاص تخصيص العلة المستنبطة، أي تخلف الحكم عنها في صورة لمانع، ومنعه السرخسي وفخر الإسلام البزدوي ومن تبعهما، وجعلوا تخلف الحكم في صور الاستحسان راجعا إلى انعدام العلة حكما بمعارضة علة أقوى.4
  • المالكية أجازه كثير منهم.
  • الشافعية النقض قادح في العلة المستنبطة عند أكثرهم، ومنهم من أجاز التخلف لمانع.
  • الحنابلة عن أحمد روايتان.
  • سبب الخلاف هل العلة الشرعية أمارة يجوز أن يتخلف عنها الحكم لمعارض، أم هي مقتضية بذاتها فيدل تخلف الحكم على أنها ليست علة؟
  • الثمرة الاستحسان عند الحنفية. من أجاز التخصيص صاغه تخصيصا للعلة القياسية في صورة الاستحسان، ومن منعه صاغه ترجيحا لقياس خفي على جلي. والنتيجة الفقهية واحدة، والخلاف في تخريجها، وهو ما يأتي في الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف.

أداة تفكير اختبار الحجة بالاعتراض

القوادح جهاز فحص للقياس يقابل ما يسمى في نظرية الحجاج الحديثة الأسئلة الناقدة لحجة التمثيل: هل الأصل ثابت الحكم؟ هل الجامع هو سبب الحكم فعلا؟ هل يوجد في الفرع؟ هل بين الأصل والفرع فارق مؤثر؟ هل يعارض القياس نص؟ وتمرين الطالب أن يُعطى قياسا ويُطلب منه أقوى قادح عليه. وحدّ الأداة أن القوادح مقيدة بأصول كل مذهب: فالنقض لا يقدح عند من يجيز تخصيص العلة، وفساد الاعتبار بخبر الواحد لا يُسلّم عند الحنفية إذا خالف الخبر عندهم القياس بشروط كما في الكتاب والسنة.

٢ أقسام القياس

باعتبار قوة الجامع في الفرع:

  • قياس الأولى: أن تكون العلة في الفرع أقوى، كتحريم الضرب من ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣].
  • القياس المساوي: أن تستوي فيهما، كإحراق مال اليتيم إلحاقا بأكله في ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠].
  • قياس الأدنى: أن تكون في الفرع أضعف مع وجودها، كإلحاق التفاح بالبر في الربا عند الشافعية بجامع الطعم، والبر يزيد عليه بالاقتيات والكيل، فالمعنى في الفرع أضعف منه في الأصل.

باعتبار الجامع:

  • قياس العلة: الجامع فيه العلة نفسها، كالإسكار بين النبيذ والخمر.
  • قياس الدلالة: الجامع فيه دليل العلة من لازم أو أثر أو حكم، كإلحاق النبيذ بالخمر بالرائحة المشتدة، وهي أثر الإسكار.
  • قياس الشبه: كما في المسلك السادس.

باعتبار الظهور:

  • الجلي: ما قُطع فيه بنفي الفارق أو نُص على علته، كإلحاق العبد بالأمة في تنصيف الحد.
  • الخفي: ما كانت علته مستنبطة ولم يُقطع بنفي الفارق، كقياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد في القصاص.

تنبيه قياس الأولى ودلالة النص

ما يسميه الجمهور قياس الأولى والمساوي في مثل التأفيف وأكل مال اليتيم، يسميه الحنفية دلالة النص، ويجعلونه دلالة لفظية يفهمها كل عارف باللغة بلا اجتهاد. ويسميه الشافعية مفهوم الموافقة، واختلفوا هل هو قياس أو دلالة لفظية. وثمرة التسمية عند الحنفية كبيرة: ما ثبت بدلالة النص يجري في الحدود والكفارات التي يمنعون فيها القياس. وتفصيل ذلك في طرق الدلالة بين المنهجين.

٢ القياس في الحدود والكفارات والرخص والمقدرات

مسألة خلافية هل يجري القياس في الحدود والكفارات والمقدرات والرخص؟

  • الحنفية لا يجري، لأنها مقدرات لا تُعقل عللها على وجه التفصيل، والحدود تُدرأ بالشبهات والقياس ظني فيه شبهة. ويثبتونها بدلالة النص لأنها عندهم لفظية.
  • المالكية يجري فيها القياس على المشهور.
  • الشافعية يجري إذا عُقل المعنى.
  • الحنابلة يجري على المذهب.
  • سبب الخلاف هل تُدرك علل هذه الأحكام إدراكا يصلح للتعدية، وهل الشبهة في القياس الظني تمنع إثبات الحد؟
  • الثمرة (١) الكفارة بالأكل عمدا في نهار رمضان: أوجبها الحنفية بدلالة النص، لأن المعنى المفهوم لغة من حديث الأعرابي الجناية على الصوم بالفطر، والمالكية بتنقيح المناط. ولم يوجبها الشافعية والحنابلة مع قولهم بالقياس في الكفارات، لأنهم رأوا المعنى خاصا بالجماع. (٢) حد اللواط: أبو حنيفة: تعزير لا حد، لأنه لا يسمى زنا لغة، ولا يثبت الحد بالقياس. الصاحبان والشافعية: حده حد الزنا. المالكية: الرجم مطلقا. الحنابلة: المعتمد أنه كحد الزنا، وعن أحمد رواية بالرجم مطلقا. (٣) قطع النباش: أبو حنيفة ومحمد: لا قطع لنقص الحرز والملك ومنع القياس في الحدود. أبو يوسف والجمهور: يقطع.

ويلحق بها القياس في الرخص، فالحنفية يمنعونه لأن الرخصة ثبتت على خلاف الأصل فلا يقاس عليها، والشافعية يجيزونه إذا عُقل المعنى، كإلحاقهم العنب بالرطب في رخصة العرايا. والقياس في الأسباب، أي جعل وصف سببا لحكم قياسا على سبب منصوص، كجعل اللواط سببا للحد قياسا على الزنا، منعه الحنفية وكثير من الشافعية كالآمدي، وأجازه آخرون.

٢ القياس عند الحنفية والاستحسان

الحنفية أوسع المذاهب أخذا بالقياس، وهم مع ذلك يشترطون تأثير العلة، ويمنعون القاصرة المستنبطة والقياس في الحدود والكفارات والقياس على المعدول به عن سنن القياس. ويقابلون القياس بالاستحسان، وهو عندهم العدول عن مقتضى قياس جلي إلى قياس خفي أقوى أثرا، أو إلى نص أو إجماع أو ضرورة.

ومثاله سؤر سباع الطير كالصقر والنسر. القياس الجلي: نجس، إلحاقا بسؤر سباع البهائم بجامع حرمة اللحم. والاستحسان: طاهر مكروه، لأن سباع الطير تشرب بمناقيرها وهي عظم طاهر، فلا يلاقي الماء لعابها المتولد من اللحم، وهذا قياس خفي أقوى أثرا. فالاستحسان عند الحنفية ترجيح بين قياسين، ولذلك قدموه في هذه الصورة، وقدموا القياس في صور يكون فيها أقوى أثرا. وتفصيل الاستحسان وإنكار الشافعي له في الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف.

صلة الفصل بغيره

خلاصة الفصل

  1. القياس مساواة فرع لأصل في علة حكمه، وهو حجة عند المذاهب الأربعة، وأنكره الظاهرية والنظام.
  2. أركانه أربعة: الأصل والفرع وحكم الأصل والعلة، وحكم الفرع ثمرته.
  3. يشترط في حكم الأصل أن يثبت بنص أو إجماع، وأن يكون معقول المعنى غير منسوخ ولا معدول به عن سنن القياس.
  4. العلة عند الأشاعرة معرّف، وعند الآمدي وابن الحاجب باعث بمعنى المشتمل على الحكمة، وعند المعتزلة مؤثر بذاته.
  5. يشترط في العلة أن تكون وصفا ظاهرا منضبطا مناسبا، والحكمة غير المنضبطة لا يعلل بها.
  6. العلة القاصرة المستنبطة لا يعلل بها عند الحنفية، ويعلل بها الجمهور، وثمرتها الثمنية في النقدين.
  7. مسالك العلة: النص، والإيماء، والإجماع، والسبر والتقسيم، والمناسبة، والشبه، والدوران، والطرد، والأخير مردود عند الجمهور.
  8. علة الربا: القدر مع الجنس عند الحنفية والحنابلة في المعتمد، والاقتيات والادخار عند المالكية، والطعم عند الشافعية، والثمنية في النقدين عند المالكية والشافعية.
  9. المناسب: مؤثر، وملائم، وغريب، ومرسل، وملغى، والحنفية يشترطون التأثير.
  10. تخريج المناط استخراج علة لم يُنص عليها، وتنقيحه حذف الأوصاف الملغاة من سبب منصوص، وتحقيقه إثبات العلة في الواقعة المعينة، وهو الجسر إلى التنزيل ولا ينكره أحد.
  11. القوادح أسئلة فحص للقياس، وقدحها مقيد بأصول المذهب كالنقض عند من يجيز تخصيص العلة.
  12. الحنفية يمنعون القياس في الحدود والكفارات والرخص والمقدرات، ويثبتون فيها ما دل عليه النص بدلالته.
  13. الاستحسان عند الحنفية عدول عن قياس جلي إلى ما هو أقوى منه.

تمارين

  1. حدد الأركان الأربعة في إلحاق الأرز بالبر في تحريم التفاضل عند الشافعية.
  2. صنّف مسلك العلة في كل مما يأتي: (أ) ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، (ب) «أينقص الرطب إذا يبس؟»، (ج) إلحاق الجوع المفرط بالغضب في منع القضاء، (د) عصير العنب يحل ثم يحرم ثم يحل.
  3. قارن بين الحنفية والشافعية في العلة القاصرة، وبيّن أثر الخلاف في بيع الحديد بالحديد متفاضلا.
  4. ميّز بين تخريج المناط وتنقيحه وتحقيقه في: (أ) علة الربا في البر، (ب) حذف كون الواطئ أعرابيا في حديث الكفارة، (ج) النظر في أن عملة رقمية معينة ثمن رائج.
  5. سمِّ القادح: يقول المستدل: «مبيع غير مرئي فلا يصح كالطير في الهواء».
  6. لماذا أوجب الحنفية الكفارة على من أكل عمدا في رمضان مع منعهم القياس في الكفارات؟
  7. علّل عند الحنفية: الناسي لا يفطر بالأكل، والمخطئ يفطر.
  8. رد الفرع إلى أصله: قال أبو حنيفة في اللواط بالتعزير دون الحد.
  9. ما الفرق بين المؤثر عند ابن الحاجب والعلة المؤثرة عند الحنفية؟

أجوبة التمارين

  1. الأصل البر، والفرع الأرز، وحكم الأصل تحريم التفاضل، والعلة الطعم.
  2. (أ) نص صريح، (ب) إيماء بالسؤال عن الوصف وترتيب الحكم عليه، (ج) الإجماع على أن العلة تشويش الفكر، (د) الدوران.
  3. الحنفية يمنعون القاصرة المستنبطة لأن فائدة العلة التعدية، والشافعية يقبلونها. فعلة النقدين عند الحنفية الوزن مع الجنس فيجري الربا في الحديد، وعند الشافعية الثمنية القاصرة فلا ربا فيه.
  4. (أ) تخريج، (ب) تنقيح، (ج) تحقيق.
  5. عدم التأثير، لأن الطير لا يصح بيعه ولو رُئي.
  6. لأنهم أوجبوها بدلالة النص، والمعنى المفهوم لغة من الحديث الجناية على الصوم بالفطر، ودلالة النص عندهم لفظية لا قياس.
  7. الناسي ثبت حكمه بالنص على خلاف القياس، فهو معدول به عن سنن القياس، فلا يلحق به المخطئ ويبقى على القياس.
  8. أصلان: منع القياس في الحدود، وأن اللواط لا يسمى زنا لغة فلا يشمله النص.
  9. المؤثر عند ابن الحاجب ما ثبت اعتبار عينه في عين الحكم بنص أو إجماع، والتأثير عند الحنفية أوسع، يشمل ظهور أثر الوصف في جنس الحكم، فيقارب المؤثر والملائم معا.

  1. الجويني، الورقات، باب القياس. ↩

  2. الغزالي، المستصفى، القطب الثالث، في أركان القياس ومسالك العلة وتنقيح المناط وتخريجه وتحقيقه؛ والغزالي، شفاء الغليل. ↩

  3. ابن الحاجب، مختصر المنتهى، القياس، المناسبة وأقسامها والاعتراضات. ↩

  4. السرخسي، الأصول، باب التعليل والاستحسان؛ والبزدوي، كنز الوصول. ↩

  5. ابن رشد، بداية المجتهد، كتاب البيوع، باب الربا؛ وابن قدامة، المغني، كتاب الربا والصرف. ↩

  6. الشاطبي، الموافقات، كتاب الاجتهاد، تحقيق المناط. ↩

الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف

موقع الفصل من المنظومة

يقع هذا الفصل في المحطة الخامسة من خط الاستنباط، حيث يُلحق ما لا نص فيه بالشريعة، ويفتح بابا إلى المحطة السادسة، حيث يوزن الحكم بمقصده ومآله. والسؤال الذي يجيب عنه: إذا وجد الناظر القياس يقتضي حكما يؤدي إلى حرج، أو لم يجد أصلا معينا يقيس عليه، أو وجد مباحا يغلب أن يفضي إلى مفسدة، أو لفظا جرى الناس فيه على معنى غير اللغوي، فبأي شيء يحكم؟

والأدلة الأربعة هنا، الاستحسان والمصلحة المرسلة وسد الذرائع والعرف، تعمل في المساحة التي يتركها النص والإجماع والقياس الظاهر، رعاية للمصلحة ورفعا للحرج. ويحتاج الفصل إلى المناسبة والمناسب المرسل في القياس، ويجمعها باب المقاصد مقاصد الشريعة تحت أصل اعتبار المآل.

سؤال الافتتاح

باع رجل سيارة بمئة ألف إلى سنة، ثم اشتراها في المجلس نفسه من المشتري بثمانين ألفا نقدا. كل عقد من العقدين مستوف لأركانه في الظاهر. فهل يصح هذا التعامل عند المذاهب الأربعة، وبأي أصل يحكم كل منهم؟

١ الاستحسان

١ تعريفه عند الحنفية

الاستحسان في اللغة عدّ الشيء حسنا. وفي اصطلاح الحنفية عبارات، أجمعها حد أبي الحسن الكرخي (ت ٣٤٠هـ) الذي نقله عبد العزيز البخاري في كشف الأسرار: «أن يعدل الإنسان عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه أقوى يقتضي العدول عن الأول».1

«العدول» يدل على حكم مقتضى ثابت بدليل عام أو قياس ظاهر، فالاستحسان لا يكون ابتداء في مسألة خالية من الأدلة. و«عن حكم نظائرها» يعين القاعدة المعدول عنها. و«لوجه أقوى» يعين سبب العدول. فالاستحسان عند الحنفية استثناء مسألة من قاعدتها بدليل.

واعترض البخاري على الحد بأنه يُدخل تخصيص العام والنسخ، ولم يسمهما أحد استحسانا. وعرّفه آخرون بأنه القياس الخفي المقابل للجلي، وهو أضيق، لأنه لا يشمل ما ثبت بالأثر أو الإجماع أو الضرورة. وعبارة البزدوي: «وإنما الاستحسان عندنا أحد القياسين»، أي أن في المسألة وجهين، ظاهرا سابقا إلى الفهم وخفيا أقوى أثرا، فيؤخذ بالأقوى.1

١ أنواعه بحسب مستنده

يقسم الحنفية الاستحسان بحسب الدليل الذي اقتضى العدول:

النوع المعدول عنه المستند المثال
استحسان النص (الأثر) قاعدة منع بيع المعدوم حديث السلم جواز السلم
استحسان الإجماع القاعدة نفسها تعامل الناس من غير نكير الاستصناع
استحسان الضرورة تنجس الماء والحوض بالنجاسة رفع الحرج تطهير الآبار والحياض بالنزح
استحسان القياس الخفي قياس السؤر على اللحم علة أقوى أثرا طهارة سؤر سباع الطير
استحسان العرف منع الجهالة في العوض والمنفعة جريان العادة بلا منازعة دخول الحمام بأجرة دون تقدير الماء والمكث

ففي السلم يقتضي القياس المنع، لأنه بيع ما ليس عند البائع، وقد ورد النهي عن ذلك في حديث حكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» (رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وحسّنه الترمذي). ثم استُثني السلم بقوله ﷺ: «من أسلف في شيء ففي كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» (متفق عليه من حديث ابن عباس). وفي الاستصناع، وهو أن يطلب الرجل من الصانع أن يصنع له شيئا موصوفا بثمن معلوم، القياس المنع أيضا، لأنه بيع معدوم بلا شروط السلم، وأجازه الحنفية لتعامل الناس به من غير نكير، فهو عندهم إجماع عملي. وسؤر سباع الطير سبق في القياس.

وفي دخول الحمام بأجرة تقتضي قاعدة الإجارة تقدير المنفعة والعوض، والناس لا يقدرون الماء ولا مدة المكث. ورده الغزالي في المستصفى إلى دليل مقبول: دلالة القرينة على الإباحة بعوض المثل، والمشقة في التقدير سبب للرخصة.2 فاتفق الطرفان على الحكم، واختلفا في تسمية مستنده.

١ الاستحسان عند المالكية

والمالكية أوسع المذاهب كلاما في الاستحسان بعد الحنفية، وحده الشاطبي في الموافقات كما في المتن الآتي.3 ونقل عن ابن العربي أن الاستحسان «إيثار ترك مقتضى الدليل على طريق الاستثناء والترخص لمعارضة ما يعارض به في بعض مقتضياته»، وجعله أقساما: ترك الدليل للعرف كرد الأيمان إلى العرف، وللمصلحة كتضمين الأجير المشترك، وللإجماع، ولرفع المشقة في اليسير لتفاهته. ونقل عن أصبغ أن الاستحسان قد يكون أغلب من القياس، وأنه سمع ابن القاسم يروي عن مالك: «تسعة أعشار العلم الاستحسان».3 وفي نشر البنود أن أشهب فسره بتخصيص العام بالعادة لمصلحة الناس، كدخول الحمام والشرب من السقاء دون تعيين القدر.4

فالاستحسان المالكي أقرب إلى المصلحة، والحنفي أقرب إلى الترجيح بين قياسين، وكلاهما استثناء من قاعدة لدليل أو مقصد.

من المتون الموافقات للشاطبي

ومما ينبني على هذا الأصل قاعدة الاستحسان وهو في مذهب مالك الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي ومقتضاه الرجوع إلى تقديم الاستدلال المرسل على القياس فإن من استحسن لم يرجع إلى مجرد ذوقه وتشهيه وإنما رجع إلى ما علم من قصد الشارع في الجملة في أمثال تلك الأشياء المفروضة.

الحل: «هذا الأصل» النظر في مآلات الأفعال، فالاستحسان عند الشاطبي فرع من اعتبار المآل. و«مصلحة جزئية» مصلحة الصورة المعينة، و«دليل كلي» قاعدة عامة أو قياس مطرد يشملها لو أُجري على إطلاقه. و«الاستدلال المرسل» العمل بالمصلحة المرسلة. وقوله «لم يرجع إلى مجرد ذوقه» جواب عن اعتراض الشافعي الآتي: المستحسن يتبع مقصدا ثبت بالاستقراء.

١ إنكار الشافعي وتحرير محل النزاع

عقد الشافعي في الرسالة بابا للاستحسان، وألف «إبطال الاستحسان» وهو في كتاب الأم. وعبارته في الرسالة: «وإنما الاستحسان تلذذ»، وجعل على العالم ألا يقول إلا من جهة العلم، وجهة العلم الخبر والقياس.5 ونقل عنه الغزالي في المستصفى: «من استحسن فقد شرع».2 ومراده الحكم بما يستحسنه المجتهد بعقله من غير دليل شرعي، لأن ذلك وضع لحكم لم يأذن به الله.

وجمع الغزالي للاستحسان ثلاثة معان: ما يستحسنه المجتهد بعقله، ولم يرد به سمع فهو باطل؛ ودليل ينقدح في نفس المجتهد لا تساعده العبارة عنه، وسماه «هوسا»، لأن صاحبه لا يدري أهو وهم أم تحقيق؛ والعدول بحكم المسألة عن نظائرها بدليل خاص، وهذا لا ينكره أحد، والخلاف معه في الاسم.2

مسألة خلافية هل الاستحسان حجة؟

  • الحنفية حجة، وهو العدول بالمسألة عن حكم نظائرها لوجه أقوى من أثر أو إجماع أو ضرورة أو قياس خفي، ولا يقولون بالاستحسان المجرد عن الدليل.
  • المالكية حجة، وهو عندهم الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي، أو تخصيص العام بالعرف والمصلحة، ويُروى عن مالك «تسعة أعشار العلم الاستحسان».
  • الشافعية ليس دليلا مستقلا. أنكره الشافعي في الرسالة والأم، ومراده الحكم بغير دليل. وما ثبت بدليل خاص يسمونه تخصيصا أو قياسا، ويعملون به.
  • الحنابلة قال به أحمد في مواضع، كقوله في التيمم لكل صلاة إنه استحسان والقياس أنه بمنزلة الماء، وأثبته القاضي أبو يعلى وأبو الخطاب، وأنكر بعض الأصحاب تسميته دليلا مستقلا.
  • سبب الخلاف تعيين المعنى. فالحكم بالهوى مردود باتفاق، والعدول لدليل أقوى مقبول باتفاق، والنزاع الحقيقي في صور بين المعنيين: العدول بالعرف أو بالمصلحة المرسلة عن القياس، وهو فرع الخلاف في حجيتهما.
  • الثمرة الاستصناع، أجازه الحنفية استحسانا ابتداء، ولم يصححه الشافعية والحنابلة إلا إذا استوفى شروط السلم، والمالكية يلحقونه بالسلم في الجملة. وشهود الزنا إذا عين كل واحد منهم زاوية من البيت غير زاوية صاحبه: حدّه الحنفية استحسانا لإمكان التوفيق بانتقال الفعل بين الزوايا، والقياس ألا يحد، وأنكره الغزالي لأن الحدود تُدرأ بالشبهات.

أداة تفكير الثمرة

أداة الثمرة تفرز الخلاف الحقيقي من اللفظي. فإذا اتفق الحنفي والشافعي على جواز دخول الحمام، وقال الأول «استحسانا» والثاني «بقرينة الإباحة بعوض المثل»، فالنزاع في تسمية المأخذ. وإذا اختلفا في الحكم، كالاستصناع وشهود الزوايا، ظهرت الثمرة. وحد الأداة أن اتفاق الحكم في فرع لا يعني اتفاق الأصل في أخواته.

١ المصلحة المرسلة

١ أقسام المصلحة بحسب شهادة الشرع

المصلحة في اصطلاح الأصوليين المحافظة على مقصود الشرع في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، كما حررها الغزالي. وتنقسم بحسب شهادة الشرع لها ثلاثة أقسام، وعبارة القرافي فيها: «ما شهد الشرع باعتباره وهو القياس... وما شهد الشرع بعدم اعتباره نحو المنع من زراعة العنب لئلا يعصر خمرا، وما لم يشهد له باعتبار ولا بإلغاء وهو المصلحة المرسلة وهي عند مالك رحمه الله حجة».6

  1. المعتبرة: ما شهد له دليل معين بالاعتبار، فيُبنى عليه القياس، كتحريم كل مسكر حفظا للعقل.
  2. الملغاة: ما شهد الشرع بإلغائه وإن ظهر فيه نفع، كإلزام الملك الموسر في كفارة الوقاع بالصيام ليزجره، لأن العتق عليه هين، وهو مخالف لترتيب النص.
  3. المرسلة: ما لم يشهد له دليل معين بالاعتبار ولا بالإلغاء، ويشهد له جنس تصرفات الشارع. وسميت مرسلة لأنها أُطلقت عن دليل معين.

ومحل الدليل المختلف فيه القسم الثالث وحده. وموقعها من مسالك العلة أنها «المناسب المرسل» القياس، وموقعها من المقاصد بسطه مقاصد الشريعة.

١ المصلحة المرسلة عند المالكية وشروطها

المصلحة المرسلة من أشهر أصول مالك، ويسميها المالكية «الاستصلاح» و«الاستدلال المرسل». وضبطها الشاطبي في الاعتصام بشروط ترجع إلى ثلاثة:

  1. الملاءمة لمقاصد الشرع، بحيث لا تنافي أصلا من أصوله ولا دليلا من أدلته القطعية، وتكون من جنس ما قصده الشارع.
  2. أن تكون في المعاني المعقولة، أي في العادات والمعاملات التي تُعرف عللها، وتمتنع في التعبدات التي لا يُعقل معناها على التفصيل.
  3. أن ترجع إلى حفظ أمر ضروري أو رفع حرج لازم، فهي من باب الوسائل لا المقاصد.

ويحتج المالكية بعمل الصحابة. فقد جمع أبو بكر القرآن في المصحف بإشارة عمر، وقال لزيد بن ثابت: «كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ؟» فقال عمر: «هذا والله خير» (رواه البخاري). ودوّن عمر الدواوين وفرض العطاء. وقضى علي بتضمين الصناع، ويُروى عنه في ذلك: «لا يصلح الناس إلا ذاك». فهذه أحكام لم يرد فيها نص معين، ولم يُقس فيها على أصل معين، وبُنيت على مصلحة يشهد لها جنس المقاصد.

٢ شروط الغزالي ومسألة الترس

جعل الغزالي في المستصفى الاستصلاح «الأصل الرابع من الأصول الموهومة»، أي مما يُظن أنه دليل مستقل وليس كذلك، ثم قسم المصلحة باعتبار قوتها إلى ضرورية وحاجية وتحسينية. فما وقع في الرتبتين الأخيرتين لا يُحكم به بمجرده ما لم يعتضد بأصل. وما وقع في رتبة الضرورات فقد يؤدي إليه اجتهاد المجتهد وإن لم يشهد له أصل معين، بشرط أن يجتمع فيه ثلاثة أوصاف: «أنها ضرورة قطعية كلية».2

ومثاله أن يتترس الكفار بجماعة من أسرى المسلمين، فلو كف المسلمون عنهم لاستولوا على دار الإسلام وقتلوا المسلمين جميعا ثم قتلوا الأسرى، ولو رموهم لقتلوا مسلما معصوما. قال الغزالي: «وكان هذا التفاتا إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصود الشرع لا بدليل واحد وأصل معين بل بأدلة خارجة عن الحصر». ثم أخرج صورا تخلف فيها وصف: التترس في قلعة يمكن تركها، فليس فيه ضرورة ولا قطع بالظفر؛ وأهل سفينة يُلقون واحدا منهم لينجو الباقون، فليست المصلحة كلية. وذكر القرافي أن الجويني والغزالي توسعا في الفتوى بالمصلحة في الغياثي وشفاء الغليل، مع شدة إنكارهما على المالكية.6

مسألة خلافية هل المصلحة المرسلة حجة؟

  • الحنفية لا يعدونها دليلا مستقلا في كتب الأصول، ويدخل كثير من صورها عندهم في الاستحسان، ولا سيما استحسان الضرورة والعرف.
  • المالكية حجة بشروطها: الملاءمة لمقاصد الشرع، وعدم معارضة نص، وأن تكون في المعقول المعنى.
  • الشافعية المعتمد عند الآمدي وابن السبكي ردها دليلا مستقلا. وقبلها الغزالي إذا كانت ضرورية قطعية كلية، وقبل الجويني منها ما كان قريبا من معاني الأصول الثابتة.
  • الحنابلة لم يجعلها ابن قدامة في الروضة دليلا مستقلا، وعمل المذهب بها واسع، وقررها ابن تيمية وابن القيم بضوابط.
  • سبب الخلاف هل تكفي شهادة جنس المقاصد للمصلحة، أم يُشترط شاهد معين من نص أو إجماع أو أصل يُقاس عليه؟ ومع ذلك خشية الجمهور أن يصير الباب مدخلا للتشريع بالرأي.
  • الثمرة تضمين الصناع. المالكية: يضمن الأجير المشترك ما ادعى تلفه إلا ببينة، حفظا لأموال الناس. أبو حنيفة: لا يضمن إلا بالتعدي، وأبو يوسف ومحمد: يضمن إلا مما لا يمكن الاحتراز منه. الشافعية: الأظهر أنه أمين لا يضمن. الحنابلة: يضمن ما تلف بفعله.
  • التحقيق قال القرافي إن المصلحة المرسلة «غيرنا يصرح بإنكارها ولكنهم عند التفريع نجدهم يعللون بمطلق المصلحة ولا يطالبون أنفسهم عند الفروق والجوامع بإبداء الشاهد لها بالاعتبار بل يعتمدون على مجرد المناسبة وهذا هو المصلحة المرسلة».6 فالخلاف في جزء منه خلاف في الموضع والتسمية، ومحله الحقيقي المصلحة التي تخالف قياسا أو أصلا معينا.

أداة تفكير الغاية داخل القيود

القيود الصلبة النص والإجماع، فالمصلحة التي تصادمهما ملغاة بتعريفها. والغاية جنس المقاصد الخمسة. وبين القيد والغاية مساحة يعمل فيها المجتهد: تضيقها شروط الغزالي حتى لا يُعمل فيها بخلاف الأصل المعين إلا بالضرورة القطعية الكلية، وتوسعها شروط المالكية في المعاملات المعقولة المعنى. وحد الأداة أن الأصوليين رتبوا المصالح ترتيبا (ضروري، حاجي، تحسيني) ولم يقدروها بأرقام كما يُفعل في التحسين الرياضي.

١ سد الذرائع وفتحها

١ تعريفه

الذريعة في اللغة الوسيلة إلى الشيء. وعرّف القرافي سدها بأنه «حسم مادة وسائل الفساد دفعا له، فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلة إلى المفسدة منعنا من ذلك الفعل».6 فالذريعة المقصودة هنا فعل مباح في أصله، يُمنع لأنه يفضي إلى محرم. ويخرج بذلك ما كان محرما في ذاته، فتحريمه بدليله لا بسد الذريعة.

ومن أدلته قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، فنهى عن سب آلهة المشركين وهو حق في نفسه لأنه يفضي إلى سب الله. وقوله ﷺ: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه»، قيل: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه» (متفق عليه)، فجعل التسبب كالمباشرة.

١ أقسام الذرائع

قسم القرافي الذرائع ثلاثة أقسام، ونقل أن الأمة أجمعت على هذا التقسيم:

  1. ما أجمعت الأمة على سده، كحفر الآبار في طرق المسلمين، وإلقاء السم في أطعمتهم، وسب الأصنام عند من يُعلم من حاله أنه يسب الله تعالى.
  2. ما أجمعت على عدم سده، كزراعة العنب، فلا تُمنع خشية الخمر، والشركة في سكنى الدار، فلا تُمنع خشية الزنا.
  3. ما اختلفوا فيه، كبيوع الآجال، «اعتبرنا نحن الذريعة فيها وخالفنا غيرنا».6

وقسمها ابن القيم في إعلام الموقعين أربعة أقسام، ومعنى كلامه: وسيلة موضوعة للمفسدة كشرب المسكر، محرمة بأصلها؛ ووسيلة لمباح قُصد بها المفسدة، كنكاح التحليل؛ ووسيلة لمباح لم تُقصد بها المفسدة وتفضي إليها غالبا ومفسدتها أرجح، كسب آلهة المشركين بين ظهرانيهم؛ ووسيلة مصلحتها أرجح، كالنظر إلى المخطوبة. فالثاني والثالث محل السد عنده، وساق لسد الذرائع تسعة وتسعين وجها.

من المتون مراقي السعود لسيدي عبد الله العلوي الشنقيطي

سد الذرائع إلى المحرم ... حتم كفتحها إلى المنحتم وبالكراهة وندب وردا ... وألغ إن يك الفساد أبعدا

الحل: البيت الأول يقرر أن سد الذريعة إلى الحرام واجب («حتم»)، وفتح الذريعة إلى الواجب («المنحتم») واجب، فالوسيلة تأخذ حكم ما تفضي إليه. والبيت الثاني يرد السد والفتح بالكراهة والندب. وقوله «وألغ إن يك الفساد أبعدا» هو القسم المجمع على إلغائه عند القرافي، ومثّل له الشارح في نشر البنود بدوالي العنب.4

٢ فتح الذرائع

قال القرافي: «واعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها ويكره ويندب ويباح، فإن الذريعة هي الوسيلة فكما أن وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة كالسعي للجمعة والحج».6 وجعل حكم الوسيلة حكم ما أفضت إليه بمرتبة أخفض، وهذه قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» في الحكم التكليفي من جهة الوسيلة. ومن فتح الذرائع عند المالكية دفع مال للعدو فداء للأسرى، فهو إعانة لهم في الصورة، وجاز لرجحان مصلحة الفداء.

مسألة خلافية هل سد الذرائع أصل مستقل؟

  • الحنفية لا يعدونه أصلا مستقلا، ويعملون ببعض صوره تحت أبواب أخرى كالشبهة والاستحسان وإبطال بعض الحيل.
  • المالكية أصل مستقل موسع، فالمباح إذا كثر إفضاؤه إلى المحرم مُنع، ولو لم يقصده فاعله.
  • الشافعية لا يعدونه أصلا مستقلا. العبرة عندهم بظاهر العقد وأركانه، ولا يُبطل بالقصد المظنون ما لم يُصرح به أو يُشرط في العقد.
  • الحنابلة أصل معمول به في المذهب، وبسط ابن القيم أدلته في إعلام الموقعين، وجعله ربع الدين.
  • سبب الخلاف هل يُحكم على التصرف بمآله الغالب وقصد صاحبه المظنون، أم بظاهره وأركانه؟
  • الثمرة بيوع الآجال والعينة، وتوريث المطلقة طلاقا بائنا في مرض الموت: ترثه عند المالكية ولو انقضت عدتها وتزوجت، وعند الحنفية ما دامت في العدة، وعند الحنابلة ما لم تتزوج، ولا ترث في الجديد عند الشافعية. والجامع عند من ورّثها معاملة الفارّ بنقيض قصده سدا للذريعة، مع أثر قضاء عثمان في امرأة عبد الرحمن بن عوف.
  • التحقيق قال القرافي إن الأمة أجمعت على أصل السد في القسم الأول وعلى إلغائه في الثاني، وإن المالكية زادوا على غيرهم في القسم الثالث، فالخلاف في القدر لا في الأصل.

تطبيق بيع العينة على خط الاستنباط

السؤال: باع زيد سيارة بمئة ألف إلى سنة، ثم اشتراها من المشتري نقدا بثمانين ألفا قبل قبض الثمن الأول.

  1. نوع الحكم: حكم وضعي، هو صحة العقدين أو فسادهما، ويتبعه حكم تكليفي بالتحريم أو الكراهة.

  2. الأدلة وثبوتها: عموم ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وحديث ابن عمر: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر... سلط الله عليكم ذلا» (رواه أبو داود، وفي إسناده مقال، وصححه بعض المحدثين بمجموع طرقه). وأثر عائشة رضي الله عنها لأم ولد زيد بن أرقم حين أخبرتها بمثل هذا البيع، وإنكارها الشديد عليه (رواه عبد الرزاق والدارقطني والبيهقي، وتكلم الشافعي في ثبوته).

  3. الدلالة: العقدان في صورتهما بيعان مستقلان، ومآلهما أن زيدا دفع ثمانين ليأخذ مئة بعد سنة، والسيارة واسطة رجعت إليه.

  4. المعارض: عموم حل البيع يقابله النهي عن الربا وما يفضي إليه.

  5. الإلحاق: هنا تفترق المذاهب. المالكية والحنابلة يمنعون سدا لذريعة الربا، ولا يشترطون ثبوت قصد الربا، لأن هذه الصورة يكثر قصد الربا فيها. والحنفية يفسدون العقد الثاني لأثر عائشة، ولأن الثمن الأول لم يُقبض فيكون ربح ما لم يُضمن، وهي شبهة ربا عندهم، فيصلون إلى المنع من غير باب سد الذرائع. والشافعية يصححون العقدين لأن كل عقد استوفى أركانه، والنية الباطنة لا يُبنى عليها فساد العقد، واحتج الشافعي بأن زيد بن أرقم خالف عائشة، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول أحدهم حجة على الآخر (الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة)، والمعتمد عند الشافعية الكراهة.

  6. الوزن المقاصدي: من منع نظر إلى مقصد تحريم الربا، ومن صحح نظر إلى استقرار المعاملات وبنائها على الظاهر.

  7. تحقيق المناط: إذا شُرط العقد الثاني في الأول، أبطله الشافعية أنفسهم للشرط.

الحكم: المنع عند المالكية والحنابلة بسد الذرائع، والفساد عند الحنفية بالأثر وشبهة الربا، والصحة مع الكراهة عند الشافعية. فاتفقت ثلاثة مذاهب على المنع من طريقين، ولم يحتج الحنفية إلى أصل سد الذرائع.

تنبيه سد الذرائع والحيل

الحيلة تصرف يقصد به صاحبه إسقاط حكم أو استباحة محرم بصورة مشروعة، فالنظر فيها إلى قصد الفاعل. وسد الذريعة نظر إلى مآل الفعل الغالب ولو لم يقصده فاعله. فتجتمعان في العينة إذا قُصد بها الربا، وتفترقان في سب آلهة المشركين، فهو ذريعة بلا حيلة.

١ العرف والعادة

١ تعريفهما وأقسامهما

العادة في اصطلاح القرافي «غلبة معنى من المعاني على الناس»، وقد تكون عامة في سائر الأقاليم، أو خاصة ببعض البلاد كالنقود والعيوب، أو خاصة ببعض الفرق.6 والعرف ما استقر في النفوس من قول أو فعل وتلقته الطباع السليمة بالقبول. والفقهاء يستعملون اللفظين بمعنى واحد في الغالب، ومن فرق جعل العادة أعم لأنها تشمل عادة الفرد.

وينقسم العرف قسمين بحسب متعلقه:

  • العرف القولي: أن يتعارف الناس إطلاق لفظ على معنى غير معناه اللغوي، أو على بعض أفراده، حتى يتبادر إليه عند الإطلاق، كإطلاق «الدابة» على ذوات الأربع، و«اللحم» على غير السمك.
  • العرف العملي: أن يتعارفوا فعلا من الأفعال، كتعجيل بعض المهر وتأجيل بعضه، وبيع المعاطاة.

وينقسم بحسب أهله: عرف عام يشترك فيه أهل البلاد جميعا، وعرف خاص بإقليم أو طائفة أو حرفة، كاصطلاح التجار وأهل الصنائع. وينقسم بحسب الشرع إلى صحيح لا يخالف نصا ولا يحل حراما، وفاسد يخالف الشرع، كالتعامل بالربا، فهذا لا اعتبار له.

١ أدلة اعتباره وقاعدة «العادة محكمة»

يُستدل لاعتبار العرف بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فأحال قدر النفقة على المتعارف. وقوله ﷺ لهند بنت عتبة: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (متفق عليه). وبقول ابن مسعود: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» (رواه أحمد موقوفا على ابن مسعود، وإسناده حسن، ولا يصح رفعه). والشرع أطلق ألفاظا كالقبض والحرز والتفرق، ولم يحدها، فكان المرجع فيها إلى العرف.

وصاغ الفقهاء ذلك في القاعدة الكلية «العادة محكمة»، وهي إحدى القواعد الخمس الكبرى، وأوسع من فصّلها ابن نجيم في الأشباه والنظائر والسيوطي في أشباهه. ومن فروعها: «المعروف عرفا كالمشروط شرطا»، و«التعيين بالعرف كالتعيين بالنص»، و«الحقيقة تُترك بدلالة العادة».

١ شروط اعتباره

يشترط الفقهاء لاعتبار العرف أربعة شروط:

  1. أن يكون مطردا أو غالبا، فالعادة المضطربة لا يُحكم بها.
  2. أن يكون قائما عند إنشاء التصرف، أي سابقا مقارنا له، فالعرف الطارئ بعد العقد أو اليمين لا يُحمل عليه اللفظ.
  3. ألا يصرح المتعاقدان بخلافه، لأن التصريح أقوى من الدلالة العرفية.
  4. ألا يخالف نصا أو أصلا قطعيا، فإن خالفه فهو فاسد. فإن عارض العرف عموم نص، فقد يخصصه عند من يقول بذلك، على ما يأتي.

٢ العرف والألفاظ: التخصيص وحمل الكلام

عقد القرافي في الفروق الفرق الثامن والعشرين «بين قاعدة العرف القولي يقضى به على الألفاظ ويخصصها وبين قاعدة العرف الفعلي لا يقضى به على الألفاظ ولا يخصصها».7 فمن حلف لا يأكل لحما في قوم لا يسمون السمك لحما لم يحنث بأكله وإن سماه القرآن لحما، لأن العرف القولي خصص اللفظ. أما أن يعتاد الناس أكل نوع من الخبز فلا يُقصر عليه لفظ «الخبز» عند القرافي. والحنفية أوسع: العرف العملي عندهم قد يخصص العام ويقيد المطلق في كلام الناس، كتقييد الوكيل بشراء الطعام بما تعارفه أهل البلد. وتخصيص نصوص الشارع بالعرف موضعه العام والخاص، والحقيقة العرفية في مبادئ لغوية.

٢ تغير الفتوى بتغير العرف

سئل القرافي في «الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام» عن الأحكام المسطورة في كتب المذاهب المبنية على عوائد زمن أصحابها إذا تغيرت تلك العوائد، فأجاب: «إن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد: خلاف الإجماع وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد: يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة»، وبيّن أن هذا ليس تجديدا للاجتهاد يُشترط له أهليته.8

وألف ابن عابدين من الحنفية رسالة «نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف»، شرحا لبيته في عقود رسم المفتي: «والعرف في الشرع له اعتبار، لذا عليه الحكم قد يدار». وقرر فيها أن كثيرا من المسائل الاجتهادية مبني على عرف زمن المجتهد، «بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أولا».9 ومثاله عند الحنفية إفتاء المتأخرين بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وقد منعه المتقدمون، لانقطاع العطايا التي كان المعلمون يعيشون منها.

أداة تفكير التنزيل الرباعي

تغير الفتوى بتغير العرف يقع في الحلقة الثالثة، تنزيل الحكم على المعين، ولا يمس الحكم الكلي. فالحكم «على الموسر نفقة زوجته بالمعروف» ثابت، والمتغير تحقيق «المعروف» في بلد وزمن. وكذلك ألفاظ الطلاق: الكناية تحتاج إلى نية والصريح لا يحتاج، والمتغير أي الألفاظ صارت صريحة في عرف قوم. وحد الأداة أن التغير في الأحكام التي مدركها العادة وحدها (أصول الفقه في زمننا).

مسألة خلافية ما منزلة العرف في الأدلة؟

  • الحنفية العرف معتبر، ويُترك به القياس، ويخصص به العام في كلام الناس عند كثير منهم، والشرط المتعارف لا يفسد العقد استحسانا.
  • المالكية أصل واسع الأثر، وقد عده القرافي من أدلة مشروعية الأحكام، ويجيزون من الشروط ما لا يناقض مقتضى العقد.
  • الشافعية العرف محكّم في تفسير الألفاظ وضبط ما أطلقه الشرع، ولا يخصص نص الشارع عند الأكثر، والشرط الخارج عن مقتضى العقد يفسده ولو جرى به العرف.
  • الحنابلة العرف معتبر في الألفاظ والحرز والقبض ونحوها، والمذهب يجيز شرطا واحدا من منفعة البيع لحديث جابر في بيع الجمل.
  • سبب الخلاف هل العرف دليل ينشئ الحكم، أم أداة لفهم الألفاظ وتحقيق المناط فقط؟
  • الثمرة شراء نعل على أن يحذوه البائع، أي يصنعه ويخرزه. الحنفية: يصح استحسانا للتعامل. الحنابلة: يصح لأنه شرط نفع واحد. المالكية: يصح. الشافعية: يفسد البيع بالشرط.
  • التحقيق قال القرافي إن اعتبار العرف «مشترك بين المذاهب ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك فيها»،6 فالخلاف في جعله دليلا مستقلا، والاتفاق قائم على تحكيمه في ما أحاله الشرع إليه.

صلة الفصل بغيره

خلاصة الفصل

  1. الأدلة الأربعة في هذا الفصل تعمل في المحطة الخامسة، وتنظر إلى المحطة السادسة، ويجمعها رعاية المصلحة ورفع الحرج في المساحة التي يتركها النص.
  2. الاستحسان عند الحنفية العدول بالمسألة عن حكم نظائرها لوجه أقوى، وهو بحسب مستنده: بالنص، والإجماع، والضرورة، والقياس الخفي، والعرف.
  3. الاستحسان عند المالكية الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي، ويُروى عن مالك «تسعة أعشار العلم الاستحسان».
  4. أنكر الشافعي الاستحسان بمعنى الحكم بغير دليل، وما ثبت بدليل خاص لا ينكره أحد، فالخلاف في أكثره لفظي، والحقيقي منه فرع الخلاف في المصلحة والعرف.
  5. المصالح ثلاثة: معتبرة يُقاس عليها، وملغاة لا يُلتفت إليها، ومرسلة هي محل الخلاف.
  6. المصلحة المرسلة حجة عند المالكية بشروط الملاءمة وعدم المعارضة والمعقولية، واحتجوا بعمل الصحابة في جمع المصحف والدواوين وتضمين الصناع.
  7. شرط الغزالي في المصلحة التي تخالف أصلا معينا أن تكون ضرورية قطعية كلية، ومثاله تترس الكفار بالأسرى.
  8. قرر القرافي أن المذاهب كلها تعلل بمطلق المناسبة عند التفريع، وهذا عمل بالمصلحة المرسلة.
  9. سد الذرائع منع المباح المفضي إلى المحرم، والذرائع عند القرافي ثلاثة: مجمع على سدها، ومجمع على إلغائها، ومختلف فيها كبيوع الآجال.
  10. الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها، والوسيلة تأخذ حكم ما تفضي إليه بمرتبة أخفض.
  11. بيع العينة ممنوع عند المالكية والحنابلة سدا للذريعة، وفاسد عند الحنفية بالأثر وشبهة الربا، وصحيح مع الكراهة عند الشافعية.
  12. العرف قولي وعملي، وعام وخاص، وصحيح وفاسد، وشروطه الاطراد والمقارنة وعدم التصريح بخلافه وعدم مخالفة النص.
  13. العرف القولي يخصص الألفاظ عند الجميع، والعملي محل خلاف، والحنفية أوسع في اعتباره.
  14. ما كان مدركه العادة يتغير بتغيرها، كما قرر القرافي وابن عابدين، والمنصوص الذي لا مدخل للعرف في مناطه ثابت.

تمارين

  1. صنّف كل استحسان بحسب مستنده عند الحنفية: (أ) جواز الاستصناع، (ب) طهارة سؤر الصقر، (ج) الحكم بطهارة البئر بعد نزح قدر من مائها، (د) جواز السلم.
  2. حلّل حد الكرخي للاستحسان إلى قيوده، واذكر الاعتراض الذي أورده عليه عبد العزيز البخاري.
  3. قال الشافعي: «وإنما الاستحسان تلذذ»، وقال مالك فيما يُروى عنه: «تسعة أعشار العلم الاستحسان». بيّن كيف يجتمع القولان دون تناقض.
  4. صنّف المصلحة في كل مما يأتي (معتبرة، ملغاة، مرسلة): (أ) إلزام توثيق عقود الزواج في سجلات رسمية، (ب) تسوية البنت بالابن في الميراث بدعوى المصلحة، (ج) تحريم المخدرات قياسا على الخمر.
  5. طبّق شروط الغزالي الثلاثة على صورة أهل السفينة، وبيّن أي شرط تخلف.
  6. صنّف بحسب أقسام القرافي للذرائع: (أ) بيع السلاح في الفتنة لمن يُعلم أنه يقاتل به المسلمين، (ب) زراعة العنب، (ج) بيوع الآجال.
  7. لماذا وصل الحنفية إلى منع العينة دون أن يقولوا بسد الذرائع أصلا مستقلا؟
  8. حلف رجل في بلد لا يسمي الناس فيه السمك لحما ألا يأكل لحما، فأكل سمكا. ما الحكم، وأي قسم من العرف يعمل هنا؟
  9. أفتى متقدمو الحنفية بمنع أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وأفتى متأخروهم بجوازها. هل هذا نسخ للحكم؟ بيّن ذلك بأداة التنزيل الرباعي.
  10. رُدّ هذا الفرع إلى أصله: المالكية يضمّنون الأجير المشترك ما ادعى تلفه إلا ببينة.

أجوبة التمارين

  1. (أ) إجماع عملي، (ب) قياس خفي، (ج) ضرورة، (د) نص.
  2. «العدول» يفيد وجود حكم مقتضى بدليل عام، و«عن حكم نظائرها» يعين القاعدة المعدول عنها، و«لوجه أقوى» يعين سبب العدول. واعتُرض بأنه يشمل التخصيص والنسخ، ولا يسميهما أحد استحسانا.
  3. الشافعي أنكر الحكم بالعقل المجرد عن الدليل، ومالك أراد الأخذ بمصلحة جزئية يشهد لها قصد الشارع في مقابلة دليل كلي، فتوارد القولان على معنيين مختلفين.
  4. (أ) مرسلة، يشهد لها جنس حفظ النسل والحقوق ولا نص فيها بعينها، (ب) ملغاة لمخالفتها النص، (ج) معتبرة، شهد لها أصل معين.
  5. تخلف شرط الكلية، لأن الهالكين عدد محصور، وليس فيه استئصال المسلمين، ولا يتعين واحد للإلقاء إلا بالقرعة ولا أصل لها.
  6. (أ) مما أجمعوا على سده لقرب الإفضاء وتعينه، (ب) مما أجمعوا على إلغائه، (ج) مختلف فيه.
  7. لأنهم احتجوا بأثر عائشة، وبأن الثمن الأول لم يُقبض فكان الشراء بأقل منه ربحا لما لم يُضمن، فهي شبهة ربا عندهم.
  8. لا يحنث، لأن العرف القولي خصص لفظ اللحم بغير السمك، والعرف القولي يقضي على الألفاظ ويخصصها.
  9. الحكم الكلي، وهو حفظ القرآن وتعليمه، ثابت. والمتغير مناط الأجرة بعد انقطاع العطايا، فهو تغير في الحلقة الثالثة لا نسخ، والنسخ لا يكون بعد انقطاع الوحي.
  10. أصله المصلحة المرسلة: حفظ أموال الناس، مع أثر علي «لا يصلح الناس إلا ذاك».

  1. عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، باب الاستحسان، وفيه متن البزدوي «وإنما الاستحسان عندنا أحد القياسين» ونقل حد الكرخي والاعتراض عليه. ↩↩

  2. الغزالي، المستصفى، خاتمة القطب الثاني، الأصل الثالث من الأصول الموهومة: الاستحسان، والأصل الرابع: الاستصلاح، وفيه مسألة الترس. ↩↩↩↩

  3. الشاطبي، الموافقات، كتاب الاجتهاد، مسألة اعتبار مآلات الأفعال، وفيها حد الاستحسان ونقل ابن العربي وأصبغ. ↩↩

  4. سيدي عبد الله العلوي الشنقيطي، نشر البنود على مراقي السعود، كتاب الاستدلال، مبحث الاستحسان ومبحث سد الذرائع. ↩↩

  5. الشافعي، الرسالة، باب الاستحسان، الفقرة ١٤٦٤ بترقيم أحمد شاكر؛ والشافعي، الأم، كتاب إبطال الاستحسان. ↩

  6. القرافي، شرح تنقيح الفصول، الباب العشرون في جمع أدلة المجتهدين، الفصل الأول في الأدلة: المصلحة المرسلة، والعوائد، وسد الذرائع. ↩↩↩↩↩↩↩↩

  7. القرافي، الفروق، الفرق الثامن والعشرون بين قاعدة العرف القولي وقاعدة العرف الفعلي. ↩

  8. القرافي، الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، السؤال التاسع والثلاثون. ↩

  9. ابن عابدين، نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف، المقدمة والباب الثاني. ↩

الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة

موقع الفصل من المنظومة

يخدم هذا الفصل محطتين من خط الاستنباط. في المحطة الثانية يسأل الناظر: هل قول الصحابي، وشرائع الأنبياء قبلنا، وعمل أهل المدينة، أدلة تُضم إلى الكتاب والسنة؟ وفي المحطة الخامسة، حين لا يجد نصا ولا قياسا، يرجع إلى الاستصحاب، آخر مدار الفتوى.

والفصل يكمل الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف: ذاك جمع أدلة المصلحة والحاجة، وهذا يجمع أدلة الاستمرار والأثر. ويحتاج إلى الإجماع والكتاب والسنة، وإلى حكم الأشياء قبل الشرع في نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية.

سؤال الافتتاح

خرج رجل في سفر فانقطع خبره، فلا يُعلم أحي هو أم ميت. ثم مات أبوه. هل يرث الغائب من أبيه؟ وهل يجوز لورثة الغائب أن يقتسموا ماله؟ وهل يختلف الجواب باختلاف المذاهب؟

١ الاستصحاب

١ تعريفه

الاستصحاب في اللغة طلب الصحبة واستدامتها. وفي الاصطلاح عرفه القرافي بأنه «اعتقاد كون الشيء في الماضي أو الحاضر يوجب ظن ثبوته في الحال أو الاستقبال».1 وحقق الغزالي أن الاستصحاب ليس احتجاجا بعدم العلم بالدليل، وإنما هو «التمسك بدليل عقلي أو شرعي... مع العلم بانتفاء المغير أو مع ظن انتفاء المغير عند بذل الجهد في البحث والطلب».2

فالاستصحاب يقوم على ركنين: ثبوت سابق بدليل، وفقد المغير بعد البحث. ولذلك قيده الغزالي بالمجتهد المطلع على مدارك الأدلة، كمن يفتش بيته عن متاع فيجزم بنفيه أو يغلب على ظنه.

من المتون الورقات للجويني

وأما الحظر والإباحة فمن الناس من يقول إن الأشياء على الحظر إلا ما أباحته الشريعة فإن لم يوجد في الشريعة ما يدل على الإباحة يتمسك بالأصل وهو الحظر ومن الناس من يقول بضده وهو أن الأصل في الأشياء أنها على الإباحة إلا ما حظره الشرع ومعنى استصحاب الحال الذي يحتج به أن يستصحب الأصل عند عدم الدليل الشرعي.

وأما الأدلة فيقدم الجلي منها على الخفي... فإن وجد في النطق ما يفسر الأصل يعمل بالنطق وإلا فيستصحب الحال.

الحل: قرن الجويني الاستصحاب بمسألة الحظر والإباحة لأن «الأصل» المستصحب في الأعيان المنتفع بها أحد القولين. وقوله «عند عدم الدليل الشرعي» قيد الاستصحاب كله. وفي باب ترتيب الأدلة جعله آخر الرتب: إن وُجد في «النطق»، أي النص، ما يغير الأصل عُمل به، «وإلا فيستصحب الحال».3

١ أنواعه

ذكر الغزالي أن الاستصحاب «يطلق على أربعة أوجه يصح ثلاثة منها»،2 وزاد ابن القيم وغيره تفصيلا، وأشهر الأنواع:

  1. استصحاب البراءة الأصلية (العدم الأصلي): الذمة بريئة من التكاليف حتى يدل دليل على شغلها، فلا تجب صلاة سادسة ولا صوم رجب. وهذا متفق عليه في الجملة، وهو أساس قاعدة «الأصل براءة الذمة».

  2. استصحاب العموم إلى أن يرد المخصص، والنص إلى أن يرد الناسخ: يُعمل بالعام في جميع أفراده حتى يثبت تخصيصه، وبالنص حتى يثبت نسخه. وعده بعضهم من باب العمل بدلالة اللفظ لا من الاستصحاب، لأن الحكم ثابت بالعموم نفسه، والخلاف في التسمية.

  3. استصحاب الوصف المثبت للحكم حتى يثبت خلافه: كالملك الثابت بسببه من شراء أو إرث، والطهارة الثابتة بالوضوء، والحل الثابت بالنكاح. ودليله قوله ﷺ فيمن شك في الحدث: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» (متفق عليه من حديث عبد الله بن زيد). ومنه قاعدة «اليقين لا يزول بالشك».

  4. استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف: أن يُجمع على حكم في حال، ثم تتغير الحال، فيستدل المستدل ببقاء الحكم المجمع عليه. ومثاله المتيمم يرى الماء في أثناء صلاته: انعقد الإجماع على صحة صلاته قبل رؤية الماء، فيستصحب من قال بالمضي هذا الإجماع. وهذا النوع رده الغزالي: «لا حجة في استصحاب الإجماع في محل الخلاف خلافا لبعض الفقهاء»، لأن الإجماع انعقد على حال عدم الماء، ومحل الخلاف حال أخرى، فلا إجماع فيه حتى يُستصحب.2 وقال به المزني وأبو بكر الصيرفي من الشافعية وابن شاقلا من الحنابلة، ورده أكثر الأصوليين.

١ حجيته، وقاعدة الحنفية: حجة للدفع لا للإثبات

عقد البزدوي للاستصحاب فصلا في «الاحتجاج بلا دليل»، وفيه تقرير مذهب متأخري الحنفية بعبارة صريحة.

من المتون أصول البزدوي (كنز الوصول) بشرح كشف الأسرار

وذلك في كل حكم عرف وجوبه بدليله، ثم وقع الشك في زواله كان استصحاب حال البقاء على ذلك موجبا بعد الاحتجاج به على الخصم وعندنا هذا لا يكون حجة للإيجاب لكنها حجة دافعة.

الحل: «وذلك» إشارة إلى صورة الاستصحاب عند القائلين به: حكم ثبت بدليله، ثم شُك في زواله. و«كان... موجبا» حكاية لقول الشافعي ومن معه: يُلزم به الخصم ويُحتج به عليه. و«عندنا» مذهب متأخري الحنفية: «لا يكون حجة للإيجاب»، أي لا يُثبت به حق جديد على الغير، «لكنها حجة دافعة»، أي يُدفع به من ادعى تغيير الحال. وشرح البخاري ذلك بأنه مذهب أبي زيد الدبوسي وفخر الإسلام البزدوي وشمس الأئمة السرخسي وصدر الإسلام أبي اليسر، وأن الاستصحاب عندهم «يصلح لإبلاء العذر وللدفع»، فيعمل به المجتهد في حق نفسه، ولا يحتج به على غيره. وحكى عن كثير من الحنفية المتقدمين وأبي الحسين البصري أنه ليس بحجة أصلا.4

ومن فروعه في الموضع نفسه: الصلح على الإنكار، جائز عند الحنفية، لأن براءة ذمة المنكر أصل يدفع عنه، ولا يصلح حجة على المدعي يبطل بها دعواه، فصح الصلح افتداء لليمين. وأبطله الشافعي لأنه جعل براءة الذمة حجة تُلزم المدعي. والشفعة: إذا أنكر المشتري أن ما في يد الشفيع ملكه، فلا شفعة حتى يقيم الشفيع البينة، لأن اليد دليل ملك في الظاهر، وظاهر اليد يدفع عن صاحبها ولا يُستحق به على الغير. وقال الشافعي تجب بغير بينة.4

مسألة خلافية هل الاستصحاب حجة في الإثبات والدفع معا؟

  • الحنفية المعتمد عند المتأخرين كالدبوسي والبزدوي والسرخسي أنه حجة للدفع لا للإثبات: يبقي ما كان على ما كان، ولا يثبت به حق جديد. وقال كثير من متقدميهم: ليس بحجة أصلا.
  • المالكية حجة مطلقا، وقال القرافي: «هذا الظن عند مالك والإمام المازري وأبي بكر الصيرفي رحمهم الله تعالى حجة خلافا لجمهور الحنفية والمتكلمين».1
  • الشافعية حجة في الإثبات والدفع، مع رد استصحاب حال الإجماع عند الأكثر.
  • الحنابلة حجة مطلقا.
  • سبب الخلاف هل ظن البقاء المستند إلى ثبوت سابق قوي بما يكفي لإنشاء استحقاق على الغير، أم يقف عند حفظ الحال القائم؟
  • الثمرة المفقود. الحنفية: هو حي في حق ماله، فلا يُقسم بين ورثته، وميت في حق مال غيره، فلا يرث ممن مات في غيبته، ويوقف نصيبه، فإن ظهر حيا أخذه، وإن حُكم بموته رُد إلى ورثة المورث الأول. الشافعية والحنابلة: يوقف نصيبه على أنه حي باستصحاب حياته، ويُبنى مآله على تبين حاله، وفي فروعه عندهم أوجه.

تطبيق المفقود على خط الاستنباط

السؤال: سؤال الافتتاح.

  1. نوع الحكم: حكم وضعي، هو ثبوت الإرث أو انتفاؤه، والإرث سببه موت المورث وشرطه تحقق حياة الوارث عند موت مورثه الحكم الوضعي.

  2. الأدلة: لا نص في المفقود بعينه. وثبتت حياته قبل غيبته يقينا، وموته مشكوك فيه.

  3. الدلالة: شرط الإرث، وهو حياة الوارث، غير معلوم في المفقود، وإنما هو مظنون بالاستصحاب.

  4. المعارض: يعارض استصحاب الحياة طول الغيبة وانقطاع الخبر، وهي قرينة على الموت تقوى بمرور الزمن، ولذلك حدد الفقهاء مدة يُحكم بعدها بموته على اختلاف بينهم.

  5. الإلحاق: الحنفي يقول: الاستصحاب يدفع عن مال المفقود القسمة، لأن ورثته يدعون تغيير حال ثابتة؛ ولا يثبت به للمفقود ملك جديد في تركة أبيه، فيوقف نصيبه احتياطا. والشافعي والحنبلي يقولان: الاستصحاب حجة في الأمرين، فيوقف نصيبه على أنه له حتى يتبين.

  6. تحقيق المناط: يُنظر أهو في سفر يغلب فيه الهلاك أم في حال تغلب فيها السلامة، ويُراعى ذلك في تقدير المدة.

الحكم: مال المفقود لا يُقسم عند الجميع حتى يُحكم بموته. ونصيبه من أبيه يوقف عند الجميع، وهو عند الحنفية موقوف لم يدخل في ملكه، وعند الشافعية والحنابلة موقوف على أنه ملكه إن ظهرت حياته.

أداة تفكير الأصل والاستثناء

الاستصحاب أصرح صور هذه الأداة: البراءة أصل حتى يرد الناقل، والملك حتى يثبت النقل، والطهارة حتى يتيقن الحدث. ويسميه المنطق الحديث الاستدلال القابل للنقض. وفي القانون يقابله «الافتراض» و«عبء الإثبات»: من وافق قوله الأصل لا يُطالب بدليل، ومن ادعى خلافه فعليه البينة، وهو معنى قوله ﷺ: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» (رواه مسلم، وأصله في البخاري). وقاعدة الحنفية تحدد قوة الافتراض: يصلح درعا يدفع به المدعى عليه، ولا يصلح سلاحا يطالب به المدعي. وحد الأداة أن الاستصحاب لا يُلجأ إليه مع قيام الدليل الناقل، وأن تقديره بالبحث عن المغير وظيفة المجتهد لا العامي.

أداة تفكير مراتب الإدراك

الاستصحاب يفيد ظن البقاء، وهو ظن يكفي في العمل. فإذا قويت قرينة التغير، كطول غيبة المفقود، نزل ظن البقاء إلى الشك ثم الوهم، وانتقل الحكم إلى الطرف الآخر، ولذلك قدّر الفقهاء للمفقود مدة. وحد الأداة أن هذه المراتب مرتبة أقوى وأضعف، غير مقدرة بأرقام.

٢ الأصل في الأشياء

تتصل بالاستصحاب مسألة الأصل في الأعيان المنتفع بها بعد ورود الشرع، إذا لم يرد فيها دليل خاص. وفيها ثلاثة أقوال:

  1. الإباحة، وهو قول الجمهور بعد ورود الشرع، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وبقوله ﷺ: «إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته» (متفق عليه).
  2. الحظر، ونُسب إلى بعض المعتزلة البغداديين وبعض الفقهاء في ما قبل الشرع.
  3. التوقف، وهو قول الأشعري وجماعة في ما قبل الشرع، لأن الحكم لا يُعرف إلا من الشرع.

وفصل القرافي فقال: الأصل في المنافع الإذن وفي المضار المنع، «بأدلة السمع لا بأدلة العقل، خلافا للمعتزلة».1 وهذا القيد يربط المسألة بأصلها الكلامي في نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية. وثمرته حكم ما حدث من الأطعمة والمعاملات ولم يرد فيه نص: الإباحة عند الجمهور ما لم يثبت ضرره أو يدخل تحت أصل محرم.

١ قول الصحابي

١ تحرير محل النزاع

قول الصحابي، ويسمى «مذهب الصحابي»، ما نُقل عن أحد الصحابة من فتوى أو قضاء في حادثة لم يرد فيها نص ولا إجماع. وحرر البخاري محل النزاع فقال: «لا خلاف أن مذهب الصحابي إماما كان أو حاكما أو مفتيا ليس بحجة على صحابي آخر، إنما الخلاف في كونه حجة على التابعين ومن بعدهم من المجتهدين».5 ويخرج من محل النزاع أيضا قول الصحابي الذي انتشر ولم يُعرف له مخالف، فهو من الإجماع السكوتي عند من يقول به الإجماع، وما اختلف فيه الصحابة، فلا يكون قول أحدهم حجة على الآخر.

١ المذاهب فيه

نقل البزدوي ثلاثة مذاهب داخل الحنفية: «قال أبو سعيد البردعي تقليد الصحابي واجب يترك به القياس قال وعلى هذا أدركنا مشايخنا وقال الكرخي: لا يجب تقليده إلا فيما لا يدرك بالقياس وقال الشافعي لا يقلد أحد منهم».5 ثم قرر أن عمل أصحابه اتفق على التقليد في ما لا يعقل بالقياس، «فقد قالوا في أقل الحيض إنه ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام» ورووا ذلك عن أنس وعثمان بن أبي العاص. والعلة أن الصحابي لا يقول في المقدرات إلا عن سماع، فقوله فيها في حكم المرفوع.

وأما الشافعي فله في المسألة قديم وجديد. نقل البخاري أنه أثنى على الصحابة في رسالته القديمة، وقال: «وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل»، وأن آراءهم أولى من آرائنا.5 والمشهور عند الأصحاب أنه رجع عن ذلك في الجديد، وبه عبّر الجويني في الورقات: «وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة على غيره على القول الجديد».3 ونقل الغزالي أقوال الشافعي المختلفة في الترجيح بين أقوال الصحابة، ثم قال: «وكل هذا مرجوع عنه».2

ونازع ابن القيم في إعلام الموقعين في هذه النسبة، لاحتجاج الشافعي بأقوال الصحابة في كتبه الجديدة. ويشهد له أن الرسالة التي بين أيدينا هي الجديدة، وفيها جواب الشافعي لمن سأله عن قول الواحد منهم لا يُحفظ عن غيره خلافه: «إلى اتباع قول واحد، إذا لم أجد كتابا ولا سنة ولا إجماعا ولا شيئا في معناه يحكم له بحكمه، أو وجد معه قياس».6 فالجمع بين النقلين أن الشافعي في الجديد لم يجعل قول الصحابي حجة ملزمة تُقدم على القياس، وجعله مرجعا عند فقد ما فوقه أو معتضدا بقياس، وبهذا يُفهم احتجاج الشافعية بأقوال الصحابة في فروع كثيرة.

مسألة خلافية هل قول الصحابي حجة إذا لم يُعرف له مخالف؟

  • الحنفية حجة يُترك به القياس عند البردعي والجصاص والسرخسي والبزدوي، وعند الكرخي لا يُقلد إلا في ما لا يُدرك بالقياس. واتفقوا على حجيته في ما لا مجال للرأي فيه، لأنه في حكم المرفوع.
  • المالكية حجة عند مالك في الجملة، وقال القرافي: «فهو حجة عند مالك والشافعي في قوله القديم مطلقا».1
  • الشافعية حجة في القديم، والمعتمد عند الأصحاب أنه ليس حجة في الجديد، وفي الرسالة الجديدة ما يدل على الأخذ به عند فقد الكتاب والسنة والإجماع.
  • الحنابلة حجة مقدم على القياس في ظاهر المذهب، وهو الأصل الثاني من أصول أحمد بعد النص عند ابن القيم، وعن أحمد رواية أخرى.
  • سبب الخلاف هل لمشاهدة الصحابة التنزيل وعلمهم بالقرائن قيمة تجعل قولهم دليلا، أم هم مجتهدون يجوز عليهم الخطأ كغيرهم؟ واحتج المثبتون بقوله ﷺ: «خير الناس قرني» (متفق عليه)، وبحديث «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» الذي ذكره القرافي، وهو حديث لا يصح عند المحدثين، وضعفه ابن عبد البر وابن حزم وغيرهما.
  • الثمرة أقل الحيض. الحنفية: ثلاثة أيام، تقليدا للصحابي في المقدرات. الشافعية والحنابلة: يوم وليلة، بالاستقراء ووجود ذلك في النساء. المالكية: لا حد لأقله في العبادة. وبيع العينة: احتج المانعون بأثر عائشة، وصححه الشافعية لأن زيد بن أرقم خالفها، وتفصيله في الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف.

تنبيه قول الصحابي والإجماع والحديث الموقوف

الحديث الموقوف رواية لقول الصحابي، والكلام فيه من جهة الثبوت (الكتاب والسنة). والإجماع السكوتي قول صحابي انتشر وسكت عنه الباقون (الإجماع). وقول الصحابي دليلا مستقلا قوله الذي لم يُعلم انتشاره ولم يخالفه غيره، وهو محل الخلاف هنا.

١ شرع من قبلنا

١ أقسامه

شرع من قبلنا الأحكام التي شرعها الله للأمم السابقة على ألسنة أنبيائهم. وهي أربعة أقسام:

  1. ما لم يثبت إلا من طريق أهل الكتاب أو كتبهم، فلا يُحتج به اتفاقا، لعدم الثقة بنقله.
  2. ما ثبت في شرعنا أنه منسوخ عنا، كتحريم بعض الطيبات على بني إسرائيل، فليس شرعا لنا اتفاقا.
  3. ما ثبت في شرعنا أنه مقرر علينا، كالصيام: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فهو شرع لنا اتفاقا، لكن بدليل شرعنا.
  4. ما قصه الكتاب أو السنة من غير إنكار ولا إقرار صريح، وهذا محل الخلاف.

قال البزدوي: «والصحيح عندنا أن ما قص الله تعالى منها علينا من غير إنكار أو قصه رسول الله ﷺ من غير إنكار فإنه يلزمنا على أنه شريعة رسولنا».7 وقوله «على أنه شريعة رسولنا» جواب عن اعتراض المخالف: ما قُص علينا صار من شرع نبينا بالقص والسكوت عن الإنكار. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. واحتج المانعون بقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، وبحديث معاذ حين ذكر الكتاب والسنة والاجتهاد ولم يذكر شرع من قبلنا. وجعله الغزالي «الأصل الأول من الأصول الموهومة».2

مسألة خلافية هل شرع من قبلنا شرع لنا إذا قصه الله أو رسوله من غير إنكار؟

  • الحنفية شرع لنا على أنه شريعة نبينا، ما لم يرد ناسخ.
  • المالكية شرع لنا على المشهور.
  • الشافعية في المذهب خلاف، والذي اختاره الغزالي والآمدي وابن السبكي أنه ليس شرعا لنا.
  • الحنابلة شرع لنا في أظهر الروايتين عن أحمد.
  • سبب الخلاف هل ختم الرسالة ينسخ ما قبلها جملة إلا ما أقره الشرع، أم أن القص بلا إنكار إقرار؟
  • الثمرة قتل المسلم بالذمي. الحنفية: يُقتل به، ومن أدلتهم ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وهي في التوراة. الجمهور: لا يُقتل، لقوله ﷺ: «لا يقتل مسلم بكافر» (رواه البخاري)، والمالكية يقتلونه به في قتل الغيلة حدا. وقسمة المهايأة، أي قسمة المنافع بالزمان، كأن ينتفع هذا بالدار شهرا وذاك شهرا: احتج لها الحنفية بقوله تعالى في ناقة صالح: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥]، وقوله: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨].
  • التحقيق الخلاف قليل الأثر في الفروع، لأن أكثر ما قُص علينا ورد في شرعنا ما يقرره أو ينسخه. ومثاله الجعالة والكفالة في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، اتفقوا على مشروعيتهما، واستدل بالآية القائلون بالقاعدة، واستدل غيرهم بالسنة والإجماع.

١ عمل أهل المدينة

١ أقسامه

عمل أهل المدينة ما اتفق عليه علماء المدينة في عصر الصحابة والتابعين. وأصله عند مالك أن أهل دار الهجرة ورثوا السنة عملا عن جيل شهد التنزيل، فالعمل المتوارث فيها نقل جماعة عن جماعة. وبهذا كتب مالك إلى الليث بن سعد عالم مصر، ومعنى كلامه أن الناس تبع لأهل المدينة وأن ما ظهر فيها من العمل لا يسع أحدا خلافه. فأجابه الليث بأن الصحابة تفرقوا في الأمصار ومعهم علم كثير، وأن في المدينة نفسها مسائل اختلف فيها علماؤها. والرسالتان في ترتيب المدارك للقاضي عياض وإعلام الموقعين لابن القيم.

وقسم المحققون من المالكية كالباجي والقاضي عياض العمل قسمين:

  1. العمل النقلي: ما طريقه النقل المستمر عن زمن النبي ﷺ، كالأذان والإقامة، ومقدار الصاع والمد، وترك أخذ الزكاة من الخضروات، وترك الجهر بالبسملة. وهذا حجة عندهم مقدم على خبر الواحد، لأنه نقل الكافة.
  2. العمل الاستدلالي (الاجتهادي): ما اتفقوا عليه بطريق الاجتهاد. وفي حجيته خلاف بين المالكية: منهم من جعله حجة، ومنهم من جعله مرجحا، ومنهم من سوّى بينه وبين اجتهاد غيرهم.

وإجماع أهل المدينة بوصفه إجماعا موضعه الإجماع، ورد الخبر المخالف للعمل موضعه الكتاب والسنة.

مسألة خلافية هل عمل أهل المدينة حجة، وهل يقدم على خبر الواحد؟

  • الحنفية ليس حجة بذاته.
  • المالكية النقلي حجة مقدم على خبر الواحد، والاستدلالي مختلف فيه في المذهب.
  • الشافعية ليس حجة بذاته، ويُرجح به أحد الخبرين عند بعضهم.
  • الحنابلة ليس حجة بذاته على المذهب، وقرر ابن تيمية أن عمل أهل المدينة في عصر الصحابة والتابعين الأوائل من أقوى المرجحات.
  • سبب الخلاف هل العمل المتوارث في المدينة نقل جماعي لسنة عملية يفوق خبر الفرد، أم هو اجتهاد أهل بلد لا يلزم غيرهم؟
  • الثمرة خيار المجلس، روى مالك حديث «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» (متفق عليه) ولم يأخذ بظاهره، لأن العمل على خلافه، وأثبته الشافعية والحنابلة، ونفاه الحنفية بتأويل التفرق بالأقوال، وتفصيل نص الموطأ في تخريج الفروع على الأصول. ورفع اليدين عند الركوع والرفع منه: ثبت فيه حديث ابن عمر (متفق عليه)، والمشهور في رواية ابن القاسم عن مالك ألا ترفع اليدان إلا عند تكبيرة الإحرام، وعلله المالكية بالعمل، وفي المذهب رواية بالرفع. وزكاة الخضروات: لا تجب عند المالكية والشافعية والحنابلة وأبي يوسف ومحمد، واستدل المالكية بالعمل النقلي على ترك أخذها، وأوجبها أبو حنيفة في كل ما أخرجت الأرض.

٢ مراعاة الخلاف

مراعاة الخلاف من أصول المالكية في الفروع، وعرفها ابن عرفة فيما ينقله عنه شراح المذهب بأنها إعمال دليل المخالف في لازم مدلوله الذي أُعمل في نقيضه دليل آخر. ومعناه أن المالكي يرى العقد فاسدا بدليله، فإذا وقع أعطاه بعض آثار العقد الصحيح، لأن المخالف يراه صحيحا بدليل معتبر.

وصوّر الشاطبي المسألة بأمثلتها المشهورة في المذهب: «كل نكاح فاسد اختلف فيه فإنه يثبت به الميراث ويفتقر في فسخه إلى الطلاق»، ومن دخل مع الإمام في الركوع فكبر للركوع ناسيا تكبيرة الإحرام «فإنه يتمادى مع الإمام مراعاة لقول من قال» إن تكبيرة الركوع تجزئ عن الإحرام.8 ثم أورد الإشكال: إن كان دليل المالكي راجحا فإعطاء المخالف بعض ما يقتضيه دليله جمع بين متنافيين، ولذلك أنكره ابن عبد البر. ونقل الشاطبي جواب شيوخ فاس وتونس: دليل المسألة يقتضي المنع ابتداء وهو الراجح، ثم بعد الوقوع يصير الراجح مرجوحا لمعارضة دليل آخر يقتضي رجحان دليل المخالف، «فالأول فيما بعد الوقوع والآخر فيما قبله وهما مسألتان مختلفتان».8 فمراعاة الخلاف نظر في المآل بعد الوقوع، ولذلك جعلها الشاطبي من فروع اعتبار المآل مقاصد الشريعة.

ويُفرق بينها وبين الخروج من الخلاف، المستحب عند الشافعية بشروط، كأن يدلك المتوضئ أعضاءه خروجا من خلاف مالك: فهو احتياط قبل الفعل، ومراعاة الخلاف تصحيح لبعض الآثار بعد وقوعه. وتفصيل الفاسد والباطل الذي تقع عليه المراعاة في الحكم الوضعي.

مسألة خلافية هل يراعى خلاف المخالف بعد وقوع الفعل؟

  • الحنفية يستحبون مراعاة الخلاف احتياطا ما لم تؤد إلى ترك سنة في المذهب، ولا يعدونها أصلا مستقلا.
  • المالكية أصل في الفروع، يكثر بعد الوقوع، فيُعطى العقد المختلف في فساده بعض آثار الصحيح.
  • الشافعية الخروج من الخلاف مستحب قبل الفعل، بشرط ألا يخالف سنة ثابتة، وأن يقوى مدرك المخالف.
  • الحنابلة يستحب الخروج من الخلاف عند كثير من الأصحاب.
  • سبب الخلاف هل لقول المجتهد المخالف أثر في تخفيف الحكم بعد الوقوع، لأن الواقعة صارت محل اجتهاد معتبر؟
  • الثمرة النكاح بلا ولي إذا وقع. المالكية: يفسخ بطلاق، ويثبت به الميراث والعدة والنسب مراعاة لقول الحنفية بصحته. الشافعية والحنابلة: غير صحيح، يسميه الشافعية باطلا ويعده الحنابلة فاسدا يُفرَّق فيه بطلاق أو فسخ، ويثبت النسب ويُدرأ الحد للشبهة عند الجميع. الحنفية: صحيح للحرة البالغة العاقلة عند أبي حنيفة، وللولي الاعتراض في غير الكفء، والمفتى به عند المتأخرين في غير الكفء رواية الحسن بعدم صحته أصلا.

٢ الأخذ بأقل ما قيل

الأخذ بأقل ما قيل أن يختلف العلماء في مقدار، فيأخذ المجتهد بأقل الأقوال إذا لم يجد دليلا على الزيادة. ومثاله الذي اشتهر به الشافعي دية الذمي: قيل مثل دية المسلم، وقيل نصفها، وقيل ثلثها، فأخذ الشافعي بالثلث، مع أثر عمر وعثمان فيه.

وحقق الغزالي مأخذ الشافعي، فرد قول من ظن أنه تمسك بالإجماع: «وهو سوء ظن بالشافعي رحمه الله فإن المجمع عليه وجوب هذا القدر فلا مخالف فيه، وإنما المختلف فيه سقوط الزيادة ولا إجماع فيه»، ثم قال: إن الشافعي «لم يصح عنده دليل على إيجاب الزيادة فرجع إلى استصحاب الحال في البراءة الأصلية».2 فالأخذ بأقل ما قيل مركب من الإجماع على وجوب الأقل والبراءة الأصلية في نفي ما زاد، وشرطه ألا يكون دليل على الزيادة، وأن يكون الأقل جزءا من الأكثر. ودية الكتابي عند المالكية والحنابلة نصف دية المسلم، وعند الحنفية مثلها، ولا يعد الحنفية الأخذ بالأقل دليلا، ولا يجعله المالكية والحنابلة أصلا مستقلا.

٢ الاستقراء

الاستقراء عند القرافي «تتبع الحكم في جزئياته على حالة يغلب على الظن أنه في صورة النزاع على تلك الحالة». ومثاله أن يُستقرأ الفرض فيوجد أنه لا يُؤدى على الراحلة، فيغلب على الظن أن الوتر لو كان فرضا لما أُدي عليها، وقد أوتر النبي ﷺ على راحلته. قال: «وهذا الظن حجة عندنا وعند الفقهاء».1

وهو قسمان:

  1. الاستقراء التام: تتبع جميع الجزئيات إلا صورة النزاع، أو جميعها، وهو قطعي عند الأكثر، وذكر صاحب مراقي السعود أنه متفق على الاحتجاج به.
  2. الاستقراء الناقص: تتبع أكثر الجزئيات، وهو ظني، ويسميه الفقهاء «إلحاق الفرد بالأغلب». ومنه استدلال الشافعية والحنابلة على أقل الحيض وأكثره وغالبه بالوجود في النساء.

وارتقى الشاطبي بالاستقراء إلى منهج في إثبات الكليات الشرعية، وسماه الاستقراء المعنوي، وهو «الذي لا يثبت بدليل خاص بل بأدلة منضاف بعضها إلى بعض مختلفة الأغراض بحيث ينتظم من مجموعها أمر واحد تجتمع عليه تلك الأدلة»، ومثّل له بثبوت جود حاتم وشجاعة علي عند العامة، فإنه لم يثبت بخبر واحد، وإنما بأخبار كثيرة متفرقة.8 وبهذا الاستقراء أثبت قطعية الضروريات الخمس وقواعد رفع الحرج، فالظنون المتعاضدة ترتفع بمجموعها إلى القطع. وتفصيل ذلك في المقاصد مقاصد الشريعة.

ويجمع ابن السبكي الاستقراء مع غيره تحت اسم الاستدلال: دليل ليس بنص ولا إجماع ولا قياس، ومنه التلازم، كقولهم: كل ما صح بيعه صح رهنه، وما لم يصح بيعه لم يصح رهنه؛ والقياس المنطقي بمقدمتين ونتيجة. ويُذكر معه الإلهام، وهو ما يقع في القلب من غير نظر، وليس حجة عند الجمهور لعدم الثقة بخواطر غير المعصوم.

أداة تفكير سؤال سبب الخلاف

الخلاف في الاستصحاب ومراعاة الخلاف والأخذ بالأقل يرجع إلى قاعدة منهجية: ما قوة الظن الذي يكفي لإنشاء الحكم أو إبقائه؟ والخلاف في قول الصحابي وعمل أهل المدينة يرجع إلى الثبوت: هل قولهم وعملهم قرينة على سنة لم تُنقل؟ والخلاف في شرع من قبلنا يرجع إلى نسخ الشرائع بالبعثة. وحد الأداة أن الفرع الواحد قد يتعدد مأخذه، كالعينة التي اجتمع فيها قول الصحابي وسد الذرائع.

صلة الفصل بغيره

خلاصة الفصل

  1. الاستصحاب الحكم ببقاء ما ثبت بدليل حتى يظهر المغير بعد البحث، وهو آخر مدار الفتوى.
  2. أنواعه: البراءة الأصلية، واستصحاب العموم والنص، واستصحاب الوصف المثبت للحكم، واستصحاب حال الإجماع، والأخير رده الغزالي وأكثر الأصوليين.
  3. الاستصحاب عند متأخري الحنفية حجة دافعة لا مثبتة، وعند الجمهور حجة في الأمرين.
  4. ثمرة ذلك في المفقود: حي في حق ماله فلا يُقسم، ولا يرث عند الحنفية، ويوقف نصيبه عند الجميع.
  5. الاستصحاب صورة الأصل والاستثناء وعبء الإثبات: من وافق الأصل لا يُطالب بدليل.
  6. الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار المنع بعد ورود الشرع عند الجمهور، والمسألة متصلة بحكم الأشياء قبل الشرع.
  7. قول الصحابي ليس حجة على صحابي آخر باتفاق، والخلاف في حجيته على من بعدهم.
  8. قول الصحابي حجة عند الحنفية والمالكية والحنابلة في الجملة، وللشافعي فيه قديم وجديد، والمعتمد عند الأصحاب عدم الحجية في الجديد، ونازع ابن القيم في ذلك.
  9. اتفق الحنفية على تقليد الصحابي في ما لا يُدرك بالرأي، ومنه أقل الحيض ثلاثة أيام.
  10. شرع من قبلنا الذي قصه الله أو رسوله بلا إنكار شرع لنا عند الحنفية والمالكية والحنابلة، وليس شرعا لنا عند أكثر الشافعية.
  11. عمل أهل المدينة النقلي حجة عند المالكية مقدم على خبر الواحد، والاستدلالي مختلف فيه عندهم.
  12. مراعاة الخلاف عند المالكية إعطاء المخالف بعض ما يقتضيه دليله بعد الوقوع، والخروج من الخلاف احتياط قبل الفعل.
  13. الأخذ بأقل ما قيل مركب من الإجماع على الأقل والبراءة الأصلية في الزيادة، كما حققه الغزالي في دية الذمي.
  14. الاستقراء تام قطعي وناقص ظني، والاستقراء المعنوي عند الشاطبي يثبت الكليات بأدلة متعاضدة.

تمارين

  1. صنّف كل مثال بنوع الاستصحاب: (أ) لا تجب زكاة في الخيل حتى يثبت دليل، (ب) من تيقن الطهارة وشك في الحدث فهو متطهر، (ج) العمل بآية حتى يثبت نسخها، (د) المتيمم يرى الماء في الصلاة فيمضي لأن صلاته صحيحة بالإجماع قبل الرؤية.
  2. اشرح عبارة البزدوي «لا يكون حجة للإيجاب لكنها حجة دافعة» بمثال من غير المفقود.
  3. لماذا أجاز الحنفية الصلح على الإنكار وأبطله الشافعي؟ رُدّ الخلاف إلى أصله.
  4. بيّن بأداة الأصل والاستثناء من يُطالب بالبينة في دعوى دين على رجل ينكره.
  5. ما الفرق بين قول الكرخي وقول البردعي في تقليد الصحابي؟ ومثّل لما اتفقا عليه.
  6. كيف يُجمع بين قول الجويني إن قول الصحابي ليس بحجة على الجديد، ونص الرسالة الجديدة في اتباع قول الواحد منهم؟
  7. احتج حنفي على قتل المسلم بالذمي بآية ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]. ما الأصل الذي بنى عليه، وبم يجيبه الجمهور؟
  8. صنّف: (أ) مقدار الصاع، (ب) اتفاق علماء المدينة في عصر التابعين على مسألة اجتهادية. أيهما مقدم على خبر الواحد عند المالكية؟
  9. تزوجت امرأة بلا ولي ودخل بها، ثم رُفع الأمر إلى قاض مالكي. ما الحكم، وما الأصل الذي بُني عليه الإرث إن مات الزوج قبل الفسخ؟
  10. لماذا قال الغزالي إن من نسب إلى الشافعي التمسك بالإجماع في دية الذمي أساء الظن به؟

أجوبة التمارين

  1. (أ) البراءة الأصلية، (ب) استصحاب الوصف المثبت للحكم، (ج) استصحاب النص، (د) استصحاب حال الإجماع، وهو مختلف فيه.
  2. من كانت في يده دار يدفع بظاهر اليد دعوى من ينازعه فيها، ولا يستحق بها الشفعة في دار مجاورة إذا أنكر المشتري ملكه حتى يقيم البينة.
  3. لأن براءة ذمة المنكر عند الحنفية حجة دافعة لا تُلزم المدعي، فصح الصلح افتداء لليمين، والشافعي جعلها حجة ملزمة تُبطل الدعوى، فلا يبقى للصلح عوض مستحق.
  4. الأصل براءة ذمة المدعى عليه، فهو موافق للأصل لا يُطالب بدليل، والمدعي يدعي خلاف الأصل فعليه البينة، وعلى المنكر اليمين.
  5. البردعي يقلد الصحابي ويترك به القياس مطلقا، والكرخي لا يقلده إلا في ما لا يُدرك بالقياس. واتفقا على المقدرات، كأقل الحيض ثلاثة أيام.
  6. بأن الشافعي في الجديد لم يجعل قول الصحابي حجة ملزمة تُقدم على القياس، وجعله مرجعا عند فقد الكتاب والسنة والإجماع، أو معتضدا بقياس.
  7. بنى على أن شرع من قبلنا إذا قُص بلا إنكار شرع لنا. ويجيبه الجمهور، ومنهم القائلون بالقاعدة، بأن شرطها ألا يرد في شرعنا ما يخالفه، وقد ورد: «لا يقتل مسلم بكافر».
  8. (أ) عمل نقلي مقدم على خبر الواحد، (ب) عمل استدلالي مختلف فيه عند المالكية.
  9. يُفسخ النكاح بطلاق، ويثبت به الإرث والنسب والعدة، مراعاة للخلاف لأن الحنفية يصححونه.
  10. لأن المجمع عليه وجوب الثلث، وسقوط الزيادة لا إجماع فيه، فلو كان الإجماع على الثلث إجماعا على نفي الزيادة لكان القائل بها خارقا للإجماع. والشافعي أخذ بالثلث إجماعا ونفى الزيادة بالبراءة الأصلية.

  1. القرافي، شرح تنقيح الفصول، الباب العشرون في جمع أدلة المجتهدين، الفصل الأول في الأدلة: قول الصحابي، والاستصحاب، والعوائد، والاستقراء، وقاعدة الأصل في المنافع. ↩↩↩↩↩

  2. الغزالي، المستصفى، القطب الثاني: مسألة الأخذ بأقل ما قيل، والأصل الرابع دليل العقل والاستصحاب، ومسألة لا حجة في استصحاب الإجماع، وخاتمة القطب في الأصول الموهومة: شرع من قبلنا وقول الصحابي. ↩↩↩↩↩↩

  3. الجويني، الورقات، باب الحظر والإباحة، وباب ترتيب الأدلة، وباب الإجماع. ↩↩

  4. عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، فصل الاحتجاج باستصحاب الحال، وفيه متن البزدوي ومسألتا الصلح على الإنكار والشفعة. ↩↩

  5. عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، باب متابعة أصحاب النبي ﷺ والاقتداء بهم، وفيه متن البزدوي ونقل الرسالة القديمة للشافعي ومسألة أقل الحيض. ↩↩↩

  6. الشافعي، الرسالة، باب أقاويل الصحابة. ↩

  7. عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، باب شرائع من قبلنا. ↩

  8. الشاطبي، الموافقات، كتاب الاجتهاد، فصل في معنى مراعاة الخلاف المذكورة في المذهب المالكي؛ وموضع إثبات القواعد الكلية بالاستقراء المعنوي. ↩↩↩

مبادئ لغوية

موقع الفصل من المنظومة

هذا أول فصول الباب الرابع، وهو المحطة الثالثة من خط الاستنباط: استخراج الدلالة ودرجتها. قبله عرف الطالب الحكم والأدلة وكيف يثبت الدليل؛ وبقي سؤال: إذا ثبت النص، فكيف نعرف ما أراد المتكلم به؟ والشريعة نزلت بلسان عربي، فقواعد فهمه مقدمة على كل قاعدة دلالية بعدها: الأمر والنهي في الأمر والنهي، والعموم في العام والخاص، والإطلاق والإجمال في المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول، وطرق الدلالة في طرق الدلالة بين المنهجين. وهذه «المبادئ اللغوية» أدرجها الحنفية في تقسيم اللفظ باعتبار الاستعمال (الحقيقة والمجاز والصريح والكناية) وفي باب حروف المعاني.

سؤال الافتتاح

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. توضأ رجل فغسل يديه إلى ما دون المرفقين، ومسح بأصبع واحدة شعرات من مقدم رأسه. هل صح وضوؤه؟ وأي الحرفين في الآية حسم الجواب: «إلى» أم «الباء»؟

٢ اللغة والوضع

الوضع جعل اللفظ دليلا على المعنى، بحيث إذا أُطلق فُهم منه. واختلف المتكلمون في الواضع: فقال الأشعري وابن فورك: اللغة توقيفية، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]. وقال أبو هاشم الجبائي: اصطلاحية تواضع عليها الناس. وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: القدر الذي يقع به التعريف توقيف، وما بعده اصطلاح. وتوقف الباقلاني وجمهور المحققين كالغزالي والرازي، لأن الأدلة محتملة ولا قاطع فيها.

والمسألة قليلة الأثر في الفقه، لأن الأقوال كلها متفقة على أن دلالة ألفاظ العرب مستقرة يُرجع فيها إلى النقل عن أهل اللسان. وما ذُكر لها من ثمرة، كتغيير الأسماء باصطلاح بين متعاقدين، يرجع إلى العرف الخاص الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف.

١ الوضع والاستعمال والحمل

يكثر الخلط في هذا الباب بين ثلاثة أفعال، وقد ميزها القرافي في شرح تنقيح الفصول تمييزا نافعا: الوضع صفة الواضع، والاستعمال صفة المتكلم، والحمل صفة السامع.

الفعل من يقوم به حقيقته ما يُبنى عليه
الوضع الواضع (أهل اللغة، أو الشارع، أو أهل العرف) جعل اللفظ دليلا على معنى معرفة المعنى الحقيقي
الاستعمال المتكلم إطلاق اللفظ وإرادة المعنى، الموضوع له أو غيره انقسام اللفظ إلى حقيقة ومجاز
الحمل السامع (المجتهد) اعتقاد مراد المتكلم من لفظه قواعد الترجيح: الحقيقة قبل المجاز، والشرعي قبل اللغوي في كلام الشارع

وفائدة هذا التقسيم أن الحقيقة والمجاز وصفان للفظ في الاستعمال، فالكلمة في المعجم موضوعة فقط. وعمل الأصولي هو الحمل: يقف موقف السامع، ويطلب ما استعمل الشارع فيه لفظه بالوضع والقرائن جميعا. فقولهم «الأصل الحقيقة» و«التأسيس أولى من التأكيد» قواعد في الحمل، أي في ترجيح أحد مرادات المتكلم المحتملة.

١ الحقيقة وأقسامها

الحقيقة: اللفظ المستعمل فيما وُضع له في اصطلاح التخاطب. والقيد الأخير يجعل الحقيقة نسبية إلى الاصطلاح الذي وقع به الخطاب: فلفظ «الصلاة» في الأفعال المخصوصة حقيقة شرعية في كلام الشارع، ومجاز عن الدعاء في كلام اللغوي. وتنقسم بحسب الواضع ثلاثة أقسام:

القسم الواضع مثاله
الحقيقة اللغوية أهل اللسان الأسد للحيوان المفترس، والصلاة للدعاء
الحقيقة الشرعية الشارع الصلاة للأقوال والأفعال المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، والزكاة للقدر الواجب في المال
الحقيقة العرفية العامة عامة أهل اللسان بعد الوضع الدابة لذوات الأربع، وأصلها لكل ما يدب
الحقيقة العرفية الخاصة أهل فن أو صنعة الرفع والنصب عند النحاة، والنقض والقلب عند الأصوليين

٢ هل نقل الشارع الأسماء؟

اتفقوا على أن ألفاظ الصلاة والزكاة والصوم والحج تُفهم في لسان الشرع على معانيها المخصوصة، واختلفوا في تكييف ذلك. فقال القاضي أبو بكر الباقلاني: لم ينقل الشارع شيئا منها، والصلاة في الشرع دعاء، وما زاده من ركوع وسجود وطهارة شروط زائدة على المسمى، لأن القرآن نزل بلسان عربي: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، فلو نُقلت الأسماء لكان فيه غير العربي. وقال الجمهور: نقلها الشارع إلى معانٍ شرعية فصارت حقائق فيها، لأن المتبادر منها في لسان الشرع المعاني الشرعية، والتبادر علامة الحقيقة. وزادت المعتزلة الحقائق الدينية، كالإيمان والفسق. واختار الغزالي والرازي أن الشارع تصرف فيها بالتخصيص والزيادة.

وجواب الجمهور عن حجة الباقلاني أن الأسماء الشرعية عربية بأصلها، مجاز في أول نقلها، ثم غلبت فصارت حقيقة. والخلاف قريب من اللفظي، لأن الفريقين يحملان الصلاة في كلام الشارع على الأفعال المعهودة: الباقلاني بالقرينة الملازمة، والجمهور بالوضع الشرعي.

١ ترتيب الحمل عند تعدد الحقائق

إذا دار لفظ في كلام الشارع بين معناه الشرعي ومعناه اللغوي، حُمل على الشرعي، لأن الشارع بُعث لبيان الشرعيات، وعرف المتكلم أولى ما يُحمل عليه كلامه. وعلى هذا الترتيب جرى ابن السبكي في جمع الجوامع: في كلام الشارع المعنى الشرعي، ثم العرفي العام، ثم اللغوي. فقوله ﷺ في الصائم يُدعى إلى طعام: «فإن كان صائما فليصلِّ» (رواه مسلم)، حُمل على الدعاء لقرينة الحال، لأن الصلاة الشرعية لا يستقيم بها المعنى هنا. وفي الأيمان والطلاق والوقف يُقدَّم العرف على اللغة، فمن حلف لا يأكل لحما لم يحنث بأكل السمك عند الحنفية والشافعية، مع أن القرآن سماه لحما: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]، لأن العرف لا يسميه لحما مطلقا. وحنّثه الخرقي وقدّمه صاحب المقنع من الحنابلة، أخذا بتسمية القرآن، وخالفهما ابن أبي موسى.

١ المجاز

المجاز: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب، لعلاقة بين المعنيين، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي. فأركانه ثلاثة: الاستعمال في غير الموضوع له، والعلاقة، والقرينة. فإذا انعدمت العلاقة كان الاستعمال غلطا، وإذا انعدمت القرينة وجب الحمل على الحقيقة. ويكفي عند الأكثر أن يُسمع نوع العلاقة عن العرب، فاستعارتهم اسم الحيوان للشجاع تسوّغ «رأيت أسدا يخطب» وإن لم يُسمع بعينه.

من المتون الورقات لإمام الحرمين الجويني

ومن وجه آخر ينقسم إلى حقيقة ومجاز، فالحقيقة ما بقي في الاستعمال على موضوعه، وقيل: ما استعمل فيما اصطلح عليه من المخاطبة، والمجاز ما تُجوِّز عن موضوعه. والحقيقة إما لغوية، وإما شرعية، وإما عرفية. والمجاز إما أن يكون بزيادة، أو نقصان، أو نقل، أو استعارة.

الحل: «من وجه آخر» أي باعتبار الاستعمال، بعد أن قسم الكلام باعتبار المعنى إلى أمر ونهي وخبر واستخبار. التعريف الأول للحقيقة لغوي محض، فلا يدخل فيه الشرعي والعرفي إلا بتكلف؛ والثاني، وقد أورده بصيغة «وقيل»، يتسع للأقسام الثلاثة التي ذكرها بعده، وهو الذي اعتمدناه. و«ما تُجوِّز عن موضوعه» ما جاوز به المتكلم موضعه الأصلي، ولم يذكر العلاقة والقرينة، وزادهما المتأخرون. والأقسام الأربعة للمجاز بحسب صورته، ومثّل لها الجويني بعدُ: الزيادة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] على أن الكاف زائدة، والنقصان ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي أهلها، والنقل كالغائط للخارج من الإنسان وأصله المكان المنخفض، والاستعارة ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]. (نص الورقات من المكتبة الشاملة، الكتاب رقم ٦٢٩٧، باب أقسام الكلام.)

٢ علاقات المجاز

العلاقة معناها مثالها
المشابهة (الاستعارة) تشابه المعنيين في وصف ظاهر الأسد للشجاع
السببية إطلاق السبب على المسبَّب «رعينا الغيث» أي النبات
المسبَّبية إطلاق المسبَّب على السبب ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣] أي مطرا
الكلية إطلاق الكل على الجزء ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩] أي أناملهم
الجزئية إطلاق الجزء على الكل ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] أي مملوك
اعتبار ما كان تسمية الشيء بما كان عليه ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] بعد البلوغ
اعتبار ما يؤول إليه تسميته بما سيكون ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] أي عنبا
المحلية والحالية إطلاق المحل على الحال وعكسه ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧] أي الجنة
المجاورة تسمية الشيء باسم مجاوره الغائط والراوية

وردّ الحنفية العلاقات إلى أصلين: الاتصال صورة كالمشابهة، والاتصال معنى كالسببية. ولهذا ينعقد النكاح عندهم بلفظ الهبة والتمليك، لأن ملك الرقبة سبب لملك المتعة، وقصره الشافعية والحنابلة على لفظي الإنكاح والتزويج.

٢ متى تُترك الحقيقة

الأصل في الكلام الحقيقة، ولا يُصار إلى المجاز إلا بقرينة. وفصّل الحنفية ما تُترك به الحقيقة، وعليه تُبنى أيمان كثيرة.

من المتون أصول السرخسي، فصل في بيان جملة ما تترك به الحقيقة

وهذا هو الحكم في كل لفظ محتمل للحقيقة والمجاز أنه إذا تعذر حمله على الحقيقة يحمل على المجاز لتصحيح الكلام، وهذا التعذر إما لعدم الإمكان، أو لكونه مهجورا عرفا، أو لكونه مهجورا شرعا. فالذي هو متعذر نحو ما إذا حلف أن لا يأكل من هذه النخلة أو من هذه الكرمة فإن يمينه تنصرف إلى الثمرة.

الحل: «لتصحيح الكلام» أي صونا لكلام العاقل عن الإلغاء، وهي قاعدة «إعمال الكلام أولى من إهماله». والتعذر ثلاثة أنواع: حسي، كأكل النخلة نفسها، فينصرف إلى ثمرها بعلاقة السببية؛ وعرفي، ومثّل له السرخسي بعدُ بمن حلف لا يشرب من هذه البئر، فحقيقته الكرع فيها وهو مهجور عادة، فينصرف إلى الشرب من مائها؛ وشرعي، كالتوكيل بالخصومة، وحقيقتها المنازعة المحظورة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦]، فتنصرف إلى الجواب مطلقا، إقرارا كان أو إنكارا. (أصول السرخسي، ت الأفغاني، المكتبة الشاملة رقم ٦٣٠١، الجزء الأول.)

٣ الخلاف في وقوع المجاز

جمهور الأصوليين من المذاهب الأربعة على وقوع المجاز في اللغة وفي القرآن والسنة. ونُقل إنكاره في اللغة عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، وأنكره في القرآن خاصة داود الظاهري وابنه محمد وابن خويز منداد من المالكية. ثم أنكر ابن تيمية التقسيم نفسه في كتاب الإيمان، فجعله اصطلاحا حادثا بعد القرون الثلاثة، وقرر أن اللفظ يُفهم من سياقه وهو حقيقة فيه. وتبعه ابن القيم في الصواعق المرسلة، ثم ألّف محمد الأمين الشنقيطي «منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز»، واحتج بأن المجاز يجوز نفيه، فيقال للشجاع «ليس بأسد»، وكلام الله لا يجوز نفي شيء منه.

وأجاب المثبتون بأن حدوث الاصطلاح لا يُبطل المعنى إذا صح، وأن الشافعي في الرسالة قرر أن العرب تخاطب بالعام يراد به الخاص، وبالشيء يُعرف معناه بالسياق، وهو ما سماه المتأخرون مجازا؛ وأن النفي يقع على المعنى الحقيقي لا على المراد. والمحرك العقدي ظاهر، لأن بعض المتكلمين اتخذ المجاز طريقا إلى تأويل آيات الصفات. وفي الفقه تتقارب النتائج، فالفريقان يفهمان ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ على أهلها، ويمنعان صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل. والمجاز في القرآن من جهة علوم القرآن موضعه الكتاب والسنة.

أداة تفكير الأصل والاستثناء

قاعدة «الأصل في الكلام الحقيقة» تعمل ما لم تقم قرينة: يبدأ السامع بالحقيقة ويطلب الصارف، فإن وجده عدل إلى المجاز. وهذه صورة ما يسميه المنطق الحديث الاستدلال القابل للنقض. وحدّ التشبيه أن القرائن عند الأصوليين مضبوطة: حصر الحنفية ما تُترك به الحقيقة في أنواع معدودة، واشترط الجمهور أن تصلح القرينة صارفا، فالاحتمال المجرد لا يكفي. ويتكرر هذا البناء في العام والخاص (العموم حتى المخصص) والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول (الإطلاق حتى المقيد).

٢ الجمع بين الحقيقة والمجاز

صورة المسألة: أن يُراد باللفظ الواحد في استعمال واحد معناه الحقيقي والمجازي معا، كالأسد يراد به الحيوان والشجاع.

مسألة خلافية هل يجوز إرادة الحقيقة والمجاز معا بلفظ واحد؟

  • الحنفية لا يجوز، لأن المجاز استعمال مع قرينة صارفة عن الموضوع، فالجمع إرادة للمعنى وصرف عنه في وقت واحد. وإذا احتاجوا إلى إدخال المعنيين سلكوا «عموم المجاز»: حمل اللفظ على معنى مجازي أعم تدخل الحقيقة فيه فردا من أفراده. فمن حلف لا يضع قدمه في دار فلان حنث بالدخول حافيا أو منتعلا أو راكبا، لأن وضع القدم صار مجازا عن الدخول، والحقيقة فرد منه.
  • المالكية أجازه جمع منهم كالقاضي الباقلاني والقرافي، ومنعه ابن الحاجب من جهة اللغة.
  • الشافعية يجوز إذا لم يتنافيا وقامت القرينة على إرادتهما، وهو المنسوب إلى الشافعي.
  • الحنابلة أجازه بعض الأصحاب كالقاضي أبي يعلى، ومنعه آخرون.
  • سبب الخلاف هل قرينة المجاز صارفة عن الحقيقة بالضرورة، أم دالة على إرادة المجاز فقط، فتجتمع مع قرينة أخرى على إرادة الحقيقة؟
  • الثمرة قوله تعالى ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦]. اللمس حقيقة في الجس باليد، ومجاز في الجماع. فالحنفية حملوه على الجماع وحده، تبعا لابن عباس، فلم ينقضوا الوضوء بمس المرأة. والشافعية نقضوه بمجرد لمس الأجنبية، لأنه الحقيقة، والآية عندهم في بعض كتب التخريج تتناول الجماع أيضا، فتجمع تيمم الجنب ونقض الوضوء باللمس. والمالكية نقضوه إذا قُصدت اللذة أو وُجدت، والحنابلة إذا كان بشهوة على المذهب، وهذا تقييد للحقيقة بقرينة المعنى.

تنبيه بناء نقض الوضوء باللمس على الجمع

المأخذ المباشر عند الشافعية في نقض الوضوء باللمس حمل اللمس على حقيقته اللغوية، وتأيد بقراءة حمزة والكسائي «أو لمستم»، وبناؤه على الجمع بين الحقيقة والمجاز من صنيع كتب التخريج. فالفرع قد يكون له أكثر من مأخذ، والقاعدة الأصولية أحدها.

١ المشترك

المشترك: اللفظ الموضوع لمعنيين فأكثر وضعا متعددا، كالعين للباصرة والجارية والذهب، والقرء للحيض والطهر. وهو واقع عند الجمهور، وأنكره قوم لأنه يخل بالفهم، وجوابهم أن القرائن تزيل اللبس. والمشترك متعدد الوضع، فكل معانيه حقيقة؛ والمجاز وضعه واحد وما عداه منقول عنه بعلاقة. ولهذا إذا دار اللفظ بين الاشتراك والمجاز فالمجاز أولى عند الأكثر، لأنه يُعمل فيه بالحقيقة عند عدم القرينة، والمشترك يتوقف فيه حتى تقوم.

مسألة خلافية هل يُحمل المشترك على جميع معانيه؟

  • الحنفية لا يجوز، والمشترك لا عموم له، ويتعين أحد معنييه بالقرينة، فإن لم تقم توقف فيه حتى تقوم.
  • المالكية يجوز عند الباقلاني والقرافي وجمع منهم.
  • الشافعية يجوز ويحمل على معانيه كلها إذا لم تتناف ولم تقم قرينة على التعيين، وهو المنسوب إلى الشافعي، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فالصلاة من الله رحمة ومن الملائكة استغفار.
  • الحنابلة أجازه القاضي أبو يعلى وجماعة، ومنعه آخرون.
  • سبب الخلاف هل وُضع اللفظ لكل معنى على سبيل البدل، أم يجوز أن يقصد المتكلم المعنيين معا كما يجمعهما بلفظين؟ والمانعون يجعلون الصلاة في الآية معنى عاما هو الاعتناء بإظهار الشرف، من عموم المجاز.
  • الثمرة من أوصى لمواليه وله موالٍ أعتقهم وموالٍ أعتقوه. فالوصية باطلة عند الحنفية، لأن اللفظ لا يتناول الفريقين معا ولا مرجح لأحدهما (الهداية، باب الوصية للأقارب وغيرهم). وهي للفريقين جميعا عند الحنابلة، لأن الاسم يتناولهم حقيقة وعرفا (المغني، كتاب الوصايا). ونقل ابن قدامة عن ابن القاسم من المالكية أنها للموالي من أسفل، وعن الشافعية أربعة أوجه: أنها للجميع، وأنها باطلة، وأنها للموالي من فوق، وأنها موقوفة حتى يصطلحوا.

تطبيق القرء: الحيض أم الطهر؟

النص: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].

المحطة الأولى، نوع الحكم: حكم وضعي، هو مقدار العدة، وتترتب عليه أحكام تكليفية كتحريم النكاح فيها.

المحطة الثانية، الثبوت: الآية قطعية الثبوت.

المحطة الثالثة، الدلالة: «القرء» مشترك بين الحيض والطهر بنقل أهل اللغة، واتفقت المذاهب على أن المراد أحدهما، فالمسألة في الترجيح بالقرائن لا في عموم المشترك.

المحطة الرابعة، فحص القرائن: رجح الحنفية والحنابلة على المذهب الحيض بقرائن: أن «ثلاثة» عدد خاص لا يحتمل النقص، ولو كان القرء الطهر لكانت العدة طهرين وبعض الثالث، لأن طهر الطلاق محسوب؛ وأن المقصود من العدة براءة الرحم، والحيض هو الذي يُعرف به ذلك؛ وقوله ﷺ للمستحاضة: «دعي الصلاة أيام أقرائك» (رواه أبو داود والنسائي، وفي إسناده كلام). ورجح المالكية والشافعية الطهر بقرائن: تأنيث العدد «ثلاثة» يدل على معدود مذكر، والطهر مذكر والحيضة مؤنثة؛ وقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، مع أمره ﷺ ابن عمر أن يطلق في الطهر، فالطهر هو العدة؛ وأن العرب تطلق الجمع على اثنين وبعض الثالث، كما في ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].

الحكم: العدة ثلاث حيض عند الحنفية والحنابلة، فلا تنقضي حتى تطهر من الحيضة الثالثة؛ وثلاثة أطهار عند المالكية والشافعية، فتنقضي بدخولها في الحيضة الثالثة. وتظهر الثمرة في الرجعة والنفقة والميراث في هذه المدة. ويعود الفرع في العام والخاص من جهة دلالة الخاص.

٢ الترادف والتأكيد

الترادف: توارد لفظين مفردين فأكثر على معنى واحد باعتبار واحد، كالأسد والليث، والقعود والجلوس. وهو واقع عند الجمهور، وأنكره ثعلب وابن فارس. والمسألة الأصولية فيه: هل يقوم كل مترادف مقام صاحبه؟ قال الأكثر بالجواز في الجملة، ما لم يكن اللفظ متعبدا به. ومن هنا الخلاف في افتتاح الصلاة بغير «الله أكبر»: أجاز أبو حنيفة ومحمد الافتتاح بكل ذكر خالص دال على التعظيم كـ«الله أعظم»، لأن المأمور به في ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] التعظيم، وعيّن الجمهور «الله أكبر» لأن التكبير تعبدي يُتلقى لفظه، وأجاز الشافعية «الله الأكبر» لأنه لا يغير المعنى.

والتأكيد: تقوية مدلول اللفظ بلفظ آخر، لفظي بإعادة اللفظ أو مرادفه، ومعنوي بألفاظ مخصوصة كالنفس والعين وكل وأجمع. وإذا دار الكلام بين التأسيس والتأكيد فالتأسيس أولى، لأن المعنى الجديد أكثر فائدة. وعليه قال الشافعية فيمن قال لزوجته المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، متواليات: إن قصد التأكيد فواحدة، وإن قصد الاستئناف فثلاث، وإن أطلق فثلاث في الأظهر، تقديما للتأسيس.

٣ القياس في اللغة

هو إثبات اسم لمعنى لم يُسمع إطلاقه عليه، لمشاركته المسمى في علة التسمية، كتسمية النبيذ خمرا والنباش سارقا. أجازه ابن سريج وجماعة، ومنعه الحنفية وأكثر المحققين كالغزالي والآمدي، لأن اللغة نقل. وأثره محدود، لأن من حرّم النبيذ احتج بقوله ﷺ: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام» (رواه مسلم)، ومن قطع النباش احتج بالقياس الشرعي القياس.

١ حروف المعاني

حروف المعاني الحروف التي لها معنى في غيرها، كحروف العطف والجر. وأفرد لها الحنفية بابا بعد الحقيقة والمجاز، وقال السرخسي في أوله: «وكثير من مسائل الفقه تترتب على ذلك».

الحرف معناه الأصلي معانٍ أخرى فرع يُبنى عليه
الواو مطلق الجمع المعية والحال الترتيب في الوضوء والسعي
الفاء الترتيب والتعقيب السببية، وربط الجواب عتق القريب بشرائه
ثم الترتيب مع التراخي الترتيب في الذكر التكفير قبل الحنث
أو أحد الشيئين التخيير، والإباحة، والتنويع، والشك كفارة اليمين، والحرابة
الباء الإلصاق الاستعانة، والسببية، والتبعيض عند قوم مقدار مسح الرأس
إلى انتهاء الغاية المعية عند قوم غسل المرفقين، وإتمام الصيام إلى الليل
في الظرفية السببية تعليق الطلاق بالزمان والمكان
من ابتداء الغاية التبعيض، والبيان التيمم بما لا غبار له
على الاستعلاء والإلزام الشرط الإقرار بالدين، ووجوب الحج
حتى انتهاء الغاية التعليل وطء الحائض بعد الانقطاع
بل الإضراب الإقرار والطلاق بالعدد
إنما الحصر النية في الوضوء

١ الواو

مسألة خلافية هل الواو العاطفة تقتضي الترتيب؟

  • الحنفية لمطلق الجمع، لا تقتضي ترتيبا ولا معية، وهو قول أكثر أهل اللغة. واحتج السرخسي بأن «جاءني زيد وعمرو» صادق مع التقدم والمعية، وبأن العرب وضعت الفاء للتعقيب وثم للتراخي، فلو كانت الواو للترتيب لتكرر الوضع لمعنى واحد.
  • المالكية لمطلق الجمع.
  • الشافعية لمطلق الجمع عند جمهور الأصحاب، ونسب السرخسي الترتيب إلى بعض أصحاب الشافعي، ونُقل عن بعض اللغويين كالفراء وأبي عمر الزاهد.
  • الحنابلة لمطلق الجمع عند الأكثر، ونُقل عن بعض الأصحاب الترتيب.
  • سبب الخلاف الاستعمال اللغوي ومواقع الواو في القرآن، مع احتجاج القائلين بالترتيب بقوله ﷺ حين أقبل على الصفا: «أبدأ بما بدأ الله به» (رواه مسلم من حديث جابر، وروي عند النسائي بصيغة الأمر «ابدءوا»)، يريد قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. وأجاب الجمهور بأن الترتيب في السعي ثبت بفعله وقوله ﷺ، ولو اقتضته الواو لما احتاج إلى بيانه.
  • الثمرة الترتيب بين أعضاء الوضوء فرض عند الشافعية والحنابلة، وسنة عند الحنفية والمالكية.

تنبيه الشافعية وترتيب الوضوء

شاع في كتب الحنفية، ومنها أصول السرخسي، أن الشافعي أوجب الترتيب في الوضوء لأن الواو عنده للترتيب. والمعتمد عند الشافعية أن الواو لمطلق الجمع، وبنوا وجوب الترتيب على مأخذين: أن الآية أدخلت ممسوحا (الرأس) بين مغسولات، والعرب لا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة هي هنا الترتيب؛ وأن النبي ﷺ لم يُنقل عنه الوضوء إلا مرتبا، وفعله بيان للآية. فمأخذ الفرع عندهم دلالة السياق وفعل المبيِّن.

٢ الفاء وثم

الفاء للترتيب مع التعقيب، وتأتي للسببية، وتربط جواب الشرط. ومن فروعها قوله ﷺ: «لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه» (رواه مسلم)، فالجمهور على أن الوالد يعتق بنفس الشراء، والفاء جعلت الشراء سببا للعتق يعقبه بلا فصل. ويمثل الحنفية للتعقيب بمن قيل له: بعتك هذا العبد بكذا، فقال: فهو حر، فهو قبول ثم إعتاق؛ ولو قال: وهو حر، كان ردا للبيع.

وثم للترتيب مع التراخي. واحتج بها من أجاز تقديم الكفارة على الحنث، لرواية: «فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير» (أصل الحديث في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن سمرة، ولفظ «ثم» عند أبي داود بإسناد صحيح). فأجاز الجمهور التكفير قبل الحنث في الجملة، وخص الشافعية الجواز بالتكفير بالمال، ومنعه الحنفية لأن سبب الكفارة عندهم الحنث، والحكم لا يتقدم سببه.

٢ أو

«أو» لأحد الشيئين أو الأشياء: في الطلب للتخيير أو الإباحة، وفي الخبر للشك أو الإبهام أو التنويع. ومن التخيير المتفق عليه كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. واختلفوا في آية الحرابة: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]: فهي عند المالكية للتخيير بحسب المصلحة إلا فيمن قتل فيتعين قتله أو صلبه، وعند الشافعية والحنابلة للتنويع بحسب الجناية، أخذا بأثر ابن عباس، وعند الحنفية للتنويع مع تخيير الإمام عند أبي حنيفة فيمن قتل وأخذ المال. وثمرته في محارب أخاف السبيل وأخذ مالا ولم يقتل: يُقطع من خلاف عند الجمهور، وللإمام عند المالكية أن يقتله إن رأى المصلحة.

١ الباء

الباء للإلصاق في أصل وضعها، وتأتي للاستعانة والسببية والمصاحبة. وادعى قوم أنها تأتي للتبعيض، وأنكره ابن جني.

مسألة خلافية الباء في ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ وما القدر الواجب؟

  • الحنفية الباء للإلصاق، فإذا دخلت على المحل اقتضت إلصاق الآلة به، والآية مجملة في المقدار، وبيّنها أنه ﷺ مسح بناصيته وعلى العمامة (رواه مسلم من حديث المغيرة بن شعبة)، والناصية نحو الربع، فالواجب الربع، وفي رواية قدر ثلاث أصابع.
  • المالكية الواجب مسح جميع الرأس على المشهور، والباء للإلصاق أو زائدة للتوكيد، كما في آية التيمم ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] والاستيعاب فيه واجب. وفي المذهب أقوال بإجزاء الثلثين أو الثلث.
  • الشافعية يجزئ ما يقع عليه اسم المسح ولو بعض شعرة في حد الرأس، لأن الأمر بالمسح مطلق فيصدق بأقله، وحديث المغيرة يدل على أن الاستيعاب غير لازم؛ ونفى كثير منهم أن يكون مأخذهم التبعيض.
  • الحنابلة يجب مسح جميع الرأس على المذهب، وعن أحمد رواية بإجزاء البعض.
  • سبب الخلاف معنى الباء الداخلة على الممسوح، وهل الآية مجملة في المقدار فتُبيَّن بالفعل، أم مطلقة فيكفي أقل المسمى، أم عامة لجميع الرأس لأن الرأس اسم للعضو كله؟
  • الثمرة من مسح بعض شعرات صح وضوؤه عند الشافعية وحدهم، ولم يصح عند الحنفية حتى يبلغ الربع، ولا عند المالكية والحنابلة حتى يستوعب على المشهور.

١ إلى وحتى

«إلى» لانتهاء الغاية، واختلفوا في دخول ما بعدها في حكم ما قبلها. والتقرير المشهور عند الحنفية، ومعناه في المنار وشروحه: إن كانت الغاية قائمة بنفسها لم تدخل، كقوله تعالى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وإن كان صدر الكلام متناولا لها، كانت الغاية لإسقاط ما وراءها فتدخل، كاليد في آية الوضوء: اليد اسم للعضو إلى الإبط، فذكر المرافق أسقط ما فوقها وبقي المرفق داخلا. وقال غيرهم: تدخل إذا كانت من جنس المغيّا، ولا تدخل إذا لم تكن من جنسه.

والمذاهب الأربعة على وجوب غسل المرفقين والكعبين، وخالف زفر وبعض أهل الظاهر فلم يُدخلوهما. ويؤيد قول الجمهور حديث أبي هريرة أنه توضأ فغسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ (رواه مسلم).

و«حتى» للغاية كـ«إلى»، وتأتي للتعليل. ومن فروعها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. فقال الحنفية: إذا انقطع الدم لأكثر الحيض جاز الوطء قبل الغسل، لأن الغاية انقطاع الدم؛ وإن انقطع لأقل منه لم يحل حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة. وقال الجمهور: لا يحل حتى تغتسل، لأن الآية علقت الحل بغاية هي انقطاع الدم في ﴿يَطْهُرْنَ﴾، وشرط هو الاغتسال في ﴿تَطَهَّرْنَ﴾. ومفهوم الغاية في طرق الدلالة بين المنهجين.

٢ في ومن وعلى

«في» للظرفية، وتأتي للسببية، كقوله ﷺ: «دخلت امرأة النار في هرة ربطتها» (رواه البخاري ومسلم). ويفرع الحنفية عليها أن «أنت طالق في مكة» يقع في الحال، لأن الطلاق لا يختص بمكان، و«في غد» يتأخر إلى فجر الغد.

«من» لابتداء الغاية، وتأتي للتبعيض والبيان. وعليها الخلاف في قوله تعالى في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]: فالشافعية والحنابلة جعلوها للتبعيض، فاشترطوا ترابا له غبار يعلق باليد؛ والحنفية والمالكية جعلوها لابتداء الغاية، فأجازوا التيمم بكل ما كان من جنس الأرض، ولو حجرا أملس لا غبار عليه.

«على» للاستعلاء، وتفيد في الشرع الإلزام، ولهذا استُدل بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] على الوجوب. ومن قال: لفلان عليّ ألف، فهو إقرار بدين في ذمته، ولو قال: عندي ألف، فهو إقرار بأمانة.

١ إنما

«إنما» تفيد الحصر عند الجمهور، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]، وقوله ﷺ: «إنما الولاء لمن أعتق» (رواه البخاري ومسلم). وجعلها قوم للتأكيد، والحصر عندهم من القرائن. ومن أشهر فروعها قوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات» (رواه البخاري ومسلم). فالمالكية والشافعية والحنابلة جعلوا النية شرطا في الوضوء والغسل، وقدروا المحذوف «صحة الأعمال». والحنفية جعلوها سنة في الوضوء، لأنه وسيلة للصلاة تحصل بالماء المطهر بطبعه، وقدروا «ثواب الأعمال»، فالعمل بلا نية صحيح لا ثواب فيه. فالخلاف في تقدير المحذوف، وهو من دلالة الاقتضاء وعموم المقتضى في العام والخاص وطرق الدلالة بين المنهجين، ولا يرجع إلى إنكار الحصر.

وجواب سؤال الافتتاح: من غسل يديه إلى ما دون المرفقين لم يصح وضوؤه عند المذاهب الأربعة، لأن المرافق داخلة في الغسل، بقاعدة الغاية عند الحنفية وبفعل النبي ﷺ عند الجميع. فلو أتم غسل المرفقين ومسح شعرات، صح وضوؤه عند الشافعية وحدهم. فالحرف الذي حسم الجواب «إلى»، أما «الباء» فاختلف أثرها لأن المذاهب لم تبنِ القدر الواجب على معنى الحرف وحده.

صلة الفصل بغيره

خلاصة الفصل

  1. الوضع فعل الواضع، والاستعمال فعل المتكلم، والحمل فعل السامع؛ والحقيقة والمجاز وصفان للفظ في الاستعمال.
  2. الخلاف في واضع اللغة قليل الأثر، والمتفق عليه أن دلالة ألفاظ العرب تثبت بالنقل.
  3. الحقيقة اللفظ المستعمل فيما وُضع له في اصطلاح التخاطب: لغوية وشرعية وعرفية عامة وخاصة.
  4. الجمهور على أن الشارع نقل أسماء العبادات، والباقلاني على بقائها لغوية والزيادات شروط، والخلاف قريب من اللفظي.
  5. كلام الشارع يُحمل على الشرعي، ثم العرفي، ثم اللغوي؛ وكلام الناس على العرف.
  6. أركان المجاز: الاستعمال في غير الموضوع له، والعلاقة، والقرينة المانعة.
  7. تُترك الحقيقة عند الحنفية بالتعذر الحسي، والهجر العرفي، والهجر الشرعي.
  8. الجمهور على وقوع المجاز في اللغة والقرآن، وأنكره ابن تيمية والشنقيطي، وأثره الفقهي قليل.
  9. الحنفية يمنعون الجمع بين الحقيقة والمجاز ويسلكون عموم المجاز، والشافعية يجيزونه إذا لم يتنافيا.
  10. المشترك لا عموم له عند الحنفية، ويُحمل على معانيه عند الشافعية بشروط؛ والقرء خلاف في الترجيح بالقرائن.
  11. المترادف يقوم مقام صاحبه إلا في المتعبد بلفظه، والتأسيس أولى من التأكيد.
  12. الواو لمطلق الجمع، والشافعية بنوا ترتيب الوضوء على السياق والفعل المبيِّن.
  13. الخلاف في مقدار مسح الرأس راجع إلى الإجمال والإطلاق والعموم أكثر من معنى الباء.
  14. المرفقان داخلان في الغسل عند الأربعة، و«من» في آية التيمم للتبعيض عند الشافعية والحنابلة، و«إنما» للحصر.

تمارين

  1. صنّف اللفظ في كل مثال: حقيقة لغوية، أو شرعية، أو عرفية، أو مجاز: (أ) «الصوم» في ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، (ب) «الدابة» في كلام حالف، (ج) «القرية» في ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾.
  2. ميّز الوضع والاستعمال والحمل في هذا المثال: رجل قال لزوجته «أنت حرة»، فاختلف الفقهاء هل يقع به الطلاق.
  3. اذكر علاقة المجاز في: (أ) ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، (ب) ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾.
  4. حلف رجل لا يأكل من هذه الشجرة، وهي شجرة لا ثمر لها. على قاعدة الحنفية في ترك الحقيقة، إلى أي شيء تنصرف يمينه؟
  5. قارن بين الحنفية والشافعية في حمل المشترك على معنييه، ووضح لماذا لا يصلح القرء مثالا على هذه القاعدة.
  6. رد هذا الفرع إلى أصله: الحنفية لا ينقضون الوضوء بلمس المرأة.
  7. بيّن أي الحروف يبنى عليه كل فرع: (أ) اشتراط الغبار في تراب التيمم، (ب) دخول المرفقين في الغسل، (ج) اشتراط النية في الوضوء.
  8. ادّعى طالب أن الشافعية أوجبوا ترتيب الوضوء لأن الواو عندهم للترتيب. صحّح العبارة.
  9. حلّ عبارة الجويني: «والحقيقة ما بقي في الاستعمال على موضوعه، وقيل: ما استعمل فيما اصطلح عليه من المخاطبة»، وبيّن لماذا قدّم المتأخرون التعريف الثاني.

أجوبة التمارين

  1. (أ) حقيقة شرعية، (ب) حقيقة عرفية عامة في ذوات الأربع، (ج) مجاز بالنقصان أو بعلاقة المحلية عند من يثبت المجاز، والمراد أهلها.
  2. الوضع: «حرة» لمن ليست أمة. الاستعمال: أطلقها الزوج على زوجته، مريدا معناها الأصلي أو الطلاق كناية. الحمل: يرجح الفقيه مراده بالنية والقرائن.
  3. (أ) الجزئية، أطلق الرقبة على المملوك كله. (ب) اعتبار ما يؤول إليه، أطلق الخمر على العنب.
  4. الحقيقة (أكل الشجرة نفسها) متعذرة حسا، ولا ثمر لها، فتنصرف إلى ثمنها عند الحنفية، لأنه ما يُتوصل به إلى الأكل منها.
  5. الحنفية يمنعون إرادة المعنيين ويتوقفون حتى تقوم القرينة، والشافعية يجيزونها إذا لم يتنافيا. والقرء اتفقوا على أن المراد به أحد المعنيين، فالخلاف فيه ترجيح بالقرائن.
  6. حملوا ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ على الجماع مجازا تبعا لابن عباس، ومنعوا الجمع بين الحقيقة والمجاز، فلم يبق للمس باليد دليل من الآية.
  7. (أ) «من» للتبعيض، (ب) «إلى» ودخول الغاية مع فعل النبي ﷺ، (ج) «إنما» للحصر مع تقدير «صحة الأعمال».
  8. الواو عند جمهور الشافعية لمطلق الجمع، وأوجبوا الترتيب بإدخال الممسوح بين المغسولات وبفعل النبي ﷺ المبيِّن، والنسبة المذكورة شائعة في كتب الحنفية.
  9. الأول يقيس الحقيقة إلى الوضع الأصلي فيقصرها على اللغوية، والثاني يقيسها إلى اصطلاح التخاطب فيدخل فيه الشرعي والعرفي، وقد ذكرهما الجويني نفسه بعده.

الأمر والنهي

موقع الفصل من المنظومة

أكثر الأحكام التكليفية تصل إلينا في صيغة أمر أو نهي، فهذا الفصل في المحطة الثالثة من خط الاستنباط: يأخذ النص الثابت ويسأل: ماذا تفيد هذه الصيغة من أقسام الحكم؟ الوجوب أم الندب أم الإباحة؟ التحريم أم الكراهة؟ على الفور أم على التراخي؟ مرة أم مرارا؟ وإذا خالف المكلف النهي، فهل يبقى فعله صحيحا؟ والجواب يحتاج إلى أقسام الحكم التكليفي من الحكم التكليفي، والصحة والفساد والبطلان من الحكم الوضعي، وقواعد الحمل على الحقيقة من مبادئ لغوية؛ فصيغة «افعل» حقيقة في معنى، مجاز في غيره، والقرينة تصرفها.

سؤال الافتتاح

نذر رجل أن يصوم يوم عيد الأضحى من سنته. والنبي ﷺ نهى عن صوم يوم الفطر ويوم النحر (رواه البخاري ومسلم). هل ينعقد نذره فيلزمه شيء؟ وإن صام ذلك اليوم مع النهي، هل يبرأ من نذره؟

١ حد الأمر

الأمر عند الجمهور: القول الطالب للفعل على جهة الاستعلاء. وعرّفه ابن السبكي في جمع الجوامع بأنه «اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير نحو كف». وفي التعريف قيود: «اقتضاء» أي طلب، فيخرج الخبر والإباحة؛ و«فعل غير كف» يُخرج النهي، لأنه طلب كف؛ و«مدلول عليه بغير نحو كف» يُدخل قول القائل «كفّ عن كذا» و«اترك كذا» في الأمر، لأن صيغته صيغة أمر وإن كان مدلوله كفا.

واختلفوا في اشتراط العلو أو الاستعلاء. فاشترط المعتزلة وأبو إسحاق الشيرازي العلو، وهو أن يكون الآمر أعلى رتبة في الواقع، وعليه تعريف الجويني في الورقات «ممن هو دونه». واشترط أبو الحسين البصري والرازي وابن الحاجب الاستعلاء، وهو أن يطلب الطالب على وجه الترفع وإن لم يكن أعلى. ولم يشترط الأشعري وكثير من أصحابه شيئا منهما. وفائدة القيد في الأصول تمييز الأمر عن الدعاء، وهو الطلب من الأدنى إلى الأعلى، وعن الالتماس، وهو الطلب من المساوي.

١ صيغ الأمر

الصيغة مثالها
فعل الأمر «افعل» ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]
المضارع المقرون بلام الأمر ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]
اسم فعل الأمر ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]
المصدر النائب عن فعله ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]
الخبر المراد به الطلب ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]
ألفاظ الإيجاب: أمر، كتب، فرض، على ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]

والخبر بمعنى الأمر آكد عند البلاغيين، لأن المتكلم يخبر عن المطلوب كأنه وقع وامتُثل.

٢ معاني صيغة افعل

ترد صيغة «افعل» لمعانٍ كثيرة عدّها بعضهم أكثر من عشرين، وأشهرها:

المعنى مثاله
الوجوب ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]
الندب ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]
الإرشاد ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]
الإباحة ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]
التهديد ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]
التعجيز ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]
التسخير والتكوين ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]
الإكرام ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]
الإهانة ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]
التسوية ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦]
الدعاء ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]

والفرق بين الندب والإرشاد أن المندوب مطلوب لثواب الآخرة، والإرشاد لمصلحة دنيوية، فلا ثواب فيه من حيث هو إرشاد.

١ دلالة الأمر المجرد

اتفقوا على أن صيغة الأمر إذا اقترنت بقرينة حُملت على ما دلت عليه القرينة، واختلفوا فيها إذا تجردت.

مسألة خلافية ماذا تفيد صيغة الأمر المجردة عن القرائن؟

  • الجمهور الوجوب، وهو قول أئمة المذاهب الأربعة وجمهور أصحابهم، والمعتمد في كتبهم، وصيغته حقيقة فيه مجاز فيما عداه.
  • التحقيق ونُقلت أقوال أخرى: الندب، وهو قول أبي هاشم وطائفة من المعتزلة ورواية عن بعض الفقهاء؛ والإباحة، لأنها المتيقن من الإذن؛ والقدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو الطلب؛ والوقف حتى يقوم الدليل، ونُسب إلى الأشعري والباقلاني في بعض النقول.
  • سبب الخلاف هل الصيغة موضوعة للطلب الجازم، أم لمطلق الطلب والجزم يأتي من خارجها؟ ومنشؤه تعدد الاستعمال، فمن رأى غلبة الوجوب في استعمال الشارع جعله الحقيقة.
  • الثمرة كل أمر في النصوص لم تقم قرينة على صرفه، كالأمر بالإشهاد على البيع: حمله الجمهور على الندب أو الإرشاد لقرينة قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ولترك النبي ﷺ الإشهاد في بعض بيوعه، وأوجبه جماعة من السلف أخذا بالأصل.

وأدلة الجمهور من القرآن والسنة واللغة: قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، والتحذير من المخالفة لا يكون إلا في واجب. وقوله لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فذمّه على ترك الأمر المجرد. وقوله ﷺ: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك» (رواه البخاري ومسلم)، والسواك مندوب، فدل على أن الأمر لو وقع لكان إيجابا فيه مشقة. وقالت بريرة للنبي ﷺ حين كلمها في الرجوع إلى زوجها: أتأمرني؟ قال: «إنما أنا أشفع»، قالت: لا حاجة لي فيه (رواه البخاري)، ففهمت أن الأمر يُلزم والشفاعة لا تُلزم. وأهل اللسان يذمون العبد إذا خالف أمر سيده المجرد، ولا يعذرونه باحتمال الندب.

من المتون الورقات لإمام الحرمين الجويني

والأمر استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب، وصيغته: افعل، وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه، إلا ما دل الدليل على أن المراد منه الندب أو الإباحة، ولا تقتضي التكرار على الصحيح، إلا ما دل الدليل على قصد التكرار، ولا تقتضي الفور.

الحل: «استدعاء الفعل» طلبه، فخرج النهي لأنه استدعاء الترك. «بالقول» أخرج الإشارة والكتابة والقرائن الحالية. «ممن هو دونه» قيد العلو، فخرج الدعاء والالتماس. «على سبيل الوجوب» أدخل الوجوب في حد الأمر نفسه، فالمندوب عند الجويني في هذا المتن ليس مأمورا به حقيقة، وهي مسألة خلافية، والأكثر على أن المندوب مأمور به. «تحمل عليه» أي على الوجوب، والضمير يعود إلى الوجوب لا إلى الأمر. وقوله «ولا تقتضي التكرار على الصحيح» إشارة إلى الخلاف، وصيغة «على الصحيح» تدل على أن مقابله قول معتبر في المذهب. وقوله «ولا تقتضي الفور» هو الصحيح عند الشافعية. (المكتبة الشاملة، الكتاب رقم ٦٢٩٧، باب الأمر.)

٢ الأمر بعد الحظر

إذا ورد الأمر بعد نهي سابق عن الشيء نفسه، كقوله تعالى بعد تحريم الصيد على المحرم: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] بعد النهي عن البيع وقت النداء، ففيه ثلاثة أقوال:

القول من قال به دليله
الإباحة أكثر الفقهاء من المذاهب، ونُسب إلى الشافعي غلبة الاستعمال، فأكثر ما ورد بعد الحظر للإباحة، والحظر قرينة على أن المقصود رفعه
الوجوب كالأمر المبتدأ جمع من الحنفية والمعتزلة، واختاره الرازي والبيضاوي الصيغة واحدة، وتقدم الحظر لا يغير وضعها
رجوع الحكم إلى ما كان قبل الحظر اختاره ابن تيمية وابن كثير والشنقيطي، ونسبه بعضهم إلى المحققين الأمر بعد الحظر يرفع الحظر، فيعود الفعل إلى حكمه السابق

والقول الثالث يجمع الأمثلة كلها: فالصيد كان مباحا قبل الإحرام، فعاد مباحا. والقتال كان واجبا قبل الأشهر الحرم، فلما قال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] عاد واجبا. وزيارة القبور كانت مشروعة، فلما قال ﷺ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (رواه مسلم) عادت مستحبة. والقائلون بالإباحة يحتاجون إلى قرينة لإيجاب القتال، والقائلون بالوجوب يحتاجون إلى قرينة لإباحة الصيد.

١ الأمر والزمن: الفور والتراخي

الأمر المؤقت بوقت محدد يتبع وقته، وبحثه في الواجب الموسع والمضيق في الحكم التكليفي. والمسألة هنا في الأمر المطلق عن الوقت، كالأمر بالحج والزكاة والكفارات والنذور المطلقة وقضاء الفوائت.

مسألة خلافية هل الأمر المطلق يقتضي الفور؟

  • الحنفية لا يقتضي الفور، ويجوز التراخي، وهو المعتمد عند السرخسي وصدر الشريعة وعامة المتأخرين، لأن الصيغة طلب للماهية، والزمن خارج عنها؛ وقال الكرخي من متقدميهم بالفور.
  • المالكية يقتضي الفور عند البغداديين منهم، وهو المنسوب إلى المذهب في كتب أصوله، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
  • الشافعية لا يقتضي الفور، ويجوز التأخير بشرط ألا يغلب على الظن الفوات، واشترط بعضهم العزم على الفعل.
  • الحنابلة يقتضي الفور على ظاهر المذهب، لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، ولأن التأخير تعريض للفوات.
  • سبب الخلاف صيغة الأمر تدل على طلب الفعل، فهل الزمن الأول داخل في مدلولها، أم يستفاد من قرائن كالمسارعة والاحتياط؟ والقائلون بالتراخي يجيبون بأن آيات المسارعة تدل على فضيلة المبادرة لا على وجوبها.
  • الثمرة (١) الحج: على الفور عند المالكية على المعتمد والحنابلة، وعند أبي يوسف وفي أصح الروايتين عن أبي حنيفة؛ وعلى التراخي عند الشافعية ومحمد بن الحسن. (٢) قضاء رمضان: اتفقوا على جواز تأخيره إلى شعبان، لقول عائشة: «كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان» (رواه البخاري ومسلم). فإن أخّره بلا عذر حتى دخل رمضان آخر، فعليه القضاء والفدية عند المالكية والشافعية والحنابلة، والقضاء وحده عند الحنفية، لأن قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أمر مطلق عن الوقت، فلا يكون مؤخره مفرطا. (٣) الزكاة بعد تمام الحول: على الفور عند الجمهور وفي المفتى به عند الحنفية، ونُقل عن بعض الحنفية التراخي.

تنبيه الفرع الذي يخالف أصل مذهبه

الحنفية الذين لا يرون الأمر المطلق للفور أوجبوا الحج على الفور عند أبي يوسف وفي الأصح عن أبي حنيفة، والزكاة على الفور في المفتى به. فالفرعان غير مخرجين على القاعدة، والمأخذ فيهما دليل خارج عن الصيغة: الحج يقع في وقت من السنة لا يتكرر، والعمر لا يؤمن، فالتأخير فيه تعريض للفوات؛ والزكاة حق للفقير الحاضر حاجته. فمن خرّج كل فرع على قاعدة مذهبه دون نظر في المأخذ الخاص أخطأ النسبة، وهو ما ينبه عليه سؤال الثمرة في الأداة السادسة: هل الفرع مبني على القاعدة، أم على دليل يخصه؟

٢ التكرار

مسألة خلافية هل الأمر المطلق يقتضي التكرار؟

  • الحنفية لا يقتضي التكرار ولا يحتمله، لأن المصدر الذي تضمنه الفعل اسم جنس فرد، لا يحتمل العدد، وإنما يحتمل كل الجنس لأنه فرد حكمي.
  • المالكية لا يقتضي التكرار عند الأكثر، ويحتمله.
  • الشافعية لا يقتضي التكرار على المختار، ويحتمله إذا نُوي، والمتيقن مرة واحدة.
  • سبب الخلاف هل المصدر المضمَّن في الفعل اسم جنس يصدق على القليل والكثير فيحتمل العدد، أم فرد لا يتعدد إلا بلفظ؟ واتفقوا على أن الحج لا يتكرر، لقوله ﷺ حين سئل «أكل عام؟»: «لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم» (رواه مسلم)، فدل السؤال على احتمال التكرار، ودل الجواب على أن الصيغة وحدها لا توجبه.
  • الثمرة من قال لزوجته «طلقي نفسك» ينوي الثلاث: تصح نيته عند الحنفية، لأن الثلاث كل جنس الطلاق في حقها، ولا تصح نية الثنتين لأنها عدد محض؛ ويقع ما نواه عند المالكية والشافعية.

٢ الأمر المعلق بشرط أو صفة

إذا عُلّق الأمر بشرط أو صفة، فإن كان الشرط أو الصفة علة للحكم تكرر الحكم بتكررها، لأن الحكم يتكرر بتكرر علته، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. وإن لم يثبت كونه علة، فالجمهور على أنه لا يقتضي التكرار من جهة اللفظ. والحنفية يقولون: لا يتكرر من جهة الصيغة، ويتكرر من جهة السبب، لأن العبادات عندهم تتكرر بتكرر أسبابها، كالصلاة بتكرر الوقت. وفي كلام الناس يُرجع إلى أداة التعليق: «إن» و«إذا» لا تقتضيان التكرار، فمن قال لزوجته إن دخلت الدار فأنت طالق طلقت بالدخول الأول وانحلت اليمين، و«كلما» تقتضيه.

٢ القضاء بالأمر الأول أو بأمر جديد

إذا فات الواجب المؤقت عن وقته، فهل يجب قضاؤه بالأمر الأول نفسه، أم يحتاج إلى أمر جديد؟ قال عامة الحنفية، ومنهم السرخسي والبزدوي: يجب بالسبب الذي وجب به الأداء، لأن الوقت ظرف للأداء، والمقصود مصلحة الفعل وهي باقية. وقال أكثر الشافعية والمالكية: يجب بأمر جديد، لأن الأمر المقيد بوقت لا يتناول ما بعده. وللحنابلة قولان. والثمرة قليلة في العبادات المنصوصة، لأن الجمهور وجدوا أوامر خاصة بالقضاء، كقوله ﷺ: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» (رواه البخاري ومسلم)؛ ويظهر أثرها في المنذورات المؤقتة. وتفصيل الأداء والقضاء في الحكم الوضعي.

٢ الأمر بالشيء نهي عن ضده

إذا أُمر المكلف بالقيام، فهل هو منهي عن القعود؟ اتفقوا على أن فعل المأمور به لا يتم إلا بترك ضده، واختلفوا في دلالة الأمر على النهي عن الضد. فقال الأشعري والباقلاني في قوله الأول: الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده، بناء على أن الكلام النفسي واحد. وقال أكثر الأصوليين: يتضمنه ويستلزمه، وهو ما قرره الجويني في الورقات بقوله: «والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده». وقال إمام الحرمين في البرهان والغزالي والمعتزلة: لا يدل عليه بلفظه، والضد مسكوت عنه. ونقل السرخسي عن الجصاص أنه يوجب النهي عن ضده، ثم قال: «والمختار عندنا أنه يقتضي كراهة ضده»، فجعل الضد مكروها لا محرما، لأن النهي عنه ثابت بطريق الاقتضاء لا بالصيغة، والثابت بالاقتضاء أضعف.

وثمرته في التخريج أن ترك المأمور به يتعلق به إثمان عند من جعله نهيا عن الضد: إثم ترك الواجب، وإثم فعل المحرم. ومثّل له الشافعية بمن قال لزوجته: إن خالفت نهيي فأنت طالق، ثم قال لها: قومي، فقعدت. فمن جعل الأمر نهيا عن الضد أوقع الطلاق، والأصح عندهم عدم الوقوع، لأنها خالفت أمره لا نهيه، والأيمان تُبنى على العرف.

٢ الأمر بالأمر بالشيء

إذا أمر الشارع زيدا أن يأمر عمرا بفعل، فهل هو أمر لعمرو بذلك الفعل؟ قال الأكثر: ليس أمرا له من جهة الصيغة، وإنما هو أمر للمأمور الأول بأن يبلّغ. ومثاله قوله ﷺ: «مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها» (رواه أبو داود، ورواه الترمذي بنحوه وقال: حسن صحيح). فالصبي غير مكلف، والأمر للأولياء، وصلاته تصح نفلا ويثاب عليها. وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢]. وإذا قامت قرينة على أن المأمور الأول مبلّغ عن الشارع، كان الأمر للثاني، كما في أوامر الرسل.

ومن فروعها قوله ﷺ لعمر حين طلق ابنه امرأته وهي حائض: «مره فليراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر» (رواه البخاري ومسلم). فأوجب المالكية المراجعة وأجبروا عليها على المشهور، وصحح متأخرو الحنفية وجوبها؛ واستحبها الشافعية والحنابلة. ومن قال بالاستحباب احتج بأن الأمر لعمر أمر بالأمر، وأجيب بأن قوله «فليراجعها» أمر مباشر لابن عمر بلام الأمر، فلا تكفي القاعدة وحدها لحسم الفرع.

٢ الإجزاء

الإتيان بالمأمور به على الوجه المطلوب يقتضي الإجزاء، أي سقوط الطلب وبراءة الذمة، وهذا قول الجمهور، وهو معنى قول الجويني: «وإذا فعل يخرج المأمور عن العهدة». وخالف أبو هاشم وعبد الجبار من المعتزلة، فقالوا: الامتثال يحصل بالفعل، أما سقوط القضاء فيحتاج إلى دليل آخر، واحتجوا بمن صلى ظانا الطهارة ثم تبين حدثه، فقد أطاع الأمر ولزمه القضاء. وأجاب الجمهور بأن المأمور به في حقه الصلاة بطهارة متيقنة أو مظنونة ما لم يتبين خلافها، فلما تبين الخطأ ظهر أنه لم يأت بالمأمور به على وجهه. والمسألة متصلة بتعريف الصحة عند المتكلمين (موافقة الأمر) وعند الفقهاء (سقوط القضاء) في الحكم الوضعي. وأما «ما لا يتم الواجب إلا به» الذي ذكره الجويني في هذا الموضع، فموضعه الحكم التكليفي.

١ النهي

النهي: اقتضاء كف عن فعل مدلول عليه بغير لفظ كف ونحوه، أو كما في الورقات: «استدعاء الترك بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب». وصيغته «لا تفعل»، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ويقوم مقامها لفظ التحريم والنهي ونفي الحل، كقوله: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].

والنهي المجرد للتحريم عند الجمهور، ويُصرف إلى الكراهة بقرينة. ويُفرّق الحنفية بحسب ثبوت الدليل: فالنهي الثابت بدليل قطعي يفيد التحريم، والثابت بدليل ظني يفيد الكراهة التحريمية، وهي عندهم مرتبة دون الحرام، يأثم فاعلها ولا يكفر مستحلها. وهذا تطبيق مباشر لشبكة الثبوت والدلالة (الأداة الثانية): القوة في الحكم بقدر القوة في الدليل.

والنهي يقتضي الفور والدوام عند الجمهور، بخلاف الأمر، لأن الامتثال لا يتحقق إلا بالترك في كل الأزمنة، فمن ترك الزنا يوما ثم فعله لم يكن ممتثلا. ويتكرر الترك بتكرر الأزمنة، ولا يتصور فيه تراخ.

١ النهي والفساد

هذه أوسع مسائل الفصل أثرا في الفقه: إذا فعل المكلف ما نُهي عنه من عبادة أو عقد، فهل يقع فعله صحيحا تترتب عليه آثاره، مع الإثم، أم يقع فاسدا؟ والمسألة تتوقف على تحديد متعلق النهي، فالأصوليون قسموا المنهي عنه بحسب محل القبح فيه:

متعلق النهي معناه أمثلته
ذات المنهي عنه أو ركنه القبح في حقيقة الفعل بيع الميتة والحر، والصلاة بغير طهارة، والزنا
وصف لازم له القبح في صفة لا تنفك عن الفعل صوم يوم العيد (وصفه الإعراض عن ضيافة الله)، وبيع الربا (وصفه الزيادة المشروطة)
أمر مجاور غير لازم القبح في شيء ينفك عن الفعل البيع وقت نداء الجمعة (تفويت السعي)، والصلاة في الأرض المغصوبة (شغل ملك الغير)

مسألة خلافية هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه؟

  • الحنفية يفرّقون بين الأفعال الحسية والتصرفات الشرعية. فالنهي عن الأفعال الحسية، كالزنا وشرب الخمر، يقتضي قبحها لعينها. والنهي عن التصرفات الشرعية، كالصوم والبيع والنكاح، إن رجع إلى ذاتها أو ركنها اقتضى البطلان، كبيع الميتة؛ وإن رجع إلى وصف لازم اقتضى فساد الوصف مع بقاء الأصل مشروعا، فيكون الفعل فاسدا لا باطلا، كبيع الربا وصوم يوم النحر؛ وإن رجع إلى أمر مجاور لم يقتض فسادا، والفعل صحيح مكروه.
  • المالكية يقتضي الفساد في الجملة، والمشهور صحة ما رجع النهي فيه إلى أمر خارج، مع فسخ بعض العقود ما لم تفت، فإذا فاتت أُمضيت بالقيمة أو الثمن على تفصيل في الفروع.
  • الشافعية يقتضي الفساد إذا رجع إلى ذات المنهي عنه أو جزئه أو وصفه اللازم، والفاسد والباطل عندهم مترادفان؛ ولا يقتضيه إذا رجع إلى أمر خارج غير لازم.
  • الحنابلة يقتضي الفساد مطلقا على ظاهر المذهب، ولو كان النهي لأمر خارج في كثير من الصور.
  • سبب الخلاف هل يمكن انفكاك الجهة في الفعل الواحد، فيكون مأمورا به من جهة منهيا عنه من جهة أخرى؟ وهل النهي عن التصرف الشرعي يستلزم تصوره شرعا، لأن النهي عن المستحيل عبث؟
  • الثمرة صوم يوم العيد ونذره، والبيع وقت النداء، والصلاة في الأرض المغصوبة، وبيع الربا؛ وتفصيلها في الجدول بعد.

ووراء التقسيم المذهبي قول ثالث اختاره أبو الحسين البصري والغزالي والرازي: النهي يقتضي الفساد في العبادات دون المعاملات، لأن العبادة قربة، والمنهي عنه لا يكون قربة؛ والعقد سبب لآثار يرتبها الشارع، وقد يرتبها مع النهي، كما رتب وقوع الطلاق في الحيض مع النهي عنه.

٢ مذهب الحنفية: النهي عن الفعل الشرعي يقتضي مشروعية أصله

حجة الحنفية أن النهي طلب ترك فعل يقدر المكلف عليه، فإذا نهى الشارع عن صوم يوم النحر فقد دل على أن صوم ذلك اليوم متصور شرعا، ولو كان الصوم الشرعي فيه مستحيلا لكان النهي عنه كالنهي عن الطيران، وهو عبث يتنزه عنه الشارع. فالنهي يدل على قبح في الفعل، ويدل بمقتضاه على بقاء مشروعيته، والقبح يُحمل على الوصف حتى لا يبطل المقتضى مقتضيه. وبهذا علّل السرخسي قولهم، فقرر أن ثبوت المقتضى يكون لتصحيح المقتضي لا لإبطاله، ثم قال: «وعلى هذا قلنا البيع الفاسد يكون مشروعا بأصله موجبا لحكمه وهو الملك إذا تأيد بالقبض».

ومن هنا قام عند الحنفية قسم الفاسد المستقل عن الباطل: الباطل ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، والفاسد ما شُرع بأصله دون وصفه. والجمهور يردون ذلك بأن النهي يدل على أن الشارع لم يرد هذا الفعل، والصحة ترتيب أثر شرعي على الفعل، ولا يرتب الشارع أثرا على ما لا يريده؛ وأن النهي عن صوم العيد نهي عن الصوم اللغوي، أي الإمساك، فلا يستلزم تصوره شرعا.

تطبيق صوم يوم العيد ونذره

النص: نهيه ﷺ عن صوم يوم الفطر ويوم النحر (رواه البخاري ومسلم).

المحطة الأولى، نوع الحكم: تكليفي في الصوم نفسه (تحريم)، ووضعي في أثره (صحة النذر، وبراءة الذمة إن صام).

المحطة الثالثة، الدلالة: النهي للتحريم عند الجميع، والسؤال في متعلقه. الحنفية: متعلقه وصف لازم لهذا اليوم، هو أنه يوم ضيافة الله لعباده، فالإمساك فيه إعراض عن الضيافة؛ وأصل الصوم، وهو الإمساك بنية التقرب، مشروع في كل يوم. الجمهور: الصوم في يوم العيد منهي عنه لذاته في هذا الزمن، فلا يصح ولا يكون قربة.

المحطة الرابعة، فحص المعارض: يعارض الحنفيةَ قولُه ﷺ: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» (رواه البخاري)، وصوم العيد معصية عند الجمهور فلا يُوفى بنذره. ويجيب الحنفية بأن المعصية في الوصف، والنذر تعلق بالأصل، وهو طاعة.

الحكم: ينعقد النذر عند الحنفية، ويجب عليه أن يفطر يوم العيد ويقضي يوما مكانه؛ فإن صامه أثم وبرئ من نذره، لأنه أداه كما التزمه ناقصا. ولا ينعقد النذر عند المالكية والشافعية، ولا يصح الصوم إن وقع. وعند الحنابلة لا يصومه، وفي المذهب روايات في لزوم القضاء والكفارة. وهذا جواب سؤال الافتتاح.

١ الثمرات في جدول

الفرع الحنفية المالكية الشافعية الحنابلة متعلق النهي
صوم يوم العيد ونذره النذر منعقد، يفطر ويقضي، ويبرأ إن صام مع الإثم لا ينعقد لا ينعقد، والصوم باطل لا يصومه، وفي القضاء والكفارة روايات وصف لازم عند الحنفية، ذات الصوم في الزمن عند الجمهور
البيع وقت نداء الجمعة صحيح مكروه تحريما يفسخ على المشهور ما لم يفت صحيح مع التحريم باطل أمر مجاور: ترك السعي
الصلاة في الأرض المغصوبة صحيحة مع الإثم صحيحة مع الإثم صحيحة مع الإثم باطلة في المشهور أمر مجاور: الغصب
بيع الربا فاسد، يفيد الملك بالقبض ويجب فسخه فاسد يفسخ باطل باطل وصف لازم: الزيادة

والمذاهب متدرجة في أثر النهي لأمر مجاور: الحنفية والشافعية يصححون العقد والصلاة، والمالكية يفسخون العقد ويصححون الصلاة، والحنابلة يبطلونهما. واستدل الحنابلة في الصلاة المغصوبة بأن الحركات والسكنات فيها شغل لملك الغير، فهي عين المنهي عنه، فلا يكون المحرم قربة؛ وقال الجمهور: الصلاة من حيث هي صلاة مأمور بها، والغصب من حيث هو غصب منهي عنه، والجهتان منفكتان.

أداة تفكير سؤال سبب الخلاف

مسألة النهي والفساد نموذج للأداة الخامسة: الخلاف في الفروع الأربعة يرجع إلى سؤالين. الأول لغوي منطقي: هل يمكن أن يكون الفعل الواحد بالشخص مأمورا به من جهة منهيا عنه من جهة (انفكاك الجهة)؟ قبله الجمهور، ورده الحنابلة في الصلاة المغصوبة. والثاني شرعي: هل يدل النهي عن التصرف الشرعي على تصوره شرعا؟ قبله الحنفية فأثبتوا مرتبة الفاسد، ورده الجمهور. فإذا عرف الطالب جواب المذهب عن السؤالين أمكنه أن يتوقع حكمه في فرع لم يقرأه. وحد الأداة أن بعض الفروع لها أدلة خاصة، كالبيع وقت النداء الذي اختلفت فيه الروايات داخل المذاهب، فالتوقع يحتاج إلى مراجعة كتب الفروع.

تنبيه الفاسد عند الحنفية والفاسد عند الجمهور

يرد لفظ «الفاسد» في كتب المذاهب كلها، ومعناه مختلف. فهو عند الشافعية والحنابلة مرادف للباطل، إلا في أبواب قليلة كالحج والكتابة والخلع. وهو عند الحنفية مرتبة مستقلة: عقد مشروع بأصله ممنوع بوصفه، يفيد الملك بالقبض في البيع، ويجب فسخه رفعا للمعصية. فمن قرأ «البيع الفاسد يفيد الملك» في كتاب حنفي ونسبه إلى الجمهور، أو قرأ «الفاسد لا يفيد الملك» في كتاب شافعي فظنه ردا على الحنفية في الاصطلاح نفسه، خلط بين اصطلاحين.

صلة الفصل بغيره

  • أقسام الحكم التي تؤول إليها صيغ الأمر والنهي، والكراهة التحريمية، وما لا يتم الواجب إلا به، والواجب الموسع: الحكم التكليفي.
  • الصحة والفساد والبطلان، والأداء والقضاء، وهي الثمرة الوضعية لمسألة النهي: الحكم الوضعي.
  • صرف صيغة الأمر عن الوجوب بالقرينة تطبيق لقاعدة الحقيقة والمجاز في مبادئ لغوية.
  • الأمر والنهي من الخاص عند الحنفية، وعمومهما في المكلفين وخطاب النبي ﷺ للأمة: العام والخاص.
  • دلالة النهي عن الشيء على صحة غيره، ومفهوم المخالفة في الأوامر: طرق الدلالة بين المنهجين.
  • تعارض الأمر والنهي في فعل واحد، وتقديم الحاظر على المبيح: التعارض والترجيح.

خلاصة الفصل

  1. الأمر القول الطالب للفعل على جهة الاستعلاء، والنهي القول الطالب للكف، والعلو أو الاستعلاء يميزهما عن الدعاء والالتماس.
  2. صيغ الأمر: افعل، والمضارع باللام، واسم الفعل، والمصدر النائب، والخبر بمعنى الطلب، وألفاظ أمر وكتب وفرض وعلى.
  3. ترد صيغة افعل لمعانٍ كثيرة، والأمر المجرد للوجوب عند المذاهب الأربعة، وما عداه بقرينة.
  4. الأمر بعد الحظر للإباحة عند الأكثر، وللوجوب عند جمع، والقول الجامع للأمثلة أنه يرد الحكم إلى ما كان قبل الحظر.
  5. الأمر المطلق للتراخي عند الحنفية والشافعية، وللفور عند المالكية والحنابلة.
  6. الحج على الفور عند المالكية على المعتمد والحنابلة وأبي يوسف وفي الأصح عن أبي حنيفة، وعلى التراخي عند الشافعية ومحمد بن الحسن؛ والزكاة على الفور عند الجمهور وفي المفتى به عند الحنفية، فالفرعان عند الحنفية مبنيان على دليل خاص.
  7. من أخّر قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر بلا عذر قضى وفدى عند الجمهور، وقضى وحده عند الحنفية.
  8. الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، ويتكرر إذا عُلق بعلة، ويتكرر عند الحنفية بتكرر السبب.
  9. القضاء بالسبب الأول عند الحنفية، وبأمر جديد عند أكثر الجمهور، والثمرة قليلة.
  10. الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده عند الأكثر، وكراهة ضده في المختار عند الحنفية، ولا يدل عليه عند الغزالي.
  11. الأمر بالأمر ليس أمرا للثالث من جهة الصيغة، والإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء.
  12. النهي للتحريم والدوام، ويفيد الكراهة التحريمية عند الحنفية إذا ثبت بدليل ظني.
  13. النهي لذات الشيء يقتضي البطلان، ولوصف لازم يقتضي الفساد عند الحنفية والبطلان عند الجمهور، ولأمر مجاور لا يقتضي الفساد إلا عند الحنابلة وفي بعض فروع المالكية.
  14. النهي عن التصرف الشرعي يقتضي عند الحنفية مشروعية أصله، ومنه انعقاد نذر صوم العيد.

تمارين

  1. صنّف معنى الصيغة: (أ) ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾، (ب) ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، (ج) ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.
  2. استدل بحديث بريرة على أن الأمر المجرد للوجوب، وبيّن وجه الدلالة.
  3. على القول بأن الأمر بعد الحظر يرد الحكم إلى ما كان قبله، ما حكم الانتشار في الأرض بعد صلاة الجمعة؟
  4. قارن بين الحنفية والحنابلة في من أخّر الحج سنة بعد الاستطاعة بلا عذر، وبيّن هل الفرع عند الحنفية مخرج على قاعدتهم في الأمر.
  5. رد هذا الفرع إلى أصله: الحنفية لا يوجبون الفدية على من أخّر قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر.
  6. صنّف متعلق النهي في كل مما يأتي (ذات، وصف لازم، مجاور): (أ) بيع الملاقيح، (ب) الوضوء بماء مغصوب، (ج) نكاح المتعة.
  7. باع رجل درهما بدرهمين، وقبض المشتري الدرهمين. ما حكم العقد عند الحنفية والشافعية، وهل يملك القابض؟
  8. حلّ عبارة الجويني: «وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه، إلا ما دل الدليل على أن المراد منه الندب أو الإباحة».
  9. لماذا لا يكفي قولنا «الأمر بالأمر ليس أمرا» لحسم الخلاف في وجوب مراجعة من طلق في الحيض؟

أجوبة التمارين

  1. (أ) التعجيز، (ب) الإرشاد عند الجمهور، (ج) الندب عند الجمهور.
  2. قالت: أتأمرني؟ فقال: «إنما أنا أشفع»، ففرقت بين الأمر والشفاعة، وفهمت أن الأمر لا يسعها تركه، فلما علمت أنه شفاعة ردتها، وأقرها النبي ﷺ على هذا الفهم.
  3. كان الانتشار للتجارة مباحا قبل النداء، فيعود مباحا، وهو قول الجمهور أيضا من جهة الإباحة.
  4. الحنابلة: يأثم لأن الأمر عندهم للفور. وعند أبي يوسف وفي الأصح عن أبي حنيفة يأثم أيضا، مع أن الأمر المطلق عندهم للتراخي، فالفرع مبني على الاحتياط لأن العمر لا يؤمن ووقت الحج لا يتكرر في السنة.
  5. الأمر بالقضاء ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ مطلق عن الوقت، والأمر المطلق عندهم للتراخي، فلا يكون المؤخر مفرطا تلزمه فدية.
  6. (أ) ذات المعقود عليه، لأنه معدوم مجهول، (ب) أمر مجاور، فالوضوء صحيح مع الإثم عند الجمهور، (ج) ذات العقد عند الجمهور، لأن التأقيت ينافي حقيقة النكاح.
  7. عند الحنفية: فاسد، لأن النهي لوصف الزيادة، فيملك القابض بالقبض ملكا خبيثا ويجب فسخه. عند الشافعية: باطل لا يفيد ملكا، ويجب رد ما قبض.
  8. «هي» صيغة افعل، و«تحمل عليه» أي على الوجوب، فهو الأصل فيها، و«إلا ما دل الدليل» استثناء يجعل الندب والإباحة محتاجين إلى قرينة، فالوجوب لا يحتاج إلى دليل غير الصيغة.
  9. لأن في الحديث أمرين: «مره» أمر لعمر بأن يأمر، و«فليراجعها» أمر لابن عمر بلام الأمر في صيغة منقولة عن النبي ﷺ، فالثاني أمر مباشر، والخلاف في وجوب المراجعة له مآخذ أخرى.

العام والخاص

موقع الفصل من المنظومة

يقع هذا الفصل في محطتين من خط الاستنباط: الثالثة، لأن صيغ العموم والخصوص من أنواع الدلالة؛ والرابعة، لأن التخصيص أكثر صور دفع التعارض وقوعا، فقلّ أن يجد المجتهد نصا عاما إلا ومعه نص يخرج بعض أفراده. ومدار الفصل على سؤال واحد: ما قوة العام في أفراده قبل أن يرد المخصص؟ والجواب عنه هو الذي فرّق الحنفية عن الجمهور في مسائل كثيرة من العبادات والأطعمة والزكاة والجنايات. ويحتاج الفصل إلى شبكة الثبوت والدلالة من حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه، وإلى خبر الواحد والمشهور من الكتاب والسنة، والفرق بين التخصيص والنسخ من النسخ.

سؤال الافتتاح

ذبح مسلم شاة وترك التسمية عمدا. وفي القرآن: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]. وفي البخاري عن عائشة أن قوما قالوا: يا رسول الله، إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا، فقال: «سموا عليه أنتم وكلوه». هل تحل الذبيحة؟ ولماذا يصل الحنفي والشافعي إلى جوابين مختلفين من النصين أنفسهما؟

١ حد العام والخاص

العام عند المتكلمين: لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر. فـ«لفظ» يخرج العموم المعنوي كعموم العلة، و«يستغرق» يخرج المطلق، لأنه يدل على فرد شائع على سبيل البدل لا على الشمول، و«الصالح له» يقصر الاستغراق على ما يصح أن يدخل تحت اللفظ، فـ«من» تستغرق العقلاء دون غيرهم، و«من غير حصر» يخرج أسماء الأعداد، فالعشرة تستغرق آحادها لكنها محصورة. وعرّفه الحنفية بأنه ما ينتظم جمعا من المسميات لفظا أو معنى، ولم يشترط بعضهم الاستغراق، فالجمع المنكر عندهم من العام.

والخاص: كل لفظ وُضع لمعنى معلوم على الانفراد، سواء كان المعنى جنسا كإنسان، أو نوعا كرجل، أو عينا كزيد، أو عددا كثلاثة. والتخصيص: قصر العام على بعض أفراده بدليل. والمخصِّص: الدليل الذي حصل به القصر.

من المتون الورقات لإمام الحرمين الجويني

وأما العام فهو ما عم شيئين فصاعدا، من قوله: عممت زيدا وعمرا بالعطاء، وعممت جميع الناس بالعطاء. وألفاظه أربعة: الاسم الواحد المعرف بالألف واللام، واسم الجمع المعرف باللام، والأسماء المبهمة كـ«من» فيمن يعقل، و«ما» فيما لا يعقل، و«أي» في الجميع، و«أين» في المكان، و«متى» في الزمان، و«ما» في الاستفهام والجزاء وغيره، و«لا» في النكرات. والعموم من صفات النطق، ولا تجوز دعوى العموم في غيره من الفعل وما يجري مجراه.

الحل: «ما عم شيئين فصاعدا» تعريف واسع يدخل فيه المثنى وأسماء العدد، ولذلك زاد المتأخرون قيدي الاستغراق وعدم الحصر. والمثالان من اللغة: الأول عطاء شمل اثنين، والثاني عطاء شمل الجميع. «الاسم الواحد المعرف بالألف واللام» المفرد المحلى بأل الجنسية، كـ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾. «الأسماء المبهمة» الموصولات وأسماء الشرط والاستفهام. «ولا في النكرات» أي النكرة بعد «لا» النافية. وقوله «العموم من صفات النطق» يقرر أن العموم وصف للألفاظ، فالفعل المحكي عن النبي ﷺ كقول الراوي «صلى داخل الكعبة» واقعة واحدة لا تعم الفرض والنفل. (المكتبة الشاملة، الكتاب رقم ٦٢٩٧، باب العام والخاص.)

١ صيغ العموم

الصيغة مثالها ملاحظة
كل وجميع ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] أقوى الصيغ، وكل مع النكرة لعموم الأفراد
الجمع المعرف بأل الاستغراقية أو بالإضافة ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] أل العهدية لا تفيد العموم
المفرد المعرف بأل الاستغراقية أو المضاف ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] دل على الاستغراق صحة الاستثناء منه بعده: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٣]
النكرة في سياق النفي أو النهي «لا وصية لوارث» (رواه أبو داود والترمذي وحسنه) نصّ في العموم إذا بُنيت مع «لا» أو سبقتها «من»
النكرة في سياق الشرط ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: ٦]
الموصولات ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]
أسماء الشرط ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧] من للعاقل، وما لغيره، وأين وحيثما للمكان، ومتى للزمان
أسماء الاستفهام «من جاءك؟»

ومن مسائل الصيغ عند المتوسطين: أن الجمع المنكر في الإثبات لا يعم عند الجمهور، كقولك «رأيت رجالا»، ويُحمل على أقل الجمع، ويعم عند جماعة من الحنفية بمعنى انتظامه جمعا. وأن أقل الجمع ثلاثة عند الأكثر، واثنان عند جماعة منهم القاضي الباقلاني، ونُقل عن مالك؛ وحجبُ الأم من الثلث إلى السدس بالأخوين في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] متفق عليه بين المذاهب الأربعة، ومأخذه عند أكثرهم قضاء الصحابة لا الصيغة، وخالف فيه ابن عباس فلم يحجبها إلا بثلاثة. وأن النكرة في سياق الإثبات لا تعم إلا في معرض الامتنان عند بعضهم، كقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]. وأن المفرد المعرف بأل قد يتردد بين الجنس والعهد، فيتعين بالقرينة، كاختلاف الشافعية في قوله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] هل هو عام خُص بالنهي عن البيوع الفاسدة، أم مجمل بينته السنة، والأول هو الأصح عندهم.

١ دلالة العام: قطعية أم ظنية

اتفقوا على أن العام إذا ورد ولم يُعرف له مخصص وجب العمل به في جميع أفراده، وعلى أنه يحتمل التخصيص. واختلفوا في درجة دلالته على كل فرد قبل التخصيص.

مسألة خلافية هل دلالة العام على أفراده قطعية أم ظنية؟

  • الحنفية قطعية قبل التخصيص، عند العراقيين والدبوسي والبزدوي والسرخسي وعامة المتأخرين، كدلالة الخاص على معناه؛ وظنية عند مشايخ سمرقند كأبي منصور الماتريدي. فإذا خُص بدليل صار ظنيا فيما بقي.
  • المالكية ظنية عند جمهورهم.
  • الشافعية ظنية، لأن احتمال التخصيص قائم في كل عام، حتى قيل: ما من عام إلا وقد خُص.
  • الحنابلة ظنية.
  • سبب الخلاف هل الاحتمال الذي لا دليل عليه يقدح في القطع؟ الحنفية: لا، فالقطع عندهم نفي الاحتمال الناشئ عن دليل، كما أن الخاص يحتمل المجاز ولا يقدح ذلك في قطعيته. والجمهور: كثرة التخصيص في الشرع تجعل الاحتمال ناشئا عن دليل في كل عام، وهو الاستقراء.
  • الثمرة تظهر الثمرة في المسألة التالية مباشرة: هل يقوى الدليل الظني على تخصيص العام القطعي؟ ومن فروعها متروك التسمية عمدا، وتعين الفاتحة، والزكاة في الخضروات.

من المتون أصول السرخسي، فصل في بيان حكم العام

وقال الشافعي: هو مجرى على عمومه موجب للحكم فيما تناوله، مع ضرب شبهة فيه لاحتمال أن يكون المراد به الخصوص، فلا يوجب الحكم قطعا ... والمذهب عندنا أن العام موجب للحكم فيما يتناوله قطعا بمنزلة الخاص موجب للحكم فيما تناوله، يستوي في ذلك الأمر والنهي والخبر.

الحل: «مجرى على عمومه» أي يُعمل به في جميع أفراده، فالفريقان متفقان على العمل. «مع ضرب شبهة» موضع الخلاف: الشافعي يجعل في دلالته شبهة الخصوص، فلا يبلغ القطع. «بمنزلة الخاص» قياس العام على الخاص في القوة: كلاهما وُضع لمعنى، والعام وُضع للاستغراق، فدلالته عليه كدلالة الخاص على فرده. «يستوي في ذلك الأمر والنهي والخبر» أي القطعية صفة لصيغة العموم في أي نوع من الكلام وردت. ثم قال السرخسي بعد ذلك إن أكثر مشايخهم بنوا على هذا أن «العام الذي لم يثبت خصوصه بدليل لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس»، ومثّل له بالفاتحة والتسمية. (أصول السرخسي، ت الأفغاني، المكتبة الشاملة رقم ٦٣٠١، الجزء الأول.)

أداة تفكير الأصل والاستثناء، وشبكة الثبوت والدلالة

العام صورة نموذجية للقاعدة القابلة للنقض (الأداة الرابعة): الحكم يشمل كل الأفراد حتى يقوم ما يخرج بعضها. ويتفق المذهبان على هذا البناء، ويختلفان في قوة القاعدة قبل النقض، وهنا تدخل الأداة الثانية. فالعام عند الحنفية قطعي الدلالة، فإذا كان في القرآن فهو قطعي الثبوت والدلالة معا، ولا ينقضه إلا ما يساويه: نص قطعي، أو حديث مشهور يلحق بالقطعي عندهم. وعند الجمهور العام القرآني قطعي الثبوت ظني الدلالة، وخبر الواحد ظني الثبوت قطعي الدلالة في الفرد الذي يخرجه، فيتعادلان من جهتين، ويُقدَّم الخاص لأنه أقوى في محل النزاع. وحد التشبيه أن «قابلية النقض» عند الحنفية مشروطة بمساواة الناقض، وعند الجمهور مفتوحة لكل دليل صالح، فالأداة تصف بنية الاستدلال ولا تحسم الخلاف.

١ تخصيص عام الكتاب بخبر الواحد والقياس

مسألة خلافية هل يُخص عام القرآن والسنة المتواترة بخبر الواحد وبالقياس؟

  • الحنفية لا يُخص بهما ابتداء، لأن العام قطعي والظني لا يقوى عليه؛ فإن خُص أولا بدليل قطعي صار ظنيا فيما بقي، فجاز تخصيصه بعد ذلك بخبر الواحد وبالقياس. ويُخص عندهم بالحديث المشهور، لأنه يفيد الطمأنينة.
  • المالكية يجوز بخبر الواحد على المعتمد، وبالقياس على المشهور، وفي المذهب أقوال في القياس.
  • الشافعية يجوز بخبر الواحد وبالقياس.
  • الحنابلة يجوز بخبر الواحد، وبالقياس على الصحيح.
  • سبب الخلاف فرع عن قطعية العام وظنيته. والجمهور يرون التخصيص بيانا للمراد لا معارضة، والبيان يصح بما دون المبيَّن في الثبوت، وقد خص الصحابة عموم القرآن بأخبار الآحاد، كتخصيص آيات المواريث بقوله ﷺ: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» (رواه البخاري ومسلم).
  • الثمرة (١) متروك التسمية عمدا. (٢) الفاتحة: عموم ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] قطعي عند الحنفية، فلم يخصوه بحديث «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (رواه البخاري ومسلم)، فالفرض عندهم مطلق القراءة، وقراءة الفاتحة واجب يأثم تاركه وتجبره سجدة السهو، والصلاة صحيحة. والجمهور جعلوا الحديث بيانا لما تيسر، فالفاتحة ركن تبطل الصلاة بتركها. (٣) الجمع بين المرأة وعمتها: اتفقوا على تحريمه مع أن عموم ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يتناوله؛ فالجمهور خصوه بخبر الواحد: «لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها» (رواه البخاري ومسلم)، والحنفية خصوه بالحديث نفسه على أنه مشهور تلقته الأمة بالقبول. فالاتفاق في الحكم يخفي اختلاف المسلك.

تطبيق متروك التسمية عمدا على خط الاستنباط

المحطة الأولى، نوع الحكم: تكليفي (حل الأكل أو تحريمه)، ووضعي (صحة التذكية).

المحطة الثانية، الثبوت: الآية قطعية الثبوت. وحديث عائشة صحيح في البخاري، وهو خبر واحد. وللشافعية حديث «ذبيحة المسلم حلال وإن لم يسم» وهو مرسل ضعيف.

المحطة الثالثة، الدلالة: «ما» في ﴿مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ موصولة عامة، تشمل كل ذبيحة لم يُذكر اسم الله عليها.

المحطة الرابعة، المعارض والتخصيص: الحنفية: العام قطعي، وحديث عائشة لا يخصصه، لأنه في لحم مجهول الحال، والأصل في ذبيحة المسلم الحل حتى يُعلم ترك التسمية، فلا تعارض أصلا. وأما الناسي فلم يخرج بالتخصيص، لأنه جُعل ذاكرا حكما، فإن ملته قامت مقام التسمية، كما علله السرخسي. الشافعية: العام ظني، وقرينة السياق ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ مع قوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] تدل على أن المراد ما ذُبح لغير الله، والحديث يبين أن التسمية غير شرط، فالآية عندهم مخصوصة بالسياق والسنة.

الحكم: تحرم عند الحنفية والمالكية على المشهور والحنابلة على المذهب، إذا تُركت عمدا مع القدرة، وتحل إذا تُركت نسيانا عندهم؛ وتحل عند الشافعية مطلقا، والتسمية عندهم سنة. وعند الحنابلة لا تسقط التسمية في الصيد بالسهو، وتسقط في الذبيحة. وهذا جواب سؤال الافتتاح.

ومن فروع الباب الزكاة في الخضروات. قال النبي ﷺ: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر» (رواه البخاري)، وقال: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (رواه البخاري ومسلم). فأوجب أبو حنيفة العشر في كل ما أخرجت الأرض مما يُقصد بزراعته استنماء الأرض، قليله وكثيره، خضروات كان أو حبوبا، ولم يستثن إلا نحو الحطب والقصب والحشيش. وقال أبو يوسف ومحمد والجمهور: لا زكاة فيما دون خمسة أوسق، ولا في الخضروات، على اختلاف بينهم في ضابط ما تجب فيه: المقتات المدخر عند المالكية والشافعية، والمكيل المدخر عند الحنابلة. وبيّن السرخسي أن أبا حنيفة رجح العام على الخاص هنا، لأنهما عنده متساويان في القوة، والخاص لا يُبنى عليه العام بإطلاق؛ وأما حديث «ليس في الخضراوات صدقة» فقد قال الترمذي: لا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء. ويجتمع في هذا الفرع أصلان: قطعية العام، وطريقة الحنفية في دفع التعارض بين العام والخاص إذا جُهل التاريخ، وموضع الثاني التعارض والترجيح.

تنبيه التخصيص عند الحنفية غير التخصيص عند الجمهور

التخصيص عند الحنفية قصر العام على بعض أفراده بدليل مستقل مقارن. فإن تراخى المخصص عن العام فهو نسخ لبعضه، لا تخصيص، ويشترط فيه شروط النسخ. وإن كان غير مستقل، كالاستثناء والشرط والصفة، سموه قصرا أو بيان تغيير، لأن الكلام مع قيده كلام واحد لم يتناول المستثنى أصلا. والجمهور يسمون كل ذلك تخصيصا، ويجيزون تراخي المخصص ما لم يتأخر عن وقت الحاجة. فإذا قرأ الطالب في كتاب حنفي «هذا ليس تخصيصا» فقد يعني أنه نسخ، أو أنه قصر بمتصل، والعام في الحالين غير باق على عمومه. وتفصيل النسخ والزيادة على النص في النسخ.

١ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب

إذا ورد العام على سبب خاص، من سؤال أو واقعة، فالجمهور من المذاهب الأربعة على أن العبرة بعموم اللفظ، فيعم الحكم السبب وغيره. ودليله أن الصحابة عمموا آيات نزلت في وقائع: آيات اللعان في هلال بن أمية، وآية الظهار في أوس بن الصامت، وآية السرقة، ولم يقصروها على أصحابها. ونُقل عن مالك رواية، وعن بعض الشافعية كالمزني وأبي ثور، القصر على السبب، والمشهور عن مالك خلافها.

واتفق الجمهور على أن صورة السبب داخلة في العام، واختلفوا هل دخولها قطعي فلا يجوز إخراجها بالاجتهاد. فقرر ابن السبكي وغيره من الشافعية أنها قطعية الدخول، والحنابلة كذلك. والحنفية لا يسلمون القطع في كل حال، وقد يخرجون صورة السبب بدليل يرونه. ومثاله حديث «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» (رواه البخاري ومسلم)، ورد في ولد أمة زمعة، فقال الجمهور: الأمة تصير فراشا بالوطء فيلحق الولد بالسيد، وقال الحنفية: لا يثبت نسب ولد الأمة إلا بدعوة السيد، فأنكر عليهم الشافعية إخراج صورة السبب.

١ المخصِّصات

٢ المخصصات المتصلة

المتصل ما لا يستقل بنفسه، بل يتعلق بالعام في الكلام نفسه.

المخصص مثاله أثره
الاستثناء ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٢-٣] يخرج المستثنى من حكم المستثنى منه
الشرط ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢] يقصر الحكم على حال وجود الشرط
الصفة ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] يقصر الحكم على الموصوف
الغاية ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩] ينهي الحكم عند الغاية
بدل البعض من الكل ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] يقصر «الناس» على المستطيع، وزاده ابن السبكي في جمع الجوامع

٢ المخصصات المنفصلة

المنفصل ما يستقل بنفسه، من نص آخر أو دليل غير لفظي.

المخصص مثاله
العقل ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، فالعقل يخرج ذاته وصفاته
الحس ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]، والحس يشهد بسلامة السماوات والجبال
النص ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ خُص بالحامل في ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]
الإجماع العبد لا يرث بالإجماع، فخرج من عموم ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]
المفهوم (عند القائلين به) «في صدقة الغنم في سائمتها» (رواه البخاري) يخرج المعلوفة من عموم أحاديث زكاة الغنم عند الشافعية والحنابلة؛ والمالكية يوجبونها في المعلوفة، والحنفية يردون المفهوم ويشترطون السوم بدليل آخر
العرف خص مالك ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] بعرف أن الشريفة لا يُرضع مثلها
القياس ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] خُص بالأمة بنص ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وبالعبد قياسا عليها

والعرف المخصص هو العرف المقارن للخطاب، وأما العرف الحادث بعده فلا يخصص نصوص الشارع، ويعمل في كلام الناس، وبحثه في الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف. والمفهوم بأنواعه وحجيته موضعه طرق الدلالة بين المنهجين.

٢ شروط الاستثناء

الاستثناء: إخراج ما لولاه لدخل في الكلام، بإلا أو إحدى أخواتها. ويشترط له:

  1. الاتصال: أن يتصل بالمستثنى منه لفظا أو حكما، فلا يضر انقطاع لتنفس أو سعال. ونُقل عن ابن عباس جواز تأخيره، واختلفت الرواية عنه في مداه، وحمله المحققون على الاستثناء بمشيئة الله تبركا لمن نسيه، لا على أنه يرفع حكم اليمين.
  2. عدم الاستغراق: فقوله «له علي عشرة إلا عشرة» استثناء باطل باتفاق، ويلزمه العشرة.
  3. استثناء الأكثر والنصف: يصح عند الحنفية والشافعية والمالكية ما لم يستغرق، ولا يصح استثناء الأكثر عند الحنابلة على المذهب. فمن قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين، وقعت واحدة عند الثلاثة، وثلاث عند الحنابلة على المذهب لبطلان الاستثناء.
  4. الاستثناء من غير الجنس: يصح عند الشافعية مجازا وعند المالكية، ولا يصح حقيقة عند الحنفية إلا في المقدرات عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا يصح عند الحنابلة على المذهب. فمن قال: له علي ألف درهم إلا ثوبا، سقطت قيمة الثوب عند الشافعية والمالكية، ولزمه الألف كاملا عند الحنفية والحنابلة.

١ الاستثناء بعد جمل متعاطفة

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور: ٤-٥]. فهنا ثلاث جمل: الجلد، ورد الشهادة، والحكم بالفسق، ثم استثناء.

مسألة خلافية هل يرجع الاستثناء بعد الجمل المتعاطفة إلى جميعها أم إلى الأخيرة؟

  • الحنفية يرجع إلى الجملة الأخيرة وحدها، إلا بقرينة، لأنها المتيقنة، والاستثناء يتعلق بما يليه، ورجوعه إلى ما قبلها مشكوك.
  • المالكية يرجع إلى الجميع.
  • الشافعية يرجع إلى الجميع إلا بقرينة، لأن العطف بالواو يجعل الجمل في حكم الجملة الواحدة، واستدلوا بقوله ﷺ: «ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه» (رواه مسلم)، والإذن راجع إلى الإمامة والقعود معا.
  • الحنابلة يرجع إلى الجميع.
  • سبب الخلاف هل العطف بالواو يجعل الجمل كالجملة الواحدة، أم الاستثناء يتعلق بما يليه لأنه المتيقن؟
  • الثمرة شهادة المحدود في القذف إذا تاب: لا تُقبل أبدا عند الحنفية، لأن الاستثناء رفع الفسق وحده، وتُقبل عند المالكية والشافعية والحنابلة، لأنه رفع رد الشهادة والفسق معا. واتفقوا على أن الاستثناء لا يرفع الجلد، لأنه حق آدمي لا يسقط بالتوبة، فالجمهور أخرجوا الجملة الأولى بقرينة. وللحنفية مأخذ آخر في الفرع: أن رد الشهادة من تمام الحد، لأنه عُطف على الجلد بصيغة الأمر، والحد لا يسقط بالتوبة.

٢ حجية العام بعد التخصيص

الجمهور من المذاهب الأربعة على أن العام المخصوص حجة فيما بقي، لأن الصحابة احتجوا بعموم آيات المواريث بعد تخصيصها بالقاتل والكافر. وقال عيسى بن أبان وأبو ثور: ليس بحجة، لأنه صار مجملا. وفصّل الكرخي من الحنفية: إن خُص بمتصل بقي حجة، وإن خُص بمنفصل فلا. والمعتمد عند الحنفية أنه حجة ظنية فيما بقي إذا كان المخصوص معلوما، فلذلك جاز عندهم تخصيصه بعد ذلك بخبر الواحد والقياس.

واختلفوا هل هو حقيقة في الباقي أم مجاز. فقال جماعة: حقيقة، لأن تناوله للباقي كان ثابتا قبل التخصيص، وقال الأكثر من المتكلمين: مجاز، لأنه استُعمل في غير ما وضع له من الاستغراق. والخلاف قليل الأثر بعد الاتفاق على حجيته.

٢ مسائل في امتداد العموم

٢ عموم المقتضى

المقتضى: ما يُقدَّر في الكلام لتصحيحه شرعا أو عقلا، كقوله ﷺ: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (رواه ابن ماجه، وصححه جماعة وأعله آخرون). فالخطأ نفسه واقع، فلا بد من تقدير: الإثم أو الحكم. قال الشافعية والحنابلة وكثير من المالكية: للمقتضى عموم، فيُقدر ما يعم الإثم والأحكام الدنيوية، فلا يقع طلاق المكره. وقال الحنفية: لا عموم للمقتضى، لأنه ثبت للضرورة فيقدر بقدرها، وهو رفع الإثم، فيقع طلاق المكره عندهم، ولهم فيه مأخذ آخر هو القياس على الهازل. وتفصيل دلالة الاقتضاء في طرق الدلالة بين المنهجين.

٢ خطاب النبي ﷺ وخطاب الأمة

إذا خاطب الله نبيه بقوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، فهل يعم الأمة؟ قال الحنفية والحنابلة: يعمها إلا بدليل يخصه، لأنه قدوتها، والخطاب للمتبوع خطاب للتابع عرفا، ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، فنادى النبي ﷺ وخاطب الجماعة. وقال الشافعية، واختاره ابن الحاجب من المالكية: لا يعمها من جهة اللفظ، ويشملها الحكم بدليل التأسي. والفريقان يدخلان الأمة في الحكم، ويظهر الأثر عند التعارض وفي إثبات الخصوصية، ولهذا احتاج الشارع إلى التصريح بها في قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. وأما خطاب الأمة بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيدخل فيه النبي ﷺ عند الجمهور، لأنه منهم. وخطابه ﷺ لواحد من الأمة يعم غيره بدليل التساوي في التكليف، وحديث «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» لا أصل له بهذا اللفظ عند المحدثين.

٣ دخول النساء في جمع المذكر

ما يخص كل جنس بلفظه، كالرجال والنساء، لا يدخل فيه الآخر باتفاق. وما يعمهما بأصل الوضع، كـ«من» و«الناس»، يدخلان فيه باتفاق. والخلاف في جمع المذكر السالم وضمير الجمع المذكر، كـ«المسلمين» و«آمنوا»: قال الحنابلة وجمع من الحنفية: يدخل فيه النساء تغليبا، لأن عادة العرب تغليب المذكر إذا اجتمعا. وقال الشافعية وأكثر المتكلمين: لا يدخلن إلا بدليل، لقول أم سلمة: يا رسول الله، ما لنا لا نُذكر في القرآن كما يُذكر الرجال؟ فنزلت: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] (رواه أحمد والنسائي). والثمرة قليلة، لأن عامة التكاليف ثبتت للنساء بأدلة أخرى، والفريقان يدخلانهن في أكثر الخطاب.

٢ ترك الاستفصال

قاعدة نسبت إلى الشافعي: ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. أي إذا سُئل النبي ﷺ عن واقعة تحتمل أحوالا يختلف بها الحكم، فأجاب دون أن يسأل عن الحال، دل على أن الحكم يعم الأحوال كلها. ومثالها أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي ﷺ: «اختر منهن أربعا» (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم، وأعله البخاري بالإرسال)، ولم يسأله أتزوجهن في عقد واحد أم في عقود. فقال الشافعية والمالكية والحنابلة ومحمد بن الحسن: يختار أربعا مطلقا. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن تزوجهن في عقد واحد بطل الجميع، وإن تزوجهن في عقود صح نكاح الأربع الأوائل وبطل ما بعدهن، ولم يجعلوا ترك الاستفصال عموما دائما. وفرّق القرافي بين هذه القاعدة وقاعدة «حكايات الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال»، فالأولى فيما أجاب فيه الشارع عن سؤال، والثانية في فعل محكي يحتمل وجوها.

١ الخاص

الخاص أنواع: خاص الجنس كإنسان، وخاص النوع كرجل، وخاص العين كزيد، والعدد كثلاثة وعشرة. ويعد الحنفية الأمر والنهي من الخاص، لأن كلا منهما وُضع لمعنى معلوم هو الطلب الجازم للفعل أو للترك. وحكم الخاص عند الحنفية أنه يتناول مدلوله قطعا، ولا يحتمل البيان لأنه بيّن بنفسه، فما ورد بعده مما يغير معناه نسخ أو زيادة على النص لا بيان. والجمهور يوافقونهم على أن الخاص أقوى من العام، ويجيزون بيانه بالمقيد والمخصص بحسب نوعه، ولا يبنون عليه ما بنى عليه الحنفية من رد الزيادة.

ومن ثمرات قطعية الخاص عند الحنفية:

  • «ثلاثة قروء»: «ثلاثة» عدد خاص، ودلالته على الثلاثة الكاملة قطعية. ولو كان القرء الطهر لكانت العدة طهرين وبعض الثالث إذا وقع الطلاق في طهر، وهو ما يدعو إليه الشرع، وهذا إبطال لموجب الخاص؛ فتعين عندهم أن القرء الحيض، فتكمل الثلاث. وأجاب الشافعية بأن العرب تطلق الجمع على اثنين وبعض الثالث، وبأن بعض الطهر طهر كامل في الحكم. والفرع يجمع ما في مبادئ لغوية من الترجيح بين معنيي المشترك، وما هنا من قطعية الخاص.
  • الطمأنينة في الركوع والسجود: قوله تعالى ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] خاص بمعنى الانحناء ووضع الجبهة، فالفرض عند أبي حنيفة ومحمد أصل الركوع والسجود، والطمأنينة واجبة تثبت بحديث المسيء صلاته: «ارجع فصل فإنك لم تصل» (رواه البخاري ومسلم)، لأن جعلها فرضا زيادة بخبر الواحد على الخاص القطعي. وقال أبو يوسف والجمهور: الطمأنينة ركن، والحديث بيان لصفة الركوع المأمور به.

وهذه الفروع ترجع إلى أصل واحد: الحنفية يزنون الدليل الثاني بقوة الأول، فما كان دونه في الثبوت لم يغير موجبه، وأثبتوا به حكما أدنى (الواجب دون الفرض)، وهذا معنى تفريقهم بين الفرض والواجب في الحكم التكليفي.

صلة الفصل بغيره

خلاصة الفصل

  1. العام لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر، والخاص لفظ وضع لمعنى معلوم على الانفراد، والتخصيص قصر العام على بعض أفراده بدليل.
  2. صيغ العموم: كل وجميع، والجمع والمفرد المعرفان بأل الاستغراقية أو الإضافة، والنكرة في سياق النفي والنهي والشرط، والموصولات، وأسماء الشرط والاستفهام.
  3. العموم من صفات الألفاظ، والفعل المحكي لا يعم.
  4. دلالة العام قبل التخصيص قطعية عند جمهور الحنفية، وظنية عند مشايخ سمرقند والجمهور.
  5. لا يُخص عام القرآن ابتداء بخبر الواحد ولا بالقياس عند الحنفية، ويُخص بالحديث المشهور، ويجوز ذلك عند الجمهور.
  6. من الثمرات: تحريم متروك التسمية عمدا عند الحنفية، وعدم تعين الفاتحة ركنا، والعشر في القليل والكثير مما أخرجت الأرض عند أبي حنيفة.
  7. التخصيص عند الحنفية بمستقل مقارن، والمتراخي نسخ، والمتصل قصر لا تخصيص.
  8. العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وصورة السبب قطعية الدخول عند الشافعية والحنابلة.
  9. المخصصات المتصلة: الاستثناء والشرط والصفة والغاية وبدل البعض؛ والمنفصلة: العقل والحس والنص والإجماع والمفهوم والعرف المقارن والقياس.
  10. يشترط في الاستثناء الاتصال وعدم الاستغراق، ويصح استثناء الأكثر إلا عند الحنابلة على المذهب.
  11. الاستثناء بعد جمل متعاطفة يرجع إلى الأخيرة عند الحنفية وإلى الجميع عند الجمهور، وثمرته شهادة القاذف التائب.
  12. العام بعد التخصيص حجة فيما بقي عند الجمهور، وظنية عند الحنفية.
  13. لا عموم للمقتضى عند الحنفية، وله عموم عند الجمهور، ومنه طلاق المكره.
  14. خطاب النبي ﷺ يعم الأمة لفظا عند الحنفية والحنابلة، وبدليل التأسي عند الشافعية؛ وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم عند الجمهور.
  15. الخاص قطعي عند الحنفية لا يحتمل البيان، ومنه «ثلاثة قروء» والطمأنينة واجبة لا فرض.

تمارين

  1. حدد صيغة العموم في كل نص: (أ) «لا وصية لوارث»، (ب) ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، (ج) ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
  2. لماذا لا يُعد «عشرة» من صيغ العموم مع أنها تستغرق آحادها؟
  3. وضّح كيف يصل الحنفية إلى أن قراءة الفاتحة واجب لا فرض، مع ربط ذلك بقطعية العام والفرق بين الفرض والواجب.
  4. اتفق الحنفية والجمهور على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها. فأين يقع الخلاف بينهم في هذا الفرع؟
  5. صنّف المخصص: (أ) ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ بعد ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾، (ب) خروج العبد من حد المئة جلدة، (ج) خروج الشريفة من وجوب الإرضاع عند مالك.
  6. قال رجل: لزيد علي مئة درهم إلا ستين. كم يلزمه عند الشافعية وعند الحنابلة على المذهب؟
  7. رد هذا الفرع إلى أصله: لا تُقبل شهادة المحدود في القذف عند الحنفية ولو تاب.
  8. أسلم رجل وتحته ست نسوة تزوجهن في عقد واحد. ما الحكم عند أبي حنيفة وعند الشافعية، وما القاعدة التي افترقا فيها؟
  9. حلّ عبارة السرخسي: «والمذهب عندنا أن العام موجب للحكم فيما يتناوله قطعا بمنزلة الخاص».
  10. لماذا وصف الحنفية الطمأنينة في الركوع بأنها واجب لا فرض؟

أجوبة التمارين

  1. (أ) النكرة في سياق النفي، (ب) المفرد المعرف بأل الاستغراقية، (ج) «من» الشرطية.
  2. لأنها محصورة، والعام يستغرق من غير حصر، فهي من الخاص.
  3. ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ عام قطعي لم يُخص بقطعي، فلا يخصصه حديث الفاتحة، وهو خبر واحد؛ فيبقى الفرض مطلق القراءة، ويثبت بالحديث حكم أدنى هو الوجوب، فيأثم تارك الفاتحة وتجبرها سجدة السهو.
  4. في المسلك: الجمهور خصوا ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ بخبر الواحد، والحنفية خصوه به على أنه حديث مشهور تلقته الأمة بالقبول.
  5. (أ) متصل: بدل البعض من الكل، (ب) منفصل: القياس على الأمة المنصوص على تنصيف حدها، (ج) منفصل: العرف المقارن.
  6. عند الشافعية: أربعون، لأن استثناء الأكثر صحيح. وعند الحنابلة على المذهب: مئة، لبطلان استثناء الأكثر.
  7. الاستثناء بعد جمل متعاطفة يرجع إلى الأخيرة عندهم، فرفع الفسق وحده، وبقي ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾، مع مأخذ أن رد الشهادة من تمام الحد.
  8. عند أبي حنيفة: يبطل نكاح الجميع لأنه عقد واحد على أكثر من أربع. عند الشافعية: يختار أربعا، لأن النبي ﷺ لم يستفصل غيلان عن صورة العقود، وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم.
  9. «موجب للحكم» أي مثبت له، «فيما يتناوله» أي في كل فرد يصدق عليه، «قطعا» أي بلا شبهة ناشئة عن دليل، «بمنزلة الخاص» أي إن وضع العام للاستغراق كوضع الخاص لفرده، فلا فرق بينهما في القوة.
  10. لأن الأمر بالركوع خاص قطعي في الانحناء، وحديث المسيء خبر واحد، فلو جعلت الطمأنينة فرضا لكان زيادة على الخاص القطعي بظني، فأثبتوا بها الوجوب.

المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول

موقع الفصل من المنظومة

هذا الفصل في المحطتين الثالثة والرابعة من خط الاستنباط. ففي الثالثة يسأل الناظر عن مدى اللفظ: هل يتناول كل فرد من جنسه على البدل بلا قيد، أم دل على معنى واحد بيّن، أم تردد بين معان لا يترجح بعضها؟ وفي الرابعة يسأل عما يعارض هذا المدى: قيد في نص آخر، أو بيان يرفع الإجمال، أو دليل يصرف الظاهر عن وجهه. فالمباحث الثلاثة صور لسؤال واحد: متى يكفي اللفظ وحده، ومتى يحتاج إلى غيره؟

ويحتاج الفصل ما تقرر في مبادئ لغوية من الوضع والاستعمال والحمل والمشترك، وما في العام والخاص من العام وتخصيصه، لأن المطلق يشبه العام ويفارقه، والتقييد يشبه التخصيص ويفارقه. ويحتاج من النسخ مسألة الزيادة على النص، لأن الحنفية يبنون عليها باب الحمل كله. وأما مراتب الوضوح والخفاء على اصطلاح الحنفية فموضعها طرق الدلالة بين المنهجين، وهنا جدول يصل بين الاصطلاحين.

سؤال الافتتاح

لزمت رجلا كفارة ظهار، فأعتق عبدا نصرانيا. قال تعالى في الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، وقال في القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. هل تجزئه هذه الرقبة؟ وهل يكفي في الجواب أن نعرف معنى «رقبة»، أم نحتاج أن نعرف علاقة النصين أحدهما بالآخر؟

١ المطلق والمقيد

١ تعريف المطلق والمقيد

المطلق: اللفظ الدال على الماهية من غير قيد يقلل شيوعها، أو هو عند ابن الحاجب ومن تبعه: ما دل على شائع في جنسه. فـ«رقبة» في آية الظهار تدل على فرد غير معين من جنس الرقاب، يصدق على أي رقبة أُعتقت. والمقيد: ما دل على الماهية مع قيد يقلل شيوعها، كـ«رقبة مؤمنة»، فالوصف أخرج الكافرة من دائرة ما يُجزئ. والقيد يكون وصفا، أو شرطا، أو غاية، أو حالا، أو ظرفا.

والإطلاق والتقييد نسبيان: «رقبة مؤمنة» مقيدة بالإيمان، مطلقة في السلامة والذكورة والسن.

١ الفرق بين المطلق والعام

العام يستغرق جميع أفراده دفعة واحدة، فـ«اقتلوا المشركين» يتناول كل مشرك. والمطلق يتناول فردا شائعا على سبيل البدل، فـ«أعتق رقبة» يحصل امتثاله بواحدة أيّ واحدة كانت. فعموم العام شمولي، وعموم المطلق بدلي. والأكثر أن المطلق يرد في سياق الإثبات، فإذا وقعت النكرة في سياق النفي أو النهي أو الشرط صارت عامة: «لا تعتق رقبة» يمنع كل رقبة.

ويترتب على الفرق أن التخصيص يُخرج بعض الأفراد من حكم العام، والتقييد لا يُخرج شيئا من أفراد ثابتين، وإنما يحدد الصفة التي يتعين بها الفرد المطلوب. ولهذا قال الأصوليون: المقيد مع المطلق كالخاص مع العام، أي في أن الأخص يقضي على الأعم، لا في حقيقة العمل.

تنبيه المطلق ليس عاما، والمقيد ليس خاصا

يكثر عند المبتدئ أن يسمي «رقبة» عاما لأنها تصدق على كل رقبة، ويسمي «رقبة مؤمنة» خاصا. والصواب أن «رقبة» مطلق لا يُطلب به إلا فرد واحد، ولو كان عاما لوجب عتق كل رقبة. والحنفية يجعلون المطلق والعام كليهما من أنواع اللفظ باعتبار الوضع، فالمطلق عندهم من الخاص، لأنه وُضع لمعنى واحد هو الماهية (طرق الدلالة بين المنهجين)، والعام قسيم الخاص. ومن هنا يقول الحنفي إن المطلق قطعي الدلالة على إطلاقه، كما أن العام عنده قطعي، فلا يُقيَّد بظني كما لا يُخصَّص العام ابتداء بظني (العام والخاص).

١ حكم المطلق والمقيد

الأصل أن المطلق يُعمل به على إطلاقه حتى يقوم دليل التقييد، والمقيد يُعمل به على تقييده حتى يقوم دليل الإلغاء. وهذا من صور الأصل والاستثناء. والمسألة المشهورة: إذا ورد المطلق في نص والمقيد في نص آخر، فهل يُحمل المطلق على المقيد، أي يُفهم المطلق مرادا به المقيد؟ وللمسألة أربع صور بحسب اتحاد الحكم والسبب واختلافهما.

الصورة الأولى: اتحاد الحكم والسبب. قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، وقال: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]. الحكم واحد (التحريم)، والسبب واحد (الإيذاء أو الخبث). فيُحمل المطلق على المقيد باتفاق، فالمحرم الدم المسفوح، والدم الباقي في العروق بعد الذكاة معفو عنه. وقيد الحنفية الاتفاق بأن يرد الإطلاق والتقييد في الحكم نفسه، فإن وردا في السبب لم يحملوا، وسيأتي. وقالوا أيضا: إن عُلم تأخر المقيد كان ناسخا لإطلاق المطلق إذا استوفى شروط الناسخ، وإن جُهل التاريخ حُمل عليه، لأن الحكم الواحد لا يكون مطلقا ومقيدا في وقت واحد. ومن فروع الصورة عندهم صيام كفارة اليمين: أوجبوا فيه التتابع بقراءة ابن مسعود «فصيام ثلاثة أيام متتابعات»، لأنها عندهم خبر مشهور يقيد مثله الكتاب، ووافقهم الحنابلة على المذهب في إيجاب التتابع؛ والمعتمد عند الشافعية والمالكية أنه لا يجب، لأن القراءة الشاذة لا تقوى عندهم على ذلك (الكتاب والسنة).

الصورة الثانية: اتحاد الحكم واختلاف السبب. وهي مسألة سؤال الافتتاح: الحكم واحد (وجوب تحرير رقبة)، والسبب مختلف (القتل في آية، والظهار في أخرى، واليمين في ثالثة: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]). وهذه موضع الخلاف المشهور.

مسألة خلافية هل يُحمل المطلق على المقيد إذا اتحد الحكم واختلف السبب؟

  • الحنفية لا يُحمل. فتجزئ الرقبة الكافرة في كفارة الظهار واليمين، ويشترط الإيمان في كفارة القتل وحدها. وحجتهم أن كل نص دليل مستقل، والحكم يجوز أن يتعدد سببه ويختلف شرطه، والعمل بالمطلق ممكن على إطلاقه، فتقييده بقياس أو بنص في باب آخر زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ عندهم، والنسخ لا يثبت بالقياس (النسخ).
  • المالكية يُحمل على المشهور، فيشترط الإيمان في رقبة الظهار واليمين.
  • الشافعية يُحمل، واختلفوا في وجهه: فالأكثر على أنه بالقياس، إذا وُجد جامع بين السببين، كحرمة النفس في القتل وما يقابلها في غيره، وقال بعضهم إنه بمقتضى اللفظ، لأن كلام الشارع كالكلمة الواحدة يفسر بعضه بعضا. وأيدوا ذلك بقوله ﷺ في الجارية: «أعتقها فإنها مؤمنة» (رواه مسلم)، فعلق الإجزاء بالإيمان.
  • الحنابلة يُحمل على المذهب، كالشافعية.
  • سبب الخلاف هل القيد في موضع يكشف مراد الشارع في موضع آخر لوحدة الخطاب الشرعي، أم لكل نص دلالته المستقلة فلا يُقيَّد إلا بما يقوى على نسخ إطلاقه؟ والسبب البعيد أن المطلق عند الحنفية قطعي الدلالة على الإطلاق، فرفع إطلاقه رفع لحكم ثابت.
  • الثمرة إجزاء الرقبة الكافرة في كفارتي الظهار واليمين عند الحنفية دون الجمهور. ومن ثمراتها عند الحنفية زكاة الفطر عن العبد الكافر، وستأتي في الصورة التي يرد فيها القيد على السبب.

الصورة الثالثة: اختلاف الحكم واتحاد السبب. قال تعالى في الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وقال في التيمم في الآية نفسها: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. السبب واحد (الحدث وإرادة الصلاة)، والحكم مختلف (غسل في أحدهما ومسح في الآخر). فالجمهور على أنه لا يُحمل، لأن اختلاف الحكم يمنع أن يكون أحد النصين بيانا للآخر، وحُكي عن بعض الشافعية الحمل. ولا يصح أن يُقال إن الشافعية مسحوا اليدين في التيمم إلى المرفقين حملا على آية الوضوء بإطلاق: فالحنفية والشافعية على المسح إلى المرفقين، والمالكية على أن الفرض إلى الكوعين والباقي سنة، والحنابلة على الاقتصار على الكفين، ومأخذهم جميعا الأحاديث والآثار الواردة في صفة التيمم وقياس البدل على المبدل، لا حمل المطلق على المقيد.

الصورة الرابعة: اختلاف الحكم والسبب. كقطع يد السارق في ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] مع غسل اليد إلى المرفق في الوضوء. فلا حمل باتفاق، فلا يُقال إن القطع إلى المرفق.

٢ إذا ورد الإطلاق والتقييد في السبب

فرّق الحنفية بين أن يرد القيد على الحكم وأن يرد على سببه. ومثاله زكاة الفطر: جاء في حديث ابن عمر «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر... على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، من المسلمين» (رواه البخاري ومسلم)، وجاءت روايات بالإطلاق في الرقيق. قال الحنفية: السبب هو الرأس الذي يمونه الرجل ويلي عليه، وقيد الإسلام وارد في السبب، والسبب يجوز أن يتعدد، فيكون الرأس المسلم سببا والرأس المطلق سببا، ولا تنافي بينهما. فأوجبوا على السيد المسلم زكاة الفطر عن عبده الكافر. وقال الجمهور: لا تجب، إما بحمل المطلق على المقيد، وإما بأن «من المسلمين» وصف للمخرَج عنه.

من المتون أصول الشاشي (الحنفي)، فصل المطلق والمقيد

ذهب أَصْحَابنَا إِلَى أَن الْمُطلق من كتاب الله تَعَالَى إِذا أمكن الْعَمَل بِإِطْلَاقِهِ فَالزِّيَادَة عَلَيْهِ بِخَبَر الْوَاحِد وَالْقِيَاس لَا يجوز... بل يعْمل بالْخبر على وَجه لَا يتَغَيَّر بِهِ حكم الْكتاب.

الحل: «أصحابنا» الحنفية. و«إذا أمكن العمل بإطلاقه» قيد له عمل: فالمطلق الذي لا يمكن العمل به إلا ببيان يُقبل فيه خبر الواحد بيانا، أما ما يمكن امتثاله على إطلاقه، كالغسل في آية الوضوء، فلا يُزاد عليه شرط بخبر الواحد ولا بالقياس. و«الزيادة» تقييد المطلق، سماها زيادة لأنها تضيف شرطا لم يكن في النص. ثم قوله «يُعمل بالخبر على وجه لا يتغير به حكم الكتاب» منهج الحنفية في إعمال الدليلين: يبقى المطلق فرضا بالكتاب، ويُنزَّل ما في الخبر منزلة دون الفرض. ومثّل له الشاشي بعده بالنية في الوضوء، فهي سنة بالخبر، وبالتغريب مع الجلد، فهو سياسة لا حد، وبالطهارة للطواف، فهي واجبة يُجبر تركها بالدم. وهذا تطبيق لمسألة الزيادة على النص في النسخ على باب المطلق.1

أداة تفكير الأصل والاستثناء: الإطلاق حتى المقيد

الإطلاق أصل قابل للنقض: يُعمل به حتى يظهر قيد معتبر. وهذا ما يسميه المنطق الحديث الاستدلال القابل للنقض. وحدّ الأداة هنا أن المذاهب تختلف في قوة الأصل نفسه: فالإطلاق عند الحنفية قطعي، فلا ينقضه إلا ما يقوى على النسخ، وعند الجمهور ظني، فينقضه القياس وخبر الواحد. فلا يكفي أن يقول الطالب «الإطلاق قابل للنقض»؛ يلزمه أن يعرف درجة الدليل الناقض الذي يقبله كل مذهب، وهي في حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه شبكة الثبوت والدلالة.

١ المجمل والمبين

١ تعريف المجمل والمبين

المجمل لغة: المبهم أو المجموع. واصطلاحا عند الجمهور: ما لم تتضح دلالته، أو ما احتمل معنيين فأكثر لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إلى السامع. والمبين: ما اتضحت دلالته، إما بأصل وضعه، وإما بعد ورود البيان عليه. والبيان: ما يحصل به إظهار المراد، ويُطلق على فعل المبيِّن، وعلى الدليل، وعلى العلم الحاصل منه.

من المتون الورقات للجويني، باب المجمل والمبين، وباب الظاهر والمؤول

والمجمل مَا افْتقر إِلَى الْبَيَان، وَالْبَيَان إِخْرَاج الشَّيْء من حيّز الْإِشْكَال إِلَى حيّز التجلي. وَالنَّص مَا لَا يحْتَمل إِلَّا معنى وَاحِدًا، وَقيل مَا تَأْوِيله تَنْزِيله، وَهُوَ مُشْتَقّ من منصة الْعَرُوس وَهُوَ الْكُرْسِيّ. وَالظَّاهِر مَا احْتمل أَمريْن أَحدهمَا أظهر من الآخر، ويؤول الظَّاهِر بِالدَّلِيلِ وَيُسمى الظَّاهِر بِالدَّلِيلِ.

الحل: عرّف الجويني المجمل بحكمه، وهو الافتقار إلى البيان، لأن ما لا يُفهم المراد منه بنفسه يحتاج إلى غيره. و«حيز الإشكال» الحال التي يتردد فيها السامع، و«حيز التجلي» الحال التي يتضح فيها المراد. ثم رتّب الألفاظ ثلاث مراتب: النص لا يحتمل غير معنى واحد، والظاهر يحتمل معنيين أحدهما أرجح، والمجمل يحتملهما بلا رجحان. وقوله في النص «ما تأويله تنزيله» أي يُفهم معناه بمجرد نزوله دون نظر، و«منصة العروس» الكرسي الذي تُرفع عليه لتظهر، فالنص ما ارتفع في الوضوح. وقوله «يؤول الظاهر بالدليل» تقرير لشرط التأويل الأول: لا يُترك الراجح إلا بدليل. و«يسمى الظاهر بالدليل» أي إذا صُرف بدليل صار المعنى المرجوح ظاهرا بذلك الدليل، فيُعمل به كما يُعمل بالظاهر. وهذه المراتب الثلاث هي سلّم الوضوح عند المتكلمين، ويقابلها عند الحنفية سلّم ثماني المراتب في طرق الدلالة بين المنهجين.2

٢ أسباب الإجمال

يرجع الإجمال إلى أسباب، أشهرها:

  1. الاشتراك في المفرد، كالقرء بين الحيض والطهر في ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، عند من لا يحمل المشترك على معنييه (مبادئ لغوية).
  2. الاشتراك في التركيب أو تردد المرجع، كقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، تردد بين الزوج والولي، فقال بالأول الحنفية والشافعي في الجديد والحنابلة على المذهب، وبالثاني مالك في الأب والسيد.
  3. الحقيقة الشرعية قبل بيانها، كالصلاة والزكاة والحج والربا: لفظها معروف في اللغة، ومرادها الشرعي لا يُعرف إلا من الشارع، فهي مجملة حتى بُينت بالفعل والقول. ومن هنا قال الحنفية إن الربا في ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] مجمل بيّنه حديث الأصناف الستة، ثم قاسوا عليه.
  4. الإبهام في المقدار أو الصفة، كإيجاب حق في المال ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] قبل بيان النصاب والمقدار.
  5. غرابة اللفظ، كـ«الهلوع» في ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩]، وقد فسره ما بعده: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠].
  6. الاستثناء أو الوصف المجهول، كقوله ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] قبل تلاوة ما استُثني.

وحكم المجمل التوقف فيه حتى يرد البيان، مع اعتقاد أن المراد به حق. ولا يجوز العمل بأحد احتماليه بلا دليل، وهذا موضع افتراقه عن الظاهر.

٢ نصوص ادُّعي فيها الإجمال

ليس كل ما احتمل أكثر من معنى مجملا؛ فالجمهور يحملون اللفظ على عرف الشرع ثم عرف الاستعمال، فيرتفع كثير مما ظُن إجمالا. وأشهر ما اختلفوا فيه ثلاثة نصوص، يذكرها ابن الحاجب وشراحه في باب «ما لا إجمال فيه».

مسألة خلافية هل في هذه النصوص إجمال؟

  • الحنفية ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] مجمل عند كثير منهم في مقدار الممسوح، لأن الباء دخلت على المحل فأفادت مسح بعضه، والبعض غير معلوم، فبيّنه فعله ﷺ: مسح بناصيته (رواه مسلم من حديث المغيرة بن شعبة)، فقدروا الفرض بالربع. و﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] مجمل عند الكرخي من الحنفية وأبي عبد الله البصري من المعتزلة، لأن التحريم لا يتعلق بالذات، وما يُقدَّر من أكل أو بيع أو انتفاع غير متعين، وجمهور الحنفية على خلافه.
  • المالكية لا إجمال في آية المسح، والباء للإلصاق، والفرض مسح الرأس كله على المشهور. ولا إجمال في تحريم الأعيان.
  • الشافعية لا إجمال في آية المسح، فهي مطلقة يتحقق امتثالها بما يقع عليه اسم المسح ولو قليلا. ولا في ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، لأن العرف في تحريم الأعيان يعين المقصود منها، وهو الأكل في المأكول والاستمتاع في المرأة. ونفي الحقيقة في نحو «لا صلاة إلا بطهور» ليس مجملا عند الجمهور، خلافا للقاضي أبي بكر الباقلاني الذي قال: الحقيقة موجودة حسا، فيتردد المنفي بين الصحة والكمال.
  • الحنابلة مع الجمهور في نفي الإجمال، والفرض عندهم مسح جميع الرأس على المذهب.
  • سبب الخلاف هل تُعين القرائن العرفية والشرعية المقدَّر والمراد فيرتفع التردد، أم يبقى الاحتمال قائما حتى يأتي بيان من الشارع؟
  • الثمرة في آية المسح ثلاثة أقوال في قدر الواجب: الكل عند المالكية والحنابلة، والربع عند الحنفية، وأقل ما يسمى مسحا عند الشافعية. وفي «لا صلاة إلا بطهور» ونحوه يُحمل النفي عند الجمهور على نفي الصحة الشرعية، لأن الشارع ينفي ما يعرّفه هو؛ فإن تعذر حُمل على نفي الكمال.

والعبارة المتداولة في كتب الأصول «لا صلاة إلا بطهور»، ولفظ مسلم في الصحيح من حديث ابن عمر: «لا تُقبل صلاة بغير طهور». ومثلها في الخلاف حديث «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (رواه ابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم، وأعله آخرون)، فقال قوم: المرفوع مجمل بين الإثم والحكم، وقال الجمهور: المرفوع المؤاخذة بعرف الاستعمال، واختلافهم بعد ذلك في تقدير المحذوف من دلالة الاقتضاء (طرق الدلالة بين المنهجين).

٢ البيان ووسائله

يحصل البيان بكل ما يُظهر المراد. ووسائله:

  1. القول، وهو أقواها، كبيان أنصبة الزكاة ومقاديرها في كتب الصدقات، وبيان أن الهلوع هو الجزوع المنوع.
  2. الفعل، كقوله ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (رواه البخاري)، وقوله: «لتأخذوا مناسككم» (رواه مسلم)، فبيّن بفعله صفة الصلاة والحج. واختلفوا هل يُقدَّم القول على الفعل إذا اجتمعا في بيان واحد، وموضعه التعارض والترجيح.
  3. الكتابة، ككتاب أبي بكر رضي الله عنه في فرائض الصدقة الذي كتبه لأنس لما وجهه إلى البحرين (رواه البخاري).
  4. الإشارة، كقوله ﷺ: «الشهر هكذا وهكذا وهكذا» وأشار بأصابعه، يعني مرة ثلاثين ومرة تسعة وعشرين (رواه البخاري ومسلم).
  5. الترك، كقول جابر: «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار» (رواه أبو داود والنسائي، وإسناده صحيح)، فبيّن تركُه أن الأمر الأول ليس للوجوب أو أنه نُسخ.
  6. التقرير، وهو سكوته ﷺ عن فعل علمه، فيدل على جوازه (الكتاب والسنة).

ولا يشترط الجمهور أن يساوي المبيِّنُ المبيَّنَ في قوة الثبوت، فيُبين مجمل القرآن ويُخص عامه بخبر الواحد (العام والخاص). والحنفية يجيزون بيان المجمل بخبر الواحد، لأن المجمل لا حكم له قبل البيان حتى يُعارَض، ويشترطون فيما يغيّر موجب العام القطعي أن يساويه قوة. وقسم الحنفية البيان خمسة أقسام: بيان التقرير، وبيان التفسير، وبيان التغيير، وبيان الضرورة، وبيان التبديل وهو النسخ. وبيان المجمل عندهم من بيان التفسير، ويجوز بخبر الواحد، أما بيان التغيير، كالاستثناء والتخصيص، فيشترطون فيه الاتصال.

٢ تأخير البيان

تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى العمل لا يقع في الشريعة باتفاق، لأنه تكليف بما لا يمكن العلم به. ومن أجازه عقلا ممن يجيز التكليف بما لا يطاق قال إنه لم يقع (نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية).

تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة موضع خلاف.

مسألة خلافية هل يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة؟

  • الحنفية يجوز تأخير بيان المجمل، وهو بيان التفسير. ولا يجوز تأخير بيان التغيير عن العام، فإن ورد المخصص متراخيا كان ناسخا لا مخصصا، بناء على قطعية العام عندهم (العام والخاص).
  • المالكية يجوز مطلقا عند الأكثر.
  • الشافعية يجوز مطلقا عند الأكثر، في المجمل وفي تخصيص العام، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]، و«ثم» للتراخي، وبآية الخمس ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] ثم بُين بعد ذلك أن السلب للقاتل.
  • الحنابلة يجوز على الصحيح من المذهب، وعن أحمد رواية بالمنع، ومنعه بعض الأصحاب كأبي الحسن التميمي، وهو قول المعتزلة.
  • سبب الخلاف هل الخطاب بالعام قبل بيان تخصيصه إيهام للسامع أن العموم مراد، فيكون تجهيلا، أم أن السامع يعلم أن العام يحتمل التخصيص فيعتقده بشرط عدم المخصص؟
  • الثمرة عند الحنفية يكون المخصص المتراخي ناسخا، فيُشترط فيه ما يشترط في الناسخ من القوة؛ وعند الجمهور يبقى مخصصا، فيقبل من خبر الواحد والقياس.

١ الظاهر والنص والتأويل

١ الظاهر والنص عند المتكلمين

النص في اصطلاح المتكلمين: ما دل على معنى لا يحتمل غيره، كما في الورقات، وقيّده الغزالي بأنه ما لا يتطرق إليه احتمال ناشئ عن دليل، فالاحتمال المجرد الذي لا يسنده دليل لا يُخرج اللفظ عن كونه نصا. ومثاله ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩] في العدد. والظاهر: ما دل على معنى دلالة راجحة مع احتمال غيره احتمالا مرجوحا، كالأمر في الوجوب، والعام في الاستغراق، والحقيقة في معناها. وحكم النص أن يُعمل به قطعا، فلا يُترك إلا بنسخ، وحكم الظاهر أن يُعمل به وجوبا حتى يقوم دليل يصرفه.

ويقع الخلط هنا من أن الحنفية يستعملون اللفظين نفسيهما بمعنى آخر: فالظاهر عندهم ما ظهر المراد منه بصيغته ولم يُسق الكلام له، والنص ما سيق الكلام له وازداد وضوحا بذلك، وكلاهما يحتمل التأويل. والجدول يصل بين الاصطلاحين، وتفصيل الحنفي منه في طرق الدلالة بين المنهجين.

مرتبة الوضوح اصطلاح المتكلمين اصطلاح الحنفية احتمال التأويل احتمال النسخ (في زمن الوحي)
واضح غير مقصود بالسياق ظاهر ظاهر نعم نعم
واضح مقصود بالسياق ظاهر (أو نص إن انتفى الاحتمال) نص نعم نعم
لا يحتمل التأويل نص مفسر لا نعم
لا يحتمل التأويل ولا النسخ نص محكم لا لا
خفي يزول بالنظر ظاهر بالدليل أو مجمل خفي، مشكل بحسب القرينة ــ
لا يُعرف إلا ببيان الشارع مجمل مجمل ــ ــ
استأثر الله بعلمه متشابه متشابه ــ ــ

١ التأويل

التأويل في اللغة: من آل يؤول إذا رجع، فهو رد الكلام إلى ما يؤول إليه. وفي اصطلاح الأصوليين: صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى مرجوح يحتمله، لدليل يصيّره راجحا. وقسّمه الآمدي وابن الحاجب: إن كان الصرف لدليل فهو صحيح، وإن كان لما يُظن دليلا وليس بدليل ففاسد، وإن لم يكن لشيء فلعب.

وشروط التأويل الصحيح:

  1. أن يكون اللفظ محتملا للمعنى المؤوَّل إليه في اللغة أو عرف الاستعمال أو عرف الشرع، فإن لم يحتمله فهو تحريف لا تأويل.
  2. أن يقوم عليه دليل صحيح، من نص أو قياس أو قاعدة شرعية أو قرينة، وأن يكون الدليل سالما من المعارض.
  3. أن يكون الدليل أقوى من الظاهر المتروك. وهذا الشرط يقيس المسافة: كلما بعد الاحتمال احتاج إلى دليل أقوى، فالاحتمال القريب يكفيه أدنى دليل، والبعيد يحتاج إلى دليل قوي، وما بلغ في البعد حدا لا يقوى عليه دليل رُد.
  4. أن يكون المؤوِّل من أهل النظر، عارفا بوجوه اللغة ومقاصد الشرع.

فالتأويل قريب، كحمل ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] على إرادة القيام، يكفيه دليل يسير، وبعيد يحتاج دليلا قويا، ومتعذر يُرد ولو قام عليه شيء.

٢ التأويل البعيد بين المذاهب

ذكر الغزالي في المستصفى، وتبعه ابن الحاجب وشراحه، أمثلة من تأويلات الحنفية عدّها بعيدة، وللحنفية عنها أجوبة. وللحنفية في المقابل نقد لتأويلات عند الشافعية. والحكم بالبعد فيها مأخوذ من موازنة الاحتمال بقوة الدليل الصارف.

المثال الأول: «أمسك أربعا». أسلم غيلان بن سلمة الثقفي وتحته عشر نسوة، فقال له النبي ﷺ: «أمسك أربعا وفارق سائرهن» (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم، وأعله البخاري وغيره بالإرسال). قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن عقد عليهن في عقد واحد بطل نكاح الجميع، وإن عقد متفرقا صح نكاح الأربع الأوائل وبطل ما بعدهن، وحملا «أمسك» على ابتداء نكاح أربع منهن، أو على إمساك الأوائل. قال الغزالي: هذا بعيد، لأن الرجل حديث عهد بالإسلام لا يعرف شروط النكاح، ولم يسأله النبي ﷺ عن ترتيب العقود، وترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم (العام والخاص)، ولأن لفظ «أمسك» يعني الاستدامة، و«فارق» يعني إنهاء نكاح قائم، ولو أراد ابتداء العقد لبيّن شروطه. وأجاب الحنفية بأن أنكحة الكفار تُقرّ إذا وافقت شرط الإسلام عند الإسلام، والزائد على أربع لا يصح في الإسلام بحال، فالقياس أن يُعتبر الأسبق، والحديث خبر واحد اختلف في وصله وإرساله فلا يقوى على هذا الأصل. وقد وافق محمد بن الحسن الجمهور في التخيير.

المثال الثاني: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها». قال ﷺ: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل» (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان والحاكم). والحنفية يصححون نكاح الحرة البالغة العاقلة نفسها. فحُكي عن بعضهم حمله على الصغيرة، فاعتُرض بأن الصغيرة ليست «امرأة» في عرف اللغة، فحمله على الأمة، فاعتُرض بقوله في تمام الحديث «فلها المهر بما استحل من فرجها»، ومهر الأمة لسيدها، فحمله على المكاتبة. قال الغزالي: هذا تنزيل للعام على صورة نادرة، و«أيّما» من أقوى صيغ العموم، أُكدت بـ«ما»، وكُرر الحكم بالبطلان ثلاثا، فحمله على المكاتبة يخرج أكثر ما يتناوله ويُبقي النادر. وأجاب الحنفية بأن عمدتهم في المسألة غير هذا التأويل: نصوص القرآن تنسب النكاح إلى المرأة، كقوله ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وقوله ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وحديث «الأيم أحق بنفسها من وليها» (رواه مسلم)، والقياس على تصرفها في مالها؛ وتكلموا في ثبوت الحديث بما رُوي أن الزهري سُئل عنه فلم يعرفه. فإذا ثبت عندهم هذا الأصل احتاجوا إلى تأويل الحديث جمعا، وحملوا «باطل» على أنه يؤول إلى البطلان باعتراض الولي إذا زوجت نفسها من غير كفء.

المثال الثالث: «إطعام ستين مسكينا». قال تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]. أجاز الحنفية أن يُطعم مسكينا واحدا ستين يوما. قال الغزالي: هذا يجعل المعنى «إطعام طعام ستين مسكينا»، فيلغي العدد المنصوص، والعدد مقصود، لأن في إطعام الجماعة بركة اجتماع الدعاء وإغناء عدد من المحتاجين. وأجاب الحنفية بأن المقصود سد الخلة، والحاجة تتجدد في كل يوم، فالمسكين الواحد في اليوم الثاني محتاج كمسكين آخر، فيصير ستين مسكينا حكما؛ ولهذا لم يجيزوا أن يُعطى الواحد طعام الستين في يوم واحد. فالخلاف هنا راجع إلى تعليل النص: هل العدد تعبدي مقصود، أم وسيلة إلى سد حاجة ستين وجبة؟

المثال الرابع، من نقد الحنفية: «ثلاثة قروء». حمل المالكية والشافعية القرء على الطهر، فقال الحنفية: يلزم منه أن تكون العدة طهرين وبعض الثالث إذا طلقها في طهر، وهذا تأويل لـ«ثلاثة»، وهو عدد خاص لا يحتمل النقص، والخاص عندهم لا يحتمل البيان. وأجاب الشافعية بأن العرب تطلق اسم الجمع على اثنين وبعض الثالث، كقوله ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، فليس فيه صرف للعدد عن معناه. وتفصيل القرائن في مبادئ لغوية.

المثال الخامس، من نقد الحنابلة للجمهور: «أفطر الحاجم والمحجوم». الحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه أحمد وغيره. أخذ الحنابلة بظاهره فجعلوا الحجامة مفطرة، وتأوله الجمهور: فمنهم من قال إنه منسوخ بحديث ابن عباس أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم (رواه البخاري)، ومنهم من حمله على أنهما تعرضا للفطر، أو أنهما أفطرا بسبب آخر كالغيبة في واقعة بعينها. فقال الحنابلة: هذه تأويلات بعيدة لا يحتملها اللفظ، والنسخ لا يثبت إلا بعلم التاريخ. وأجاب الجمهور بأن حديث ابن عباس متأخر، لأنه في حجة الوداع، وأن حديث أبي سعيد في الرخصة في الحجامة للصائم (رواه النسائي في الكبرى والدارقطني، واختُلف في رفعه ووقفه) يدل على النسخ، لأن الرخصة لا تكون إلا بعد منع.

تطبيق كفارة الظهار برقبة كافرة على خط الاستنباط

المحطة الأولى، نوع الحكم: حكم تكليفي، وجوب الكفارة، ومعه حكم وضعي هو الإجزاء: هل تبرأ الذمة بهذا العتق؟

المحطة الثانية، الثبوت: آيتا الظهار والقتل قطعيتا الثبوت. وحديث الجارية «أعتقها فإنها مؤمنة» في صحيح مسلم، خبر واحد.

المحطة الثالثة، الدلالة: «رقبة» في آية الظهار مطلق، قطعي الدلالة على إطلاقه عند الحنفية، ظني عند الجمهور. و«مؤمنة» في آية القتل قيد.

المحطة الرابعة، فحص المعارض: الحكم متحد والسبب مختلف. الحنفية: لا حمل، لأن الحمل زيادة على نص قطعي بقياس، والزيادة نسخ، فتبقى الآية على إطلاقها. الجمهور: يُحمل المطلق على المقيد بالقياس أو بوحدة الخطاب، ويؤيده حديث الجارية.

المحطة الخامسة، الإلحاق: عند الشافعية الحمل نفسه قياس، وجامعه أن الكفارة في الموضعين عتق لتكفير ذنب، فيُشترط فيه ما يشترط في نظيره.

الحكم: تجزئ الرقبة النصرانية عند الحنفية، ولا تجزئ عند المالكية والشافعية والحنابلة. وجذر الافتراق في المحطة الثالثة، في درجة دلالة المطلق، ثم في الرابعة، في حكم الزيادة على النص.

تنبيه التأويل عند الأصوليين والتأويل في باب الصفات

التأويل في هذا الباب صرف ظاهر نص فقهي بدليل، وهو عمل يومي للفقيه لا يستغني عنه مذهب. أما الخلاف في تأويل نصوص الصفات فمسألة كلامية لها أصولها وموضعها. ويقع في الخطأ من يجعل كل تأويل فقهي موضع تهمة، أو يجعل الخلاف في تأويل الصفات حجة في مسألة فرعية. وكذلك «المؤوَّل» عند الحنفية قسم من أقسام اللفظ باعتبار الوضع، وهو المشترك الذي ترجح أحد معانيه بغالب الرأي (طرق الدلالة بين المنهجين)، فهو قريب من «الظاهر بالدليل» في اصطلاح المتكلمين.

صلة الفصل بغيره

  • المشترك وحمله على معنييه، والحقيقة الشرعية، في مبادئ لغوية؛ وهما من أسباب الإجمال.
  • الفرق بين التقييد والتخصيص، وقطعية العام عند الحنفية، وترك الاستفصال، في العام والخاص.
  • الزيادة على النص وأنها نسخ عند الحنفية، وهي أصل باب الحمل عندهم، في النسخ.
  • القراءة الشاذة وحجيتها في التقييد، وأفعال النبي ﷺ وتقريره بيانا، في الكتاب والسنة.
  • مراتب الوضوح والخفاء على اصطلاح الحنفية، والمؤول عندهم، وعموم المقتضى، في طرق الدلالة بين المنهجين.
  • تعارض القول والفعل في البيان، والجمع بالتأويل طريقا لدفع التعارض، في التعارض والترجيح.
  • تكليف ما لا يطاق وصلته بتأخير البيان عن وقت الحاجة، في نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية.

خلاصة الفصل

  1. المطلق ما دل على شائع في جنسه، والمقيد ما دل عليه مع قيد يقلل شيوعه، والإطلاق والتقييد نسبيان.
  2. العام شمولي يتناول الأفراد جميعا، والمطلق بدلي يتناول فردا شائعا، والتقييد يحدد صفة المطلوب ولا يُخرج أفرادا.
  3. صور الحمل أربع: اتحاد الحكم والسبب فيُحمل اتفاقا، واتحاد الحكم مع اختلاف السبب وهو موضع الخلاف، واختلاف الحكم مع اتحاد السبب فلا يُحمل عند الجمهور، واختلافهما فلا حمل اتفاقا.
  4. الحنفية لا يحملون عند اختلاف السبب، لأن المطلق قطعي والحمل زيادة على النص والزيادة نسخ؛ والجمهور يحملون بالقياس أو بوحدة الخطاب.
  5. إذا ورد القيد في السبب لم يحمل الحنفية، ومنه زكاة الفطر عن العبد الكافر.
  6. المجمل ما لم تتضح دلالته، وحكمه التوقف حتى البيان، وأسبابه الاشتراك وتردد المرجع والحقيقة الشرعية قبل بيانها والإبهام والغرابة.
  7. الجمهور ينفون الإجمال عن تحريم الأعيان ونفي الحقيقة الشرعية، وفي آية المسح خلاف في الإجمال والقدر الواجب.
  8. البيان يكون بالقول والفعل والكتابة والإشارة والترك والتقرير، وبيان المجمل يجوز بالأدنى.
  9. تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يقع، وعن وقت الخطاب جائز عند الجمهور، والحنفية يمنعونه في بيان التغيير.
  10. النص عند المتكلمين ما لا يحتمل غير معنى واحد، والظاهر ما احتمل معنيين أحدهما أرجح، وللحنفية في اللفظين اصطلاح آخر.
  11. التأويل صرف الظاهر إلى احتمال مرجوح بدليل يصيّره راجحا، وشروطه: الاحتمال، والدليل، وقوة الدليل بقدر بعد الاحتمال، وأهلية المؤوِّل.
  12. أمثلة التأويل البعيد تتبادلها المذاهب، والحكم بالبعد يرجع إلى موازنة الاحتمال بالدليل الصارف.

تمارين

  1. صنّف كل لفظ: مطلق، أو عام، أو مقيد: (أ) «رقبة» في ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، (ب) «المشركين» في ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، (ج) ﴿شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤].
  2. حدّد صورة الحمل في كل مثال واذكر حكمها: (أ) الدم في آيتي المائدة والأنعام، (ب) الأيدي في الوضوء والتيمم، (ج) الرقبة في القتل واليمين.
  3. قارن بين الحنفية والشافعية في وجه حمل المطلق على المقيد عند اختلاف السبب، وبيّن الأصل الذي بنى عليه كل فريق.
  4. رد هذا الفرع إلى أصله: أوجب الحنفية على السيد زكاة الفطر عن عبده الكافر.
  5. هل ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] مجمل؟ اذكر القولين ووجه كل منهما.
  6. اذكر وسيلة البيان في كل مثال: (أ) «الشهر هكذا وهكذا»، (ب) «صلوا كما رأيتموني أصلي»، (ج) ترك الوضوء مما مست النار.
  7. ورد مخصص متراخ عن عام قرآني. ما حكمه عند الحنفية، وما حكمه عند الجمهور؟
  8. طبّق شروط التأويل على حمل «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها» على المكاتبة، وبيّن أي الشروط نازع فيه الغزالي، وبماذا أجاب الحنفية.
  9. حلّ عبارة الجويني: «ويؤول الظاهر بالدليل ويسمى الظاهر بالدليل».

أجوبة التمارين

  1. (أ) مطلق، (ب) عام، لأنه جمع محلى بأل ومؤكد بـ«كافة»، (ج) مقيد بالتتابع، مطلق فيما عداه.
  2. (أ) اتحاد الحكم والسبب، فيُحمل اتفاقا ويحرم المسفوح، (ب) اختلاف الحكم واتحاد السبب، فلا يُحمل عند الجمهور، والقدر في التيمم مأخوذ من أدلة أخرى، (ج) اتحاد الحكم واختلاف السبب، فيُحمل عند الجمهور ولا يُحمل عند الحنفية.
  3. الحنفية لا يحملون، لأن المطلق قطعي على إطلاقه، والحمل زيادة على النص، والزيادة نسخ لا تثبت بالقياس. والشافعية يحملون، وأكثرهم بالقياس بجامع، وبعضهم بوحدة كلام الشارع، والأصل عندهم أن المطلق ظني يقيده القياس.
  4. القيد «من المسلمين» عندهم وارد في السبب، وهو الرأس الذي يمونه، والسبب يتعدد، فلا يحمل المطلق على المقيد في الأسباب.
  5. الجمهور: ليس مجملا، لأن العرف يعين المقصود في كل عين، وهو الأكل في المأكول. الكرخي والبصري: مجمل، لأن التحريم لا يتعلق بالذات والمقدَّر غير متعين.
  6. (أ) الإشارة، (ب) الفعل مع القول الدال على أنه بيان، (ج) الترك.
  7. عند الحنفية ناسخ لقدر ما تناوله، فيُشترط فيه شرط الناسخ، وعند الجمهور مخصص يجوز تأخيره عن وقت الخطاب.
  8. اللفظ يحتمل المكاتبة احتمالا ضعيفا، فالشرط الأول متحقق، ونازع الغزالي في الثالث: صيغة «أيما» المؤكدة وتكرار البطلان تجعل حمله على صورة نادرة بعيدا جدا لا يقوى عليه دليلهم. وأجاب الحنفية بأن عمدتهم نصوص قرآنية تنسب النكاح إلى المرأة وحديث «الأيم أحق بنفسها»، وأنهم تكلموا في ثبوت الحديث، فالتأويل عندهم جمع بين الأدلة.
  9. الظاهر يُصرف عن معناه الراجح إذا قام دليل، وحينئذ يصير المعنى المرجوح ظاهرا بقوة ذلك الدليل، فيُعمل به كما يُعمل بالظاهر، ويسميه المتأخرون المؤوَّل.

  1. أصول الشاشي لأبي علي الشاشي الحنفي، الفصل الثاني: فصل في المطلق والمقيد، بحث «المطلق إذا أمكن العمل به لا يجوز الزيادة عليه». النص مطابق لطبعة المكتبة الشاملة. ↩

  2. الورقات لإمام الحرمين الجويني، باب المجمل والمبين، وباب الظاهر والمؤول. النص مطابق لطبعة المكتبة الشاملة، وجُمع البابان في كتلة واحدة لاتصالهما. ↩

طرق الدلالة بين المنهجين

موقع الفصل من المنظومة

هذا الفصل قلب المحطة الثالثة من خط الاستنباط: استخراج الدلالة ودرجتها. وفيه طرف من الرابعة، لأن ترتيب الدلالات عند تعارضها جزء من دفع المعارض. وقد درس الطالب قبله ألفاظا مفردة الأحكام: الحقيقة والمجاز والمشترك وحروف المعاني في مبادئ لغوية، والأمر والنهي في الأمر والنهي، والعام والخاص في العام والخاص، والمطلق والمجمل والظاهر في المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول. وهنا يجمعها في نظامين كاملين: نظام الحنفية الذي يقسم اللفظ أربع قسمة، ونظام المتكلمين الذي يقسم الدلالة إلى منطوق ومفهوم. والنظامان جوابان عن سؤال واحد: ما الذي يُستفاد من النص، وبأي طريق، وبأي درجة من القوة؟

وما فُصل في الفصول السابقة يُذكر هنا بموضعه وإحالته، ويُبسط ما لم يُبسط هناك: مراتب الوضوح والخفاء، وطرق الدلالة الأربع، والمفهوم بنوعيه.

سؤال الافتتاح

طلق رجل امرأته طلاقا بائنا، وهي غير حامل. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. هل تجب لها النفقة؟ وهل تدل الآية بنفسها على أن غير الحامل لا نفقة لها، أم أنها سكتت عنها؟

١ منهج الحنفية: التقسيمات الأربعة

بنى الحنفية مباحث الألفاظ على أربع قسمة، تتبع رحلة الكلام من الواضع إلى السامع: كيف وُضع اللفظ، ثم كيف استُعمل، ثم ما درجة ظهور المراد منه، ثم كيف يقف السامع على الحكم منه. والمرجع في هذا الحصر الاستقراء.

١ القسمة الأولى: باعتبار الوضع

  1. الخاص: كل لفظ وُضع لمعنى واحد معلوم على الانفراد، سواء كان المعنى فردا كـ«زيد»، أو نوعا كـ«رجل»، أو عددا كـ«ثلاثة». ومنه المطلق والمقيد والأمر والنهي. وحكمه عند الحنفية أنه يتناول مدلوله قطعا، فلا يحتمل البيان، ومن هنا جعلوا ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ثلاثة كاملة (العام والخاص).
  2. العام: ما يتناول أفرادا متفقة الحدود على سبيل الشمول، وهو قطعي عند الحنفية فيما يتناوله ما لم يُخص (العام والخاص).
  3. المشترك: ما وُضع لمعنيين مختلفين أو أكثر بأوضاع متعددة، ولا عموم له عندهم (مبادئ لغوية).
  4. المؤوَّل: المشترك الذي ترجح أحد معانيه بغالب الرأي، كحمل القرء على الحيض. وحكمه وجوب العمل به مع احتمال الخطأ.

٢ القسمة الثانية: باعتبار الاستعمال

  1. الحقيقة: اللفظ المستعمل فيما وُضع له.
  2. المجاز: اللفظ المستعمل في غير ما وُضع له لعلاقة مع قرينة. وتفصيلهما وما تُترك به الحقيقة في مبادئ لغوية.
  3. الصريح: ما ظهر المراد منه ظهورا بيّنا بكثرة الاستعمال، حقيقة كان أو مجازا، كقول الرجل لامرأته «أنت طالق». وحكمه ثبوت موجبه بلا حاجة إلى نية.
  4. الكناية: ما استتر المراد منه حتى يُعرف بالنية أو دلالة الحال، كقوله «أنت بائن» أو «الحقي بأهلك». وحكمها أنها لا يثبت بها الحكم إلا بالنية أو ما يقوم مقامها.

وثمرة القسمة الثانية ظاهرة في الطلاق والعتق والأيمان، وفي باب الحدود: فالحدود لا تثبت عند الحنفية بالكناية، لأنها تُدرأ بالشبهة، فلو أقر بالزنا بلفظ غير صريح لم يُحد.

١ القسمة الثالثة: باعتبار الظهور والخفاء

قسم الحنفية اللفظ بحسب ظهور المراد منه أربع مراتب صاعدة في الوضوح، وأربعا تقابلها في الخفاء.

مراتب الظهور:

  1. الظاهر: ما ظهر المراد منه بنفس الصيغة من غير أن يكون مسوقا له. كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فهو ظاهر في حل البيع وحرمة الربا، لأن ذلك يُفهم من الصيغة، وليس هو المقصود الأول بالسياق. وحكمه وجوب العمل به مع احتمال التأويل والتخصيص والنسخ.
  2. النص: ما ازداد وضوحا على الظاهر بمعنى في المتكلم، وهو أن الكلام سيق له. فالآية نفسها نص في نفي المماثلة بين البيع والربا، لأنها سيقت ردا على قولهم ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. ومثله ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]: ظاهر في إباحة النكاح، نص في قصر العدد على أربع، لأنه المقصود بالسياق. وحكمه كالظاهر، وهو أولى منه عند التعارض.
  3. المفسَّر: ما ازداد وضوحا على النص بحيث لا يبقى معه احتمال تأويل ولا تخصيص، ويبقى قابلا للنسخ في زمن الوحي. كقوله ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠]، فـ«كلهم» قطع احتمال التخصيص و«أجمعون» قطع احتمال التفرق، وكقوله ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، فالعدد لا يحتمل زيادة ولا نقصا.
  4. المحكم: ما أُحكم المراد منه فلا يحتمل تأويلا ولا نسخا، إما لمعنى في ذاته كالأخبار عن صفات الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وإما لنص على تأبيده، كقوله ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣].

مراتب الخفاء:

  1. الخفي: ما خفي المراد منه في بعض أفراده بعارض من غير الصيغة، فلا يُنال إلا بالطلب. كلفظ «السارق» بالنسبة إلى الطرّار (النشال) والنباش: لفظ السارق ظاهر في مدلوله، وخفي فيهما لاختصاص كل منهما باسم آخر. فطلب الحنفية: فوجدوا الطرار يأخذ المال من يقظان بحذق، فهو أبلغ من السارق، فقطعوه بدلالة النص، ووجدوا النباش يأخذ ما لا حافظ له ولا مالك على التحقيق، فهو دون السارق، فلم يقطعه أبو حنيفة ومحمد، وقطعه أبو يوسف كالجمهور. وحكم الخفي الطلب حتى يزول الخفاء.
  2. المشكل: ما خفي المراد منه بسبب في نفس اللفظ، فلا يُدرك إلا بالطلب ثم التأمل، كقوله تعالى ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، تردد «أنى» بين «كيف» و«أين»، فرجح بالتأمل في لفظ «الحرث» أنها بمعنى «كيف»، لأن الحرث موضع الزرع.
  3. المجمل: ما ازدحمت فيه المعاني واشتبه المراد اشتباها لا يُدرك بنفس العبارة، فيُرجع فيه إلى بيان المتكلم، كالصلاة والزكاة والربا قبل بيانها. وحكمه التوقف حتى يرد البيان من المجمِل، فإذا ورد صار مفسرا.
  4. المتشابه: ما لا طريق إلى معرفة المراد منه في الدنيا، كالحروف المقطعة في أوائل السور. وحكمه عند الحنفية اعتقاد حقيته والتوقف في تعيين المراد.

تنبيه المجمل والمتشابه والمحكم بين الاصطلاحين

المجمل عند الحنفية أضيق منه عند المتكلمين: فما يزول خفاؤه بالنظر في اللفظ وقرائنه، كالمشترك الذي ترجح بالقرينة، هو عندهم خفي أو مشكل أو مؤول، ولا يسمونه مجملا إلا إذا احتاج إلى بيان من المتكلم نفسه. والمتكلمون يسمون كل ما لم تتضح دلالته مجملا. والمحكم عند الحنفية أعلى مراتب الوضوح، وهو عند كثير من المفسرين والمتكلمين ما اتضح معناه مقابل المتشابه، فالمعنى العام واحد والحد مختلف (الكتاب والسنة). فإذا قرأ الطالب «هذا محكم» أو «هذا مجمل» وجب عليه أن يسأل: على أي الاصطلاحين؟

التعارض بين مراتب الظهور. إذا تعارضت مرتبتان قُدمت الأوضح: المحكم على المفسر، والمفسر على النص، والنص على الظاهر. ومن أمثلة الحنفية:

  • الظاهر والنص: قوله تعالى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ظاهر في حل ما زاد على أربع، لأنه سيق لبيان المحرمات، وقوله ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] نص في العدد، فقُدم النص.
  • المفسر أو المحكم والنص: قوله تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] نص في قبول شهادة العدل، يتناول المحدود في القذف إذا تاب، وقوله ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] نُص فيه على التأبيد. فقدم الحنفية الثاني، فلا تُقبل شهادة المحدود في القذف أبدا ولو تاب. والجمهور يقبلونها بالتوبة، لأن الاستثناء في ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] عندهم يرجع إلى الجمل كلها، فلم يسلموا أن «أبدا» تمنع ذلك (العام والخاص).

١ القسمة الرابعة: باعتبار كيفية الدلالة

هذه القسمة جواب عن سؤال: كيف يقف السامع على الحكم من النص؟ وعند الحنفية أربع طرق.

من المتون أصول الشاشي (الحنفي)، فصل في متعلقات النصوص

نعني بهَا عبارَة النَّص وإشارته ودلالته واقتضاءه. فَأَما عبارَة النَّص فَهُوَ مَا سيق الْكَلَام لأَجله وَأُرِيد بِهِ قصدا، وَأما إِشَارَة النَّص فَهِيَ مَا ثَبت بنظم النَّص من غير زِيَادَة وَهُوَ غير ظَاهر من كل وَجه وَلَا سيق الْكَلَام لأَجله.

الحل: «متعلقات النصوص» ما يتعلق بالنص من أحكام، أي الطرق التي يُستفاد بها الحكم منه. وفرّق الشاشي بين العبارة والإشارة بقيدين: العبارة «سيق الكلام لأجله» و«أريد به قصدا»، فهي المعنى المقصود بالسياق. والإشارة تشاركها في أنها «ثبتت بنظم النص من غير زيادة»، أي من لفظ النص نفسه دون تقدير، وتفارقها في أنها «غير ظاهر من كل وجه»، فتحتاج إلى تأمل، و«لا سيق الكلام لأجله». فالعبارة والإشارة كلتاهما من النظم، والفرق في القصد. ومثّل الشاشي بعدها بآية الفيء: سيقت لاستحقاق الفقراء المهاجرين، ودلت إشارة على زوال ملكهم عن أموالهم التي استولى عليها الكفار.1

  1. عبارة النص: المعنى المفهوم من اللفظ المقصود بالسياق أصالة أو تبعا. ومثالها قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]، عبارته استحقاق المهاجرين سهما من الفيء.

  2. إشارة النص: المعنى اللازم للفظ غير المقصود بالسياق. ففي الآية نفسها سماهم الله «فقراء» ولهم أموال تركوها بمكة، فدلت إشارة على أن استيلاء الكفار على أموال المسلمين وإحرازها بدارهم يزيل ملك المسلمين عنها، ويثبت الملك فيها للكفار، ولو بقيت على ملكهم لم يكونوا فقراء. وبنى الحنفية عليه أن من اشترى من الكفار مالا أخذوه من مسلم ملكه. ومن أمثلتها: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، عبارته وجوب نفقة المرضعات على الأب، وإشارته أن الولد ينسب إلى أبيه، لأنه أضاف الولد إليه بلام الاختصاص، وأن الأب ينفرد بنفقة ولده، فلا يشاركه فيها أحد. ومنها: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] مع ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]: عبارته حل المباشرة الليل كله، وإشارته صحة صوم من أصبح جنبا، لأن من باشر إلى آخر الليل أدركه الفجر جنبا.

  3. دلالة النص: المعنى الذي يفهمه كل عارف باللغة من علة الحكم المنصوص بلا اجتهاد، فيثبت به الحكم فيما ساوى المنصوص أو زاد عليه. كقوله ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]: المعنى المفهوم لغة الأذى، فيحرم الضرب والشتم بدلالة النص. ومن أشهر فروعها عند الحنفية كفارة الأكل عمدا في رمضان: جاء الأعرابي فقال: «هلكت، وقعت على امرأتي في رمضان»، فأمره النبي ﷺ بالكفارة (رواه البخاري ومسلم). قال الحنفية: علة الكفارة يفهمها كل عارف باللغة من سياق الحديث، وهي الجناية على الصوم بإفساده عمدا، والجماع آلة لها، فتجب الكفارة على الآكل والشارب عمدا بدلالة النص. ووافقهم المالكية في الحكم، ومأخذهم أن مناط الكفارة انتهاك حرمة الشهر. وقال الشافعية والحنابلة: لا كفارة إلا في الجماع، لأن الجماع أفحش، ولأن إلحاق الأكل به قياس، والكفارات عندهم لا تثبت بقياس في مثل هذا لعدم المساواة في المعنى.

  4. اقتضاء النص: معنى زائد على اللفظ يتوقف عليه صدق الكلام أو صحته شرعا أو عقلا، فيقدره السامع ضرورة. كقول الرجل: «أعتق عبدك عني بألف»: العتق عن الآمر لا يصح إلا أن يكون مالكا، فاقتضى الكلام تقدير البيع: «بعنيه بألف وكن وكيلي في إعتاقه»، فيصح العتق عن الآمر ويلزمه الثمن. ومثله في الحديث: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (رواه ابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم، وأعله آخرون)، والفعل نفسه لم يرتفع، فاقتضى الكلام تقدير محذوف. والمشهور في كتب الأصول ذكره بلفظ «رُفع عن أمتي».

مسألة خلافية هل للمقتضى عموم؟

  • الحنفية لا عموم للمقتضى، لأنه ثبت ضرورة، والضرورة تُقدَّر بقدرها، فيُقدَّر في الحديث رفع الإثم وحده. ولهذا أوقعوا طلاق المكره، ومعه عندهم قياسه على الهازل.
  • المالكية اختلفوا، والقرافي يذكر الخلاف ويرجح بالقرائن، والمعتمد عندهم عدم وقوع طلاق المكره.
  • الشافعية للمقتضى عموم عند كثير من الأصحاب، فيُقدَّر ما يعم الإثم والحكم، فلا يقع طلاق المكره.
  • الحنابلة له عموم عند كثير من الأصحاب، ولا يقع طلاق المكره.
  • سبب الخلاف المقدَّر ثبت للضرورة، فهل يُقدَّر بقدرها، أم يُقدَّر الأعم ليكون الكلام أتم فائدة؟
  • الثمرة طلاق المكره، ومعه الكلام ناسيا في الصلاة: يبطلها عند الحنفية، ولا يبطلها اليسير منه عند المالكية والشافعية.

ترتيب الدلالات عند التعارض. العبارة مقدمة على الإشارة، لأن العبارة مقصودة والإشارة لازمة غير مقصودة؛ والإشارة مقدمة على الدلالة، لأن الإشارة ثابتة بالنظم والدلالة بالمعنى؛ والدلالة مقدمة على الاقتضاء، لأن المقتضى ثبت ضرورة والضرورة أضعف. والمثال المشهور: قوله تعالى في القتل الخطأ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] يدل بدلالة النص عند الشافعية على وجوب الكفارة في القتل العمد، لأن العامد أولى بالتكفير من المخطئ. وقوله ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] يدل بإشارته عند الحنفية على أن جزاءه كله جهنم، فلا كفارة دنيوية تكفّره. فقدم الحنفية الإشارة على الدلالة، فلا كفارة على العامد عندهم، ولا عند المالكية والحنابلة على المذهب، وأوجبها الشافعية. والشافعية لا يسلمون أن الآية الثانية تنفي الكفارة، ولا يسمون ما في الأولى دلالة نص بالمعنى الحنفي، وإنما هو عندهم قياس أولى، لأن العمد أعظم من أن تكفّره الكفارة عند مخالفهم، فالأولوية نفسها موضع نزاع.

١ منهج الجمهور: المنطوق والمفهوم

قسم المتكلمون الدلالة بحسب موضع المعنى من اللفظ: فالمنطوق ما دل عليه اللفظ في محل النطق، أي حكم للمذكور، والمفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، أي حكم لغير المذكور. وهذا معنى تعريف ابن الحاجب وابن السبكي في جمع الجوامع.

١ المنطوق

المنطوق الصريح: ما وُضع اللفظ له، بالمطابقة أو التضمن. وهو على مرتبتين: النص، وهو ما لا يحتمل غير معناه، والظاهر، وهو ما احتمل غيره احتمالا مرجوحا (المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول).

المنطوق غير الصريح: ما لم يوضع اللفظ له، ويلزم عنه، أي دلالة الالتزام. وهو ثلاثة أقسام:

  1. دلالة الاقتضاء: ما يتوقف عليه صدق الكلام أو صحته عقلا أو شرعا، وهي المقتضى عند الحنفية. ويدخل فيها عند المتكلمين ما يسميه الحنفية المحذوف، كقوله ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي أهلها.
  2. دلالة الإيماء والتنبيه: أن يقترن الحكم بوصف لو لم يكن الوصف علة له لكان اقترانه به بعيدا. كقول الأعرابي «وقعت على امرأتي في رمضان» وجوابه ﷺ «أعتق رقبة»، فاقتران الأمر بالكفارة بذكر الوقاع يدل على أنه علته. وهي من مسالك العلة في القياس.
  3. دلالة الإشارة: ما يلزم من اللفظ ولم يُقصد به. ومثالها المشهور: قوله ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، فيلزم منهما أن أقل الحمل ستة أشهر، ولم تُسق الآيتان لبيان ذلك. ويُروى هذا الاستنباط عن علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم في امرأة ولدت لستة أشهر.

١ مفهوم الموافقة

مفهوم الموافقة: أن يكون المسكوت عنه موافقا للمنطوق في الحكم. وهو نوعان:

  1. الأولى، ويسمى فحوى الخطاب: أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق، كتحريم الضرب من ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣].
  2. المساوي، ويسميه بعضهم لحن الخطاب: أن يكون مساويا له، كتحريم إحراق مال اليتيم من قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، فالإحراق والإتلاف كالأكل في تفويت المال على اليتيم.

ومفهوم الموافقة حجة عند المذاهب الأربعة، وخالف فيه ابن حزم من الظاهرية. واختلفوا في طريق دلالته:

مسألة خلافية هل دلالة مفهوم الموافقة لفظية أم قياسية؟

  • الحنفية لفظية، وهي عندهم «دلالة النص»، يفهمها العارف باللغة بلا اجتهاد، ولهذا يثبتون بها الحدود والكفارات التي يمنعون فيها القياس.
  • المالكية لفظية عند الأكثر.
  • الشافعية نُسب إلى الشافعي في الرسالة أنه سماها قياسا، وتبعه جماعة جعلوها قياسا جليا، وذهب آخرون من الأصحاب إلى أنها لفظية، وذكر ابن السبكي الأقوال: قياسية، أو لفظية مجازية، أو منقولة لها عرفا.
  • الحنابلة لفظية عند الأكثر.
  • سبب الخلاف هل يتوقف فهم الحكم في المسكوت عنه على معرفة علة الحكم ونظر فيها، فيكون قياسا، أم يسبق إلى الفهم بمجرد سماع اللفظ ممن يعرف اللغة، فيكون لفظيا؟
  • الثمرة من جعلها لفظية أثبت بها ما لا يثبت بالقياس، ونسخ بها وخصص بها كما يخصص بالنص. ومن جعلها قياسا أجرى عليها شروطه. وأظهر ثمارها عند الحنفية كفارة الأكل عمدا.

١ مفهوم المخالفة

مفهوم المخالفة، ويسمى دليل الخطاب: أن يكون المسكوت عنه مخالفا للمنطوق في الحكم، لانتفاء قيد اعتبره الشارع في المنطوق. وأنواعه المشهورة ستة:

  1. مفهوم الصفة: تعليق الحكم بوصف، كقوله ﷺ في كتاب الصدقة: «وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة» (رواه البخاري)، فمفهومه أن المعلوفة لا زكاة فيها. وتجري الكتب على عبارة «في سائمة الغنم الزكاة».
  2. مفهوم الشرط: تعليق الحكم بشرط، كقوله ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فمفهومه أن غير الحامل لا نفقة لها.
  3. مفهوم الغاية: مد الحكم إلى غاية، كقوله ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فمفهومه أنها تحل له بعد نكاح غيره وفراقه.
  4. مفهوم العدد: تقييد الحكم بعدد، كقوله ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، فمفهومه منع الزيادة، وكحديث القلتين في الماء.
  5. مفهوم اللقب: تعليق الحكم باسم جامد، كقوله ﷺ «جُعلت تربتها لنا طهورا» (رواه مسلم)، فمفهومه عند من يقول به أن غير التراب لا يُتيمم به.
  6. مفهوم الحصر: كقوله ﷺ «إنما الولاء لمن أعتق» (رواه البخاري ومسلم)، وكالنفي والاستثناء. وعدّه بعضهم منطوقا.

وأقواها عند القائلين به: الحصر، ثم الغاية، ثم الشرط، ثم الصفة المناسبة، ثم مطلق الصفة، ثم العدد، وأضعفها اللقب.

شروط العمل بمفهوم المخالفة. يُعمل به عند القائلين به إذا لم يظهر للقيد فائدة غير نفي الحكم عما عداه. ولهذا اشترطوا:

  1. ألا يكون المسكوت عنه أولى بالحكم أو مساويا له، وإلا كان مفهوم موافقة.
  2. ألا يخرج القيد مخرج الغالب، كقوله ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فالغالب أن الربيبة في حجر زوج أمها، فتحرم ولو لم تكن في حجره عند الجمهور.
  3. ألا يكون جوابا لسؤال أو بيانا لحادثة وقعت بقيدها.
  4. ألا يُذكر القيد لتقرير واقع أو للتنفير، كقوله ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، فالربا محرم قليله وكثيره.
  5. ألا يُذكر للامتنان، كقوله ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]، فلا يدل على منع أكل القديد.
  6. ألا يكون المتكلم جاهلا بحكم المسكوت عنه، وهذا في كلام الناس.
  7. ألا يعارضه دليل أقوى منه، من منطوق أو مفهوم موافقة.

مسألة خلافية هل مفهوم المخالفة حجة؟

  • الحنفية ليس حجة في نصوص الشارع، وتخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه؛ فالمسكوت عنه باق على العدم الأصلي، أو يُطلب حكمه من دليل آخر. ويعتبره متأخروهم في كلام الناس والعقود والروايات. ومعنى «العدم الأصلي» عندهم أن انتفاء الحكم في المسكوت عنه ثابت بالبراءة الأصلية لا بدلالة اللفظ، فيرتفع بأدنى دليل، ولا يعارض به نص.
  • المالكية حجة في الجملة، بالشروط المتقدمة، وعليه مراقي السعود وشرحها. وقال ابن خويز منداد وبعض المالكية بمفهوم اللقب.
  • الشافعية حجة في الصفة والشرط والغاية والعدد والحصر، وليس مفهوم اللقب حجة عند الجمهور منهم، وقال به أبو بكر الدقاق والصيرفي. وأنكر بعض الشافعية مفهوم الصفة، منهم الغزالي، وأنكره الباقلاني من المالكية.
  • الحنابلة حجة على المذهب، وقال بمفهوم اللقب بعض الأصحاب.
  • سبب الخلاف هل لتخصيص الشيء بالذكر فائدة غير نفي الحكم عما عداه؟ فالجمهور يقولون: الحكيم لا يخص بالذكر إلا لفائدة، والفائدة الظاهرة النفي، وأهل اللغة فهموا ذلك، كما فهم يعلى بن أمية من ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] أن القصر مقيد بالخوف فسأل عمر، فلم يُنكر عليه فهمه (رواه مسلم). والحنفية يقولون: فوائد التخصيص كثيرة غير النفي، كالاهتمام والتنبيه وموافقة الواقع، والتخصيص بالذكر لا ينفي الحكم عما عداه إلا بدليل.
  • الثمرة تُذكر في الحالات الثلاث بعد هذه الكتلة.

٢ ثمرات مفهوم المخالفة

الأولى: زكاة الغنم المعلوفة. قال الحنفية والشافعية والحنابلة: لا زكاة في المعلوفة. وقال المالكية: تجب فيها الزكاة، وكذا العوامل. فالحنفية يردون المفهوم، وقد وافقوا الشافعية في الحكم بأدلة أخرى، منها أن الزكاة شُرعت في المال النامي، والمعلوفة تستغرق مؤنتها نماءها، ومنها آثار في نفي الزكاة عن العوامل. والمالكية يقبلون المفهوم، وقد خالفوا لأن السوم عندهم خرج مخرج الغالب، فأغنام العرب سائمة في الأكثر، فلم يعملوا بمفهومه، وأخذوا بعموم «في كل أربعين شاة شاة» (رواه أبو داود والترمذي من حديث ابن عمر في كتاب الصدقة، وحسنه الترمذي). فالأصل لا يطرد في الفرع وحده: الحكم يُبنى على مجموع الأدلة، والمفهوم واحد منها.

الثانية: نكاح الأمة الكتابية. قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]. قال الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة: لا يجوز للمسلم نكاح الأمة الكتابية، عملا بمفهوم الصفة «المؤمنات». وقال الحنفية: يجوز، لأن المفهوم ليس حجة، فالأمة الكتابية باقية تحت عموم ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] وقوله ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. ومن الآية نفسها شرطا الجمهور في نكاح الأمة: عدم الطول وخوف العنت، أخذا بمفهوم الشرط والصفة، والحنفية يجيزونه مع القدرة على مهر الحرة ما لم تكن تحته حرة.

الثالثة: نفقة المبتوتة غير الحامل. وهي سؤال الافتتاح.

تطبيق نفقة المبتوتة غير الحامل على خط الاستنباط

المحطة الأولى، نوع الحكم: حكم تكليفي، وجوب النفقة والسكنى على المطلِّق في العدة.

المحطة الثانية، الثبوت: الآية قطعية. وحديث فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها البتة فلم يجعل لها رسول الله ﷺ نفقة ولا سكنى، رواه مسلم. وأثر عمر رضي الله عنه في رده: «لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت» رواه مسلم.

المحطة الثالثة، الدلالة: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦] عام في المطلقات. ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ منطوقه وجوب النفقة للحامل، ومفهوم شرطه نفيها عن غير الحامل.

المحطة الرابعة، المعارض والترجيح: المالكية والشافعية عملوا بمفهوم الشرط، فلا نفقة لغير الحامل، وأوجبوا لها السكنى بعموم ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾. والحنابلة أخذوا بحديث فاطمة، فلا نفقة ولا سكنى. والحنفية ردوا المفهوم، فالشرط عندهم يدل على وجوب النفقة للحامل ويسكت عن غيرها، وأوجبوا النفقة والسكنى للمبتوتة بأدلة أخرى، منها أثر عمر، وأن النفقة جزاء الاحتباس في العدة لحق الزوج، وهو قائم في الحامل وغيرها. وحديث فاطمة عندهم مردود بإنكار عمر، أو محمول على سبب خاص بها.

الحكم: للمبتوتة غير الحامل النفقة والسكنى عند الحنفية، والسكنى دون النفقة عند المالكية والشافعية، ولا شيء عند الحنابلة. والجواب عن سؤال الافتتاح: الآية تدل بمفهومها على نفي النفقة عند الجمهور، وتسكت عنها عند الحنفية. وجذر الافتراق في المحطة الثالثة، ثم تداخل معه في الرابعة الخلاف في ثبوت حديث فاطمة والعمل به.

٣ دلالة الاقتران

دلالة الاقتران: أن يُستدل باقتران شيئين في الذكر على اشتراكهما في الحكم. وهي ليست حجة عند جمهور الأصوليين من المذاهب الأربعة، لأن القِران في النظم لا يوجب القِران في الحكم، وأخذ بها في مواضع أبو يوسف من الحنفية، والمزني وابن أبي هريرة من الشافعية، وبعض الحنابلة. ومن أشهر ما يُذكر فيها لحم الخيل: قال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، فاستدل من منع أكلها باقترانها بالبغال والحمير، وبسياق الامتنان بالركوب دون الأكل. فكرهه أبو حنيفة، والمشهور عند المالكية التحريم، وأباحه الشافعية والحنابلة والصاحبان لحديث جابر أن النبي ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل (رواه البخاري ومسلم). فالاستدلال مركب من الاقتران والسياق، ولم يقم على الاقتران وحده.

١ جدول المقابلة بين المنهجين

يجمع الجدول ما يقابل كل باب عند الفريقين. والمقابلة تقريبية: الحدود عند كل فريق مبنية على أصوله، فما يطابقه الجدول في الأمثلة يفترق في الحكم أحيانا.

ما يُستفاد من النص عند الحنفية عند الجمهور ملاحظة الفرق
المعنى المستفاد من النظم المقصود بالسياق أصالة أو تبعا عبارة النص المنطوق الصريح العبارة تشمل ما سيق له الكلام تبعا، فيدخل فيها الظاهر الحنفي
درجة وضوح المعنى ظاهر، ثم نص، ثم مفسر، ثم محكم ظاهر، ثم نص الظاهر الحنفي ظاهر عند الجمهور، والنص الحنفي ظاهر أو نص بحسب الاحتمال، والمفسر والمحكم نص (المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول)
اللازم غير المقصود إشارة النص دلالة الإشارة (منطوق غير صريح) متقاربان في الحد والأمثلة
المقدَّر لصحة الكلام اقتضاء النص (ويفرقون بينه وبين المحذوف) دلالة الاقتضاء (تشمل المحذوف) الحنفية: لا عموم للمقتضى
الوصف المقترن بالحكم المشعر بعليته يُبحث في مسالك العلة دلالة الإيماء والتنبيه (منطوق غير صريح) الإيماء عند الجمهور من الدلالات ومن المسالك معا
حكم المسكوت عنه الموافق دلالة النص (لفظية) مفهوم الموافقة (لفظي أو قياسي) تثبت بها الحدود والكفارات عند الحنفية
حكم المسكوت عنه المخالف ليس دلالة في نصوص الشارع؛ العدم الأصلي مفهوم المخالفة (حجة بشروط) أكبر مواضع الافتراق
اللفظ المحتاج إلى بيان المتكلم المجمل المجمل المجمل عند الحنفية أضيق
الخفاء الزائل بالنظر الخفي، المشكل؛ والمؤول من قسمة الوضع الظاهر بالدليل أو المجمل الجمهور لا يفردونه بمراتب
ما لا يُعلم المراد منه المتشابه المتشابه الخلاف في الوقف في آية آل عمران
ترتيب القوة عند التعارض العبارة ثم الإشارة ثم الدلالة ثم الاقتضاء؛ والمحكم ثم المفسر ثم النص ثم الظاهر المنطوق مقدم على المفهوم، والموافقة على المخالفة، والنص على الظاهر الترتيب الحنفي أوفى تفصيلا

أداة تفكير الفهم طبقات استدلال: الأصوليون وGrice

تقسم التداولية الحديثة المعنى طبقات: ما يُقال صراحة، وما يُفترض مسبقا لصحة الكلام (presupposition)، وما يُستلزم من الكلام بحسب السياق ومبادئ التعاون في الحوار (conversational implicature عند Grice). والمقابلة مع الأصول تكشف بناء الباب: فالعبارة والمنطوق الصريح يقابلان «ما يُقال»، والاقتضاء يقابل الافتراض المسبق أو ما يسميه بعضهم الاستدلال الجسري (bridging)، والإشارة تقابل الاستلزام المنطقي غير المقصود، ودلالة النص ومفهوم الموافقة تقابلان الاستدلال السلّمي (scalar) ومنه قياس الأولى، ومفهوم المخالفة يقابل الاستلزام الحواري الذي يبنيه Grice على مبدأ الكم: المتكلم المتعاون لا يزيد قيدا إلا لفائدة. وشروط المفهوم عند الجمهور، كألا يخرج القيد مخرج الغالب، تشبه قابلية الاستلزام عند Grice للإلغاء بالسياق.

وحدود المقابلة ثلاثة. الأول: الاستلزام عند Grice استدلال يقوم به السامع في حوار بشري، والمفهوم عند الأصوليين حجة شرعية تُثبت حكما يُتعبد به، فحجيته تتقرر بأدلة الشرع واللغة، لا بنظرية في الحوار. الثاني: إنكار الحنفية للمفهوم في نصوص الشارع لا تنقضه التداولية، لأن الحنفية لا ينكرون أن القيد يُفهم منه شيء، وإنما ينكرون أن يبلغ هذا الفهم رتبة الدليل الذي يعارض به عموم أو قياس؛ وهم يقبلونه في كلام الناس، وهذا قريب من التفريق التداولي بين أنواع الخطاب. الثالث: ترتيب الدلالات عند الأصوليين ترتيب في قوة الحجة عند التعارض، والتداولية تصف عمليات الفهم ولا ترتبها للترجيح. فالأداة تعين على تصور الطبقات، والحكم في كل طبقة لأدلة كل مذهب.

تنبيه الإشارة والإيماء والاقتضاء

يخلط الطالب كثيرا بين هذه الثلاثة لأنها كلها «غير صريحة». والضابط: الاقتضاء شيء يُقدَّر لا يستقيم الكلام بدونه، والإيماء وصف مذكور يقترن بالحكم فيُشعر بأنه علته، والإشارة لازم للكلام صحيح بدونه ولم يُقصد. فلو حذفت الاقتضاء فسد الكلام أو كذب، ولو حذفت الإشارة بقي الكلام سليما. وعند الحنفية يزيد التباس آخر: «دلالة النص» عندهم اسم لنوع خاص هو مفهوم الموافقة، وليست الدلالة بمعناها العام.

صلة الفصل بغيره

خلاصة الفصل

  1. قسم الحنفية اللفظ أربع قسمة: باعتبار الوضع، والاستعمال، والظهور والخفاء، وكيفية الدلالة.
  2. باعتبار الوضع: الخاص والعام والمشترك والمؤول، والخاص قطعي في مدلوله لا يحتمل البيان.
  3. باعتبار الاستعمال: الحقيقة والمجاز والصريح والكناية، والكناية تحتاج إلى النية ولا تثبت بها الحدود.
  4. مراتب الظهور: الظاهر ثم النص ثم المفسر ثم المحكم، ومراتب الخفاء: الخفي ثم المشكل ثم المجمل ثم المتشابه، ويُقدَّم الأوضح عند التعارض.
  5. طرق الدلالة عند الحنفية: العبارة والإشارة والدلالة والاقتضاء، وتترتب بهذا الترتيب في القوة.
  6. لا عموم للمقتضى عند الحنفية، وله عموم عند كثير من الشافعية والحنابلة، ومن ثمرته طلاق المكره.
  7. قسم الجمهور الدلالة إلى منطوق ومفهوم، والمنطوق صريح (نص وظاهر) وغير صريح (اقتضاء وإيماء وإشارة).
  8. مفهوم الموافقة أولى ومساو، وهو حجة عند الجميع، واختلفوا هل دلالته لفظية أم قياسية.
  9. أنواع مفهوم المخالفة: الصفة والشرط والغاية والعدد واللقب والحصر، وأضعفها اللقب.
  10. شروط العمل بمفهوم المخالفة ترجع إلى ألا يكون للقيد فائدة غير النفي، كالغالب وجواب السؤال والامتنان.
  11. الحنفية يردون مفهوم المخالفة في نصوص الشارع، والجمهور يقبلونه بشروط، واللقب لا يقول به إلا قليل.
  12. الفروع لا تطرد مع الأصل وحده: المالكية خالفوا مفهوم السائمة وهم يقولون بالمفهوم، والحنفية وافقوا في المعلوفة وهم ينكرونه.
  13. التشبيه بالتداولية يكشف طبقات الفهم، وحده أن حجية الدلالة تتقرر بأدلة كل مذهب.

تمارين

  1. صنّف كل لفظ على مراتب الظهور عند الحنفية: (أ) ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠]، (ب) ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] في حل البيع، (ج) ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣].
  2. بيّن نوع الدلالة عند الحنفية: (أ) تحريم ضرب الوالدين، (ب) نسب الولد إلى أبيه من ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، (ج) تقدير البيع في «أعتق عبدك عني بألف».
  3. ما الذي يقابل كل نوع من السؤال السابق في منهج الجمهور؟
  4. لماذا لم يوجب الحنفية الكفارة في القتل العمد؟ وبماذا أجاب الشافعية؟
  5. صنّف المفهوم في كل نص: (أ) ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، (ب) «جعلت تربتها لنا طهورا»، (ج) ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤].
  6. لماذا لا يُعمل بمفهوم ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]؟ ولماذا لا يُعمل بمفهوم ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]؟
  7. قارن بين المالكية والحنفية في زكاة المعلوفة، وبيّن كيف خالف كل منهما ما يتوقع من أصله.
  8. رد هذا الفرع إلى أصله: أجاز الحنفية نكاح الأمة الكتابية.
  9. حلّ عبارة الشاشي: «وأما إشارة النص فهي ما ثبت بنظم النص من غير زيادة وهو غير ظاهر من كل وجه ولا سيق الكلام لأجله».
  10. قال طالب: «التداولية تثبت أن الحنفية أخطؤوا في إنكار المفهوم». ناقش العبارة.

أجوبة التمارين

  1. (أ) مفسر، لأن التأكيد قطع احتمال التخصيص، (ب) ظاهر، لأن الآية سيقت لنفي المماثلة بين البيع والربا، (ج) محكم، للتنصيص على التأبيد.
  2. (أ) دلالة النص، (ب) إشارة النص، (ج) اقتضاء النص.
  3. (أ) مفهوم الموافقة الأولى، (ب) دلالة الإشارة من المنطوق غير الصريح، (ج) دلالة الاقتضاء من المنطوق غير الصريح.
  4. لأن آية العمد تدل بإشارتها على أن جزاءه كله جهنم، والإشارة عندهم مقدمة على دلالة النص المأخوذة من آية الخطأ. والشافعية لا يسلمون هذه الإشارة، ويجعلون العمد أولى بالكفارة، فيوجبونها قياس أولى.
  5. (أ) مفهوم الغاية، (ب) مفهوم اللقب، (ج) مفهوم العدد.
  6. الأول خرج مخرج الغالب، والثاني ذُكر لتقرير واقع كان عليه أهل الجاهلية والتنفير منه، فلم يتمحض القيد لنفي الحكم عما عداه.
  7. المالكية يقبلون المفهوم وأوجبوا الزكاة في المعلوفة، لأن السوم عندهم خرج مخرج الغالب، والحنفية يردون المفهوم وأسقطوها عن المعلوفة بأدلة أخرى كاشتراط النماء.
  8. لا يرون مفهوم الصفة في ﴿فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] حجة، فتبقى الكتابية تحت عموم الحل.
  9. «بنظم النص» أي من لفظه، و«من غير زيادة» أي بلا تقدير، فتفارق الاقتضاء. و«غير ظاهر من كل وجه» أي يحتاج إلى تأمل، و«لا سيق الكلام لأجله» فتفارق العبارة.
  10. العبارة لا تصح: التداولية تصف كيف يُفهم الكلام، والحنفية لا ينكرون أن القيد يُفهم منه شيء، وإنما ينكرون أن يبلغ رتبة الحجة الشرعية في نصوص الشارع، ويقبلونه في كلام الناس. والحجية مسألة تتقرر بأدلة الشرع واللغة.

  1. أصول الشاشي لأبي علي الشاشي الحنفي، الفصل التاسع: فصل في متعلقات النصوص. النص مطابق لطبعة المكتبة الشاملة. ↩

التعارض والترجيح

موقع الفصل من المنظومة

هذا الفصل المحطة الرابعة من خط الاستنباط: فحص المعارض. فالناظر بعد أن جمع الأدلة وفحص ثبوتها (الكتاب والسنة)، واستخرج دلالة كل منها ودرجتها (مبادئ لغوية إلى طرق الدلالة بين المنهجين)، قد يجد دليلين يقتضي أحدهما خلاف ما يقتضيه الآخر. فيسأل: هل التعارض حقيقي؟ وإن كان، فبأي ترتيب أدفعه؟ وما المرجحات التي تقوّي أحد الدليلين؟

ويجمع هذا الفصل أدوات سبقت متفرقة: التخصيص في العام والخاص، والتقييد والتأويل في المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول، والنسخ في النسخ، وترتيب الدلالات في طرق الدلالة بين المنهجين. ويضيف إليها أمرين: ترتيب استعمالها، وهو موضع افتراق المنهجين، ووجوه الترجيح.

سؤال الافتتاح

توضأ رجل ثم مس ذكره بباطن كفه من غير حائل، فأراد أن يصلي. بلغه حديث بسرة بنت صفوان: «من مس ذكره فليتوضأ»، وحديث طلق بن علي أن النبي ﷺ سئل عن الرجل يمس ذكره فقال: «هل هو إلا بضعة منك». هل انتقض وضوؤه؟ وبأي طريق يُدفع التعارض بين الحديثين؟

١ حقيقة التعارض

التعارض لغة: التقابل والتمانع، من عرض الشيء إذا اعترض فمنع. واصطلاحا: تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، بأن يقتضي أحدهما في محل واحد وزمن واحد خلاف ما يقتضيه الآخر. والتعادل عند المتكلمين: تساوي الدليلين المتعارضين بحيث لا مزية لأحدهما. والترجيح: تقوية أحد الدليلين المتعارضين بما ليس دليلا مستقلا، فيُعمل بالأقوى. وعرّفه الحنفية بأنه إظهار زيادة لأحد المتماثلين على الآخر وصفا لا أصلا، وعلى هذا القيد بنوا مسألة الترجيح بكثرة الأدلة، وستأتي.

١ لا تعارض في نفس الأمر

أدلة الشرع صادرة عن حكيم عليم، فلا يتناقض كلامه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. فالتعارض يقع في نظر المجتهد، لقصور علمه بالتاريخ أو بالمخصص أو بوجه الجمع، ولا يقع في مراد الشارع. ومن هنا كان دفع التعارض بحثا عن مراد واحد خفي، لا اختيارا بين مرادين.

واختلفوا في أمارتين ظنيتين: هل يمكن أن تتعادلا في نفس الأمر، فلا يكون لإحداهما مزية عند الله؟ فمنعه الأكثر، منهم الكرخي من الحنفية وأحمد في المنقول عنه، وأجازه القاضي أبو بكر الباقلاني وجماعة. وذكر ابن السبكي في جمع الجوامع امتناع تعادل القاطعين، وكذا الأمارتين في نفس الأمر على الصحيح.

٢ شروط التعارض

لا يكون التعارض حقيقيا حتى تجتمع شروط:

  1. أن يتساوى الدليلان في الحجية، فلا تعارض بين حجة وما ليس بحجة، كالحديث الصحيح والضعيف.
  2. أن يتساويا في القوة من جهة الثبوت عند الحنفية، فلا يعارض خبر الواحد المتواتر، بل يُقدَّم المتواتر. ومن هنا قال الحنفية إن العام القطعي يعارض الخاص القطعي، ولا يعارضه الخاص الظني (العام والخاص).
  3. أن يتحد المحل والزمن، فلا تعارض بين حل النكاح قبل الطلاق وحرمته بعده، ولا بين حكمين في زمنين إذا عُلم التاريخ، فذلك نسخ.
  4. أن يتضاد الحكمان، فلا تعارض بين الإيجاب والندب في شيئين، ولا بين فعل يدل على الجواز وقول لا يمنعه.

٢ بين أي الأدلة يقع؟

  • بين قطعيين: لا يقع تعارض حقيقي، لأنه يؤدي إلى اجتماع النقيضين. فإن ظهر بين نصين قطعيين كان أحدهما ناسخا للآخر إذا عُلم التاريخ، وما يُحكى من تعارض بينهما فهو في الظاهر.
  • بين قطعي وظني: لا تعارض، ويُقدَّم القطعي، لأن الظن لا يقاوم اليقين. ويدخل هنا الخلاف في قطعية دلالة العام عند الحنفية، فما يراه الحنفية قطعيا يراه الجمهور ظنيا، فيختلفون في وجود التعارض أصلا.
  • بين ظنيين: هو موضع التعارض والترجيح، وفيه أكثر مسائل الباب.

١ شجرة القرار عند التعارض

إذا ثبت التعارض، فللمنهجين ترتيبان متوازيان. والمنهج الذي يقدم الجمع يبدأ من فرض أن الشارع أراد الدليلين معا، والمنهج الذي يقدم النسخ والترجيح يبدأ من فرض أن مراد الشارع يُعرف بالتاريخ أو بالقوة قبل التأويل.

مسألة خلافية ما ترتيب طرق دفع التعارض؟

  • الحنفية المشهور في كتب المتأخرين كالتوضيح وشرح المنار: النسخ إن عُلم التاريخ، ثم الترجيح، ثم الجمع، ثم التساقط والرجوع إلى ما دون الدليلين في الرتبة. وقدّم بعض الحنفية الجمع على الترجيح.
  • المالكية الجمع، ثم النسخ، ثم الترجيح.
  • الشافعية الجمع أولا، لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، ثم النسخ إن عُلم التاريخ، ثم الترجيح، ثم التوقف أو التخيير.
  • الحنابلة الجمع، ثم النسخ، ثم الترجيح.
  • سبب الخلاف هل الجمع بتأويل أحد الدليلين قد يكون تكلفا يخالف مراد الشارع، فيُقدَّم ما يُعرف به مراده من تاريخ أو قوة، أم أن إعمال الكلامين أولى ما أمكن؟
  • الثمرة الصلاة ذات السبب في أوقات النهي، وتأتي حالة محلولة.

والشجرة تُرسم فرعين متوازيين لا يُوحَّد ترتيبهما:

دليلان متعارضان في الظاهر │ ┌──────────────────────┴──────────────────────┐ فرع الجمهور فرع الحنفية │ │ ج١ هل يمكن الجمع؟ ح١ هل عُلم التاريخ؟ نعم ← اجمع (تخصيص، تقييد، نعم ← المتأخر ناسخ تأويل، حمل على حالين) (بشروط الناسخ) لا ↓ لا ↓ ج٢ هل عُلم التاريخ؟ ح٢ هل لأحدهما مرجح؟ نعم ← المتأخر ناسخ نعم ← اعمل بالراجح لا ↓ لا ↓ ج٣ هل لأحدهما مرجح؟ ح٣ هل يمكن الجمع؟ نعم ← اعمل بالراجح نعم ← اجمع لا ↓ لا ↓ ج٤ التوقف، أو التخيير، ح٤ تساقطا، فارجع إلى ما دونهما: أو التساقط والرجوع إلى البراءة آيتان ← السنة (أقوال) سنتان ← قول الصحابي والقياس قياسان ← التحري والعمل بأحدهما ولا دليل ← الأصل (الاستصحاب)

وللمنصة، عُقد الشجرة وحوافها:

العقدة السؤال نعم لا
ج١ هل يمكن الجمع بوجه مقبول؟ الحكم بالجمع (انتهى) ج٢
ج٢ هل عُلم المتأخر منهما؟ المتأخر ناسخ (انتهى) ج٣
ج٣ هل لأحدهما مرجح معتبر؟ العمل بالراجح (انتهى) ج٤
ج٤ ــ التوقف أو التخيير أو التساقط والرجوع إلى البراءة ــ
ح١ هل عُلم المتأخر منهما؟ المتأخر ناسخ (انتهى) ح٢
ح٢ هل لأحدهما مرجح معتبر؟ العمل بالراجح (انتهى) ح٣
ح٣ هل يمكن الجمع بوجه مقبول؟ الحكم بالجمع (انتهى) ح٤
ح٤ ــ التساقط والانتقال إلى الدليل الأدنى رتبة، ثم إلى الأصل ــ

من المتون أصول الشاشي (الحنفي)، بحث إذا تعارض الدليلان

ثمَّ اذا تعَارض الدليلان عِنْد الْمُجْتَهد فان كَانَ التَّعَارُض بَين الْآيَتَيْنِ يمِيل الى السّنة، وان كَانَ بَين السنتين يمِيل الى آثَار الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَالْقِيَاس الصَّحِيح، ثمَّ اذا تعَارض القياسان عِنْد الْمُجْتَهد يتحَرَّى وَيعْمل بِأَحَدِهِمَا لانه لَيْسَ دون الْقيَاس دَلِيل شَرْعِي يُصَار إِلَيْهِ.

الحل: هذا آخر فرع الحنفية في الشجرة، أي العقدة ح٤، بعد أن تعذر النسخ والترجيح والجمع. «عند المجتهد» قيد يقرر أن التعارض في نظره. و«يميل إلى السنة» أي يترك الآيتين ويعمل بما دونهما رتبة، لأنهما تساقطا في محل التعارض. فإن تعارضت سنتان نزل إلى قول الصحابي والقياس، وهما في رتبة واحدة هنا عند الشاشي. فإن تعارض قياسان لم يبق دونهما دليل شرعي، فيتحرى المجتهد ويعمل بأحدهما بشهادة قلبه. وفرّع الشاشي على ذلك أن المسافر معه إناءان طاهر ونجس لا يتحرى بينهما بل يتيمم، لأن للماء بدلا هو التراب، ومعه ثوبان طاهر ونجس يتحرى، لأن الثوب لا بدل له. فالتحري عندهم آخر ما يُلجأ إليه، حين لا يبقى دليل ولا بدل.1

من المتون الورقات للجويني، تنبيه في التعارض

إِذا تعَارض نطقان فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَكُونَا عَاميْنِ أَو خاصين أَو أَحدهمَا عَاما وَالْآخر خَاصّا أَو كل وَاحِد مِنْهُمَا عَاما من وَجه وخاصا من وَجه. فَإِن كَانَا عَاميْنِ فَإِن أمكن الْجمع بَينهمَا جمع وَإِن لم يُمكن الْجمع بَينهمَا يتَوَقَّف فيهمَا إِن لم يعلم التَّارِيخ فَإِن علم التَّارِيخ ينْسَخ الْمُتَقَدّم بالمتأخر وَكَذَا إِذا كَانَا خاصين.

الحل: «النطقان» النصان من الكتاب أو السنة، احترازا من الإجماع والقياس. وقسم الجويني التعارض بحسب العموم والخصوص أربعة أقسام. وفي العامين والخاصين رتّب: الجمع إن أمكن، فإن لم يمكن نُظر في التاريخ، فإن جُهل توقف، وإن عُلم نسخ المتقدم بالمتأخر. فهذا فرع الجمهور في الشجرة، مختصرا على مستوى الورقات: لم يذكر الترجيح هنا، وذكره المتوسطون بين النسخ والتوقف. وتمام عبارته أن العام والخاص يُخص فيه العام بالخاص، وأن العامين من وجه يُخص عموم كل منهما بخصوص الآخر، وهذه صور من الجمع.2

٢ الحالة الأولى: عدة الحامل المتوفى عنها زوجها

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وقال: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. فالحامل المتوفى عنها داخلة في العمومين.

  • طريق الجمع: رُوي عن علي وابن عباس رضي الله عنهم أنها تعتد بأبعد الأجلين، فتعمل بالآيتين معا.
  • طريق النسخ أو التخصيص بالتاريخ: قال ابن مسعود رضي الله عنه: «أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى» (رواه البخاري)، يريد أن آية الطلاق متأخرة، فهي تقضي على آية البقرة في الحامل. وهذا مسلك الحنفية: علم التاريخ يُقدَّم.
  • طريق السنة المبينة: حديث سبيعة الأسلمية أنها وضعت بعد وفاة زوجها بليال فأفتاها النبي ﷺ بأنها قد حلت (رواه البخاري ومسلم).

فاتفقت المذاهب الأربعة على أن عدتها وضع الحمل، واختلف الطريق: الجمهور عدّوا آية الطلاق مخصصة لعموم آية البقرة، وحديث سبيعة بيانا، والحنفية عدّوها ناسخة لقدر ما تناولته لتأخرها مع تساويهما في القطعية. والحالة تُظهر أن اختلاف ترتيب الشجرة قد ينتهي إلى حكم واحد، وأن الجمع بأبعد الأجلين، مع وجاهته في الأصل، تركه الجمهور لقيام السنة المبينة.

٢ الحالة الثانية: سؤر الحمار

وهي مثال الحنفية المشهور على العقدة ح٤. تعارضت عندهم الأدلة في لحم الحمار الأهلي وسؤره: النهي عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، وآثار مختلفة عن الصحابة في سؤره، فرُوي عن ابن عمر أنه كان يكره سؤره، وعن ابن عباس أنه طاهر. فلم يترجح عندهم دليل، ولم يمكن الجمع، فتساقطت، فرجعوا إلى الأصل: الماء طاهر بيقين، والحدث ثابت بيقين، واليقين لا يزول بالشك. فقالوا: سؤر الحمار مشكوك فيه، فمن لم يجد غيره توضأ به وتيمم، وأيهما قدّم أجزأ. والجمهور على أن سؤره طاهر، لأن الأصل في الحيوان الطاهر في حياته طهارة سؤره، أو ترجيحا لأدلة الطهارة.

١ أنواع الجمع

الجمع: إعمال الدليلين معا بحمل كل منهما على وجه لا يناقض الآخر. وشرطه أن يكون بوجه تحتمله الألفاظ، وأن لا يعود على أحد النصين بالإبطال. وأنواعه:

  1. التخصيص: يُخص العام بالخاص، كتخصيص ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بحديث «لا يرث المسلم الكافر» (رواه البخاري ومسلم). وفي العامين من وجه يُخص عموم كل منهما بخصوص الآخر (العام والخاص).
  2. التقييد: يُحمل المطلق على المقيد (المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول).
  3. التأويل: يُصرف أحد الظاهرين إلى معنى محتمل بدليل (المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول).
  4. الحمل على حالين: يُنزَّل كل دليل على حال غير حال الآخر. كقوله ﷺ: «ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها» (رواه مسلم)، مع ذمه ﷺ قوما «يشهدون ولا يُستشهدون» (رواه البخاري ومسلم). فحُمل الأول على من عنده شهادة لا يعلم بها صاحبها، أو على الشهادة في حقوق الله، والثاني على من يشهد بما لا يعلم أو يتسرع إلى الشهادة في حقوق الناس قبل طلبها.
  5. الحمل على اختلاف الحكم: يُحمل الأمر على الندب والنهي على الكراهة، أو يُحمل أحد الفعلين على بيان الجواز والآخر على الأفضل.

١ وجوه الترجيح

الترجيح عمل بالأقوى من الظنين، وهو واجب عند جماهير العلماء، وحُكي عن قوم إنكاره. ووجوهه كثيرة، أوصلها بعضهم إلى مئة، وترجع إلى أربعة أبواب: السند، والمتن، والمدلول، والأمر الخارج. والقاعدة الجامعة: كل ما يزيد الظن بصدق الخبر أو بإرادة المعنى يصلح مرجحا، ما لم يكن دليلا مستقلا عند من يمنع الترجيح بكثرة الأدلة.

١ الترجيح باعتبار السند

  1. كثرة الرواة: يُرجَّح عند الجمهور الخبر الذي رواه أكثر، لأن الكثرة تزيد الظن ببعد الغلط. وأما الحنفية فالمشهور عنهم منع الترجيح بكثرة الأدلة، لأن الترجيح عندهم يكون بوصف في الدليل نفسه لا بانضمام دليل آخر إليه، والدليل الثاني يقوم بنفسه. واختلف النقل عنهم في كثرة الرواة: فنقل كثير من كتب الخلاف عنهم المنع إلحاقا بكثرة الأدلة، وذكر بعضهم الترجيح بها ما لم تبلغ حد الشهرة، والمعتمد في المذهب يحتاج إلى مراجعة كتب الحنفية المطولة.
  2. فقه الراوي وضبطه وعدالته: يُرجَّح خبر الفقيه على غيره، والأضبط على الأقل ضبطا. واعتبر الحنفية فقه الراوي خاصة عند مخالفة القياس (الكتاب والسنة).
  3. صاحب الواقعة والمباشر لها: يُرجَّح خبر من باشر القصة على من نقلها. ومثاله: روى ابن عباس أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم (رواه البخاري ومسلم)، وروى يزيد بن الأصم عن ميمونة نفسها أنه تزوجها وهو حلال (رواه مسلم)، وروى أبو رافع أنه تزوجها حلالا وكان الرسول بينهما (رواه الترمذي وحسّنه). فرجح الجمهور رواية ميمونة لأنها صاحبة الواقعة، ورواية أبي رافع لأنه السفير، وانضم إليهما قوله ﷺ: «لا يَنكح المحرم ولا يُنكح» (رواه مسلم)، فمنعوا نكاح المحرم. ورجح الحنفية رواية ابن عباس لأنها متفق عليها وابن عباس أفقه، وحملوا النهي على الوطء أو على الكراهة، فصححوا نكاح المحرم.
  4. علو الإسناد: يُرجَّح الأقل وسائط، لأن احتمال الخطأ فيه أقل.
  5. تقدم إسلام الراوي أو تأخره: يُرجَّح عند جماعة خبر متأخر الإسلام، لأنه أقرب إلى آخر الأمرين.
  6. رواية أهل المدينة عند المالكية، وما في الصحيحين على غيره عند المحدثين والمتأخرين.

١ الترجيح باعتبار المتن

  1. القول على الفعل: لأن القول يعم بصيغته، والفعل واقعة عين تحتمل الخصوصية (الكتاب والسنة).
  2. النهي على الأمر: لأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
  3. الأمر على الإباحة: احتياطا.
  4. الحاظر على المبيح: احتياطا، ولأن المبيح يوافق الأصل والحاظر ناقل عنه. وهو قول الأكثر، ومنهم الحنفية، وحُكي عن بعضهم التسوية.
  5. المثبت على النافي: لأن المثبت معه زيادة علم. ومثاله: قول بلال إن النبي ﷺ صلى في الكعبة (رواه البخاري ومسلم)، مع رواية أسامة أنه دعا فيها ولم يصل (رواه مسلم من طريق ابن عباس عن أسامة)، فقُدم المثبت. واستثنى الحنفية النفي الذي يُعرف بدليله، فهو كالإثبات عندهم.
  6. الحقيقة على المجاز، والصريح على الكناية، والمنطوق على المفهوم، والعبارة على الإشارة (طرق الدلالة بين المنهجين).
  7. العام الذي لم يُخص على العام المخصوص عند الجمهور، لأن المخصوص ضعف بالتخصيص (العام والخاص).
  8. ما ذُكر سببه على ما لم يُذكر، وما أُكد على ما لم يُؤكد.

٢ الترجيح باعتبار المدلول

  1. الناقل عن الأصل على المقرر له عند الأكثر، لأن الناقل يفيد حكما جديدا، وقدم بعضهم المقرر.
  2. النافي للحد على الموجب له، لأن الحدود تُدرأ بالشبهات.
  3. الأخف على الأثقل عند قوم لقوله تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، والأثقل على الأخف عند آخرين احتياطا.
  4. ما يوجب العتق والطلاق على ما يمنعهما عند بعضهم، لموافقة مقصود الشارع في الحرية.

٢ الترجيح باعتبار أمر خارج

  1. موافقة دليل آخر من كتاب أو سنة أو قياس. وهذا عند الجمهور، والحنفية لا يرجحون بانضمام دليل مستقل، ويرجحون بما يقوي الدليل في وصفه.
  2. عمل أهل المدينة عند المالكية، فما وافقه من الخبرين مقدم (الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة).
  3. عمل الخلفاء الراشدين أو أكثر الصحابة، يُرجَّح به عند الجمهور، لأنهم أعلم بالتنزيل وآخر الأمرين.
  4. تفسير الراوي لما رواه، وعمله به.
  5. موافقة مقاصد الشريعة، ويذكره المتأخرون (مقاصد الشريعة).

٢ الترجيح بين الأقيسة

إذا تعارض قياسان رُجح أحدهما بما يقوي العلة:

  • برتبة الأصل: ما كان حكم أصله قطعيا أو متفقا عليه على ما كان مختلفا فيه.
  • بمسلك العلة: المنصوصة على المستنبطة، وما ثبتت بالإجماع على ما ثبتت بالاستنباط، والمناسبة على الشبه، والسبر على المناسبة عند بعضهم، والدوران أضعفها عند من يقبله (القياس).
  • بصفة العلة: القطعية الوجود على الظنية، والمتعدية على القاصرة عند الأكثر، والمطردة المنعكسة على المطردة وحدها، وقليلة الأوصاف على كثيرتها.
  • عند الحنفية: الترجيح بقوة الأثر، أي ظهور تأثير الوصف في جنس الحكم، وبقوة ثباته على الحكم المشهود به، وبكثرة الأصول التي يشهد لها الوصف، وبالعكس، أي عدم الحكم عند عدم الوصف.

١ حالات تطبيقية

تطبيق مس الذكر: حديث بسرة وحديث طلق

المحطة الأولى، نوع الحكم: حكم وضعي، هل المس سبب لنقض الطهارة؟ وتتبعه أحكام تكليفية في صحة الصلاة.

المحطة الثانية، الثبوت: حديث بسرة «من مس ذكره فليتوضأ» رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه الترمذي، ونقل عن البخاري أنه أصح شيء في الباب. وحديث طلق «هل هو إلا بضعة منك» رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه ابن حبان، وضعفه الشافعي وأبو حاتم وأبو زرعة.

المحطة الثالثة، الدلالة: الأول أمر بالوضوء من المس، والثاني تعليل بأن العضو جزء من البدن كسائر الأعضاء، فلا ينقض مسه.

المحطة الرابعة، دفع التعارض: - الشافعية والحنابلة: رجحوا حديث بسرة بكثرة طرقه وشواهده، كحديث أبي هريرة (رواه أحمد، وصححه ابن حبان والحاكم) وحديث أم حبيبة (رواه ابن ماجه، وصححه أبو زرعة، وأعله البخاري بالانقطاع)، وبالتاريخ: فطلق قدم على النبي ﷺ وهو يبني المسجد في أول الهجرة، وأبو هريرة أسلم متأخرا وروى النقض، فقال بعضهم إن حديث طلق منسوخ. وبأن حديث النقض ناقل عن الأصل، وحديث طلق مقرر للبراءة الأصلية. فقالوا: ينتقض الوضوء بالمس ببطن الكف دون حائل، والحنابلة على النقض ببطن الكف وظهره على المذهب. - الحنفية: رجحوا حديث طلق: بأن الرجال أعلم بهذا الحكم وأحوج إلى السؤال عنه من النساء، وبأنه مما تعم به البلوى، فلو كان ناقضا لاشتهر عند الرجال، وخبر الواحد فيما تعم به البلوى لا يُقبل عندهم (الكتاب والسنة)، وبأنه مروي عن جماعة من الصحابة كعلي وابن مسعود. فقالوا: لا ينقض المس. - المالكية: المشهور النقض بالمس بباطن الكف أو باطن الأصابع أو جنبها، وفي المذهب رواية بالاستحباب. ومن المالكية من جمع بحمل حديث بسرة على المس بشهوة أو بباطن الكف، وحديث طلق على غير ذلك.

الحكم: ينتقض وضوء صاحب سؤال الافتتاح عند المالكية والشافعية والحنابلة، ولا ينتقض عند الحنفية. والمسألة تجمع مرجحات السند (كثرة الطرق، وتضعيف أحد الحديثين)، والمتن (الناقل والمقرر)، والتاريخ (دعوى النسخ)، وقاعدة حنفية في الثبوت (عموم البلوى).

تطبيق الصلاة ذات السبب في أوقات النهي

النصان: «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس» (رواه البخاري ومسلم)، و«إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» (رواه البخاري ومسلم). فمن دخل المسجد بعد العصر اجتمع عليه العمومان، وهما عامان من وجه: الأول عام في الصلوات خاص بالأوقات، والثاني عام في الأوقات خاص بتحية المسجد.

الشافعية سلكوا فرعهم في الشجرة: بدؤوا بالجمع، فخصوا أحاديث النهي بما لا سبب له، وأبقوا ذوات الأسباب كتحية المسجد وقضاء الفائتة وصلاة الكسوف على عمومها، فأجازوها. وقووا ذلك بأن عموم أحاديث النهي مخصوص بالإجماع في قضاء الفرائض، والعام المخصوص أضعف عندهم.

والحنفية سلكوا فرعهم: لم يُعلم تاريخ، فانتقلوا إلى الترجيح، فقدموا الحاظر على المبيح، فمنعوا التطوع ذا السبب في هذه الأوقات.

والمالكية منعوا على المشهور، والحنابلة منعوا على المذهب إلا ما استُثني كركعتي الطواف وإعادة الجماعة، وعن أحمد رواية بالجواز اختارها ابن تيمية. والمالكية والحنابلة يقدمون الجمع في المنهج، لكنهم رأوا الجمع هنا غير متجه، أو قدموا عموم النهي. فالحالة توضح أثر ترتيب الشجرة عند الشافعية والحنفية، ولا يطرد الفرع مع المنهج في كل مذهب.

٢ التعارض بين القول والفعل

إذا تعارض قوله ﷺ وفعله، فالجمهور يجمعون ما أمكن: إما بحمل الفعل على الخصوصية به ﷺ، وإما بحمله على بيان الجواز وصرف القول عن التحريم، وإما بتخصيص عموم القول بحال الفعل. فإن تعذر الجمع قدموا القول، لأنه يعم بصيغته ويُقصد به التشريع، والفعل يحتمل.

ومثاله استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة: قال ﷺ: «لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط» (رواه البخاري ومسلم من حديث أبي أيوب)، وقال ابن عمر: رقيت على بيت حفصة فرأيت النبي ﷺ يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام (رواه البخاري ومسلم). فجمع المالكية والشافعية بحمل النهي على الصحراء، والفعل على البنيان، فأجازوا ذلك في البنيان. وقدّم الحنفية القول، فمنعوا الاستقبال والاستدبار في البنيان والصحراء على المعتمد، ورأوا الفعل محتملا للخصوصية أو العذر. والمذهب عند الحنابلة التحريم في الفضاء والجواز في البنيان، وعن أحمد رواية بالمنع فيهما.

أداة تفكير شجرة القرار عند التعارض

الشجرة أداة حديثة لعرض ترتيب ثابت للأسئلة، وتصلح لتمثيل ما يفعله المجتهد عند التعارض: يسأل سؤالا، فإن أجاب بنعم انتهى، وإلا انتقل إلى التالي. وتنفع الطالب في أمرين: أن يعرف موضع الافتراق بين المذاهب في الترتيب نفسه قبل الفروع، وأن يرى لماذا ينتهي مذهبان إلى حكمين مختلفين مع اتفاقهما على الدليلين وثبوتهما، كما في الصلاة ذات السبب.

وحدّ الأداة ثلاثة أمور. الأول: الشجرة تُرسم فرعين متوازيين، ولا يجوز توحيد ترتيبهما في شجرة واحدة، لأن الترتيب نفسه موضع الخلاف. الثاني: الأسئلة في العقد ليست آلية: «هل يمكن الجمع؟» يحتاج حكما اجتهاديا على قرب التأويل وبعده (المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول)، و«هل لأحدهما مرجح؟» يحتاج موازنة بين مرجحات قد تتعارض هي أيضا، والأصوليون يرتبون المرجحات ترتيبا ولا يقدرونها بالأرقام. الثالث: الفرع لا يطرد مع الشجرة دائما، فالمالكية والحنابلة يقدمون الجمع ومنعوا الصلاة ذات السبب، لأن الحكم يُبنى على مجموع الأدلة والقرائن.

تنبيه الجمع والترجيح والنسخ ليست أسماء لنتيجة واحدة

يقول الطالب أحيانا «رجحنا بين الدليلين» وهو يقصد أنه جمع بينهما، أو «جمعنا» وهو يقصد أنه حمل أحدهما على الآخر بالنسخ. والفرق أن الجمع يُعمل الدليلين، والترجيح يُعمل أحدهما ويترك الآخر مع بقائه دليلا في غير محل التعارض، والنسخ يرفع حكم المتقدم. وأثر الفرق ظاهر: ما تُرك بالترجيح قد يعود عند زوال المعارض أو في مسألة أخرى، وما نُسخ لا يعود. ويُحذر كذلك من دعوى النسخ عند العجز عن الجمع والترجيح، فالنسخ لا يثبت إلا بطرقه المعتبرة (النسخ).

صلة الفصل بغيره

خلاصة الفصل

  1. التعارض تقابل الدليلين على سبيل الممانعة في محل واحد وزمن واحد، والترجيح تقوية أحدهما بما ليس دليلا مستقلا.
  2. التعارض في نظر المجتهد، ولا تعارض في نفس الأمر، والأكثر على امتناع تعادل الأمارتين في نفس الأمر.
  3. شروطه: التساوي في الحجية والقوة، واتحاد المحل والزمن، وتضاد الحكمين.
  4. لا تعارض بين قطعيين إلا في الظاهر، ولا بين قطعي وظني، وموضعه الظنيات.
  5. الجمهور: الجمع ثم النسخ ثم الترجيح ثم التوقف أو التخيير أو التساقط.
  6. الحنفية: النسخ ثم الترجيح ثم الجمع ثم التساقط والرجوع إلى ما دون الدليلين رتبة، ثم إلى الأصل.
  7. أنواع الجمع: التخصيص، والتقييد، والتأويل، والحمل على حالين، والحمل على اختلاف الحكم.
  8. وجوه الترجيح أربعة أبواب: السند والمتن والمدلول والأمر الخارج.
  9. الحنفية يمنعون الترجيح بكثرة الأدلة، لأن الترجيح عندهم بالوصف لا بالأصل.
  10. من مرجحات المتن: القول على الفعل، والحاظر على المبيح، والمثبت على النافي، والمنطوق على المفهوم.
  11. من المرجحات الخارجية: موافقة دليل آخر، وعمل أهل المدينة عند المالكية، وعمل الخلفاء.
  12. الترجيح بين الأقيسة برتبة الأصل ومسلك العلة وصفتها، وعند الحنفية بقوة الأثر.
  13. اختلاف الترتيب قد يؤدي إلى حكم واحد كعدة الحامل المتوفى عنها، وقد يفرّق كالصلاة ذات السبب.

تمارين

  1. هل يقع تعارض بين آية قطعية الدلالة وخبر واحد؟ علّل.
  2. رتّب طرق دفع التعارض عند الحنفية والجمهور، وعلّل كل ترتيب في سطر.
  3. صنّف نوع الجمع: (أ) حمل الشهادة قبل السؤال على من لا يعلم صاحب الحق بها، (ب) تخصيص آية المواريث بحديث «لا يرث المسلم الكافر»، (ج) حمل الرقبة في الظهار على المؤمنة.
  4. بيّن المرجح في كل مثال: (أ) تقديم رواية ميمونة في نكاح المحرم، (ب) تقديم رواية بلال في الصلاة في الكعبة، (ج) تقديم حديث النهي على حديث تحية المسجد عند الحنفية.
  5. لماذا لا يرجح الحنفية بكثرة الأدلة؟ اربط الجواب بتعريفهم للترجيح.
  6. رد هذا الفرع إلى أصله: قال الحنفية في سؤر الحمار إنه مشكوك فيه، يُتوضأ به ويُتيمم.
  7. اتفقت المذاهب على أن عدة الحامل المتوفى عنها وضع الحمل. بيّن كيف وصل كل منهج إلى ذلك.
  8. ارسم فرعي الشجرة لمسألة استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، وبيّن في أي عقدة وقف كل مذهب.
  9. حلّ عبارة الشاشي: «ثم إذا تعارض القياسان عند المجتهد يتحرى ويعمل بأحدهما لأنه ليس دون القياس دليل شرعي يصار إليه».

أجوبة التمارين

  1. لا تعارض حقيقي، لأن القطعي يُقدَّم على الظني، والتعارض يشترط التساوي في القوة، فإن أمكن أن يكون الخبر بيانا لمجمل أو تخصيصا لعام ظني عند الجمهور عُمل به على وجه لا يرفع القطعي.
  2. الحنفية: النسخ لأن التاريخ يكشف مراد الشارع بلا تأويل، ثم الترجيح لأن العمل بالأقوى أولى من التكلف، ثم الجمع، ثم التساقط. الجمهور: الجمع لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، ثم النسخ، ثم الترجيح، ثم التوقف أو التخيير.
  3. (أ) الحمل على حالين، (ب) التخصيص، (ج) التقييد عند الجمهور.
  4. (أ) صاحب الواقعة، (ب) المثبت على النافي، (ج) الحاظر على المبيح.
  5. الترجيح عندهم إظهار زيادة لأحد المتماثلين وصفا لا أصلا، والدليل الثاني أصل مستقل لا وصف للأول، فلا يقوى به.
  6. تعارضت الأدلة في لحمه وسؤره ولم يترجح أحدها ولم يمكن الجمع، فتساقطت، فرجعوا إلى الأصل: الماء طاهر بيقين والحدث ثابت بيقين، فجمعوا بين الوضوء والتيمم احتياطا.
  7. الجمهور: آية الطلاق مخصصة لعموم آية البقرة، وحديث سبيعة مبيّن. الحنفية: آية الطلاق متأخرة كما قال ابن مسعود، فهي ناسخة لعموم آية البقرة في قدر الحامل. ورُوي عن علي وابن عباس الجمع بأبعد الأجلين، وتُرك لقيام السنة.
  8. الجمهور: ج١ يمكن الجمع بحمل النهي على الصحراء والفعل على البنيان، فوقف المالكية والشافعية، والحنابلة على المذهب، عند ج١. الحنفية: ح١ لا تاريخ، ح٢ يُرجَّح القول على الفعل، فوقفوا عند ح٢ ومنعوا مطلقا.
  9. هذا آخر فرع الحنفية: تعارض القياسين لا يبقى بعده دليل شرعي ينزل إليه المجتهد، فيعمل بأحدهما بالتحري، أي بما تطمئن إليه نفسه بعد النظر، لأن التحري يُلجأ إليه حين لا دليل ولا بدل.

  1. أصول الشاشي لأبي علي الشاشي الحنفي، بحث «إذا تعارض الدليلان ما يفعل المجتهد»، في البحث الثالث (الإجماع) وما يليه. النص مطابق لطبعة المكتبة الشاملة. ↩

  2. الورقات لإمام الحرمين الجويني، باب النسخ، «تنبيه في التعارض». النص مطابق لطبعة المكتبة الشاملة. ↩

مقاصد الشريعة

سؤال الافتتاح

غلت الأسعار في سوق المدينة على عهد النبي ﷺ، فسأله الناس أن يسعّر لهم فامتنع. وبعد قرون غلت الأسعار في بلد آخر لأن التجار احتكروا السلع وتواطؤوا على رفعها. هل يجوز للحاكم أن يحدد الأسعار؟ وإذا قيل بالجواز، فبأي طريق يُفهم الحديث حتى لا يُترك نصه بدعوى المصلحة؟

موقع الفصل من المنظومة

يقع هذا الفصل في المحطة السادسة من خط الاستنباط: بعد أن تُجمع الأدلة وتُفهم دلالتها ويُفحص المعارض ويُلحق ما لا نص فيه، ينظر المجتهد في الحكم من جهة غايته: هل يحقق المقصد الذي شُرع له؟ وما الذي يؤول إليه تطبيقه في هذه الحال؟ وهو يعتمد على ما تقرر في باب القياس القياس، لأن المناسبة من مسالك العلة هي الباب الذي دخلت منه المصلحة إلى الأصول، وعلى باب الأدلة المختلف فيها الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف، لأن الاستصلاح وسد الذرائع والاستحسان تطبيقات للنظر المقاصدي في صورة أدلة. ويمهد للباب السادس، لأن الشاطبي جعل فهم المقاصد شرطا في درجة الاجتهاد الاجتهاد.

والسؤال الذي يجيب عنه الفصل: ما الغاية التي وُضعت لها الأحكام، وكيف تُعرف، وكيف تعمل في الاستنباط دون أن تتحول إلى باب للتشريع بالرأي؟

١ التعليل وحجيته

٢ المسألة الكلامية: هل تُعلل أحكام الله وأفعاله؟

قبل أن يتكلم الأصولي في المقاصد يواجه سؤالا كلاميا: هل لأفعال الله وأحكامه علل وأغراض؟ وقد افترقت فيه المدارس الكلامية ثلاث فرق.

  • المعتزلة قالوا: أفعال الله معللة بالأغراض والمصالح، وأوجب أكثرهم على الله رعاية الصلاح في أفعاله، وأوجب البغداديون منهم رعاية الأصلح. وبنوا ذلك على التحسين والتقبيح العقليين، فالفعل الخالي من الغرض عبث، والعبث قبيح، والله منزه عن القبيح.
  • الأشاعرة قالوا: أفعال الله لا تُعلل بالأغراض، لأن من فعل لغرض استكمل به ما لم يكن له، والله غني عن العالمين، ولأنه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. ومع ذلك قرر محققوهم أن الأحكام جاءت على وفق مصالح العباد تفضلا من الله وإحسانا، فالمصلحة عندهم ثمرة مرتبة على الحكم، وليست باعثا يحمل الله على الفعل.
  • الماتريدية توسطوا: أفعال الله معللة بالحكمة، والحكمة صفة كمال، والله حكيم لا يفعل إلا لحكمة يعلمها، غير أن الحكمة لا تعود عليه بنفع، ولا يجب عليه شيء بإيجاب أحد.

وأثر هذا الخلاف في الأصول محدود، لأن الأصوليين من الفرق الثلاث اتفقوا على أن أحكام الشريعة في الجملة جاءت لمصالح العباد، واختلفوا في تفسير هذه الحقيقة كلاميا. وقد نقل الشاطبي الاستقراء في هذا المعنى حتى جعله قطعيا: الشريعة وُضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل معا. وأصل المسألة الكلامية مبسوط في باب الحاكم الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه.

٢ كيف يستعمل الأصولي لفظ «العلة»؟

لما كان الأصولي محتاجا إلى العلة في القياس، احتاج إلى تعريف يصلح لمن ينكر تعليل أفعال الله ولمن يثبته. فتعددت التعريفات تبعا للمذهب الكلامي:

التعريف أصحابه ما يتضمنه كلاميا
العلة هي المعرّف للحكم (الأمارة) الرازي والبيضاوي وكثير من الأشاعرة لا تأثير لها، وإنما هي علامة نصبها الشارع
الوصف المؤثر في الحكم بجعل الله الغزالي التأثير مستفاد من جعل الشارع، لا من ذات الوصف
الوصف الباعث، أي المشتمل على حكمة صالحة لأن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم الآمدي وابن الحاجب البعث للمكلف على الامتثال، والحكمة مقصودة للشارع
الوصف المؤثر بذاته المعتزلة العقل يدرك تأثير الوصف في الحكم

والذي يعني الفقيه من هذا كله أن العلة وصف ظاهر منضبط يدور معه الحكم، تُعرف بمسالك معلومة، ويُنظر في مناسبته للحكم. فيستطيع الأشعري والماتريدي والمعتزلي أن يتفقوا على أن الإسكار علة تحريم الخمر، وأن يختلفوا بعد ذلك في معنى قولهم «علة». وهذا ما سمح لعلم الأصول أن يبني باب القياس والمناسبة والمصالح بناء واحدا تشترك فيه المذاهب.

تنبيه العلة والحكمة

الحكمة هي المصلحة التي شُرع الحكم لتحصيلها أو المفسدة التي شُرع لدفعها، كدفع المشقة في رخصة السفر. والعلة هي الوصف الظاهر المنضبط الذي جُعل مظنة لتلك الحكمة، كالسفر نفسه. وجمهور الأصوليين على أن الحكم يُعلق بالعلة لا بالحكمة إذا كانت الحكمة خفية أو غير منضبطة، فلا يترخص المقيم الذي تلحقه مشقة أعظم من مشقة المسافر. وأجاز بعضهم التعليل بالحكمة إذا انضبطت. وتفصيل ذلك في القياس.

١ المصلحة وضوابطها

المصلحة في اللغة المنفعة، وهي في الاصطلاح الأصولي أضيق من ذلك. وقد حدّها الغزالي حدا صار عمدة من بعده، فقصرها على ما يحفظ مقصود الشارع، وأخرج منها ما يراه الناس نفعا إذا لم يكن من مقصود الشرع.

من المتون المستصفى للغزالي، الأصل الرابع من الأصول الموهومة: الاستصلاح

أَمَّا الْمَصْلَحَةُ فَهِيَ عِبَارَةٌ فِي الْأَصْلِ عَنْ جَلْبِ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ، وَلَسْنَا نَعْنِي بِهِ ذَلِكَ، فَإِنَّ جَلْبَ الْمَنْفَعَةِ وَدَفْعَ الْمَضَرَّةِ مَقَاصِدُ الْخَلْقِ وَصَلَاحُ الْخَلْقِ فِي تَحْصِيلِ مَقَاصِدِهِمْ، لَكِنَّا نَعْنِي بِالْمَصْلَحَةِ الْمُحَافَظَةَ عَلَى مَقْصُودِ الشَّرْعِ وَمَقْصُودُ الشَّرْعِ مِنْ الْخَلْقِ خَمْسَةٌ: وَهُوَ أَنْ يَحْفَظَ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَنَفْسَهُمْ وَعَقْلَهُمْ وَنَسْلَهُمْ وَمَالَهُمْ، فَكُلُّ مَا يَتَضَمَّنُ حِفْظَ هَذِهِ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ فَهُوَ مَصْلَحَةٌ، وَكُلُّ مَا يُفَوِّتُ هَذِهِ الْأُصُولَ فَهُوَ مَفْسَدَةٌ وَدَفْعُهَا مَصْلَحَةٌ.

الحل: «في الأصل» أي في الوضع اللغوي. وقوله «مقاصد الخلق» يعني أن الناس يطلبون المنفعة بطبعهم، والشرع يعرّف المصلحة بقصده هو. فنقل الغزالي معيار المصلحة من رغبة المكلف إلى قصد الشارع. ثم جعل لهذا القصد خمسة متعلقات، وجعل للمصلحة وجهين: حفظ هذه الخمسة، ودفع ما يفوّتها. فدفع المفسدة داخل في المصلحة بنص كلامه. وقوله في الباب نفسه إن المعنى «المخيّل» و«المناسب» في كتاب القياس يُراد به هذا الجنس، يصل باب المقاصد بباب المناسبة من مسالك العلة.1

٢ أقسام المصلحة باعتبار شهادة الشرع

قسم الغزالي ومن تبعه المصلحة بالنظر إلى موقف الشرع منها ثلاثة أقسام:

  1. المصلحة المعتبرة: ما شهد الشرع لاعتبارها بنص أو إجماع، كحفظ العقل الذي حُرمت لأجله الخمر، ويُقاس عليها كل مسكر. وهذه حجة بالاتفاق، ومرجعها إلى القياس.
  2. المصلحة الملغاة: ما شهد الشرع لبطلانها. ومثّل لها الغزالي بفتوى من أفتى ملكا جامع في نهار رمضان بصوم شهرين ابتداء، لأن العتق يسهل عليه فلا ينزجر. فهذه مصلحة متوهمة تخالف ترتيب النص في الكفارة، وفتح بابها يغير حدود الشرائع كلها بتغير الأحوال.
  3. المصلحة المرسلة: ما لم يشهد له نص معين بالاعتبار ولا بالإلغاء، ويشهد له جنس تصرفات الشارع. وهي موضع الخلاف المبسوط في الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف.

٢ ضوابط المصلحة

جمع المتأخرون ضوابط العمل بالمصلحة من كلام الغزالي والشاطبي، وأوسع من بسطها في العصر الحديث محمد سعيد رمضان البوطي في «ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية». وحاصلها خمسة:

  1. أن تندرج في مقاصد الشارع، فلا تكون مصلحة لا يعرفها جنس تصرفاته.
  2. ألا تعارض الكتاب.
  3. ألا تعارض السنة.
  4. ألا تعارض القياس الصحيح.
  5. ألا تفوّت مصلحة أهم منها أو مساوية لها.

وزاد الغزالي في المصلحة المرسلة التي تُبنى عليها مخالفة أصل معين ثلاثة أوصاف: أن تكون ضرورية، قطعية، كلية. ومثاله المشهور تترس الكفار بأسرى المسلمين إذا كان الكف عنهم يؤدي إلى استئصال المسلمين جميعا. ثم أخرج من معناها صورا تخلف فيها وصف من الثلاثة: التترس في قلعة يمكن تركها (لا ضرورة)، وإلقاء واحد من سفينة لينجو الباقون (ليست كلية)، لأن الهالكين عدد محصور.

١ مراتب المقاصد

١ الضروريات والحاجيات والتحسينات

المقاصد باعتبار قوتها في ذاتها ثلاث مراتب، قررها الجويني في «البرهان» على صورة أولى، وأحكمها الغزالي، ونظمها الشاطبي:

  • الضروريات: ما لا بد منه في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فُقد لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، وفات في الآخرة النجاة والنعيم. ومثالها عند الغزالي: قتل الكافر المضل وعقوبة المبتدع الداعي حفظا للدين، والقصاص حفظا للنفس، وحد الشرب حفظا للعقل، وحد الزنا حفظا للنسل، وزجر الغُصّاب والسراق حفظا للمال.
  • الحاجيات: ما يُفتقر إليه للتوسعة ورفع الحرج والمشقة، ولو فُقد لم يختل النظام كله، لكن يلحق المكلفين حرج. ومثالها الرخص في العبادات، والقراض والمساقاة والسلم في المعاملات. ومثّل لها الغزالي بتسليط الولي على تزويج الصغيرة.
  • التحسينات: الأخذ بما يليق من محاسن العادات ومكارم الأخلاق، كإزالة النجاسات وستر العورات، وآداب الأكل، والمنع من بيع النجاسات.

٢ المكملات

لكل مرتبة مكملات تحميها. فالتماثل في القصاص مكمل لحفظ النفس، وتحريم قليل الخمر مكمل لحفظ العقل لأنه يدعو إلى الكثير، والكفاءة ومهر المثل في تزويج الصغيرة مكملان للحاجي. وقرر الشاطبي للمكمل شرطا: أن يسقط اعتباره إذا عاد على الأصل بالإبطال، لأن المكمل خادم للأصل، فلا يُراعى على حساب أصله. ولهذا تُصلى الصلاة مع العجز عن بعض شروطها وأركانها، ويُجاهد مع الولاة غير العدول، لأن اشتراط الكمال في هاتين الصورتين يعود على أصل الصلاة وأصل الجهاد بالإبطال.

٢ الكليات الخمس وترتيبها

الكليات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والنسل (ويعبر بعضهم بالنسب أو البُضع)، والمال. ودليل حصرها الاستقراء: نظر العلماء في الحدود والزواجر والأحكام الكبرى فوجدوها ترجع إلى حفظ هذه الخمسة. وقرر الغزالي أنه يستحيل أن تخلو شريعة أريد بها إصلاح الخلق من تحريم تفويتها.

وفي ترتيبها خلاف. فالأكثر على تقديم الدين ثم النفس ثم العقل ثم النسل ثم المال، وهو ترتيب الغزالي. وقدّم بعضهم النفس على الدين، لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة وحقوق الله مبنية على المسامحة، واستشهدوا بتقديم مصلحة النفس في رخص المرض والسفر. وأجاب الأولون بأن الرخص من باب المكملات لا من باب الموازنة بين الضرورتين، وأن الجهاد يُبذل فيه النفس لحفظ الدين. وثمرة الترتيب تظهر عند تعارض الضرورتين في حال واحدة.

٣ زيادة من زاد

  • العِرض: زاده جماعة من المتأخرين، ونص عليه ابن السبكي في «جمع الجوامع» وجعله في رتبة المال، وأورده القرافي مع ذكر الخلاف فيه. ودليلهم حد القذف. والمانعون يدخلونه في حفظ النسل أو يجعلونه من الحاجيات.
  • الحرية والمساواة: جعلهما ابن عاشور من المقاصد العامة للتشريع، واستدل لتشوف الشارع إلى الحرية بكثرة أسباب العتق في الأحكام وتضييق أسباب الرق.
  • حفظ نظام الأمة: جعله ابن عاشور المقصد العام الأعلى من التشريع، ونبه على أن المقاصد تتعلق بالأمة كما تتعلق بالفرد.
  • العدل والكرامة والبيئة والتنمية: زادها معاصرون كعبد المجيد النجار وجمال الدين عطية وجاسر عودة، وأكثر هذه الزيادات يرجع عند التحقيق إلى الخمسة أو إلى المقاصد العامة التي هي أوصاف للشريعة كلها. والعدل في كلام ابن تيمية وابن القيم غاية للشريعة كلها، فإدخاله في قائمة الكليات يغير طبيعة القائمة.

والضابط في قبول الزيادة: أن تثبت بالاستقراء نفسه الذي ثبتت به الخمسة، وأن تكون غير راجعة إلى واحد منها.

٢ مقاصد الشارع ومقاصد المكلف

قسم الشاطبي كتاب المقاصد من «الموافقات» قسمين:

  • مقاصد الشارع، وجعلها أربعة أنواع: قصده في وضع الشريعة ابتداء (لمصالح العباد)، وقصده في وضعها للإفهام (أنها عربية أمية جارية على معهود العرب)، وقصده في وضعها للتكليف بمقتضاها (فلا تكليف بما لا يطاق، ولا بما فيه مشقة خارجة عن المعتاد)، وقصده في دخول المكلف تحت أحكامها (إخراج المكلف من داعية هواه حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هو عبد له اضطرارا).
  • مقاصد المكلف: وقاعدتها أن الأعمال بالنيات، وأن قصد المكلف يجب أن يوافق قصد الشارع في التشريع. فمن ابتغى في التكاليف ما لم تُشرع له فقد ناقض الشريعة، وعمله في المناقضة باطل. ومن هنا أبطل الشاطبي الحيل التي يُتوصل بها إلى إسقاط حكم أو قلبه إلى حكم آخر بفعل صحيح الظاهر.

وهذا التقسيم يربط المقاصد بباب النية في الفقه، وبباب الحيل وسد الذرائع في الأصول، ويبين أن المقاصد تعمل في جهتين: جهة الحكم (لماذا شُرع؟) وجهة الفاعل (لماذا فعل؟).

١ طرق معرفة المقاصد

المقصد دعوى، ولا تُقبل الدعوى إلا بدليل. ولذلك عُني الشاطبي ثم ابن عاشور ببيان المسالك التي يُعرف بها مقصود الشارع.

٢ مسالك الشاطبي

  1. مجرد الأمر والنهي الابتدائي التصريحي: الأمر مقصود الإيقاع، والنهي مقصود الترك. وقيد «الابتدائي» يُخرج الأمر أو النهي الذي جاء تابعا لغيره، كالنهي عن البيع وقت النداء في قوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، فالمقصود السعي، والنهي عن البيع تبع له. وقيد «التصريحي» يُخرج ما فُهم من لازم الكلام.
  2. اعتبار علل الأمر والنهي: إذا عُرفت العلة بمسلكها، عُلم أن المقصود ما تقتضيه العلة، فيُتبع حيث وُجدت. وإذا لم تُعرف وجب التوقف عن التعدية.
  3. المقاصد الأصلية والتابعة: للشارع في الأحكام مقصد أصلي ومقاصد تابعة. فالنكاح مقصوده الأصلي النسل، ومن مقاصده التابعة السكن والتعاون. وكل ما يقوي المقصد الأصلي مقصود، وكل ما يناقضه غير مقصود.
  4. سكوت الشارع مع قيام المقتضي: إذا وُجد المعنى المقتضي لتشريع حكم في زمن النبي ﷺ ولم يشرعه، عُلم أن مقصوده الوقوف عند ما شرع. وبهذا المسلك أبطل الشاطبي كثيرا من البدع في «الاعتصام». وما سكت عنه لعدم وجود المقتضي في زمنه، كجمع المصحف وتدوين الدواوين، فبابه المصلحة المرسلة.

وفوق هذه المسالك الاستقراء المعنوي: أن تتواطأ أدلة كثيرة على معنى واحد، فيحصل من مجموعها القطع وإن كان كل دليل بمفرده ظنيا، كما حصل القطع بشجاعة علي وجود حاتم من أخبار آحاد كثيرة. وبه ثبتت الكليات الخمس، ورُفع الحرج.

٢ مسالك ابن عاشور

جعل ابن عاشور طرق إثبات المقاصد ثلاثة: أعظمها استقراء الشريعة في تصرفاتها، وهو نوعان: استقراء الأحكام المعروفة عللها، واستقراء أدلة أحكام اشتركت في علة واحدة. ثم أدلة القرآن الواضحة الدلالة التي يضعف احتمال أن يكون المراد بها غير ظاهرها. ثم السنة المتواترة، المعنوية أو العملية. وقسم المقاصد إلى عامة، وهي عنده المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، وخاصة بأبواب المعاملات كمقاصد أحكام العائلة والتصرفات المالية والقضاء.

أداة تفكير الغاية داخل القيود

التفسير الغائي في القانون الحديث يقرأ النص في ضوء الغرض الذي وُضع له. ونظيره الأصولي أن يُنظر إلى الحكم من جهة مقصده. والقيد الذي يحفظ المنهج أن المقصد يعمل في المساحة التي يتركها النص والإجماع، وأنه لا يُدّعى إلا بمسلك من المسالك المذكورة. فالمقصد المستخرج بالاستقراء يحكم في الفهم والترجيح وإلحاق ما لا نص فيه، ولا يرفع نصا قطعيا. وحد هذه الأداة أن «المساحة المتروكة» نفسها تُعرف بالأصول: فقد يرى مذهب في المسألة نصا يقيد، ويراه مذهب آخر عاما مخصوصا أو خبرا معارضا، فيختلف موضع القيد بينهما.

١ اعتبار المآل

المآل ما يؤول إليه الفعل من نتيجة. واعتباره أن يحكم المجتهد على الفعل بالنظر إلى نتيجته المتوقعة، لا بالنظر إلى صورته وحدها.

من المتون الموافقات للشاطبي، كتاب الاجتهاد، المسألة العاشرة

النَّظَرُ فِي مَآلَاتِ الْأَفْعَالِ مُعْتَبَرٌ مَقْصُودٌ شَرْعًا كَانَتِ الْأَفْعَالُ مُوَافِقَةً أَوْ مُخَالِفَةً، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَحْكُمُ عَلَى فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ الصَّادِرَةِ عَنِ الْمُكَلَّفِينَ بِالْإِقْدَامِ أَوْ بِالْإِحْجَامِ إِلَّا بَعْدَ نَظَرِهِ إِلَى مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْفِعْلُ.

الحل: «موافقة أو مخالفة» أي مأذونا فيها أو منهيا عنها. فالمآل يُنظر فيه في الجهتين: قد يكون الفعل مشروعا في أصله ويؤول إلى مفسدة تساوي مصلحته أو تزيد عليها فيُمنع، وقد يكون ممنوعا في أصله ويؤول تركه إلى مفسدة أعظم فيُرخص فيه. و«الإقدام والإحجام» حكم المجتهد بالإذن أو المنع. وجعل الشاطبي هذه المسألة في كتاب الاجتهاد، فالنظر في المآل وظيفة المجتهد عند التنزيل على الواقعة، وهي المحطة السابعة من خط الاستنباط.2

وأدلة اعتبار المآل كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، فنهى عن سب آلهة المشركين، وهو مشروع في أصله، لما يؤول إليه من سب الله. ومنها إخبار النبي ﷺ عائشة أنه لولا قرب عهد قومها بالجاهلية لهدم الكعبة وبناها على قواعد إبراهيم (رواه البخاري ومسلم)، فترك ما يراه أصوب لما يؤول إليه من فتنة. ومنها امتناعه عن قتل المنافقين وقوله: «دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» (رواه البخاري ومسلم).

ويتفرع عن اعتبار المآل عند الشاطبي قواعد: سد الذرائع، وإبطال الحيل، ومراعاة الخلاف، والاستحسان. فهذه الأبواب في المذاهب صور لأصل واحد، وتفصيل كل منها في الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف والأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة.

أداة تفكير التنزيل الرباعي

يفصل القانون الحديث بين صحة القاعدة وصحة تطبيقها على حالة بعينها. ونظيره الأصولي أربع خطوات: الحكم الكلي، ثم محله (من هو المكلف وما الواقعة)، ثم تنزيله على المعين (تحقيق المناط)، ثم مآله. واعتبار المآل هو الخطوة الرابعة: القاعدة صحيحة، والمحل صحيح، لكن تطبيقها في هذه الحال يؤول إلى نقيض مقصودها، فيُعدل عنها في هذه الحال وحدها. وحد هذه الأداة أن العدول يكون عن تطبيق القاعدة في الصورة المعينة، والقاعدة باقية. فمن ترك إنكار منكر لأن إنكاره يؤدي إلى منكر أعظم لم يُبطل وجوب الإنكار.

١ علاقة المقاصد بالقياس والمصلحة المرسلة وسد الذرائع

المقاصد في تاريخ العلم خرجت من باب القياس. فالمناسبة، وهي أن يكون بين الوصف والحكم ملاءمة يظهر بها أن الشارع قصد تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة، مسلك من مسالك العلة. وقسم الأصوليون المناسب إلى مؤثر وملائم وغريب ومرسل، بحسب شهادة الشرع لعين الوصف أو جنسه في عين الحكم أو جنسه. فالمصلحة المرسلة هي المناسب الذي لم يشهد له أصل معين، ويشهد له جنس المقاصد. وقد تتبعت Felicitas Opwis هذا التطور بين القرنين الرابع والثامن، فرأت المصلحة انتقلت من مسلك في العلة إلى دليل مستقل عند بعضهم، ثم إلى نظرية جامعة عند الشاطبي.

فالعلاقة بين الأبواب الثلاثة:

الباب صلته بالمقاصد
القياس المقصد هو الحكمة التي تجعل الوصف مناسبا، فيُستعمل في إثبات العلة بمسلك المناسبة وفي الترجيح بين العلل
المصلحة المرسلة تطبيق مباشر للمقصد في ما لا نص فيه ولا أصل معين يُقاس عليه
سد الذرائع تطبيق لاعتبار المآل: منع المباح إذا كثر إفضاؤه إلى المفسدة

مسألة خلافية هل يُبنى الحكم على المصلحة المرسلة؟

  • الحنفية لا يعدونها دليلا مستقلا في كتب الأصول، ويدخل كثير من صورها عندهم في الاستحسان، ولا سيما استحسان الضرورة، وفي العرف.
  • المالكية حجة، وهي من أشهر أصول مالك، بشرط ملاءمتها لجنس تصرفات الشارع، وألا تعارض نصا، وأن تكون في ما يُعقل معناه من العادات والمعاملات دون التعبدات.
  • الشافعية ردها الآمدي وابن السبكي دليلا مستقلا، وقبلها الجويني إذا كانت قريبة من معاني الأصول الثابتة، وقبلها الغزالي إذا كانت ضرورية قطعية كلية فيما يخالف أصلا معينا، وجعل ما دون ذلك راجعا إلى القياس إن شهد له أصل.
  • الحنابلة ردها ابن قدامة في «روضة الناظر» أصلا مستقلا، وعمل المذهب بها واسع، وقررها ابن تيمية وابن القيم بضوابط.
  • سبب الخلاف هل تكفي شهادة جنس المقاصد للمصلحة، أم يُشترط شاهد معين من نص أو إجماع أو أصل يُقاس عليه؟ ومع ذلك خشية فتح باب التشريع بالرأي.
  • الثمرة تضمين الصناع. ضمّنهم المالكية ما ادعوا تلفه إلا ببينة، حفظا لأموال الناس، واستأنسوا بأثر علي أنه ضمّن الصناع وقال: «لا يصلح الناس إلا ذاك» (رواه البيهقي، وضعّف الشافعي إسناده). وقال أبو حنيفة: الأجير المشترك لا يضمن إلا بالتعدي، وقال صاحباه: يضمن إلا من حريق غالب أو لصوص مكابرين. والأظهر عند الشافعية أنه أمين لا يضمن. وعند الحنابلة يضمن ما تلف بفعله.
  • التحقيق قرر القرافي أن المذاهب كلها تعمل بالمصلحة المرسلة عند التفريع وإن أنكرها بعضها في التنظير، فالخلاف في جزء منه خلاف في التسمية والموضع. ومحل الخلاف الحقيقي المصلحة التي تخالف أصلا معينا أو قياسا.

٢ تاريخ النظر المقاصدي

  1. الجويني (ت ٤٧٨هـ) في «البرهان»: قسم العلل والمقاصد إلى خمسة أضرب: ضروري، وحاجي عام، وما ليس من الضرورة ولا الحاجة وهو مكرمة، وما هو دونه، وما لا يظهر له معنى. وهو أول تقسيم مبسوط لمراتب المقاصد في كتب الأصول.
  2. الغزالي (ت ٥٠٥هـ): بسط المناسبة في «شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل»، ثم استقر على حصر الضروريات في الخمسة، وتقسيم المصالح إلى معتبرة وملغاة ومرسلة، وشروط المرسلة، في «المستصفى».
  3. العز بن عبد السلام (ت ٦٦٠هـ) في «قواعد الأحكام في مصالح الأنام»: بنى الفقه كله على جلب المصالح ودرء المفاسد، وقال: «وَالشَّرِيعَةُ كُلُّهَا مَصَالِحُ إمَّا تَدْرَأُ مَفَاسِدَ أَوْ تَجْلِبُ مَصَالِحَ».3 وبسط الموازنة بين المصالح المتعارضة والمفاسد المتعارضة، فنقل المقاصد من باب في القياس إلى ميزان للفقه كله.
  4. القرافي (ت ٦٨٤هـ)، تلميذ العز: قرر في «الفروق» و«شرح تنقيح الفصول» أن الوسائل تأخذ حكم المقاصد، وأن الذريعة يجب سدها وفتحها بحسب ما تفضي إليه، وفرّق بين تصرفات النبي ﷺ بالتبليغ والفتيا والقضاء والإمامة.
  5. الشاطبي (ت ٧٩٠هـ) في «الموافقات»: جعل المقاصد نظرية تامة، وأثبت قطعية الكليات بالاستقراء، وبيّن علاقة الكلي بالجزئي، وقرر اعتبار المآل، وجعل فهم المقاصد شرطا في الاجتهاد. وهو مالكي، وكثير من مقرراته موجود عند الشافعية قبله، فالنظرية تراث مشترك تبلور عنده.
  6. محمد الطاهر ابن عاشور (ت ١٣٩٣هـ/١٩٧٣م) في «مقاصد الشريعة الإسلامية»: دعا إلى جعل المقاصد علما مستقلا، وأضاف المقاصد العامة (الفطرة، والسماحة، والمساواة، والحرية، وحفظ نظام الأمة) والمقاصد الخاصة بالأبواب.
  7. علال الفاسي (ت ١٣٩٤هـ/١٩٧٤م) في «مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها»: ربط المقاصد بالمكارم والقيم العامة، وأدخلها في خطاب الإصلاح والقانون في المغرب.

٢ الجدل المعاصر في منزلة المقاصد

٣ علم مستقل أم جزء من الأصول؟

رأى ابن عاشور أن كثيرا من مسائل أصول الفقه ظني، وأن الفقهاء يحتاجون إلى قطعيات يرجعون إليها عند الخلاف، فدعا إلى تدوين المقاصد علما مستقلا. ويقابله عبد الله بن بيه في «علاقة مقاصد الشريعة بأصول الفقه»: المقاصد في صلب الأصول، تعمل في الأمر والنهي والعموم والخصوص والقياس والاستحسان والترجيح، وفصلها عنه يقطعها عن أدوات ضبطها. وعلى هذا الموقف بُني هذا الكتاب، فالمقاصد فيه قطب من أقطاب المنظومة يعمل في كل باب.

٣ مقاربة النظم عند جاسر عودة

اقترح جاسر عودة في كتابه Maqasid al-Shariah as Philosophy of Islamic Law: A Systems Approach (٢٠٠٨م) قراءة الأصول بمفاهيم نظرية النظم، بست سمات: الإدراكية (الفقه إدراك بشري للشريعة)، والكلية، والانفتاح، والهرمية المتداخلة، وتعدد الأبعاد، والمقصدية. ورأى أن كثيرا من التعارض الظاهري نتيجة نظر أحادي البعد، واقترح نقل المقاصد من «الحفظ» إلى «التنمية والحقوق».

ويُنتقد بأن نظرية النظم عنده إطار تصنيفي أكثر منها منهجا للاستدلال يمكن ضبطه، وبأن جعل المقصدية معيارا عاما لصحة الاجتهاد قد يقدم المصلحة المتوهمة على النص ويخالف ترتيب الأدلة عند المذاهب، وبأن بعض أحكامه على كتب الأصول تعميمات. والتمييز بين الشريعة والفقه الذي جعله سمة أولى معروف عند الأصوليين في مسألة التخطئة والتصويب الاجتهاد. ويأخذ هذا الكتاب من مقاربته لغة النظام في وصف بنية الأصول، ويبقي المصطلح الأصولي حاكما.

١ حدود العمل بالمقاصد ومزالقه

للنظر المقاصدي مزالق، أشهرها:

  1. إسقاط النص بدعوى المقصد: أن يُقال إن مقصد تحريم الربا رفع الظلم، فما لا ظلم فيه من الفوائد مباح؛ أو إن مقصد الحجاب العفة، فمن تحققت عفتها سقط عنها. والمقصد مستخرج من النصوص، فلا يعود عليها بالإبطال. وقد قرر الشاطبي أن الكلي لا يُعارض بجزئي إلا بتأويل الجزئي أو تخصيصه، وأن الجزئي القطعي معتبر في الكلي.
  2. ادعاء المقصد بلا مسلك: أن يُنسب إلى الشارع مقصد لم يثبت بالاستقراء ولا بالنص ولا بالعلة المعتبرة، فيصير المقصد ذوقا.
  3. إهمال المرتبة: أن تُقدم مصلحة تحسينية على ضرورية، أو مصلحة خاصة متوهمة على مصلحة عامة محققة.
  4. التعدي إلى التعبدات: أن تُطلب العلل المصلحية في مقادير الصلوات وأعداد الركعات، والأصل في العبادات عند الشاطبي التعبد دون الالتفات إلى المعاني، والأصل في العادات الالتفات إلى المعاني.
  5. الخلط بين الحكمة والعلة: أن يُعلق الحكم بحكمة غير منضبطة، فيضطرب التطبيق.

تطبيق التسعير على خط الاستنباط

  1. نوع الحكم: حكم تكليفي في فعل الحاكم: هل يجوز له تحديد الأسعار؟ وحكم وضعي تابع: هل يصح البيع بأكثر من السعر المحدد؟

  2. الأدلة: حديث أنس: غلا السعر على عهد النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، سعّر لنا، فقال: «إن الله هو المسعّر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال» (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح). ومعه قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].

  3. الدلالة: الحديث يدل على امتناعه ﷺ عن التسعير، وعلل الامتناع بأن التسعير مظلمة في المال. والسياق غلاء بلا ظلم من التجار، فالمعنى الذي علّق عليه الامتناع رفع الظلم عن البائع.

  4. المعارض: النهي عن الاحتكار، كقوله ﷺ: «لا يحتكر إلا خاطئ» (رواه مسلم)، والأمر بإزالة الضرر.

  5. الإلحاق: إذا نشأ الغلاء عن احتكار وتواطؤ، فالواقعة غير الواقعة التي ورد فيها الحديث، والمحتكر هو الظالم.

  6. الوزن المقاصدي: حفظ المال مقصد في الجهتين: مال البائع ومال المشتري. والتسعير في الغلاء الطبيعي يظلم البائع ويؤول إلى اختفاء السلع، والتسعير مع الاحتكار يدفع ظلما عاما.

  7. تحقيق المناط: يُنظر هل سبب الغلاء قلة السلع وكثرة الطلب، أم تحكم التجار وتعديهم عن القيمة؟

المذاهب: قال الحنفية: لا ينبغي للسلطان أن يسعّر، إلا إذا تعدى أرباب الطعام عن القيمة تعديا فاحشا، فلا بأس به بمشورة أهل الرأي. ومنع المالكية في المشهور التسعير على الجالبين، وأجازه بعضهم على أهل الأسواق بمشورة أهلها، وأخذوا بأثر عمر مع حاطب بن أبي بلتعة في «الموطأ» في أمر من حطّ السعر أن يلحق بسعر الناس أو يرفع من السوق. والأصح عند الشافعية تحريم التسعير ولو في وقت الغلاء. والمذهب عند الحنابلة تحريمه، وفصّل ابن تيمية وابن القيم فجعلا منه ظلما محرما وعدلا جائزا، وهو ما كان لدفع ظلم المحتكرين.

الخلاصة: من أجاز التسعير عند التعدي حمل الحديث على محله، وهو الغلاء الذي لا ظلم فيه، وأبقى نصه معمولا به فيه، فعمل بالمقصد داخل القيد. ومن منع مطلقا رأى لفظ الحديث عاما في ترك التسعير، والعلة المنصوصة (المظلمة) قائمة في كل تسعير.

تنبيه المقاصد وتغير الفتوى

تتغير الفتوى بتغير العرف والحال في الأحكام المبنية على العرف والمصلحة المتغيرة، كتقدير النفقة وصيغ العقود وطرق الإثبات. أما الأحكام المنصوصة الثابتة، كالمواريث والحدود وتحريم الربا، فلا تتغير بتغير الزمان، وإنما قد يتغير تحقيق مناطها في الواقعة المعينة. وتفصيل ذلك في أصول الفقه في زمننا.

صلة الفصل بغيره

يعتمد الفصل على باب الحاكم الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه في المسألة الكلامية، وعلى باب القياس القياس في المناسبة والعلة والحكمة، وعلى الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف في المصالح المرسلة وسد الذرائع والاستحسان، وعلى الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة في مراعاة الخلاف والاستقراء. ويُبنى عليه باب الاجتهاد الاجتهاد، لأن فهم المقاصد شرط في المجتهد عند الشاطبي، وباب التعارض والترجيح التعارض والترجيح في الترجيح بالمقصد، وفصل الأصول في زمننا أصول الفقه في زمننا في فقه الواقع وتحقيق المناط والنوازل. ومختصره في التقريب المقاصد.

خلاصة الفصل

  1. اختلف المتكلمون في تعليل أفعال الله: أثبته المعتزلة بالأغراض، وأثبته الماتريدية بالحكمة، ونفاه الأشاعرة وقالوا إن الأحكام جاءت على وفق المصالح تفضلا.
  2. يستعمل الأصولي «العلة» بمعنى الوصف الظاهر المنضبط المعرّف للحكم أو الباعث عليه، فيتفق أهل المذاهب الكلامية على العلل ويختلفون في تفسيرها.
  3. المصلحة عند الغزالي المحافظة على مقصود الشرع، لا مطلق المنفعة.
  4. المصلحة معتبرة أو ملغاة أو مرسلة، بحسب شهادة الشرع لها.
  5. المقاصد ضروريات وحاجيات وتحسينات، ولكل مرتبة مكملات تسقط إذا عادت على أصلها بالإبطال.
  6. الكليات الخمس: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وثبتت بالاستقراء، وزاد بعضهم العرض، وزاد ابن عاشور الحرية والمساواة في المقاصد العامة.
  7. قسم الشاطبي المقاصد إلى مقاصد الشارع ومقاصد المكلف، وأوجب موافقة قصد المكلف لقصد الشارع.
  8. تُعرف المقاصد بالأمر والنهي الابتدائي التصريحي، وبعلل الأمر والنهي، وبالمقاصد الأصلية والتابعة، وبسكوت الشارع مع قيام المقتضي، وبالاستقراء.
  9. النظر في مآلات الأفعال معتبر، ومنه تتفرع قواعد سد الذرائع وإبطال الحيل ومراعاة الخلاف.
  10. المصلحة دخلت الأصول من باب المناسبة في القياس، ثم صارت دليلا عند بعضهم، ثم نظرية جامعة عند الشاطبي.
  11. المصلحة المرسلة حجة عند المالكية، ويعمل بها غيرهم تحت أسماء أخرى.
  12. دعا ابن عاشور إلى علم مقاصد مستقل، ويرى ابن بيه المقاصد في صلب الأصول.
  13. المقصد يعمل داخل قيود النص والإجماع، ولا يُدّعى إلا بمسلك، ولا يعود على النص الذي استُخرج منه بالإبطال.

تمارين

  1. صنّف ما يأتي في مراتب المقاصد: تحريم الخمر، إباحة السلم، ستر العورة، رخصة الفطر للمسافر، حد السرقة، تحريم القليل من الخمر.
  2. ما الفرق بين قول الأشعري والماتريدي في تعليل الأحكام؟ وما أثر الخلاف في باب القياس؟
  3. علّل لماذا عدّ الغزالي فتوى الملك بصوم شهرين مصلحة ملغاة.
  4. طبّق مسلك «سكوت الشارع مع قيام المقتضي» على مسألة الأذان لصلاة العيد.
  5. قارن بين المالكية والشافعية في المصلحة المرسلة، وبيّن موضع الخلاف الحقيقي بينهما.
  6. اذكر ثلاثة أدلة على اعتبار المآل من الكتاب والسنة.
  7. رد فرع «تحريم بيع العنب لمن يُعلم أنه يتخذه خمرا» إلى أصله المقاصدي.
  8. قال قائل: «مقصد الصيام التقوى، فمن حصلت له التقوى بغير الصيام سقط عنه». بيّن الخلل المنهجي في هذا القول.
  9. لماذا يرى ابن بيه أن فصل المقاصد عن الأصول يضعفها؟

أجوبة التمارين

  1. تحريم الخمر: ضروري (حفظ العقل). إباحة السلم: حاجي. ستر العورة: تحسيني. رخصة الفطر للمسافر: حاجي (رفع الحرج). حد السرقة: ضروري (حفظ المال). تحريم القليل من الخمر: مكمل للضروري.
  2. الأشعري ينفي أن يكون لأفعال الله غرض باعث، ويرى المصالح مرتبة على الأحكام تفضلا. والماتريدي يثبت أن أحكامه معللة بالحكمة. وأثر الخلاف في القياس محدود، لأن الفريقين يقبلان العلة وصفا معرّفا يُتعدى به الحكم، ويختلفان في تفسير معناها.
  3. لأنها تخالف ترتيب الكفارة المنصوص، فالشرع شهد ببطلان اعتبار هذا المعنى، وفتح بابها يغير حدود الشرائع بتغير الأحوال.
  4. المقتضي للأذان، وهو الإعلام بالصلاة، كان قائما في عهد النبي ﷺ، ولم يُشرع للعيد أذان، فعُلم أن مقصود الشارع ترك الأذان فيها، فإحداثه بدعة.
  5. المالكية يجعلونها دليلا مستقلا إذا لاءمت جنس المقاصد ولم تعارض نصا. والشافعية في المعتمد يردونها دليلا مستقلا، ويُدخلون كثيرا من صورها في القياس والمناسبة. والخلاف الحقيقي في المصلحة التي لا يشهد لها أصل معين، وفي تقديمها على قياس معين.
  6. ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، وحديث ترك هدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم، وحديث «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه».
  7. أصله اعتبار المآل وسد الذرائع: البيع مباح في أصله، ويؤول هنا إلى الإعانة على تفويت العقل، فيُمنع.
  8. الصيام عبادة ثبتت بنص قطعي، والمقصد مستخرج من النص فلا يُسقطه، والأصل في العبادات التعبد. والتقوى حكمة لا تنضبط، فلا يُعلق بها الحكم.
  9. لأن المقاصد تُضبط بأدوات الأصول: مسالك العلة، ودلالات الألفاظ، وترتيب الأدلة، والترجيح. وفصلها عنها يتركها بلا ضابط، فيصير المقصد دعوى.

  1. المستصفى للغزالي، القطب الثاني، الأصل الرابع من الأصول الموهومة: الاستصلاح، ص١٧٤ في طبعة دار الكتب العلمية (تحقيق محمد عبد السلام عبد الشافي)، كما في المكتبة الشاملة. ↩

  2. الموافقات للشاطبي، كتاب الاجتهاد، الطرف الأول، المسألة العاشرة، ٥/١٧٧ في طبعة دار ابن عفان بتحقيق مشهور بن حسن آل سلمان، كما في المكتبة الشاملة. ↩

  3. قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام، فصل في بيان حقيقة المصالح والمفاسد، ١/١١ في طبعة مكتبة الكليات الأزهرية بمراجعة طه عبد الرؤوف سعد، كما في المكتبة الشاملة. ↩

الاجتهاد

سؤال الافتتاح

قضى عمر بن الخطاب في امرأة ماتت عن زوج وأم وإخوة لأم وإخوة أشقاء، فلم يُعط الأشقاء شيئا لاستغراق الفروض التركة. ثم عُرضت عليه المسألة نفسها في عام آخر، فشرّك الأشقاء مع الإخوة لأم في الثلث. فقيل له: لم تشرّك بينهم عام كذا، فقال: تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي. لماذا لم ينقض عمر قضاءه الأول وقد رأى الصواب في غيره؟ وأي القضاءين هو حكم الله؟

موقع الفصل من المنظومة

قسم الغزالي علم الأصول أربعة أقطاب: الثمرة (الحكم)، والمثمر (الأدلة)، وطرق الاستثمار (الدلالات)، والمستثمر. وهذا الفصل أول الكلام في القطب الرابع: من الذي يحق له أن يسير على خط الاستنباط كله، من جمع الأدلة إلى الوزن المقاصدي وتحقيق المناط؟ وهو المحطة الأخيرة من الخط: الحكم، ودرجة اليقين فيه، وأهلية من قاله. ويحتاج كل ما سبق، لأن شروط المجتهد هي في حقيقتها القدرة على استعمال الأبواب السابقة: الأدلة الكتاب والسنة الإجماع القياس، والدلالات مبادئ لغوية إلى التعارض والترجيح، والمقاصد مقاصد الشريعة. ويليه فصل التقليد والفتوى التقليد والفتوى والمذهب في حال من لم يبلغ هذه الرتبة.

١ حقيقة الاجتهاد

الاجتهاد في اللغة افتعال من الجهد، وهو بذل الطاقة في ما فيه مشقة، فيقال: اجتهد في حمل الحجر، ولا يقال: اجتهد في حمل خردلة.

وفي الاصطلاح تقاربت عبارات الأصوليين:

  • الغزالي: بذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة.
  • الآمدي: استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه.
  • ابن الحاجب: استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي.

وقيود الحد:

  • استفراغ الوسع: يُخرج النظر القاصر. فمن نظر في المسألة ولم يستوف أدلتها لم يجتهد اجتهادا تاما، ولا يُعذر بخطئه كما يُعذر المجتهد. وهذا ما عبر عنه الغزالي بأن يحس من نفسه العجز عن مزيد طلب.
  • الفقيه: يُخرج استفراغ غير الفقيه وسعه، فالعامي إذا نظر في الأدلة لم يكن نظره اجتهادا.
  • لتحصيل ظن: يُخرج القطعيات، فلا اجتهاد في وجوب الصلاة ولا في تحريم الزنا. ولذلك قال الغزالي في المجتهد فيه: كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي.
  • بحكم شرعي: يُخرج الاجتهاد في العقليات واللغويات والحسيات.

من المتون المستصفى للغزالي، القطب الرابع: في حكم المستثمر وهو المجتهد

الرُّكْنُ الثَّانِي الْمُجْتَهِدُ وَلَهُ شَرْطَانِ. أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِمَدَارِكِ الشَّرْعِ مُتَمَكِّنًا مِنْ اسْتِثَارَةِ الظَّنِّ بِالنَّظَرِ فِيهَا وَتَقْدِيمِ مَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ وَتَأْخِيرِ مَا يَجِبُ تَأْخِيرُهُ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَدْلًا مُجْتَنِبًا لِلْمَعَاصِي الْقَادِحَةِ فِي الْعَدَالَةِ، وَهَذَا يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الِاعْتِمَادِ عَلَى فَتْوَاهُ فَمَنْ لَيْسَ عَدْلًا فَلَا تُقْبَلُ فَتْوَاهُ، أَمَّا هُوَ فِي نَفْسِهِ فَلَا، فَكَأَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطُ الْقَبُولِ لِلْفَتْوَى لَا شَرْطُ صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ.

الحل: جعل الغزالي للاجتهاد ثلاثة أركان: المجتهد، والمجتهد فيه، ونفس الاجتهاد، وهذا الركن الثاني. و«مدارك الشرع» الأدلة المثمرة للأحكام. و«استثارة الظن» استخراجه من الأدلة بالنظر، فالمجتهد يطلب الظن الغالب. و«تقديم ما يجب تقديمه» معرفة ترتيب الأدلة ودفع التعارض، وهو موضوع التعارض والترجيح. ثم فرّق بين شرطين من جنسين: الأول شرط في صحة الاجتهاد، والثاني شرط في قبول الفتوى. فالفاسق المتمكن يعمل باجتهاده في حق نفسه، ولا يُعتمد على فتواه.1

٢ حكم الاجتهاد

الاجتهاد في جملته فرض كفاية على الأمة، لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]، فإذا خلا البلد ممن يقوم به أثم الجميع. ويعتريه الحكم بحسب الحال:

  • فرض عين على المجتهد في حق نفسه إذا نزلت به واقعة، فلا يقلد غيره فيها عند الجمهور. وفرض عين عليه إذا سُئل عن واقعة ولم يكن في البلد غيره، أو خيف فوتها.
  • فرض كفاية إذا سُئل وفي البلد غيره من أهل الاجتهاد.
  • مندوب في ما لم يقع من المسائل، تهيئة لحكمها قبل نزولها.
  • محرم في مقابلة دليل قطعي أو إجماع، أو ممن ليس أهلا له.

١ شروط المجتهد

فصّل الأصوليون الشرط الأول عند الغزالي إلى علوم، ومن أوعب من سردها الغزالي نفسه، وتبعه المتأخرون:

  1. العلم بالكتاب: والمشروط ما تتعلق به الأحكام منه، وقدّره الغزالي بنحو خمسمائة آية، ولا يُشترط حفظها، بل أن يعرف مواضعها فيرجع إليها عند الحاجة. ونازع جماعة في التقدير بالعدد، لأن الأحكام تُستنبط من آيات القصص والأمثال أيضا.
  2. العلم بالسنة: والمشروط أحاديث الأحكام، ويكفي عند الغزالي أن يكون عنده أصل مصحح جامع لها، كسنن أبي داود و«معرفة السنن» للبيهقي، يعرف مواقع كل باب منه فيراجعه عند الحاجة.
  3. مواضع الإجماع: ليتجنب الفتوى بخلافه. ولا يُشترط حفظ كل مسائل الإجماع، بل أن يعرف أن ما يفتي به ليس مخالفا لإجماع، بأن يوافق قول بعض المتقدمين أو يكون واقعة حادثة.
  4. العربية: القدر الذي يُفهم به خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال، حتى يميز بين الصريح والظاهر والمجمل، والحقيقة والمجاز، والعام والخاص، والمحكم والمتشابه، والمطلق والمقيد، والنص وفحواه.
  5. أصول الفقه: شروط الأدلة وطرق الاستنباط وترتيبها، وهو عند الغزالي عمدة الاجتهاد.
  6. الناسخ والمنسوخ: في آيات الأحكام وأحاديثها، لئلا يحكم بمنسوخ.
  7. علم الرواية: معرفة حال الرواة جرحا وتعديلا، ويجوز عنده أن يقلد فيها أئمة الحديث الموثوقين.
  8. مقاصد الشريعة: زاده الشاطبي، وجعله الوصف الأول.

وأخرج الغزالي من الشروط علم الكلام وتفاريع الفقه. أما الكلام فيكفي المجتهد أن يعتقد جازما ما يعتقده المسلمون. وأما تفاريع الفقه فهي ثمرة الاجتهاد، يولدها المجتهدون بعد حيازة منصبه، فلا تكون شرطا فيه. وقرر الأصوليون مع ذلك أن طريق تحصيل ملكة الاجتهاد في زماننا ممارسة الفروع.

من المتون الموافقات للشاطبي، كتاب الاجتهاد، المسألة الثانية

إِنَّمَا تَحْصُلُ دَرَجَةُ الِاجْتِهَادِ لِمَنِ اتَّصَفَ بِوَصْفَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فَهْمُ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ عَلَى كَمَالِهَا.

الحل: والوصف الثاني عنده التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها. فجعل الشاطبي ما سرده الأصوليون من علوم الكتاب والسنة والعربية والأصول خادما للوصف الثاني، وقدم عليه فهم المقاصد، لأن من فهم مقصد الشارع في كل باب أمكنه أن ينزل الحكم على وفقه. وعبّر بقوله «على كمالها» لأن الاجتهاد يقع في مسائل تتعارض فيها المقاصد، فلا يكفي فهم بعضها.2

أداة تفكير مراتب الإدراك

المجتهد يطلب في الفروع الظن الغالب، والحد نفسه يقول «لتحصيل ظن». فالاجتهاد عملية تنقل الناظر من الشك إلى الظن الراجح بالدليل، والعمل بالظن الراجح واجب عليه وعلى مقلده. وحد هذه الأداة أن الأصوليين رتبوا الظن ترتيبا (أقوى وأضعف) ولم يقدروه بالأرقام، وأن بلوغ القطع في الفروع ممكن في مواضع الإجماع والنص القطعي، وهذه المواضع خارجة عن محل الاجتهاد أصلا.

٢ تجزؤ الاجتهاد

تجزؤ الاجتهاد أن يحصّل العالم أهلية النظر في باب من الأبواب أو مسألة من المسائل دون غيرها، كأن يحيط بأدلة الفرائض ولا يحيط بأدلة المعاملات.

مسألة خلافية هل يتجزأ الاجتهاد؟

  • الحنفية يتجزأ عند الأكثر، ومنعه بعضهم.
  • المالكية يتجزأ عند الأكثر، وتردد فيه ابن الحاجب في «المختصر».
  • الشافعية يتجزأ على الصحيح، وهو اختيار الغزالي والرازي.
  • الحنابلة يتجزأ على الصحيح.
  • سبب الخلاف هل الاجتهاد ملكة واحدة لا تنقسم، فمن قصر عن باب فلعل في ما جهله ما يعارض ما علمه؟ أم يكفي في المسألة الإحاطة بأدلتها ومداركها؟ واستدل المجيزون بأن الأئمة سُئلوا فقالوا: لا ندري، فما خرجوا بذلك عن الاجتهاد.
  • الثمرة إفتاء المتخصص في باب الفرائض أو المعاملات المالية وهو مقلد في غيرها. من أجاز التجزؤ أجاز له الاجتهاد والفتوى في بابه، ومن منعه أوجب عليه التقليد مطلقا. وعلى القول بالتجزؤ يقوم كثير من الاجتهاد المعاصر في المجامع المتخصصة.
  • التحقيق المسألة خلاف داخل كل مذهب، لا بين المذاهب.

١ مراتب المجتهدين

لما استقرت المذاهب صار للعلماء المنتسبين إليها مراتب، تُعرف بها قيمة أقوالهم في المذهب. ومعرفة هذه المراتب شرط في الترجيح بين الأقوال داخل المذهب، وهو موضوع التقليد والفتوى والمذهب.

٢ التقسيم الجامع عند ابن الصلاح والنووي

قسم ابن الصلاح في «أدب المفتي والمستفتي» المفتين قسمين، ونقله النووي في مقدمة «المجموع»:

  1. المفتي المستقل: المجتهد المطلق الذي يستنبط الأحكام من الأدلة بلا تقليد ولا تقيد بمذهب، ويؤسس أصوله بنفسه.
  2. المفتي غير المستقل، وله أربع أحوال: - المجتهد المنتسب: لا يقلد إمامه في المذهب ولا في الدليل، لاتصافه بصفة المستقل، وإنما يُنسب إليه لسلوكه طريقه في الاجتهاد. وادعى بعض كبار الأصحاب هذه الرتبة، ونازع ابن الصلاح في تحققها لأكثرهم. - مجتهد المذهب (أصحاب الوجوه): مقيد بمذهب إمامه، مستقل بتقرير أصوله بالدليل، يخرّج على نصوصه ما لم ينص عليه، وأقواله هي «الوجوه» في المذهب. - مجتهد الفتوى (أهل الترجيح): لم يبلغ رتبة أصحاب الوجوه، لكنه فقيه النفس حافظ لمذهب إمامه، عارف بأدلته، قائم بتقريرها، يصوّر ويحرر ويقرر ويمهد ويزيّف ويرجح، كالرافعي والنووي عند كثيرين. - حافظ المذهب وناقله: يحفظ المذهب ويفهمه في الواضحات والمشكلات، ويضعف عن تقرير أدلته وتحرير أقيسته، فيُعتمد نقله وفتواه في ما يحكيه من مسطورات المذهب.

٢ طبقات الحنفية عند ابن كمال باشا

قسم ابن كمال باشا (ت ٩٤٠هـ) الفقهاء سبع طبقات، ونقلها ابن عابدين في شرح «عقود رسم المفتي»:3

الطبقة صفتها أمثلتها عنده
١. المجتهدون في الشرع يؤسسون قواعد الأصول ويستنبطون الفروع من الأدلة الأربعة بلا تقليد الأئمة الأربعة
٢. المجتهدون في المذهب يستخرجون الأحكام من الأدلة على قواعد إمامهم، ويخالفونه في بعض الفروع أبو يوسف ومحمد
٣. المجتهدون في المسائل التي لا رواية فيها لا يخالفون الإمام في الأصول ولا الفروع، ويستنبطون ما لا نص فيه على أصوله الخصاف، والطحاوي، والكرخي، والحلواني، والسرخسي، والبزدوي، وقاضي خان
٤. أصحاب التخريج لا يجتهدون، ويفصّلون القول المجمل المحتمل لوجهين المنقول عن صاحب المذهب أبو بكر الرازي الجصاص
٥. أصحاب الترجيح يفضلون بعض الروايات على بعض: هذا أولى، هذا أصح رواية، هذا أرفق للناس القدوري وصاحب الهداية
٦. المميزون يميزون بين الأقوى والقوي والضعيف، وظاهر الرواية والنادرة، ولا ينقلون المردود أصحاب المتون: الكنز والمختار والوقاية والمجمع
٧. المقلدون المحض لا يقدرون على شيء مما سبق

ونوقش هذا التقسيم من جهات، وممن نقده شهاب الدين المرجاني وعبد الحي اللكنوي. ومن وجوه ما أُورد عليه أن أبا يوسف ومحمدا خالفا أبا حنيفة في أصول لا في فروع فقط، فهما أقرب إلى المجتهد المطلق المنتسب، وأن الطحاوي خالف أصحاب المذهب في مسائل كثيرة وله اختيارات بالدليل فلا يصح أن يُقال إنه لا يقدر على مخالفة الإمام، وأن جمع قاضي خان مع السرخسي والكرخي في طبقة واحدة، وجعل الجصاص دون الكرخي وهو تلميذه المتمكن، تسوية بين المتفاوتين. ومع ذلك بقي التقسيم معتمدا عند الحنفية في بيان ترتيب الأقوال.

٣ المالكية والحنابلة

عند المالكية: مالك مجتهد مطلق، وكبار أصحابه كابن القاسم وأشهب وابن وهب وابن الماجشون مجتهدون في المذهب يخرّجون على أصوله ويخالفونه في مسائل، ثم أهل النظر والترجيح من المتأخرين كاللخمي وابن يونس وابن رشد والمازري، وهم الذين جعل خليل في مقدمة «مختصره» لكل منهم لفظا يدل على اختياره أو ترجيحه، ثم أهل النقل والحفظ.

وعند الحنابلة: قسم ابن حمدان في «صفة الفتوى والمفتي والمستفتي» المجتهدين على نحو تقسيم ابن الصلاح: مطلق، ومجتهد في مذهب إمامه، ومجتهد في نوع من العلم أو مسائل، ومقلد حافظ للمذهب.

٢ هل يخلو عصر من مجتهد؟

مسألة خلافية هل يجوز أن يخلو عصر من مجتهد؟

  • الحنابلة لا يجوز خلو العصر عن مجتهد، وهو المعروف عند أصحاب أحمد، واستدلوا بحديث: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» (رواه البخاري ومسلم)، وبأن الاجتهاد فرض كفاية فلا تجتمع الأمة على تركه.
  • الجمهور يجوز عقلا وشرعا، وهو اختيار الآمدي وابن الحاجب وكثير من الشافعية والمالكية والحنفية، واستدلوا بحديث: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا» (رواه البخاري ومسلم).
  • التحقيق نُقل عن ابن دقيق العيد أن الزمان لا يخلو من مجتهد إلى أن تتداعى القواعد بقرب الساعة. وألف السيوطي «الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض».
  • الثمرة من منع الخلو جعل وجود المجتهد مقدمة لازمة، فلا يصح أن يُدّعى إغلاق الاجتهاد. ومن أجازه احتاج إلى ضبط حال الأمة إذا فقدت المجتهد: تعمل بالمذاهب المدونة، ويُفتي فيها أهل الترجيح والنقل.

٣ دعوى «إغلاق باب الاجتهاد»

شاع في القرون المتأخرة، ثم في الكتابات الاستشراقية، أن باب الاجتهاد أُغلق في القرن الرابع الهجري، فلم يُعترف بعد ذلك بمجتهد مطلق. وكتب وائل حلاق مقالته «Was the Gate of Ijtihad Closed?» (المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط، ١٩٨٤م)، فبيّن أن كتب الأصول ظلت تشترط الاجتهاد وتناقش شروطه وتمنع خلو العصر منه عند كثيرين، وأن فقهاء كبارا ادعوا الاجتهاد أو نُسب إليهم بعد القرن الرابع، وأن الاجتهاد في الفتوى والتخريج لم ينقطع، وأن الإجماع على الإغلاق لم يتحقق. ونوقش بأن استمرار اجتهاد المذهب والفتوى لا ينفي أن دعوى الاجتهاد المطلق قلّت وصارت موضع إنكار، وأن استقرار المذاهب كان له وظيفة في ضبط القضاء والفتوى. والحاصل أن التقليد لمذهب صار هو الغالب، وأن الاجتهاد داخل المذاهب بقي حيا.

١ التصويب والتخطئة

اتفق الأصوليون على أن المصيب في العقليات والأصول الكلامية واحد، وأن المخطئ فيها آثم، ولم يخالف في ذلك إلا من شذ كالعنبري والجاحظ. واختلفوا في الفروع الظنية التي لا قاطع فيها.

من المتون الورقات للجويني، باب الاجتهاد

وَأما الِاجْتِهَاد فَهُوَ بذل الوسع فِي بُلُوغ الْغَرَض فالمجتهد إِن كَانَ كَامِل الْآلَة فِي الِاجْتِهَاد فِي الْفُرُوع فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِن اجْتهد وَأَخْطَأ فَلهُ أجر وَاحِد وَمِنْهُم من قَالَ كل مُجْتَهد فِي الْفُرُوع مُصِيب.

الحل: عرّف الجويني الاجتهاد بمعنى قريب من اللغة، وقيده الشراح ببذل الوسع في بلوغ الغرض المقصود من العلم ليحصل له. وقوله «كامل الآلة» شرط الأجر: فالناقص الآلة آثم بالاجتهاد ولو أصاب. وقدّم القول بأن المصيب واحد، ثم حكى القول الآخر بصيغة «ومنهم من قال»، وهي صيغة تدل على أنه قول مقابل. واستدل للأول بالحديث الذي جعل للمجتهد حالين: إصابة وخطأ، فلو كان كل مجتهد مصيبا لم يكن للخطأ معنى.4

والحديث الذي يدور عليه الباب قول النبي ﷺ: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» (رواه البخاري ومسلم من حديث عمرو بن العاص).

مسألة خلافية هل كل مجتهد في الفروع مصيب؟

  • الحنفية المصيب واحد عند الله، والمخطئ مأجور معذور، وهو المنقول عن أبي حنيفة وأصحابه. وقال كثير من مشايخهم: المخطئ مصيب ابتداء من جهة أنه أدى ما كُلف به من الاجتهاد، مخطئ انتهاء من جهة الحكم.
  • المالكية المصيب واحد عند الأكثر، وكان القاضي أبو بكر الباقلاني، وهو مالكي في الفروع، من أئمة المصوّبة.
  • الشافعية المصيب واحد، وهو المنصوص عن الشافعي. وقال بالتصويب الأشعري في المشهور عنه، والغزالي.
  • الحنابلة المصيب واحد.
  • سبب الخلاف هل لله في كل واقعة حكم معين قبل الاجتهاد يطلبه المجتهد فيصيبه أو يخطئه؟ أم الحكم تابع لما يؤدي إليه الاجتهاد، فحكم الله في حق كل مجتهد ما غلب على ظنه؟ واستدل المخطّئة بقوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، فخص سليمان بالفهم. واستدل المصوّبة بآخر الآية، وبإقرار النبي ﷺ الفريقين في صلاة العصر يوم بني قريظة. وتوسط بعض المصوبة فقالوا: ليس في المسألة حكم معين، لكن فيها «أشبه» عند الله، لو نزل الحكم لنزل به.
  • الثمرة أثر المسألة في الفقه غير مباشر، ويظهر في الاقتداء بالمخالف في الفروع، كمن صلى خلف إمام مسّ ذكره ولم يتوضأ والإمام يرى ذلك غير ناقض. فمن نظر إلى تصحيح الشارع لاجتهاد الإمام في حقه قوّى صحة الاقتداء، ومن نظر إلى اعتقاد المأموم أن صلاة إمامه باطلة منعه. وفي كل مذهب تفصيل، والأصح عند الشافعية أن العبرة باعتقاد المأموم.
  • التحقيق الخلاف في أصله كلامي بين المخطئة والمصوبة، وهو يمر داخل المذاهب الفقهية لا بينها. وتمييز الشريعة (الحكم في نفس الأمر) من الفقه (ظن المجتهد) معروف عند المخطئة من هذا الباب.

أداة تفكير سؤال سبب الخلاف

إذا رُد خلاف المخطئة والمصوبة إلى جذره ظهر أنه خلاف في تصور «الحكم» نفسه: هل هو خطاب ثابت في نفس الأمر، أم هو ما يغلب على ظن المكلف بعد النظر؟ والجذر كلامي، وتظهر فروعه في الفقه بوساطة قاعدة أخرى: هل اجتهاد الغير صحيح في حقي؟ وحد الأداة أن الفرع الفقهي (الاقتداء بالمخالف) لا يُرد إلى هذا الأصل وحده، فلكل مذهب في شروط الاقتداء مأخذ مستقل.

١ نقض الاجتهاد

القاعدة المتفق عليها في الجملة: الاجتهاد لا يُنقض بمثله. فإذا حكم الحاكم في مسألة اجتهادية، أو أفتى المجتهد وعمل المستفتي بفتواه، ثم تغير اجتهاده، لم يُنقض ما مضى. وعلة ذلك أن الاجتهاد الثاني مساو للأول في رتبته، فلا مزية له في رفعه، وأن النقض يؤدي إلى أن لا يستقر حكم، فيُنقض النقض أيضا، وتضطرب الأحكام ويفوت مقصود القضاء من فصل الخصومات. ومستندها قضاء عمر في المسألة المشركة.

والحكم يُنقض في مواضع:

  • إذا خالف نصا من كتاب أو سنة لا يحتمل التأويل.
  • إذا خالف إجماعا.
  • إذا خالف قياسا جليا.
  • وزاد القرافي: إذا خالف القواعد الكلية السالمة عن المعارض.
  • وقال الحنفية: يُنقض إذا خالف الكتاب أو السنة المشهورة أو الإجماع، ولا يُنقض بمخالفة خبر الواحد إذا كان للحاكم فيه تأويل أو مذهب.

وإذا تغير اجتهاد المجتهد في حق نفسه، كمن تزوج بلا ولي معتقدا صحته ثم تغير اجتهاده إلى البطلان، فالمختار عند جماعة أنه إن كان حكم به حاكم لم يُنقض، وإن لم يحكم به حاكم لزمه فراقها، لأنه صار يعتقد أنه يطأ في نكاح باطل.

تطبيق المسألة المشركة ونقض الاجتهاد

  1. الواقعة: امرأة ماتت عن زوج، وأم، وأخوين لأم، وأخ شقيق أو أكثر.

  2. الأدلة: للزوج النصف، وللأم السدس، ولأولاد الأم الثلث بقوله تعالى: ﴿فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]. والأشقاء عصبة لا يأخذون إلا ما أبقت الفروض، بحديث: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» (رواه البخاري ومسلم).

  3. الدلالة: استغرقت الفروض التركة، فلا يبقى للأشقاء شيء.

  4. المعارض: الأشقاء يشاركون الإخوة لأم في قرابة الأم، ويزيدون عليهم بقرابة الأب، فكيف يُحرم الأقوى ويرث الأضعف؟

  5. الإلحاق والمقصد: نُظر إلى قرابة الأم المشتركة، فأُلغيت قرابة الأب في هذه الصورة وشُرّك الجميع في الثلث.

الأقوال: شرّك المالكية والشافعية بين الأشقاء والإخوة لأم في الثلث، وهو القضاء الثاني لعمر. ولم يشرّك الحنفية والحنابلة، أخذا بظاهر النص في العصبة، وهو قضاؤه الأول وقول علي.

صلتها بالباب: لما سُئل عمر عن اختلاف قضاءيه قال ما معناه: «تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي» (أخرجه عبد الرزاق في المصنف والبيهقي في السنن الكبرى بألفاظ متقاربة). فلم ينقض الأول بالثاني، لأن كليهما اجتهاد في ما لا قاطع فيه. وبه يُجاب سؤال الافتتاح: لم ينقض عمر قضاءه لأن الاجتهاد لا يُنقض بمثله. وحكم الله في نفس الأمر عند المخطّئة واحد من القضاءين، وعمر مأجور في الحالين.

تنبيه الرجوع عن الاجتهاد والنقض

رجوع المجتهد عن قوله في المستقبل غير نقض ما مضى. فالمجتهد يفتي بعد تغير اجتهاده بالثاني، ويجب عليه أن يُعلم من أفتاه بالأول إن لم يكن قد عمل به عند جماعة، ولا يُنقض ما عُمل به أو حُكم به. وإذا رجع المجتهد عن قول لم يبق قولا له عند الأكثر، كالحكم المنسوخ.

٢ اجتهاد النبي ﷺ والصحابة

اختلف الأصوليون في جواز اجتهاد النبي ﷺ في الأحكام. والجمهور على جوازه ووقوعه، مع الاتفاق على أنه لا يُقر على خطأ. واستدلوا بقوله تعالى في أسرى بدر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وبقوله في الإذن للمتخلفين: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، فالعتاب لا يكون على ما ثبت بالوحي. ومنع ذلك قوم لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ﴾ [النجم: ٣]، وأجيب بأن الاجتهاد المأذون فيه ليس من الهوى، وأن ما يُقر عليه يصير وحيا بالإقرار. وقال كثير من الحنفية: كان ﷺ مأمورا بانتظار الوحي في ما لم يوح إليه فيه، فإذا لم ينزل اجتهد، وما اجتهد فيه وأُقر عليه صار حجة كالنص.

ويتصل بهذا ما سماه أصحاب جمع الجوامع ومن تبعه «التفويض»: أن يقال لنبي أو عالم: احكم بما تشاء فهو صواب، فيكون حكمه بغير نظر مدركا شرعيا. أجازه جماعة، ومنعه آخرون، ونُقل عن الشافعي التردد فيه، وقصر بعضهم الجواز على النبي ﷺ دون العالم. والمسألة نظرية في أكثرها، ويُذكر فيها أن الجواز غير الوقوع.

واجتهد الصحابة في حياته ﷺ وبعده. ففي غزوة بني قريظة قال: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة»، فأدرك بعضهم العصر في الطريق فصلى، وقال آخرون: لا نصلي حتى نأتيها، فذُكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنف واحدا منهم (رواه البخاري، وعند مسلم: الظهر). ويُستدل كذلك بحديث معاذ لما بعثه إلى اليمن وقوله: أجتهد رأيي ولا آلو (رواه أبو داود والترمذي)، وفي إسناده ضعف، فقد قال الترمذي: ليس إسناده عندي بمتصل، وقبله جماعة لتلقي الأمة له بالقبول.

٣ الاجتهاد الجماعي المعاصر

الاجتهاد الجماعي أن يتشاور أهل الاجتهاد، ومعهم أهل الخبرة في الواقعة، فيصدروا قرارا في مسألة نازلة. وله أصل في استشارة الخلفاء الصحابة في النوازل، كجمع عمر أهل بدر في مسائل. وقامت عليه في العصر الحديث المجامع الفقهية، كمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، ومجمع الفقه الإسلامي الدولي، والمجمع الفقهي الإسلامي بمكة. ويُبنى على القول بتجزؤ الاجتهاد، لأن أعضاءها يتكاملون في التخصص. وقراراتها اجتهاد ظني، فلا تلزم من خالفها من المجتهدين، والفرق بينها وبين الإجماع في الإجماع. وتفصيل مناهجها في أصول الفقه في زمننا.

صلة الفصل بغيره

شروط المجتهد تختصر الكتاب كله: الأدلة في الكتاب والسنة والنسخ والإجماع والقياس، والدلالات من مبادئ لغوية إلى طرق الدلالة بين المنهجين، والتعارض والترجيح في التعارض والترجيح، والمقاصد في مقاصد الشريعة. ومسألة التصويب ترجع إلى المسائل الكلامية في نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية. ويتلوه فصل التقليد والفتوى التقليد والفتوى والمذهب، وفيه كيف يتعامل غير المجتهد مع أقوال هذه المراتب. وتطبيق مراتب المجتهدين على تخريج الفروع في تخريج الفروع على الأصول، والاجتهاد الجماعي في أصول الفقه في زمننا. ومختصر الفصل في الاجتهاد والتقليد.

خلاصة الفصل

  1. الاجتهاد استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي، ومحله ما لا قاطع فيه.
  2. الاجتهاد فرض كفاية على الأمة، ويصير فرض عين على المجتهد في واقعته أو إذا تعين عليه.
  3. للمجتهد عند الغزالي شرطان: الإحاطة بمدارك الشرع مع التمكن من استثارة الظن، والعدالة، وهي شرط لقبول فتواه لا لصحة اجتهاده.
  4. يشترط العلم بآيات الأحكام وأحاديثها ومواضع الإجماع والعربية والأصول والناسخ والمنسوخ وحال الرواة، ولا يشترط الكلام ولا تفاريع الفقه.
  5. جعل الشاطبي فهم مقاصد الشريعة على كمالها الوصف الأول للمجتهد.
  6. الاجتهاد يتجزأ عند الأكثر في كل مذهب.
  7. المفتون مستقل وغير مستقل، وغير المستقل منتسب، ومجتهد مذهب، ومجتهد فتوى، وحافظ للمذهب.
  8. قسم ابن كمال باشا فقهاء الحنفية سبع طبقات، ونوقش في تنزيل الأعيان عليها.
  9. منع الحنابلة خلو العصر من مجتهد، وأجازه الجمهور.
  10. دعوى إغلاق باب الاجتهاد لم يقم عليها إجماع، وبيّن حلاق استمرار الاجتهاد.
  11. المصيب في الفروع واحد عند جمهور المذاهب، والمخطئ مأجور، والتصويب قول الأشعري والباقلاني والغزالي.
  12. الاجتهاد لا يُنقض بمثله، ويُنقض الحكم إذا خالف نصا أو إجماعا أو قياسا جليا.
  13. يجوز اجتهاد النبي ﷺ عند الجمهور ولا يُقر على خطأ، واجتهد الصحابة في حياته.
  14. الاجتهاد الجماعي اجتهاد ظني يقوم على التخصص والتشاور.

تمارين

  1. بيّن ما يُخرجه كل قيد من حد ابن الحاجب للاجتهاد.
  2. لماذا لم يشترط الغزالي تفاريع الفقه في المجتهد؟ وهل يتعارض ذلك مع اشتراط ممارسة الفروع؟
  3. رجل فاسق متمكن من آلة الاجتهاد: ما حكم عمله باجتهاده؟ وما حكم فتواه لغيره؟
  4. صنّف بحسب طبقات ابن كمال باشا: صاحب الهداية، الطحاوي، محمد بن الحسن، صاحب كنز الدقائق.
  5. قارن بين الحنابلة والجمهور في خلو العصر من مجتهد، واذكر دليل كل فريق.
  6. ما الفرق بين القول بالتصويب والقول بالأشبه؟
  7. قاضٍ شافعي حكم بصحة نكاح بلا ولي تقليدا لمذهب الحنفية في واقعة رُفعت إليه، ثم تولى قاض آخر: هل ينقض حكمه؟
  8. استدل على جواز اجتهاد النبي ﷺ بآيتين، وأجب عن استدلال المانعين.
  9. على القول بمنع تجزؤ الاجتهاد، ما حكم اجتهاد المجامع المتخصصة؟

أجوبة التمارين

  1. «استفراغ» يُخرج النظر القاصر، و«الفقيه» يُخرج غير الأهل، و«ظن» يُخرج القطعيات، و«حكم شرعي» يُخرج غير الشرعيات.
  2. لأن التفاريع ثمرة الاجتهاد يولدها المجتهد بعد تحصيل الأهلية، فلا تكون شرطا في حصولها. ولا تعارض، لأن ممارسة الفروع طريق لتحصيل الملكة، وليست شرطا في حد الاجتهاد.
  3. يعمل باجتهاده في حق نفسه، لأن العدالة ليست شرطا في صحة الاجتهاد، ولا تُقبل فتواه لغيره، لأنها شرط في قبول الفتوى.
  4. صاحب الهداية: الخامسة (الترجيح). الطحاوي: الثالثة عنده، ونوقش فيه. محمد بن الحسن: الثانية. صاحب الكنز: السادسة.
  5. الحنابلة يمنعون الخلو بحديث الطائفة الظاهرة على الحق وبأن الاجتهاد فرض كفاية. والجمهور يجيزونه بحديث قبض العلم بقبض العلماء.
  6. التصويب أن حكم الله في حق كل مجتهد ما أداه إليه اجتهاده، ولا حكم معين قبله. والأشبه أنه ليس في المسألة حكم معين، لكن فيها ما لو نزل الحكم لنزل به، يطلبه المجتهد.
  7. لا ينقضه، لأنه حكم في مسألة اجتهادية لم يخالف نصا قطعيا ولا إجماعا، والاجتهاد لا يُنقض بمثله.
  8. آية أسرى بدر [الأنفال: ٦٧]، وآية الإذن للمتخلفين [التوبة: ٤٣]. والجواب عن ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ﴾: الاجتهاد المأذون فيه ليس هوى، وما أُقر عليه صار في حكم الوحي.
  9. لا يكون اجتهادا إلا لمن كان منهم مجتهدا مطلقا، ويكون عمل غيره تقليدا أو ترجيحا، ويصير قرار المجمع من باب الترجيح بين الأقوال.

  1. المستصفى للغزالي، القطب الرابع، الفن الأول في الاجتهاد، الركن الثاني: المجتهد، ص٣٤٢ في طبعة دار الكتب العلمية، كما في المكتبة الشاملة. ↩

  2. الموافقات للشاطبي، كتاب الاجتهاد، الطرف الأول، المسألة الثانية، ٥/٤١ في طبعة دار ابن عفان بتحقيق مشهور بن حسن آل سلمان، كما في المكتبة الشاملة. ↩

  3. شرح عقود رسم المفتي لابن عابدين، ط. إسطنبول، ص١١ و١٢، كما في المكتبة الشاملة. وفي هذه الطبعة وصف الطبقة الخامسة بأصحاب «التخريج» تكرارا لوصف الرابعة، والمعروف في النقول عنه أنها طبقة أصحاب الترجيح، وهو المناسب لوصف عملهم. ↩

  4. الورقات للجويني، باب الاجتهاد، ص٣١ في النسخة المنشورة على المكتبة الشاملة. ↩

التقليد والفتوى والمذهب

سؤال الافتتاح

طالب شافعي لمس امرأة أجنبية بعد وضوئه، فأراد أن يصلي بذلك الوضوء آخذا بمذهب مالك الذي لا ينقض الوضوء باللمس بلا لذة. وكان قد مسح بعض رأسه في وضوئه على مذهب الشافعي. هل تصح صلاته؟ وهل يجوز له أصلا أن ينتقل إلى مذهب آخر في هذه المسألة؟

موقع الفصل من المنظومة

هذا الفصل تتمة القطب الرابع. فالفصل السابق الاجتهاد تكلم في المجتهد الذي يسير على خط الاستنباط بنفسه، وهذا الفصل في حال من لا يستطيع ذلك: المقلد الذي يأخذ الحكم من المجتهد، والمفتي الذي ينقل مذهب إمامه ويرجح بين أقواله، والمستفتي الذي يسأل. وهو المحطة الأخيرة من الخط من جهة أخرى: إذا خرج الحكم من المجتهد، فكيف يصل إلى العامل به، وبأي طريق يُعرف أنه القول المعتمد في المذهب؟ ويحتاج إلى مراتب المجتهدين في الاجتهاد، وإلى باب مراعاة الخلاف في الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة.

١ التقليد

٢ تعريفه

من المتون الورقات للجويني، باب شروط المستفتي

وَمن شُرُوط المستفتي أَن يكون من أهل التَّقْلِيد وَلَيْسَ للْعَالم أَن يُقَلّد والتقليد قبُول قَول الْقَائِل بِلَا حجَّة فعلى هَذَا قبُول قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُسمى تقليدا وَمِنْهُم من قَالَ التَّقْلِيد قبُول قَول الْقَائِل وَأَنت لَا تَدْرِي من أَيْن قَالَه فَإِن قُلْنَا إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَقُول بِالْقِيَاسِ فَيجوز أَن يُسمى قبُول قَوْله تقليدا.

الحل: «العالم» هنا المجتهد، فليس له أن يقلد غيره في ما يقدر على الاجتهاد فيه. وذكر الجويني تعريفين. الأول: قبول القول بلا حجة، ولازمه أن قبول قول النبي ﷺ تقليد، لأن السامع يقبله دون أن يطلب عليه دليلا. والثاني: قبول القول مع الجهل بمأخذه، ولازمه أن قول النبي ﷺ إن كان عن وحي فمأخذه معلوم، فلا يكون قبوله تقليدا، وإن كان عن اجتهاد بالقياس جاز أن يسمى قبوله تقليدا. والجمهور على أن قبول قول النبي ﷺ ليس تقليدا، لأن قوله حجة في نفسه.1

وحرر ابن الهمام في «التحرير» تعريفا يرفع الإشكال: التقليد العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة. فخرج العمل بقول النبي ﷺ وبالإجماع، لأنهما حجتان. ودخل رجوع العامي إلى المفتي، لأن قول المفتي ليس حجة في نفسه، وإنما وجب على العامي الأخذ به بدليل آخر.

٢ حكمه في الأصول والفروع

  • في أصول الدين: الجمهور على وجوب النظر في معرفة الله ووحدانيته وصدق الرسول، وأن التقليد فيها لا يكفي عند كثير من المتكلمين. والمعتمد عند المحققين أن إيمان المقلد صحيح، وأنه آثم بترك النظر إن كان قادرا عليه، لأن المطلوب الجزم المطابق للحق، وقد حصل.
  • في الفروع: يجب على العامي ومن لم يبلغ رتبة الاجتهاد أن يقلد، لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، ولإجماع الصحابة على أن العامة كانوا يستفتونهم فيفتونهم دون أن يأمروهم بالنظر في الأدلة. وخالف في ذلك بعض المعتزلة البغداديين وابن حزم، فأوجبوا على العامي أن يعرف الدليل.
  • في حق المجتهد: لا يجوز له التقليد في ما اجتهد فيه وظهر له حكمه، بالاتفاق. واختلفوا في تقليده قبل أن يجتهد، والأكثر على المنع.

١ مسائل التقليد

٢ تقليد المفضول مع وجود الفاضل

إذا وُجد في البلد مفتيان، أحدهما أعلم وأورع، فهل يجوز للعامي أن يسأل المفضول؟

مسألة خلافية هل يجوز تقليد المفضول مع وجود الفاضل؟

  • الجمهور يجوز، وهو قول أكثر الحنفية والمالكية والشافعية، لأن الصحابة كان فيهم الفاضل والمفضول، وكان العامة يستفتون المفضول مع وجود الفاضل ولم يُنكر عليهم.
  • الحنابلة في المذهب خلاف، ونُقل عن أحمد في رواية أنه يجب على العامي أن يجتهد في أعيان المفتين فيقلد الأعلم الأورع، وبه قال من الشافعية ابن سريج والقفال.
  • سبب الخلاف هل قول المفتي للعامي بمنزلة الدليل للمجتهد، فيجب الترجيح بين الأقوى والأضعف؟ أم العامي عاجز عن الترجيح، فيكفيه أن يسأل من عُرفت أهليته؟
  • الثمرة إذا اختلف عليه مفتيان، فعلى القول الأول يتخير أو يأخذ بالأوثق في نفسه، وعلى الثاني يلزمه قول الأعلم.

٢ تقليد الميت

الجمهور على جواز تقليد المجتهد الميت، وعليه عمل الأمة منذ استقرت المذاهب. واحتجوا بأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها، ولهذا تُحكى أقوال الموتى في مسائل الخلاف ويُعتد بها. وحكى الرازي في «المحصول» قولا بالمنع، وحجته أن الميت لا قول له، بدليل أن الإجماع ينعقد بعد موته على خلاف قوله. والعمل على خلافه. وفصّل بعضهم فأجازه إذا فُقد الحي المجتهد، وهو حال الأزمنة المتأخرة.

٢ التزام مذهب معين

هل يجب على العامي أن يلتزم مذهبا معينا يأخذ بعزائمه ورخصه؟ قولان مشهوران:

  • لا يجب: لأن الواجب على العامي سؤال أهل العلم، ولم يوجب الله عليه اتباع رجل بعينه. وهو اختيار ابن الهمام، وقال النووي في «روضة الطالبين» إن الذي يقتضيه الدليل أنه لا يلزمه التمذهب بمذهب.
  • يجب: قاله كثير من المتأخرين، لأن المذاهب دُونت وحُررت، وترك العامي يتخير بينها يفضي إلى تتبع الرخص.

والعمل عند المتأخرين على أن التزام مذهب أضبط وأسلم، وأنه لا يمنع من تقليد غيره في مسألة بشروط.

٢ الانتقال بين المذاهب

الانتقال الكلي من مذهب إلى مذهب جائز عند الجمهور إذا كان لدليل ظهر للمنتقل، أو لاطمئنانه إلى علم من يقلده، لا لغرض دنيوي. والانتقال في مسألة بعينها يجوز بشروط ذكرها المتأخرون في كل مذهب، أشهرها:

  1. ألا يكون قد عمل بقول مذهبه في تلك الواقعة عينها عند من اشترطه، كمن صلى ظهرا على مذهب فلا يعيدها على آخر ليصححها.
  2. ألا يتتبع الرخص.
  3. ألا يلفّق تلفيقا يؤدي إلى صورة لا يقول بها أحد.
  4. أن يعتقد رجحان من يقلده أو مساواته، وهو شرط ذكره القرافي.
  5. أن يستوفي شروط المسألة على المذهب المنتقل إليه.

٢ تتبع الرخص

تتبع الرخص أن يأخذ المقلد من كل مذهب أخف ما فيه في كل مسألة، بقصد التخفف لا بقصد الدليل. وهو ممنوع. ونقل ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» قول سليمان التيمي: لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله، ثم قال: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا. وعلة المنع أن المقلد يجعل هواه حاكما على المذاهب، فيصير المتبع هو التخفيف لا قول أحد. ويُفرّق بين تتبع الرخص والأخذ بالرخصة في مسألة لحاجة، فالثاني أجازه جماعة من الحنفية والمالكية ما لم يكن بهوى.

٢ التلفيق

التلفيق أن يأتي المقلد في المسألة الواحدة بكيفية لا يقول بها مجتهد، بأن يأخذ ببعض أجزائها من مذهب وببعضها من مذهب آخر.

مسألة خلافية ما حكم التلفيق بين المذاهب؟

  • الحنفية أجاز ابن الهمام وابن أمير حاج تقليد غير المذهب في المسائل والأخذ بالأخف ما لم يتتبع الرخص بهوى، ومنع متأخرون التلفيق المركب في القضية الواحدة، وفي المذهب نقاش طويل.
  • المالكية شرط القرافي ألا يجمع بين المذاهب على وجه يخالف الإجماع، وأن يعتقد رجحان من يقلده، وألا يتتبع الرخص. وأجاز بعض المتأخرين التلفيق في العبادات بضوابط.
  • الشافعية يجوز تقليد غير المذهب في مسألة بشروط، ويُمنع التلفيق الذي يؤدي إلى حقيقة مركبة لا يقول بها أحد، كما قرره ابن حجر الهيتمي والرملي.
  • الحنابلة يمنعون تتبع الرخص، ويجيزون الانتقال لدليل أو حاجة.
  • سبب الخلاف هل التقليد التزام بمذهب معين في جملته، أم اتباع لمجتهد في مسألة؟ فمن رآه اتباعا في المسألة نظر إلى صحة الفعل عند مجتهد واحد على الأقل، ومن رآه التزاما منع الخروج إلا بشروط. ويدخل في الموازنة التيسير من جهة، ومنع التحايل من جهة.
  • الثمرة النكاح بلا ولي تقليدا للحنفية، وبلا إشهاد عند العقد تقليدا للمالكية، وبلا إشهاد قبل الدخول ولا إعلان: باطل عند الجميع، لأنه حقيقة مركبة لا يصححها أحد من المجتهدين. والمالكية لا يشترطون الإشهاد عند العقد، ويوجبونه قبل الدخول.
  • التحقيق المسألة حادثة بعد استقرار المذاهب، فأكثر النقول فيها من المتأخرين، والمتفق عليه منعُ ما يؤدي إلى صورة يبطلها كل من أُخذ عنه.

تطبيق الوضوء الملفّق

  1. الواقعة: شافعي مسح بعض رأسه، ثم لمس امرأة أجنبية بلا لذة، وأراد الصلاة.

  2. المذاهب في الجزأين: لمس الأجنبية ينقض الوضوء عند الشافعية مطلقا، ولا ينقضه عند المالكية إلا إذا قصد اللذة أو وجدها، ولا ينقضه عند الحنفية، وينقضه عند الحنابلة إذا كان بشهوة. ومسح بعض الرأس يكفي عند الشافعية، ويكفي الربع عند الحنفية، ويجب مسح جميعه عند المالكية والحنابلة.

  3. الصورة المركبة: إن قلد المالكية في عدم النقض باللمس بقي مسح بعض الرأس، وهو باطل عندهم. وإن بقي على مذهبه بطل وضوؤه باللمس. فوضوؤه بهذه الصورة باطل عند الشافعية والمالكية معا.

  4. المخرج: يقلد الحنفية في المسألتين إن كان مسح ربع رأسه، لأن الوضوء عندهم صحيح في الجزأين، ويستوفي شروط المذهب الحنفي في الوضوء كله على قول من اشترط ذلك. أو يعيد الوضوء.

  5. الأصل: هذا هو التلفيق الممنوع عند جمهور المتأخرين، لأن العبادة بهذه الكيفية لا يصححها مجتهد. وبه يُجاب سؤال الافتتاح: لا تصح صلاته بهذا التلفيق، ويجوز له الانتقال في المسألة إذا استوفى شروط من يقلده فيها.

١ الفتوى

٢ تعريفها وشروط المفتي

الفتوى الإخبار بالحكم الشرعي عن دليل لمن سأل عنه. والمفتي من قام بذلك. ويشترط فيه:

  1. الإسلام والتكليف.
  2. العدالة: فلا تُقبل فتوى الفاسق، وإن جاز له العمل باجتهاده في حق نفسه.
  3. الاجتهاد أو أهلية النقل والترجيح: وأصل الشرط الاجتهاد، كما في الورقات. ثم صارت الفتوى في الأزمنة المتأخرة من عمل المفتي المقلد الذي يحفظ مذهب إمامه ويعرف مراتب أقواله، وقرره ابن الصلاح والنووي على أنه نقل للمذهب.
  4. فقه النفس وسلامة الذهن والتيقظ: فلا يكون مغفلا يُستدرج إلى الحيل والتلبيس.

٢ آداب المفتي

  • التثبت والمشاورة: لا يتعجل، ويرجع إلى الكتب المعتمدة وأهل العلم في ما يشتبه عليه.
  • ترك الفتوى في حال تمنع كمال النظر: قياسا على قوله ﷺ: «لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان» (رواه البخاري ومسلم)، فيدخل فيه الجوع الشديد والهم المقلق والمدافعة.
  • قول «لا أدري»: فقد كان مالك يُسأل عن مسائل كثيرة فيقول في أكثرها: لا أدري.
  • مراعاة عرف السائل وحاله: فيفسر ألفاظ السائل بعرفه، ولا يفتي أهل بلد بعرف بلد آخر في المسائل المبنية على العرف.
  • ترك تتبع الحيل المحرمة: ويجوز له أن يدل السائل على مخرج مباح من ضيق.
  • وضوح الجواب: يذكر الحكم بلفظ لا يحتمل، ويذكر الدليل إذا احتيج إليه، ويقيد ما يحتاج إلى قيد.

٣ أقسام المفتين

المفتون على مراتب المجتهدين المذكورة في الاجتهاد: المستقل، ثم المنتسب، ثم مجتهد المذهب، ثم مجتهد الفتوى، ثم حافظ المذهب وناقله. ولكل مرتبة حدها: فحافظ المذهب ينقل المسطور، ولا يخرّج ما لا نص فيه إلا بما لا يخفى، ومجتهد الفتوى يرجح بين الأقوال.

٢ الفتوى بغير المعتمد

الأصل أنه لا يجوز للمفتي المقلد أن يفتي بالقول المرجوح أو الضعيف في مذهبه. ونقل ابن عابدين في شرح «عقود رسم المفتي» عن أبي عمرو بن الصلاح أن من اكتفى بأن تكون فتواه أو عمله موافقا لقول أو وجه في المسألة، وعمل بما شاء من الأقوال من غير نظر في الترجيح، فقد جهل وخرق الإجماع. ونقل عن الباجي أنه لا خلاف بين المسلمين ممن يُعتد به في الإجماع في منع الإفتاء بالرواية التي توافق قصد السائل بعد الإفتاء بغيرها.2

ويُستثنى من الأصل:

  • عمل المفتي بالضعيف في حق نفسه للضرورة: أجازه متأخرون من الحنفية وغيرهم.
  • الفتوى بالضعيف للضرورة: أجازها المالكية بشروط: أن يثبت القول عن قائل معتبر، وأن تتحقق الضرورة، وأن يكون القائل ممن يُقتدى به علما وورعا.
  • ما جرى به العمل عند المالكية، وهو قول ضعيف أو مرجوح حكم به القضاة أو أفتى به الشيوخ لمصلحة أو عرف، فيُقدم على المشهور في ذلك البلد وذلك الزمان.
  • مراعاة الخلاف بعد الوقوع عند المالكية، وتفصيلها في الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة.

٢ المستفتي وواجبه

يجب على المستفتي أن يسأل من عُرفت أهليته للفتوى، بالاستفاضة أو بإخبار عدل عارف، ولا يسأل من لا يعرف حاله. وإذا أفتاه المفتي لزمه العمل إن لم يجد غيره، فإن وجد غيره واختلفا عليه فقيل: يأخذ بالأغلظ، وقيل: بالأخف، وقيل: يتخير، وقيل: يأخذ بقول الأعلم الأورع، وهو قول من أوجب تقليد الفاضل. وإذا تكررت الواقعة فهل يلزمه السؤال ثانية؟ رجّح جماعة من الأصوليين أنه يعيد السؤال إن لم يعلم أن الجواب عن نص أو إجماع، لاحتمال تغير اجتهاد المفتي.

١ الفرق بين الفتوى والقضاء

ألف القرافي كتاب «الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام» في هذا الفرق، وجعل الفيصل أن الفتوى إخبار عن الله بالحكم، والقضاء إنشاء لحكم جزئي ملزم في واقعة. وقد نقل ابن عابدين عن «أصول الأقضية» عبارة جامعة: «ولا فرق بين المفتي والحاكم إلا أن المفتي مخبر بالحكم والقاضي ملزم به».3

وجه الفرق الفتوى القضاء
حقيقته إخبار بالحكم الشرعي إنشاء حكم في واقعة معينة
الإلزام لا تُلزم السائل إلا من جهة تقليده ملزم للخصمين بقوة الولاية
رفع الخلاف لا ترفعه يرفع الخلاف في الواقعة المعينة، ولا يُنقض باجتهاد آخر
المحل تدخل في العبادات والمعاملات كلها يكون في ما فيه خصومة أو ولاية، ولا يدخل في العبادات استقلالا
الطريق يبني المفتي على قول السائل يبني القاضي على البينة والإقرار
من يتولاه كل من استوفى شروط الفتوى من وُلي القضاء

ومن ثمرات الفرق: أن من أفتاه مفتٍ بصحة نكاح ثم سأل آخر فأفتاه بفساده، لم يرتفع الخلاف بالفتوى الأولى. أما إذا حكم القاضي بصحته فقد ارتفع الخلاف في هذا النكاح، ولزم المخالف قضاؤه ظاهرا.

أداة تفكير التنزيل الرباعي

الفتوى والقضاء كلاهما تنزيل للحكم الكلي على واقعة: الحكم، ثم المحل، ثم التنزيل، ثم المآل. والفرق بينهما في الخطوة الثالثة: المفتي ينزّل الحكم على الواقعة كما وصفها السائل، فعهدة الوصف على السائل، والقاضي ينزّله على الواقعة كما ثبتت عنده بطرق الإثبات، فعهدة الإثبات على القاضي. وحد الأداة أن المفتي مطالب أيضا بالنظر في المآل وفي احتمال التلبيس في السؤال.

١ كيف يعرف الطالب المعتمد في مذهبه

المعتمد في المذهب القول الذي استقر الترجيح عليه عند أهل الترجيح فيه. وطريق معرفته يختلف بين المذاهب، لأن لكل مذهب تاريخا في تدوين أقواله وترجيحها.

٢ الحنفية

طبقات المسائل: قسم ابن عابدين مسائل الحنفية ثلاث طبقات:

  1. ظاهر الرواية (مسائل الأصول): ما رُوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد في كتب محمد بن الحسن الستة برواية الثقات، فهي ثابتة عنه متواترة أو مشهورة. وهي: المبسوط (ويسمى الأصل)، والزيادات، والجامع الصغير، والجامع الكبير، والسير الصغير، والسير الكبير. وجمعها الحاكم الشهيد في «الكافي»، وشرحه السرخسي في «المبسوط».
  2. النوادر: ما رُوي عن أصحاب المذهب في غير تلك الكتب، كالكيسانيات والهارونيات والجرجانيات والرقيات، أو في كتب غير محمد كالمجرد للحسن بن زياد وأمالي أبي يوسف، وقيل لها غير ظاهر الرواية لأنها لم تُرو عن محمد بروايات ظاهرة ثابتة.
  3. الفتاوى والواقعات: ما استنبطه المتأخرون في ما لا رواية فيه عن المتقدمين، وأول ما جُمع منها «النوازل» لأبي الليث السمرقندي.

وقال ابن عابدين في منظومته:

وكتب ظاهر الروايات أتت … ستا وبالأصول أيضا سميت صنفها محمد الشيباني … حرر فيها المذهب النعماني

الترجيح بين الإمام وصاحبيه: قرر ابن عابدين أن الفتوى على قول أبي حنيفة، فإن لم يوجد له اختيار فقول أبي يوسف، ثم محمد، ثم زفر والحسن بن زياد. وقيل: يتخير المفتي إذا خالف الإمامَ صاحباه، وقيل: يرجح الأقوى دليلا، وهو للمفتي المجتهد. وقرر أن المتأخرين ممن لا يرجحون بالدليل يتبعون ما صححه أهل الترجيح، لأنهم رجحوا قول بعض الأصحاب في مسائل، كمسائل رجحوا فيها قول زفر.4

المتون والشروح والفتاوى: المقرر عند متأخريهم أن المتون مقدمة على الشروح، والشروح مقدمة على الفتاوى، ما لم يصرح بتصحيح ما في الشروح أو الفتاوى. والمتون المعتمدة: مختصر القدوري، والمختار للموصلي، والوقاية، والكنز للنسفي، ومجمع البحرين، وملتقى الأبحر. ومن الشروح: الهداية للمرغيناني، وفتح القدير لابن الهمام، وتبيين الحقائق للزيلعي، والبحر الرائق لابن نجيم. ومن الفتاوى: الخانية، والبزازية، والفتاوى الهندية. وحاشية ابن عابدين «رد المحتار على الدر المختار» عمدة المتأخرين في التحرير.

ألفاظ التصحيح: يصرحون بالمعتمد بألفاظ، منها: «وعليه الفتوى»، و«به يُفتى»، و«الصحيح»، و«الأصح»، و«الأشبه»، و«الأوجه»، و«وعليه العمل». وقرر ابن عابدين أن لفظ الفتوى آكد من غيره.

٢ المالكية

المصطلحات:

  • المشهور: ما كثر قائله، وقيل: ما قوي دليله، وقيل: قول ابن القاسم في المدونة. والأول أشهر عند المتأخرين.
  • الراجح: ما قوي دليله.
  • ما جرى به العمل: قول ضعيف أو مرجوح عمل به القضاة والمفتون في بلد لمصلحة أو عرف، ويقدمه المغاربة على المشهور بشروط: ثبوت جريان العمل به، ومعرفة زمانه ومكانه، وصدوره عمن يُقتدى به.

ترتيب الأقوال في المدونة: قرر المتأخرون تقديم قول مالك في المدونة، ثم قول ابن القاسم فيها، ثم قول غيره فيها، ثم قول ابن القاسم في غيرها.

مختصر خليل: عمدة المتأخرين، وقد قصد فيه بيان ما به الفتوى.

من المتون مختصر خليل، مقدمة المؤلف

مُخْتَصَرًا عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رحمه الله تعالى مبينا لما به الفتوى فأجبت سؤالهم بعد الاستخارة مشيرا بـ"فيها" للمدونة وبـ"أول" إلى اختلاف شارحيها في فهمها وبـ"الاختيار" للخمي ... وبـ"الترجيح" لابن يونس كذلك وبـ"الظهور" لابن رشد كذلك وبـ"القول" للمازري كذلك وَحَيْثُ قُلْت: "خِلَافٌ" فَذَلِكَ لِلِاخْتِلَافِ فِي التَّشْهِيرِ وَحَيْثُ ذَكَرْت قَوْلَيْنِ أَوْ أَقْوَالًا فَذَلِكَ لِعَدَمِ اطلاعي في الفرع على أرجحية منصوصة.

الحل: «مبينا لما به الفتوى» يعني أنه اقتصر على المعتمد، فما ذكره بلا خلاف فهو المفتى به. ثم جعل لأربعة من كبار أهل الترجيح ألفاظا: «الاختيار» للخمي، و«الترجيح» لابن يونس، و«الظهور» لابن رشد، و«القول» للمازري. وفرّق بين قوله «خلاف»، وهو أن يكون كل من القولين قد شهّره عالم معتبر، فيتساويان في التشهير، وبين ذكر «قولين» أو «أقوال» دون لفظ خلاف، وهو أنه لم يجد ترجيحا منصوصا لأحدها. فالطالب إذا وجد «خلاف» علم أن للمسألة مشهورين.5

الشروح: من أهمها: «مواهب الجليل» للحطاب، و«التاج والإكليل» للمواق، وشرح الخرشي وحاشية العدوي، وشرح الزرقاني وحاشية البناني، و«الشرح الكبير» للدردير وحاشية الدسوقي عليه، وهما عمدة الفتوى عند المتأخرين في المشرق. وقبل خليل كان «المختصر الفقهي» لابن عرفة عمدة في تحرير الحدود والنقول، وشرح حدوده الرصاع.

٢ الشافعية

الشيخان: المعتمد عند متأخري الشافعية ما اتفق عليه الرافعي والنووي، فإن اختلفا فالمقدم في الأغلب ما رجحه النووي. ثم جاء بعدهما من حرر كتبهما، وأشهرهم ابن حجر الهيتمي في «تحفة المحتاج» وشمس الدين الرملي في «نهاية المحتاج»، وكلاهما شرح على «منهاج الطالبين». فإن اختلفا، فعمدة أكثر المصريين الرملي، وعمدة أكثر أهل حضرموت واليمن والحجاز والشام ابن حجر.

مصطلح النووي: بيّن النووي في مقدمة «منهاج الطالبين» ألفاظه في الخلاف، وصار مصطلحه عمدة الشافعية بعده.

من المتون منهاج الطالبين للنووي، مقدمة المؤلف

فحيث أقول في الأظهر أو المشهور فمن القولين أو الأقوال فإن قوي الخلاف قلت: الأظهر وإلا فالمشهور وحيث أقول الأصح أو الصحيح فمن الوجهين أو الأوجه فإن قوي الخلاف قلت: الأصح، وإلا فالصحيح وحيث أقول المذهب فمن الطريقين أو الطرق وحيث أقول النص فهو نص الشافعي رحمه الله ويكون هناك وجه ضعيف أو قول مخرج وحيث أقول الجديد فالقديم خلافه أو القديم أو في قول قديم فالجديد خلافه وحيث أقول وقيل: كذا فهو وجه ضعيف والصحيح أو الأصح خلافه وحيث أقول وفي قول كذا فالراجح خلافه.

الحل: «الأقوال» للشافعي نفسه، و«الأوجه» لأصحابه المخرّجة على أصوله، و«الطرق» اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب: هل في المسألة قولان أو قول واحد. فلفظ «الأظهر» و«المشهور» يدل على أن الخلاف بين قولين للشافعي، و«الأصح» و«الصحيح» على أنه بين وجهين للأصحاب. ثم يفرق في كل زوج بقوة الخلاف: «الأظهر» و«الأصح» إذا قوي مدرك المقابل، و«المشهور» و«الصحيح» إذا ضعف. فمقابل الأظهر ظاهر، ومقابل المشهور غريب، ومقابل الأصح صحيح، ومقابل الصحيح فاسد. و«النص» يدل على أن مقابله وجه ضعيف أو قول مخرج. و«وقيل» و«وفي قول» صيغتا تضعيف.6

اللفظ الخلاف بين قوة المقابل
الأظهر قولين أو أقوال للشافعي قوي
المشهور قولين أو أقوال للشافعي ضعيف
الأصح وجهين أو أوجه للأصحاب قوي
الصحيح وجهين أو أوجه للأصحاب ضعيف
المذهب طريقين أو طرق في حكاية المذهب
النص نص الشافعي، ومقابله وجه ضعيف أو قول مخرج ضعيف

٢ الحنابلة

حرر علاء الدين المرداوي المذهب في «الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف»، فذكر الروايات والأوجه في كل مسألة، وبيّن المذهب منها، ثم اختصره في «التنقيح المشبع». واعتمد عليه من بعده. ثم استقر المذهب عند المتأخرين على كتابين: «الإقناع» للحجاوي، و«منتهى الإرادات» لابن النجار الفتوحي. فإن اتفقا فهو المعتمد، وإن اختلفا فالمقدم عند الأكثر «المنتهى»، وجمع بينهما مرعي الكرمي في «غاية المنتهى». وشرحهما منصور البهوتي في «كشاف القناع» و«شرح منتهى الإرادات»، وهما عمدة الفتوى. ومن المتقدمين على هذه المرحلة «الفروع» لابن مفلح، وهو أصل في معرفة الصحيح من المذهب، ثم «المغني» لابن قدامة في الخلاف العالي.

تنبيه المعتمد والصواب

المعتمد في المذهب هو ما استقر عليه ترجيح أهله، وقد يرى المجتهد أو الباحث أن غيره أقوى دليلا. والمقلد يعمل بالمعتمد في مذهبه، ولا يترك المعتمد إلى ما يراه أقوى دليلا إلا إذا كان من أهل الترجيح. وكذلك الفرق بين «المعتمد» في المذهب و«الراجح» عند المحققين خارج المذهب: الأول نقل لمذهب، والثاني اجتهاد.

١ صلة الأصول بالقواعد الفقهية

القواعد الفقهية قضايا كلية أو أغلبية يتعرف منها أحكام فروع كثيرة من أبواب مختلفة. وأشهرها خمس كبرى ترجع إليها مسائل الفقه في الجملة:

القاعدة مستندها من فروعها
الأمور بمقاصدها «إنما الأعمال بالنيات» (رواه البخاري ومسلم) الفرق بين العبادة والعادة، والكنايات في الطلاق
اليقين لا يزول بالشك حديث من شك في الحدث: «فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» (رواه مسلم) الطهارة المتيقنة لا ترتفع بالشك في الحدث، والأصل براءة الذمة
المشقة تجلب التيسير ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] رخص السفر والمرض، والعفو عن يسير النجاسة
الضرر يُزال «لا ضرر ولا ضرار» (رواه ابن ماجه وأحمد، وحسنه النووي بمجموع طرقه) الرد بالعيب، والشفعة، والحجر
العادة محكّمة الأمر بالمعروف في النفقة والمعاشرة تقدير النفقة، وألفاظ الأيمان والعقود

والفرق بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية من وجوه:

  1. الموضوع: موضوع القاعدة الأصولية الدليل الشرعي ودلالته، كقولهم: «الأمر للوجوب»، و«العام يُعمل به حتى يرد المخصص». وموضوع القاعدة الفقهية فعل المكلف، كقولهم: «المشقة تجلب التيسير».
  2. الوظيفة: القاعدة الأصولية أداة المجتهد في الاستنباط من الأدلة، والقاعدة الفقهية تجمع فروعا مستنبطة وتربطها، فهي أداة للفقيه والمفتي والقاضي في الاستحضار والتخريج.
  3. الرتبة: القاعدة الأصولية سابقة على الفروع في الوجود الذهني، والقاعدة الفقهية لاحقة لها، إذ هي جمع لأحكامها.
  4. الكلية: القاعدة الأصولية كلية في الأغلب عند من يقول بها، والقاعدة الفقهية أغلبية لها مستثنيات كثيرة.
  5. الحجية: الاستدلال بالقاعدة الأصولية على الحكم استدلال بدليله، أما القاعدة الفقهية فالاحتجاج بها مستقلة موضع نظر عند كثير من المحققين ما لم تكن نصا أو مستندة إلى نص.

وقد نبه القرافي في مقدمة «الفروق» على أن الشريعة اشتملت على أصول وفروع، وأن الأصول قسمان: أصول الفقه، وقواعد كلية فقهية كثيرة العدد عظيمة المدد، ولم يذكر منها شيء في أصول الفقه. والقواعد الفقهية في كتابنا موضعها الأول حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه في الفرق بين العلمين.

صلة الفصل بغيره

يبني الفصل على مراتب المجتهدين في الاجتهاد، وعلى مراعاة الخلاف في الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة، وعلى الاستحسان والعرف في الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف. ويتصل بالمقاصد مقاصد الشريعة في الحيل وتتبع الرخص واعتبار المآل في الفتوى. ويُستعمل ما فيه من طرق معرفة المعتمد في تخريج الفروع على الأصول تخريج الفروع على الأصول، ويُتمم بالكلام في المجامع وفقه النوازل والفتوى المعاصرة في أصول الفقه في زمننا. والفرق بين الأصول والقواعد الفقهية مقرر في حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه. ومختصر الفصل في الاجتهاد والتقليد.

خلاصة الفصل

  1. التقليد العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة، فقبول قول النبي ﷺ والإجماع ليس تقليدا عند الجمهور.
  2. يجب النظر في أصول الدين عند الجمهور، وإيمان المقلد صحيح مع الإثم بترك النظر للقادر عليه.
  3. يجب التقليد في الفروع على من لم يبلغ رتبة الاجتهاد، ولا يقلد المجتهد في ما اجتهد فيه.
  4. يجوز تقليد المفضول مع وجود الفاضل عند الجمهور، وأوجب جماعة تقليد الأفضل.
  5. يجوز تقليد الميت عند الجمهور، لأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها.
  6. التزام مذهب معين غير واجب عند جماعة من المحققين، وأوجبه كثير من المتأخرين ضبطا.
  7. تتبع الرخص ممنوع، والتلفيق الذي يؤدي إلى صورة لا يقول بها مجتهد ممنوع.
  8. المفتي يشترط فيه الإسلام والتكليف والعدالة والاجتهاد أو أهلية النقل والترجيح وفقه النفس.
  9. لا يفتي المقلد بالمرجوح في مذهبه، ويُستثنى ما للضرورة وما جرى به العمل عند المالكية.
  10. الفتوى إخبار غير ملزم، والقضاء إنشاء ملزم يرفع الخلاف في الواقعة.
  11. معتمد الحنفية يُعرف بطبقات المسائل، وترتيب الأخذ بأقوال الإمام وصاحبيه، وتقديم المتون على الشروح والفتاوى.
  12. معتمد المالكية المشهور والراجح وما جرى به العمل، وعمدة المتأخرين مختصر خليل وشروحه.
  13. معتمد الشافعية ما اتفق عليه الشيخان، ثم ما رجحه النووي، ثم ابن حجر والرملي، ومصطلح النووي في المنهاج يدل على نوع الخلاف وقوته.
  14. معتمد الحنابلة ما في الإقناع والمنتهى، والمقدم عند الاختلاف المنتهى، وأصل التصحيح الإنصاف.
  15. القاعدة الأصولية موضوعها الدليل وأداة للاستنباط، والقاعدة الفقهية موضوعها فعل المكلف وتجمع الفروع.

تمارين

  1. على أي التعريفين للتقليد عند الجويني يكون قبول قول النبي ﷺ تقليدا؟ وكيف رفع ابن الهمام الإشكال؟
  2. فرّق بين تتبع الرخص والتلفيق ومثّل لكل منهما.
  3. حنفي تزوج بلا ولي، ثم أراد أن يقلد المالكية في عدم اشتراط الإشهاد عند العقد: ما حكم نكاحه؟ ولماذا؟
  4. وجدت في المنهاج: «في الأظهر». ما الذي تعرفه عن الخلاف في المسألة؟ وماذا لو وجدت «على الصحيح»؟
  5. وجدت في مختصر خليل لفظ «خلاف». ما معناه؟ وما الفرق بينه وبين ذكر «قولين»؟
  6. حنفي يبحث عن المعتمد في مسألة خالف فيها الصاحبان أبا حنيفة. ما الأقوال في الفتوى؟ وما الذي يفعله المقلد المتأخر؟
  7. قارن بين الفتوى والقضاء في رفع الخلاف، ومثّل بمسألة.
  8. صنّف القواعد الآتية إلى أصولية وفقهية: «النهي يقتضي الفساد»، «الضرر يزال»، «العام بعد التخصيص حجة»، «العادة محكمة».
  9. حنبلي وجد مسألة اختلف فيها الإقناع والمنتهى. بأيهما يأخذ؟

أجوبة التمارين

  1. على التعريف الأول (قبول القول بلا حجة)، وعلى الثاني إذا كان قوله عن قياس. ورفعه ابن الهمام بأن التقليد العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج، وقول النبي ﷺ حجة في نفسه.
  2. تتبع الرخص أخذ الأخف من كل مذهب في مسائل متفرقة بقصد التخفف، كمن يأخذ في كل باب بأيسر الأقوال. والتلفيق جمع أجزاء المسألة الواحدة من مذاهب على صورة لا يقول بها مجتهد، كالوضوء الملفق في الفصل.
  3. باطل عند الجميع إذا خلا من الإشهاد قبل الدخول أيضا، لأن صورته المركبة (بلا ولي وبلا إشهاد) لا يصححها مجتهد: الحنفية يشترطون الإشهاد عند العقد، والمالكية يشترطون الولي ويوجبون الإشهاد قبل الدخول.
  4. «الأظهر»: الخلاف بين قولين أو أقوال للشافعي، والمقابل قوي الظهور. و«الصحيح»: الخلاف بين وجهين للأصحاب، والمقابل ضعيف فاسد.
  5. «خلاف» يعني أن كلا من القولين شهّره عالم معتبر. وذكر «قولين» دون هذا اللفظ يعني أنه لم يطلع على ترجيح منصوص لأحدهما.
  6. الفتوى على قول الإمام، وقيل يتخير المفتي، وقيل يرجح الأقوى دليلا وهو للمفتي المجتهد. والمقلد المتأخر يتبع ما صححه أهل الترجيح، وقد صححوا قول الصاحبين في مسائل.
  7. الفتوى لا ترفع الخلاف، فلو أفتى مفت بصحة نكاح لم يمنع ذلك آخر من الإفتاء بفساده. والقضاء يرفعه في الواقعة، فإذا حكم القاضي بصحة النكاح لم يُنقض باجتهاد آخر.
  8. أصولية: «النهي يقتضي الفساد»، «العام بعد التخصيص حجة». فقهية: «الضرر يزال»، «العادة محكمة».
  9. يأخذ بما في المنتهى عند أكثر المتأخرين.

  1. الورقات للجويني، باب شروط المستفتي، ص٣٠ في النسخة المنشورة على المكتبة الشاملة. ↩

  2. شرح عقود رسم المفتي لابن عابدين، ط. إسطنبول، ص١١، كما في المكتبة الشاملة. ↩

  3. شرح عقود رسم المفتي لابن عابدين، الموضع السابق، ونقل العبارة عن كتاب «أصول الأقضية». ↩

  4. شرح عقود رسم المفتي لابن عابدين، ص١٦ و١٧ و٢٥ من الطبعة نفسها، كما في المكتبة الشاملة. ↩

  5. مختصر خليل، مقدمة المؤلف، ص١١ و١٢ في طبعة دار الحديث بتحقيق أحمد جاد، كما في المكتبة الشاملة. ↩

  6. منهاج الطالبين وعمدة المفتين للنووي، مقدمة المؤلف، ص٨ في النسخة المنشورة على المكتبة الشاملة. ↩

تخريج الفروع على الأصول

سؤال الافتتاح

يقرأ الحنفي والشافعي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، ويرويان حديثا واحدا في الباب، ثم يحرّم الأول ذبيحة من ترك التسمية عمدا ويبيحها الثاني. في أي محطة من خط الاستنباط افترقا: في ثبوت النص، أم في دلالته، أم في قاعدة تخصيصه؟ الجواب في المسألة الثانية من هذا الفصل.

موقع الفصل من المنظومة

هذا الفصل يشغّل أبواب العلم كلها معا. قررت الفصول السابقة القواعد واحدة واحدة، وهنا تُرد مسائل فقهية مشهورة إلى تلك القواعد، فيرى القارئ خط الاستنباط بمحطاته الثماني يعمل في مسألة حية، ويرى عند كل مسألة الموضع الذي يفترق فيه طريق المذاهب، والقاعدة التي فرّقته.

ويجيب الفصل عن سؤالين: كيف تتولد فروع المذهب من أصوله؟ وإلى أي حد يصح أن نقول إن فرعا بعينه مبني على أصل بعينه؟ والسؤال الثاني يحفظ الأول من المبالغة، لأن بعض الأصول نفسها مستخرجة من الفروع بعد استقرارها.

١ معنى التخريج ومعانيه الثلاثة

التخريج في اللغة الاستنباط والإخراج، يقال: خرّج المسألة إذا استخرج وجهها. وفي الاصطلاح يطلق على ثلاثة أعمال متقاربة في الاسم مختلفة في الاتجاه، والخلط بينها يوقع في سوء الفهم لكتب الفن.

١ تخريج الفروع على الأصول

هو رد الفروع الفقهية المختلف فيها إلى القواعد الأصولية التي بُنيت عليها، وبيان أثر الاختلاف في القاعدة في الاختلاف في الفرع. فالناظر فيه يبدأ من القاعدة (هل دلالة العام قطعية؟)، ثم يذكر أقوال المذاهب فيها، ثم يسرد الفروع التي ظهر فيها أثرها. وهذا هو المعنى الذي حملت عليه كتب الزنجاني والتلمساني والإسنوي عناوينها، وهو موضوع هذا الفصل في الأصل.

وثمرته للطالب ثلاث: يعرف لماذا اختلف الأئمة فيعذر المخالف عن علم، ويقدر على الحكم في نازلة جديدة بقواعد مذهبه، ويختبر القاعدة الأصولية بأثرها، فما لا ثمرة له في الفقه خلاف لفظي أو نظري.

٢ تخريج الأصول من الفروع

هو استخراج القاعدة الأصولية التي كان الإمام يعمل بها من فروعه المنقولة عنه، حين لم يصل عنه نص في القاعدة نفسها. فإذا وُجد أن أبا حنيفة لم يخصص عام الكتاب بخبر الواحد في فروع كثيرة، قيل: أصله أن العام قطعي لا يخصصه الظني ابتداء. فالاتجاه هنا معكوس: من الفرع إلى الأصل. وعلى هذا بنى متقدمو الحنفية كتبهم الأصولية، كما يأتي.

٢ تخريج الفروع على الفروع

هو نقل حكم مسألة منصوصة عن الإمام إلى مسألة لم ينص عليها لاشتراكهما في المعنى، وهو عمل المجتهد في المذهب وأصحاب الوجوه. ويسمى ما يُستخرج به عند الشافعية «القول المخرّج»، ويقابله «القول المنصوص». ومن صوره «النقل والتخريج»: أن يرد عن الإمام نصان مختلفان في مسألتين متشابهتين، فيُنقل حكم كل منهما إلى الأخرى ويُخرّج فيها، فيصير في كل مسألة قولان: منصوص ومخرّج. ومراتب من يمارسه في الاجتهاد، ومصطلحه في التقليد والفتوى والمذهب.

المعنى الاتجاه السؤال الذي يجيبه من يمارسه
تخريج الفروع على الأصول من القاعدة إلى الفرع لماذا اختلف الحكم؟ الأصولي المقارن، وطالب الخلاف
تخريج الأصول من الفروع من الفرع إلى القاعدة ما المنهج الذي كان الإمام يعمل به؟ مؤسسو أصول المذهب
تخريج الفروع على الفروع من فرع منصوص إلى فرع مسكوت عنه ما حكم النازلة في المذهب؟ المجتهد في المذهب، وأصحاب الوجوه

٢ كتب التخريج وما يصنعه كل كتاب

لكل كتاب من كتب الفن طريقة يحسن أن يعرفها الطالب قبل أن يفتحه، لأن الطريقة تحدد ما يصلح الكتاب له:

الكتاب مؤلفه ما يصنعه
«تأسيس النظر» أبو زيد الدبوسي الحنفي (ت ٤٣٠هـ) يعرض «أصولا» في صورة ضوابط يدور عليها الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه، ثم بين الحنفية ومالك والشافعي وابن أبي ليلى، ويذكر تحت كل أصل فروعه. وكثير من أصوله أقرب إلى القواعد الفقهية منها إلى القواعد الأصولية.
«تخريج الفروع على الأصول» شهاب الدين محمود بن أحمد الزنجاني الشافعي (ت ٦٥٦هـ) يذكر القاعدة، ثم مذهب الشافعي ومذهب أبي حنيفة فيها، ثم الفروع المبنية عليها. ثنائي بين المذهبين، وهو أقدم ما شاع من هذا الجنس على ترتيب القواعد.
«مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول» الشريف التلمساني المالكي (ت ٧٧١هـ) مرتب على الأدلة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب، ثم التعارض والترجيح، ويورد خلاف المالكية والشافعية والحنفية في كل قاعدة مع فروعها. أقرب كتب الفن إلى ترتيب كتابنا، وقد شرحه في عصرنا الشيخ مولود السريري.
«التمهيد في تخريج الفروع على الأصول» جمال الدين الإسنوي الشافعي (ت ٧٧٢هـ) تخريج داخل مذهب واحد: يذكر القاعدة بأطرافها ثم يخرج عليها فروعا شافعية، وينبه على ما خالف فيه المذهب القاعدة لدليل آخر. وله في العربية «الكوكب الدري» على الطريقة نفسها.
«القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية» ابن اللحام البعلي الحنبلي (ت ٨٠٣هـ) قواعد أصولية تطبق في فروع المذهب الحنبلي، وهو مرجع قول الحنابلة حيث يتميزون.
«أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء» مصطفى سعيد الخن (معاصر) دراسة مرتبة لقواعد الدلالات خاصة، تعرض القاعدة وأدلة كل فريق ثم أثرها في الفروع. وتُراجع نسبه إلى الحنفية على كتبهم المعتمدة.

ويلحق بها ما يخدم الغرض نفسه من غير أن يكون على ترتيب القواعد: «بداية المجتهد» لابن رشد الحفيد، يذكر في كل مسألة «سبب الخلاف»؛ و«الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الخلاف» لابن السيد البطليوسي؛ و«الفروق» للقرافي؛ و«أمالي الدلالات» لابن بيه في عصرنا.

٢ كيف استُخرجت أصول المذاهب من فروع الأئمة

لم يصل عن أبي حنيفة وصاحبيه كتاب في الأصول، ووصلت عنهم فروع كثيرة مدونة في كتب ظاهر الرواية. فلما أراد متقدمو الحنفية كالكرخي والجصاص والدبوسي والبزدوي والسرخسي تدوين أصول المذهب، استقرؤوا تلك الفروع وصاغوا منها القواعد التي تفسرها. ولهذا سميت طريقتهم «طريقة الفقهاء»، وكثرت فيها الأمثلة الفقهية، وكانت القاعدة عندهم تُصاغ بحيث تطّرد في فروع الأئمة (انظر نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية).

ونبه ولي الله الدهلوي في «الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف» على أن قواعد مشهورة تُنسب إلى المذهب، كقطعية العام كالخاص، وترك الترجيح بكثرة الرواة، ورد خبر غير الفقيه إذا خالف القياس، ونفي مفهوم الشرط والصفة، هي في رأيه مخرّجة على كلام الأئمة، ولم تصح بها عنهم رواية صريحة. ومعنى كلامه أن صلة الفرع بالقاعدة في هذه المواضع صلة تفسير لاحق، وأن القاعدة تُقبل ما دامت تفسر الفروع، وتراجَع إذا ظهر فرع لا تطرد فيه.

والمذاهب الأخرى أقرب إلى تقرير الأصول ابتداء، لأن الشافعي كتب «الرسالة»، ولمالك في «الموطأ» عبارات منهجية صريحة في العمل وخبر الواحد. لكن التخريج اللاحق دخلها أيضا: فكتب المالكية والشافعية تنسب إلى الإمام أصولا استُنبطت من مسائله، والإسنوي نفسه يذكر فروعا خالف فيها المذهب قاعدته.

تنبيه الفرع قد يسبق القاعدة

قولنا «بنى الحنفية تحريم متروك التسمية على قطعية العام» معناه أن القاعدة تفسر الفرع وتطرد معه، ولا يلزم منه أن أبا حنيفة حكم في المسألة بعد أن قرر القاعدة. فقد يكون الفرع منقولا عن الإمام بدليل خاص، ثم صيغت القاعدة منه ومن أمثاله. ومن هنا تأتي الاستثناءات التي يذكرها الإسنوي وابن اللحام: فرع يخالف قاعدة مذهبه لأن مأخذه الحقيقي دليل آخر.

أداة تفكير سؤال سبب الخلاف

الأداة تطلب رد كل خلاف إلى جذره: ثبوت الدليل، أو دلالته، أو قاعدة منهجية، أو نظر مقاصدي، أو تصور الواقعة. وهي في التخريج كتحليل السبب الجذري في الهندسة: تتبع الاعتماد بين المسلمات حتى تصل إلى المسلّمة التي لو تغيرت لتغير الحكم. وحدّها في هذا الباب أن الفرع قد يتعدد مأخذه، فيجتمع فيه سببان أو ثلاثة (كما في شهادة القاذف والنكاح بلا ولي)، وأن الفرع قد يكون منصوصا قبل القاعدة. فالقول الأمين: «هذا الفرع يطرد على هذه القاعدة، ومن مآخذه كذا»، دون حصر المأخذ في واحد.

١ طريقة حل المسألة على خط الاستنباط

تُحل كل مسألة من المسائل العشر على قالب واحد، يمكن للطالب أن يعيده في كل مسألة يقرؤها في كتب الخلاف:

  1. النصوص: ما ورد في المسألة من كتاب وسنة وأثر وإجماع، بلفظه وتخريجه.
  2. المحطات: يُمر على خط الاستنباط محطة محطة: (١) تعيين الحكم المطلوب، (٢) الأدلة وثبوتها، (٣) الدلالة، (٤) فحص المعارض، (٥) الإلحاق، (٦) الوزن المقاصدي، (٧) تحقيق المناط، (٨) الحكم ودرجته. ولا يلزم أن تعمل المحطات كلها في كل مسألة.
  3. نقطة الافتراق: أول محطة يتفرق فيها الطريق، وقد تكون نقطتين.
  4. القاعدة: القاعدة الأصولية المسؤولة عن الافتراق، مع الإحالة إلى فصلها.
  5. حكم كل مذهب: المعتمد عند الحنفية والمالكية والشافعية، والحنابلة حين يتميزون.
  6. تعليق: ما يُتعلم من المسألة، وحدود ردها إلى القاعدة.

والمسائل العشر معروضة في «مختبر الاستنباط» على المنصة، يختار فيه المتعلم المذهب فيرى أين يفترق الطريق.

١ المسائل العشر

٢ ١. قراءة الفاتحة في الصلاة

تطبيق قراءة الفاتحة في الصلاة

النصوص: قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]؛ وحديث عبادة بن الصامت: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (رواه البخاري ومسلم)؛ وحديث أبي هريرة: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج» (رواه مسلم)؛ وفي المأموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وحديث «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» (رواه ابن ماجه والدارقطني، وضعّف أكثر الحفاظ رفعه).

المحطات: - (١) المطلوب حكم وضعي وتكليفي معا: هل الفاتحة ركن تبطل الصلاة بتركه، أم واجب يأثم تاركه وتصح صلاته؟ - (٢) الآية قطعية الثبوت، والحديثان صحيحان من أخبار الآحاد. الكل متفق على قبولهما. - (٣) الحنفية: «لا صلاة» نفي للكمال، لأن الحديث لو أُخذ على نفي الصحة لزاد ركنا على الآية بخبر واحد. الجمهور: النفي متوجه إلى الحقيقة الشرعية، أي الصحة، وهو أقرب المجازات إلى الحقيقة. - (٤) الحنفية: إطلاق «ما تيسر» قطعي، وتعيين الفاتحة ركنا زيادة على النص، والزيادة نسخ لا تثبت بالآحاد (انظر النسخ)، فيعمل بالحديث في رتبة الوجوب دون الفرضية (انظر الحكم التكليفي). الجمهور: الحديث بيان لما تيسر، والزيادة ليست نسخا. ثم يفترق الجمهور في المأموم بين عموم «لا صلاة» وبين آية الإنصات. - (٨) الحكم ظني الدلالة في موضع الخلاف، والمسألة اجتهادية يصح فيها الاقتداء بالمخالف.

نقطة الافتراق: المحطة الرابعة، في سؤال: هل تقييد الآية بالحديث بيان أو نسخ؟ وتسبقها المحطة الثالثة في معنى النفي.

القاعدة: الزيادة على النص نسخ عند الحنفية، وبيان عند الجمهور؛ ومعها تفريق الحنفية بين الفرض والواجب.

حكم كل مذهب: - الحنفية: الفرض قراءة ما تيسر، وأقله آية، والفاتحة واجبة يجبر تركها سهوا بسجود السهو. والمأموم لا يقرأ. - المالكية: الفاتحة ركن في كل ركعة على الإمام والمنفرد على المشهور، والمأموم يقرأ في السرية ندبا ولا يقرأ في الجهرية. - الشافعية: ركن في كل ركعة على كل مصل، والمأموم في الجهرية كغيره على الجديد. - الحنابلة: ركن على الإمام والمنفرد، ويتحملها الإمام عن المأموم، ويستحب له أن يقرأ في سكتات الإمام وفي السرية.

تعليق: المسألة مثال على تلاقي قاعدتين حنفيتين: الزيادة نسخ، والواجب دون الفرض. فالحنفي لم يرد الحديث، بل أنزله منزلته من شبكة الثبوت والدلالة، فأوجب الفاتحة وجوبا لا تبطل الصلاة بتركه. وافتراق الجمهور في المأموم يقع في محطة التعارض بين عامين، ويرجع إلى ترجيح المالكية والحنابلة آية الإنصات في الجهرية.

٢ ٢. متروك التسمية عمدا

تطبيق متروك التسمية عمدا

النصوص: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]؛ ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]؛ وحديث عائشة أن قوما قالوا: إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا، فقال: «سمّوا عليه أنتم وكلوه» (رواه البخاري).

المحطات: - (١) المطلوب حكم وضعي: هل التسمية شرط في حل الذبيحة؟ ويتبعه حكم تكليفي في الأكل. - (٢) الآية قطعية الثبوت، والحديث صحيح آحاد. - (٣) الحنفية: «ما» من صيغ العموم، فالآية تتناول كل ذبيحة لم يذكر اسم الله عليها، ودلالتها على أفرادها قطعية (انظر العام والخاص). الشافعية: جملة ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ حالية، والفسق مفسَّر في آية الأنعام الأخرى بما أُهل لغير الله به، فالمحرم ما ذُبح على اسم غير الله. - (٤) الشافعية: حديث عائشة دليل على أن التسمية ليست شرطا، لأن الشك في الشرط يمنع الحل، فلما أباح مع الشك عُلم أنها سنة. الحنفية: الحديث في ذبيحة المسلم المجهول حاله، والأصل أنه سمى، فهو في تحقيق المناط لا في الشرط، ولو دل على ما قاله الشافعية لما قوي خبر واحد على تخصيص عام قطعي. - (٥) والجميع، سوى الشافعية، يستثنون الناسي. والحنفية لا يجعلون إخراجه تخصيصا للعام، لأنه جُعل ذاكرا حكما، إذ أقيمت ملته مقام التسمية، فهو غير داخل في «ما لم يذكر اسم الله عليه»، ويستأنسون بأثر ابن عباس.

نقطة الافتراق: المحطة الثالثة في عموم الآية وتأويلها بالسياق، ثم الرابعة في قوة خبر الواحد على تخصيصها.

القاعدة: دلالة العام قطعية عند الحنفية فلا يخصصها خبر الواحد ابتداء، وظنية عند الجمهور؛ ومعها حمل اللفظ على سياقه.

حكم كل مذهب: - الحنفية: يحرم متروك التسمية عمدا، ويحل متروكها نسيانا. - المالكية: يحرم إن تركها عمدا مع الذكر والقدرة على المشهور، ويحل في النسيان. - الشافعية: يحل في العمد والنسيان، والتسمية سنة. - الحنابلة: في الذبيحة كالحنفية، وفي الصيد لا تسقط بالنسيان.

تعليق: جواب سؤال الافتتاح: اتفق الحنفي والشافعي في الثبوت، فكلاهما يقبل الآية والحديث، وافترقا في الدلالة: الحنفي أخذ عموم اللفظ ومنع تخصيصه بالظني، والشافعي قيد اللفظ بسياقه وجعل الحديث بيانا. والمالكية والحنابلة وافقوا الحنفية في التحريم مع أن العام عندهم ظني، فدليلهم ظاهر الآية، والبناء على القطعية خاص بالحنفية. فالاتفاق في الحكم قد يخفي اختلاف المأخذ.

٢ ٣. خيار المجلس

من المتون الموطأ للإمام مالك، كتاب البيوع، باب بيع الخيار

حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ». قَالَ مَالِك: وَلَيْسَ لِهَذَا عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ وَلَا أَمْرٌ مَعْمُولٌ بِهِ فِيهِ.

الحل: روى مالك الحديث بأصح إسناد عنده (نافع عن ابن عمر)، ثم عقّب بأنه ليس له «حد معروف»، أي لا يُعرف للتفرق قدر منضبط من زمان أو مكان، ولا «أمر معمول به»، أي لم يجر عليه عمل أهل المدينة. فالعبارة تجمع مأخذين: جهالة مدة الخيار، وترك العمل. وبها يتبين أن مالكا لم يطعن في ثبوت الخبر، وإنما رأى أن العمل المتوارث في المدينة قرينة على أن ظاهره غير مراد أو منسوخ. وهذا موضع قاعدة «عمل أهل المدينة» في الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة، وقاعدة «مخالفة الراوي لروايته» في الكتاب والسنة، لأن مالكا راو للخبر تارك لظاهره.

تطبيق خيار المجلس

النصوص: حديث ابن عمر وحكيم بن حزام: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» (رواه البخاري ومسلم)، وفي رواية في الصحيحين أن ابن عمر كان إذا اشترى شيئا يعجبه فارق صاحبه؛ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، و﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].

المحطات: - (١) المطلوب حكم وضعي: هل يلزم البيع بالإيجاب والقبول، أم يبقى لكل من المتعاقدين حق الفسخ ما داما في المجلس؟ - (٢) الحديث صحيح باتفاق. المالكية: عمل أهل المدينة النقلي على خلافه، والعمل عندهم مقدم على خبر الواحد. الحنفية والشافعية والحنابلة: العمل ليس حجة بذاته. - (٣) الحنفية: «المتبايعان» حقيقة في حال التشاغل بالعقد، والتفرق تفرق بالأقوال: إذا قال أحدهما بعت ولم يقبل الآخر فلكل منهما الرجوع. الشافعية والحنابلة: التفرق تفرق الأبدان، وفهم الراوي ابن عمر وفعله يعين المعنى. - (٤) الحنفية: عموم الأمر بالوفاء بالعقود والتجارة عن تراض يقتضي اللزوم بالقبول، فيُحمل الحديث على ما لا يعارضه. الشافعية: الحديث خاص في البيع فيُقدم على العام.

نقطة الافتراق: عند المالكية في المحطة الثانية (العمل مع الخبر)، وعند الحنفية في المحطة الثالثة (تأويل التفرق).

القاعدة: حجية عمل أهل المدينة وتقديمه على الآحاد عند المالكية؛ والتأويل بالدليل وحمل الخاص على ما يوافق العام عند الحنفية.

حكم كل مذهب: - الحنفية: لا خيار مجلس، ويلزم البيع بالإيجاب والقبول. - المالكية: لا خيار مجلس. - الشافعية: يثبت خيار المجلس حتى يتفرقا بأبدانهما أو يتخايرا. - الحنابلة: يثبت كالشافعية.

تعليق: اتفق الحنفية والمالكية في الحكم من طريقين مختلفين. وفعل ابن عمر هنا يعمل في صالح المثبتين، فالقاعدة الحنفية في مخالفة الراوي لروايته معطلة في هذه المسألة، لأن الراوي عمل بظاهر ما روى.

٢ ٤. النكاح بلا ولي

تطبيق النكاح بلا ولي

النصوص: حديث «لا نكاح إلا بولي» (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه جماعة من الحفاظ، واختُلف في وصله وإرساله)؛ وحديث عائشة: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل» (رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وابن ماجه)؛ وحديث «الأيم أحق بنفسها من وليها» (رواه مسلم)؛ وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، ونزلت في معقل بن يسار حين منع أخته (رواه البخاري)؛ و﴿حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].

المحطات: - (١) المطلوب حكم وضعي: هل الولي شرط في صحة عقد المرأة البالغة العاقلة؟ - (٢) الجمهور: الحديثان صالحان للاحتجاج. الحنفية: حديث «لا نكاح إلا بولي» مضطرب في وصله، وحديث عائشة نُقل عن الزهري، وهو مداره، أنه لم يعرفه، وعائشة راوية الخبر زوّجت حفصة بنت أخيها عبد الرحمن وهو غائب بالشام (رواه مالك في الموطأ)، ومخالفة الراوي لما روى قادحة عندهم (انظر الكتاب والسنة). - (٣) الجمهور: نهي الأولياء عن العضل دليل على أن الأمر بيدهم، إذ لا يُنهى عن منع ما لا يملك. الحنفية: الآيتان أسندتا النكاح إلى المرأة («أن ينكحن»، «حتى تنكح»)، والأصل في الإسناد الحقيقة، وحديث مسلم جعلها أحق بنفسها. - (٥) الحنفية: قياس العقد على مالها، فالبالغة العاقلة تتصرف في مالها بلا ولي، فكذلك في نفسها، وللولي حق الاعتراض إذا زوجت نفسها من غير كفء.

نقطة الافتراق: المحطة الثانية في قبول الخبر، ثم الثالثة في دلالة الإسناد في الآيات.

القاعدة: مخالفة الراوي لروايته وإنكار الراوي الأصل لحديثه؛ والأصل في الإسناد الحقيقة؛ والقياس على التصرف المالي.

حكم كل مذهب: - الحنفية: يصح نكاح الحرة البالغة العاقلة بعبارتها، وللولي الاعتراض في غير الكفء، وهو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة؛ والمفتى به عند المتأخرين في غير الكفء رواية الحسن بعدم الصحة. - المالكية: الولي شرط في الصحة، ولهم تفصيل في المرأة الدنيئة وولاية عامة المسلمين. - الشافعية: الولي شرط، ولا تعقد المرأة لنفسها ولا لغيرها. - الحنابلة: الولي شرط كالشافعية.

تعليق: للحنفية في المسألة ثلاثة مآخذ (ثبوت الخبر، ودلالة الآيات، والقياس)، فردها إلى قاعدة مخالفة الراوي وحدها ناقص. وتمامها على خط الاستنباط في قضية واحدة من أولها إلى آخرها: النكاح بغير ولي على خط الاستنباط.

٢ ٥. رقبة كفارة الظهار

تطبيق رقبة كفارة الظهار

النصوص: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]؛ و﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]؛ وحديث معاوية بن الحكم في الجارية: «أعتقها فإنها مؤمنة» (رواه مسلم).

المحطات: - (١) المطلوب حكم وضعي: هل تجزئ الرقبة الكافرة في كفارة الظهار؟ - (٢) النصوص قطعية الثبوت في الآيتين، والحديث صحيح. - (٣) «رقبة» في الظهار مطلق، وفي القتل مقيد بالإيمان. الحكم واحد (وجوب التحرير)، والسبب مختلف (ظهار وقتل). - (٤) الحنفية: لا يحمل المطلق على المقيد مع اختلاف السبب، لأن لكل نص دلالته، وتقييد المطلق زيادة على النص فهو نسخ لا يكون بالقياس (انظر المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول). الشافعية: يحمل عليه، بالقياس عند أكثرهم لاتحاد الجنس، وبمقتضى اللغة عند بعضهم لأن كلام الشارع كالكلمة الواحدة. - (٥) الجمهور يقوون الحمل بقياس الظهار على القتل بجامع أن كلا منهما كفارة بإعتاق، وبأن الإعتاق قربة لا تحصل بإعتاق من يُخشى أن يستعين بحريته على الكفر.

نقطة الافتراق: المحطة الرابعة، في حمل المطلق على المقيد عند اختلاف السبب.

القاعدة: حمل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم واختلاف السبب، وأن الزيادة على النص نسخ عند الحنفية.

حكم كل مذهب: - الحنفية: تجزئ الرقبة الكافرة في كفارة الظهار وكفارة اليمين. - المالكية: يشترط الإيمان. - الشافعية: يشترط الإيمان. - الحنابلة: يشترط الإيمان على المذهب.

تعليق: هذا أشهر أمثلة الباب في كتب التخريج، وهو صافٍ نسبيا: المأخذ واحد في الجملة، والافتراق في محطة واحدة. ويحسن أن يقارن الطالب بينه وبين مسألة الفاتحة، فقاعدة «الزيادة نسخ» عملت في الموضعين.

مسألة خلافية حمل المطلق على المقيد مع اختلاف السبب

  • الحنفية لا يحمل، ويعمل بكل نص في موضعه، لأن الحكم قد يتعدد سببه ويختلف شرطه.
  • المالكية يحمل على المشهور.
  • الشافعية يحمل، بالقياس عند الأكثر.
  • الحنابلة يحمل على المذهب.
  • سبب الخلاف هل القيد في نص يدل على مراد الشارع في نص آخر لوحدة الخطاب، وهل التقييد زيادة على النص فيكون نسخا؟
  • الثمرة إجزاء الرقبة الكافرة في الظهار واليمين، وزكاة الفطر عن العبد الكافر.

٢ ٦. زكاة الحلي

تطبيق زكاة الحلي المعدّ للاستعمال

النصوص: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]؛ وفي كتاب أبي بكر في الصدقة: «وفي الرقة ربع العشر» (رواه البخاري)؛ وحديث المرأة التي في يد ابنتها مسكتان من ذهب: «أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟» (رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وقال الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء، وحسّن غيره إسناد أبي داود)؛ ومن الآثار: أن عائشة كانت تلي بنات أخيها يتامى لهن الحلي فلا تخرج منه الزكاة، وأن ابن عمر كان يحلي بناته وجواريه الذهب فلا يخرج منه الزكاة (رواهما مالك في الموطأ).

المحطات: - (١) المطلوب حكم تكليفي: هل تجب الزكاة في الحلي المباح الذي تلبسه المرأة؟ - (٢) العمومات قطعية الثبوت أو صحيحة. الأحاديث الخاصة بالحلي مختلف في ثبوتها: يحتج بها الحنفية، ويضعفها أو يتأولها الجمهور. وآثار الصحابة ثابتة. - (٣) الحنفية: الذهب والفضة في العمومات عام يشمل الحلي، ودلالته قطعية. الجمهور: العموم ظاهر يقبل التخصيص. - (٤) الجمهور: تُخصص العمومات بآثار الصحابة، وقول الصحابي حجة أو مرجح عند جماعة منهم (انظر الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة)، وبالقياس الآتي. الحنفية: لا يخصص العام القطعي بقول صحابي ولا بقياس ابتداء. - (٥) الجمهور: علة الزكاة النماء، والحلي المستعمل خرج عن النماء إلى القنية كثياب البذلة ودواب الركوب، فيُلحق بالعروض المقتناة. الحنفية: الذهب والفضة أثمان بأصل الخلقة، فالنماء فيهما مقدّر لا يبطله الصوغ.

نقطة الافتراق: المحطة الرابعة في تخصيص العموم، ومعها المحطة الخامسة في تعيين العلة.

القاعدة: قطعية العام عند الحنفية؛ وتخصيص العام بقول الصحابي وبالقياس عند الجمهور؛ وتعيين علة الحكم في الأثمان.

حكم كل مذهب: - الحنفية: تجب الزكاة في الحلي إذا بلغ نصابا. - المالكية: لا زكاة في الحلي المباح المتخذ للبس. - الشافعية: لا زكاة فيه على الأظهر. - الحنابلة: لا زكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال أو العارية.

تعليق: يتبين في هذه المسألة كيف تتعاون قاعدتان في مذهب واحد: قطعية العام تمنع التخصيص بالأثر، وتعليل الزكاة بالثمنية الخلقية يمنع التخصيص بالقياس. وللمحطة السابعة أثر لاحق: الحلي المحرم، أو المتخذ للادخار، تجب فيه الزكاة عند الجميع، لأن مناط الإسقاط عند الجمهور هو الاستعمال المباح، فيُحقق في كل حلي بعينه.

٢ ٧. القرء وعدة المطلقة

تطبيق القرء في عدة المطلقة

النصوص: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ و﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، مع حديث ابن عمر في طلاقه امرأته وهي حائض وفيه: «فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» (رواه البخاري ومسلم)؛ وحديث المستحاضة: «دعي الصلاة أيام أقرائك» (رواه أبو داود والنسائي، وفي أسانيده كلام)؛ وقول عائشة: إنما الأقراء الأطهار (رواه مالك في الموطأ).

المحطات: - (١) المطلوب حكم وضعي في تحديد العدة: هل تنقضي بالحيضة الثالثة أم بالدخول فيها؟ - (٣) «القرء» مشترك بين الحيض والطهر في اللغة، واتفقوا على أن المراد أحدهما في الآية، فلا يجري هنا الخلاف في عموم المشترك (انظر مبادئ لغوية). الحنفية: لفظ «ثلاثة» خاص في العدد، ودلالة الخاص قطعية، فلو كان القرء الطهر لكانت العدة طهرين وبعض طهر إذا طلقها في طهر، وفيه ترك لموجب الخاص. المالكية والشافعية: بعض الطهر يُعد قرءا كما يقال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] وهي شهران وبعض الثالث، وتأنيث العدد يشير إلى مذكر هو الطهر. - (٤) الشافعية والمالكية: آية الطلاق مع حديث ابن عمر بينت أن الطلاق المأمور به يقع في الطهر، والعدة تبدأ عقبه، فالقرء الطهر. الحنفية: حديث المستحاضة استعمل القرء في الحيض في لسان الشرع. - (٦) الحنفية: مقصود العدة براءة الرحم، والذي يدل على البراءة الحيض. الجمهور: البراءة تحصل بالأطهار التي تتخللها الحيض.

نقطة الافتراق: المحطة الثالثة في تعيين أحد معنيي المشترك بالقرائن، ثم الرابعة في ترجيح القرائن.

القاعدة: المشترك يتعين أحد معنييه بالقرينة؛ ودلالة الخاص قطعية عند الحنفية لا تحتمل التأويل بلا دليل.

حكم كل مذهب: - الحنفية: القرء الحيض، فلا تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة الثالثة. - المالكية: القرء الطهر، فتنقضي بالدخول في الحيضة الثالثة. - الشافعية: القرء الطهر كالمالكية. - الحنابلة: القرء الحيض على المعتمد في المذهب، وهو الذي رجع إليه أحمد.

تعليق: يظهر الوزن المقاصدي في هذه المسألة قرينة مساعدة في الترجيح، ويبقى المعوّل على القرائن اللفظية. وحد قاعدة المشترك فيها في التنبيه الآتي.

تنبيه اتفاق القاعدة واختلاف التطبيق

ليس كل خلاف فقهي في مسألة لفظية خلافا في قاعدة أصولية. في القرء اتفقت المذاهب على القاعدة (المشترك لا يُحمل هنا على معنييه، ويتعين أحدهما بالقرينة)، واختلفت في وزن القرائن. والفرق بين الأمرين هو الفرق بين الخلاف الأصولي والخلاف في الاجتهاد الفقهي، ويظهر أثره في التخريج: القاعدة المتفق عليها لا تصلح وحدها مأخذا للفرع المختلف فيه.

٢ ٨. شهادة القاذف بعد التوبة

تطبيق شهادة المحدود في القذف إذا تاب

النصوص: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤-٥]؛ وذكر البخاري تعليقا أن عمر جلد أبا بكرة وصاحبيه في قذف المغيرة ثم استتابهم وقال: من تاب قبلت شهادته.

المحطات: - (١) المطلوب حكم وضعي: هل تعود أهلية الشهادة للمحدود في القذف بتوبته؟ - (٢) النص قطعي الثبوت، والأثر عن عمر معلق في البخاري. - (٣) في الآية ثلاث جمل متعاطفة: الأمر بالجلد، والنهي عن قبول الشهادة، والحكم بالفسق، ثم استثناء. الحنفية: الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة وحدها لأنها المتيقن، فيرتفع الفسق بالتوبة وتبقى الشهادة مردودة «أبدا». الجمهور: الاستثناء بعد جمل متعاطفة بالواو يرجع إلى الجميع إلا ما منع منه دليل، والجلد خرج بالإجماع لأنه حق آدمي (انظر العام والخاص). - (٤) الحنفية: رد الشهادة معطوف على الجلد بصيغة الأمر للأئمة فهو من تمام الحد، والحد لا يسقط بالتوبة، والفسق جملة خبرية مستأنفة. الجمهور: أثر عمر وعمل الصحابة مرجح لعود الاستثناء إلى الشهادة.

نقطة الافتراق: المحطة الثالثة في مرجع الاستثناء.

القاعدة: الاستثناء الواقع بعد جمل متعاطفة يرجع إلى الأخيرة عند الحنفية، وإلى الجميع عند الجمهور.

حكم كل مذهب: - الحنفية: لا تقبل شهادته أبدا وإن تاب. - المالكية: تقبل إذا تاب، إلا فيما حُدّ فيه على تفصيل عندهم. - الشافعية: تقبل إذا تاب. - الحنابلة: تقبل إذا تاب.

تعليق: هذا المثال الأشهر في كتب التخريج لقاعدة الاستثناء، لكن للحنفية فيه مأخذ ثان مستقل، هو أن رد الشهادة جزء من العقوبة. فلو سلّم الحنفي عود الاستثناء إلى الجميع في غير هذه الآية، لبقي له مأخذه هنا.

مسألة خلافية الاستثناء بعد جمل متعاطفة

  • الحنفية يرجع إلى الجملة الأخيرة، إلا بقرينة تصرفه إلى الجميع.
  • المالكية يرجع إلى الجميع.
  • الشافعية يرجع إلى الجميع، إلا بقرينة.
  • الحنابلة يرجع إلى الجميع.
  • سبب الخلاف هل العطف بالواو يجعل الجمل في حكم الجملة الواحدة، أم يتعلق الاستثناء بما يليه لأنه المتيقن؟
  • الثمرة شهادة المحدود في القذف بعد التوبة، وفروع في الأيمان والأوقاف إذا تعقب الاستثناء جملا.

٢ ٩. نقض الوضوء بمس الذكر

تطبيق نقض الوضوء بمس الذكر

النصوص: حديث بسرة بنت صفوان: «من مس ذكره فليتوضأ» (رواه مالك وأبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي وابن ماجه)؛ وحديث طلق بن علي لما سئل عن الرجل يمس ذكره: «إنما هو بضعة منك» (رواه أبو داود والترمذي والنسائي، واختلف الحفاظ في تصحيحه وتضعيفه)؛ وحديث أبي هريرة: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب فليتوضأ» (رواه أحمد، وابن حبان في صحيحه).

المحطات: - (١) المطلوب حكم وضعي: هل المس سبب ناقض للطهارة؟ - (٢) الحنفية: خبر بسرة آحاد فيما تعم به البلوى، والعادة أن ما يحتاج إليه الكافة يشتهر نقله، فانفراد امرأة بنقل حكم يكثر وقوعه للرجال أمارة على وهم أو نسخ (انظر الكتاب والسنة). الجمهور: لا أثر لعموم البلوى في رد الخبر الصحيح. - (٤) الحنفية: حديث طلق يعارضه ويؤيده الأصل وهو بقاء الطهارة. الشافعية: النقض متأخر، لأن طلقا قدم والمسجد يُبنى، وأبو هريرة متأخر الإسلام وقد روى النقض، فهو ناسخ، ثم هو أكثر رواة. وللحنابلة نحوه. - (٧) يفترق الجمهور في تحقيق مناط «المس»: الشافعية يقصرونه على بطن الكف والأصابع، والمالكية على باطن الكف أو الأصابع أو جنبها، والحنابلة يجعلونه باليد بطنا وظهرا، والكل بلا حائل.

نقطة الافتراق: المحطة الثانية في قبول الخبر عند الحنفية، والمحطة الرابعة في دفع التعارض.

القاعدة: خبر الواحد فيما تعم به البلوى، وطرق دفع التعارض بالنسخ والترجيح (انظر التعارض والترجيح).

حكم كل مذهب: - الحنفية: لا ينقض المس الوضوء. - المالكية: ينقض إذا كان بباطن الكف أو الأصابع أو جنبها بلا حائل، على المعتمد. - الشافعية: ينقض ببطن الكف والأصابع بلا حائل. - الحنابلة: ينقض بمسه باليد ببطنها أو ظهرها بلا حائل.

تعليق: الحنفية لم يعتمدوا قاعدة عموم البلوى وحدها، فحديث طلق في يدهم، فنسبة الحكم إلى القاعدة وحدها تبسيط. وتعلّم المسألة أيضا أن المحطة السابعة قد تُحدث خلافا داخل الجمهور بعد اتفاقهم على الأصل: ما «المس» الذي علق عليه الحكم؟

٢ ١٠. علة الربا

تطبيق علة الربا في الأصناف الستة

النصوص: حديث عبادة بن الصامت: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد» (رواه مسلم)؛ وحديث معمر بن عبد الله: «الطعام بالطعام مثلا بمثل» (رواه مسلم)؛ وحديث أبي سعيد وأبي هريرة في تمر خيبر، وفي رواية لمسلم: «وكذلك الميزان».

المحطات: - (١) المطلوب حكم تكليفي في غير الأصناف الستة: هل يجري الربا في الأرز والحديد والتفاح؟ - (٢) الحديث صحيح، وأكثر الأمة على أن الحكم معلل يتعدى إلى غير الستة، خلافا لنفاة القياس. - (٥) يفترق الطريق في تعيين العلة بمسالكها (انظر القياس). الحنفية: قوله «مثلا بمثل» إيماء إلى أن المطلوب التساوي، والتساوي يُعرف بالكيل والوزن، و«وكذلك الميزان» يعضده، فالعلة القدر مع الجنس. الشافعية: تعليق الحكم بلفظ «الطعام» في حديث معمر يدل على علية الطعم، لأن تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق؛ وعلة الذهب والفضة الثمنية. المالكية: بالمناسبة والسبر، الأصناف الأربعة أقوات تُدخر وبها قوام الناس، فالعلة في ربا الفضل الاقتيات والادخار؛ وفي النقدين الثمنية. - (٥) في النقدين خاصة: الحنفية يمنعون التعليل بالعلة القاصرة المستنبطة لأن فائدة العلة التعدية، والثمنية قاصرة على الذهب والفضة عند الشافعية، فعللوا بالوزن المتعدي إلى كل موزون. الشافعية والمالكية يصححون القاصرة. - (٧) ثم يُحقق المناط في كل سلعة: الأرز مكيل ومطعوم ومقتات مدخر، فهو ربوي عند الجميع؛ والحديد موزون غير مطعوم؛ والتفاح مطعوم غير مقتات ولا مكيل في الغالب.

نقطة الافتراق: المحطة الخامسة، في مسلك إثبات العلة وفي صحة العلة القاصرة.

القاعدة: مسالك العلة (الإيماء، والسبر والتقسيم، والمناسبة)، والتعليل بالعلة القاصرة.

حكم كل مذهب: - الحنفية: العلة الكيل أو الوزن مع اتحاد الجنس، فيجري الربا في الحديد والنحاس والجص، ولا يجري في التفاح إذا بيع عددا. - المالكية: العلة في الطعام الاقتيات والادخار، وفي النقدين الثمنية، فلا ربا فضل في الحديد ولا في الفاكهة التي لا تدخر. - الشافعية: العلة في الطعام الطعم، وفي النقدين الثمنية، فيجري في التفاح ولا يجري في الحديد. - الحنابلة: العلة على المذهب الكيل أو الوزن كالحنفية، وفي المذهب روايتان أخريان.

تعليق: هذه المسألة أصفى الأمثلة على المحطة الخامسة، وهي في «مختبر الاستنباط» مثال السبر والتقسيم. ولها ثمرة معاصرة في النقود الورقية: من علل النقدين بالثمنية أمكنه أن يعدّيها إلى الورق النقدي بتوسيع معنى الثمنية، وهو ما قرره مجمع الفقه الإسلامي الدولي (انظر أصول الفقه في زمننا).

مسألة خلافية التعليل بالعلة القاصرة

  • الحنفية لا يصح التعليل بالقاصرة المستنبطة، لأن فائدة التعليل تعدية الحكم إلى الفرع، والقاصرة لا تتعدى؛ ويقبلون المنصوصة أو المجمع عليها.
  • المالكية يصح.
  • الشافعية يصح، وفائدتها معرفة الحكمة ومنع القياس على المحل وتقوية النص.
  • الحنابلة فيه روايتان، والأكثر على الصحة.
  • سبب الخلاف هل فائدة العلة محصورة في التعدية، أم لها فوائد في فهم النص والاطمئنان إليه؟
  • الثمرة علة الربا في الذهب والفضة، وجريان الربا في الحديد والنحاس.

٢ ما تعلّمه المسائل العشر

إذا جُمعت مواضع الافتراق في جدول ظهر أن المحطات لا تتساوى في إنتاج الخلاف:

المسألة محطة الافتراق القاعدة المسؤولة الفصل
الفاتحة ٣ و٤ الزيادة على النص، والفرض والواجب النسخ، الحكم التكليفي
متروك التسمية ٣ و٤ قطعية العام وتخصيصه بالآحاد العام والخاص
خيار المجلس ٢ و٣ عمل أهل المدينة، والتأويل الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة، المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول
النكاح بلا ولي ٢ و٣ و٥ مخالفة الراوي، والإسناد، والقياس الكتاب والسنة
رقبة الظهار ٤ حمل المطلق على المقيد المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول
زكاة الحلي ٤ و٥ قطعية العام، وقول الصحابي، والعلة العام والخاص، الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة
القرء ٣ و٤ المشترك والقرائن مبادئ لغوية
شهادة القاذف ٣ الاستثناء بعد الجمل العام والخاص
مس الذكر ٢ و٤ عموم البلوى، ودفع التعارض الكتاب والسنة، التعارض والترجيح
علة الربا ٥ و٧ مسالك العلة، والعلة القاصرة القياس

ويخرج من الجدول ثلاث ملاحظات. الأولى أن أكثر الخلاف بين الحنفية والجمهور يقع في المحطتين الثالثة والرابعة، لأن المذهب الحنفي يوزع اليقين توزيعا خاصا: العام قطعي، والخاص قطعي، والزيادة نسخ، فيمتنع عندهم أن يرفع الظني القطعي. وهذا ما سماه Zysow «اقتصاد اليقين». والثانية أن المالكية يتميزون في المحطة الثانية بعمل أهل المدينة. والثالثة أن الخلاف داخل الجمهور يقع غالبا في المحطتين الخامسة والسابعة: في تعيين العلة، وفي تحقيق المناط.

أداة تفكير اختبار الحجة بالاعتراض

كل مسألة من العشر تصلح تمرينا في المناظرة: يأخذ الطالب حجة مذهب، ثم يورد عليها أقوى اعتراض من المذهب الآخر، ثم يجيب. فحجة الشافعي في متروك التسمية (حديث عائشة) يُعترض عليها بالقول بالموجب: الحديث في المجهول حاله، ونحن نبيحه. وحجة الحنفي في القرء (لفظ ثلاثة) يُعترض عليها بالمنع: لا نسلم أن بعض الطهر لا يسمى قرءا. وهذا قريب من «الأسئلة الناقدة» في نظرية الحجاج الحديثة. وحدّه أن القادح مقيد بأصول المعترض: لا يصح للشافعي أن يعترض على الحنفي بمفهوم المخالفة، لأن الحنفي لا يسلّمه أصلا.

صلة الفصل بغيره

هذا الفصل يستعمل ما قبله ولا يعيد شرحه: قواعد الثبوت في الكتاب والسنة، والنسخ في النسخ، والقياس في القياس، وعمل أهل المدينة وقول الصحابي في الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة، والمشترك في مبادئ لغوية، والعام والاستثناء في العام والخاص، والمطلق والمقيد في المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول، والمفهوم في طرق الدلالة بين المنهجين، والتعارض في التعارض والترجيح. وتخريج الفروع على الفروع، والمعتمد في كل مذهب، محلهما التقليد والفتوى والمذهب. وما يأتي في أصول الفقه في زمننا يمد الخط إلى المحطتين السادسة والسابعة في النوازل المعاصرة. والمسائل العشر نفسها في «مختبر الاستنباط»، والقضية الواحدة الممتدة في قضية واحدة من أولها إلى آخرها: النكاح بغير ولي على خط الاستنباط.

خلاصة الفصل

  1. التخريج ثلاثة أنواع: تخريج الفروع على الأصول (من القاعدة إلى الفرع)، وتخريج الأصول من الفروع (من فروع الإمام إلى قاعدته)، وتخريج الفروع على الفروع (من منصوص الإمام إلى المسكوت عنه).
  2. كتب الفن تختلف طريقة: الزنجاني ثنائي شافعي حنفي، والتلمساني مالكي ثلاثي مرتب على الأدلة، والإسنوي داخل المذهب الشافعي، وابن اللحام حنبلي، والدبوسي يجمع ضوابط أقرب إلى القواعد الفقهية، والخن معاصر في قواعد الدلالات.
  3. أصول الحنفية مستخرجة في أكثرها من فروع الأئمة، ولذلك سميت طريقتهم طريقة الفقهاء.
  4. صلة الفرع بالقاعدة صلة اطراد وتفسير، وقد يكون الفرع أسبق من القاعدة، وقد يتعدد مأخذه.
  5. خلاف الحنفية والجمهور يتركز في محطتي الدلالة والمعارض، بسبب توزيع اليقين: قطعية العام والخاص، والزيادة نسخ.
  6. المالكية يتميزون في محطة الثبوت بعمل أهل المدينة، كما في خيار المجلس.
  7. الخلاف داخل الجمهور يتركز في الإلحاق وتحقيق المناط، كما في علة الربا ومناط المس.
  8. الاتفاق في الحكم قد يخفي اختلاف المأخذ، كاتفاق الحنفية والمالكية على نفي خيار المجلس، واتفاق الحنفية والمالكية والحنابلة على تحريم متروك التسمية عمدا (مع تفصيلهم في الناسي) والشافعية يبيحونه.
  9. اتفاق المذاهب على قاعدة لا يمنع اختلافهم في تطبيقها، كما في القرء.
  10. المسألة تُحل على قالب: النصوص، والمحطات، ونقطة الافتراق، والقاعدة، وحكم كل مذهب، والتعليق.

تمارين

  1. صنّف الأعمال الآتية بحسب نوع التخريج: (أ) استخراج أن أبا حنيفة لا يعمل بمفهوم الصفة من فروعه؛ (ب) بيان أن خلاف الشافعي والحنفي في متروك التسمية مبني على قطعية العام؛ (ج) نقل حكم منصوص للشافعي في مسألة إلى مسألة لم ينص عليها.
  2. ما الفرق في الطريقة بين «تخريج الفروع على الأصول» للزنجاني و«التمهيد» للإسنوي؟
  3. في مسألة الفاتحة: لماذا لا يصح أن يقال إن الحنفية ردوا حديث «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»؟
  4. في خيار المجلس: اتفق الحنفية والمالكية على نفيه. حدد محطة افتراق كل منهما عن الشافعية.
  5. رد الفرع إلى أصله: تجزئ الرقبة الكافرة في كفارة اليمين عند الحنفية.
  6. لماذا يُعد رد مسألة القرء إلى قاعدة «عموم المشترك» خطأ في التخريج؟
  7. اذكر مأخذين للحنفية في رد شهادة القاذف بعد التوبة، وبيّن أثر تعدد المأخذ في صحة التخريج.
  8. قارن بين تعليل الحنفية والشافعية لربا الفضل في النقدين، واذكر القاعدة الأصولية التي فرّقت بينهما.
  9. اختر حجة الشافعية في نقض الوضوء بمس الذكر، وأورد عليها اعتراضا حنفيا، ثم أجب عنه بلسان الشافعي.

أجوبة التمارين

  1. (أ) تخريج الأصول من الفروع؛ (ب) تخريج الفروع على الأصول؛ (ج) تخريج الفروع على الفروع.
  2. الزنجاني يقارن بين مذهبين في كل قاعدة ويخرج فروع الخلاف بينهما؛ والإسنوي يخرج فروع مذهب واحد على القاعدة، وينبه على ما خالف فيه المذهب القاعدة.
  3. لأنهم عملوا به في رتبة الوجوب، فأوجبوا الفاتحة وجعلوا تركها سهوا مجبورا بسجود السهو؛ وإنما منعوا أن يرفع خبر الواحد إطلاق الآية القطعي فيجعل الفاتحة ركنا، لأن الزيادة على النص نسخ عندهم.
  4. المالكية افترقوا في المحطة الثانية: قدموا عمل أهل المدينة على الخبر. والحنفية في المحطة الثالثة: تأولوا التفرق بالأقوال.
  5. أصلها أن المطلق لا يحمل على المقيد مع اختلاف السبب، وأن تقييد المطلق زيادة على النص لا تثبت بالقياس؛ فتبقى «رقبة» في كفارة اليمين على إطلاقها.
  6. لأن المذاهب متفقة على أن المراد بالقرء في الآية أحد المعنيين، والخلاف في تعيينه بالقرائن، فلا أثر لقاعدة الحمل على جميع المعاني فيها.
  7. الأول أن الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة؛ والثاني أن رد الشهادة من تمام الحد، والحد لا يسقط بالتوبة. وأثره أن رد الفرع إلى القاعدة الأولى وحدها ناقص، فلو سلّمت القاعدة للجمهور لبقي المأخذ الثاني.
  8. الحنفية: العلة الوزن مع الجنس، والشافعية: الثمنية. والقاعدة التعليل بالعلة القاصرة: يمنعه الحنفية ويصححه الشافعية.
  9. مثال: حجة الشافعية تأخر حديث بسرة عن حديث طلق فهو ناسخ. الاعتراض الحنفي: لا يلزم من تأخر إسلام الراوي تأخر سماعه، فقد يروي عن غيره. الجواب: حديث أبي هريرة صريح في المس من غير حائل، وأبو هريرة متأخر الإسلام راو له بنفسه، والترجيح بكثرة الرواة قائم ولو لم يثبت النسخ.

أصول الفقه في زمننا

سؤال الافتتاح

الورق النقدي ليس ذهبا ولا فضة، ولا يُكال ولا يوزن في التعامل. فهل يجري فيه الربا إذا بيع بعضه ببعض متفاضلا أو نسيئة؟ وبأي محطة من خط الاستنباط يُجاب عن هذا السؤال: باستنباط حكم جديد، أم بتنزيل حكم قديم على محل جديد؟ الجواب في مبحث المجامع الفقهية.

موقع الفصل من المنظومة

يقف هذا الفصل عند آخر الخط: المحطة السادسة (الوزن المقاصدي والنظر في المآل)، والسابعة (تحقيق المناط في الواقعة المعينة)، والثامنة (الحكم ودرجته وأهلية قائله). وهي المحطات التي يكثر فيها عمل الفقيه المعاصر، لأن أكثر النوازل الحديثة لا تحتاج إلى أصل جديد، وإنما تحتاج إلى معرفة دقيقة بالمحل الذي يُنزل عليه الحكم. ويفترض الفصل ما تقرر في القياس ومسالك العلة القياس، وفي أدلة المصلحة والعرف الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف، وفي المقاصد مقاصد الشريعة، وفي الاجتهاد والتقليد الاجتهاد والتقليد والفتوى والمذهب، وفي التخريج تخريج الفروع على الأصول.

ثم يعرض الفصل ما أضافته الدراسات الحديثة إلى فهم العلم، ومشاريع التجديد وموازينها، والنماذج الحاسوبية، ويختم بالطريق الذي يسلكه الطالب بعد هذا الكتاب.

١ تحقيق المناط وفقه الواقع والنوازل

المناط هو العلة أو الوصف الذي علق الشارع به الحكم. وتحقيق المناط أن يثبت هذا الوصف المتفق عليه في آحاد الصور: فالعلة معلومة بنص أو إجماع أو استنباط، والنظر في وجودها في هذه الواقعة بعينها. وقد سبق في القياس الفرق بينه وبين تنقيح المناط (تهذيب الوصف مما لا أثر له) وتخريجه (استنباط العلة نفسها).

من المتون الموافقات للشاطبي، كتاب الاجتهاد

الاجتهاد على ضربين: أحدهما لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف، وذلك عند قيام الساعة. والثاني يمكن أن ينقطع قبل فناء الدنيا. فأما الأول فهو الاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط، وهو الذي لا خلاف بين الأمة في قبوله، ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله. وذلك أن الشارع إذا قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وثبت عندنا معنى العدالة شرعا، افتقرنا إلى تعيين من حصلت فيه هذه الصفة.

الحل: «مدركه الشرعي» دليله الذي يُدرك منه الحكم. فالحكم الكلي (قبول شهادة العدل) ثابت بالنص، و«تعيين محله» هو معرفة من هو العدل في الواقع. وهذا الضرب لا ينقطع لأن الوقائع لا تتناهى، فلو انقطع لبقيت الأحكام الكلية معلقة لا تنزل على أحد، وهو معنى قوله «حتى ينقطع أصل التكليف». ويقبله من لا يرى القياس أصلا، لأنه نظر في وجود وصف معلوم، لا إلحاق فرع بأصل. والضرب الثاني، الذي يمكن أن ينقطع، هو الاجتهاد في استنباط العلل وما يتصل به. ويقسم الشاطبي تحقيق المناط إلى عام في أنواع المكلفين والأفعال، وخاص في أشخاصهم وأحوالهم، والخاص يحتاج إلى خبرة بالنفوس ومداخلها.

فإذا قيل في عصرنا «فقه الواقع» أو «فقه النوازل»، فالمراد في الأصل هذا المبحث القديم: تحقيق المناط الخاص، مع معرفة العرف وأحوال المكلفين. وأوضح من ربط بين الاسمين ربطا أصوليا الشيخ عبد الله بن بيه في «صناعة الفتوى وفقه الأقليات»، وفي «الاجتهاد بتحقيق المناط: فقه الواقع والتوقع»، وفي كتابه «تنبيه المراجع على تأصيل فقه الواقع». ومعنى طريقته أن الفتوى صناعة لها أركان: فهم الدليل، وفهم المحل، وتنزيل أحدهما على الآخر، والنظر فيما يؤول إليه التنزيل.

ولهذا العمل أصول قديمة في كل مذهب. فالقرافي في «الفروق» وفي «الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام» قرر أن الأحكام المبنية على العوائد تتغير بتغيرها، وأن الجمود على المنقول مع تغير العرف خطأ في الفتوى. وعقد ابن القيم في «إعلام الموقعين» فصلا في تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد. وكتب ابن عابدين من الحنفية رسالة «نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف». وللمالكية تراث واسع في النوازل، منه «المعيار المعرب» للونشريسي، وهو مادة تطبيقية لتحقيق المناط في وقائع الغرب الإسلامي.

تنبيه تغير الفتوى وثبات الحكم

تغير الفتوى بتغير الزمان يقع في الأحكام المبنية على عرف أو مصلحة متغيرة، أي في المحطة السابعة حين يتغير المحل. والحكم المنصوص الثابت بدليل قطعي لا يتغير بتغير الزمان، لأن مناطه لم يتغير. فمن قال «تغيرت الفتوى في المهر لتغير العرف في المعجّل والمؤجل» فقد أصاب الموضع، ومن قال «تغير حكم الربا لتغير المعاملات» فقد خلط بين تغير المحل وتغير الحكم.

أداة تفكير التنزيل الرباعي

الأداة تفصل في كل واقعة أربع خطوات: (١) الحكم الكلي ودليله، (٢) محله الذي وُضع له، (٣) تنزيله على المعين بتحقيق المناط، (٤) مآله بعد التنزيل. وهي تقابل في الفكر القانوني الحديث التفريق بين صحة القاعدة وصحة تطبيقها، وتقويم أثر القرار. ومثالها التسعير، وقد مُشي به على خط الاستنباط في مقاصد الشريعة: الحكم امتناعه ﷺ من التسعير، ومحله سوق تجري فيه الأسعار بلا ظلم، وتنزيله النظر في سوق بعينها هل فيها احتكار أو تواطؤ، ومآله هل يرفع الإلزام بالسعر الظلم أم يخرج السلعة من السوق. وحدّ الأداة أن الخطوة الرابعة لا تلغي الأولى: النظر في المآل يعمل في المساحة التي يتركها النص، وتمنعه القطعيات.

١ فقه الموازنات والأولويات والمآلات

هذه ثلاثة أسماء حديثة لمباحث قديمة. فالموازنة الترجيح بين المصالح والمفاسد إذا تزاحمت، وأصلها في «قواعد الأحكام في مصالح الأنام» للعز بن عبد السلام: جلب أعلى المصلحتين، ودفع أعظم المفسدتين، وترجيح درء المفسدة على جلب المصلحة عند التساوي. والأولويات ترتيب الأعمال والأحكام بحسب رتبها الشرعية: الفرض قبل النفل، والضروري قبل الحاجي، والحاجي قبل التحسيني، وقد كتب فيه الشيخ يوسف القرضاوي «في فقه الأولويات». والمآلات النظر فيما يؤول إليه الفعل أو الفتوى، وقد جعله الشاطبي في كتاب الاجتهاد من «الموافقات» أصلا معتبرا، وفرع عليه سد الذرائع، ومنع الحيل، ومراعاة الخلاف، والاستحسان (انظر الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف ومقاصد الشريعة).

فإذا جُمعت هذه الأسماء تحت سقف واحد صارت أدوات «التنزيل»: الحكم الكلي يُستنبط بالنظر في الدليل، ثم يُنزل بالنظر في المحل، وللتنزيل أدوات: تحقيق المناط، والنظر في المآل، والموازنة عند التزاحم، والترتيب بالأولوية. وبهذا يُعرف أن «فقه الواقع» وما معه فروع داخل الأصول، لا علوم مستقلة تزاحمه.

مسألة خلافية بأي أصل يعالج كل مذهب النازلة التي لا نص فيها؟

  • الحنفية بالقياس، ثم بالاستحسان إذا اقتضى العدول عن القياس دليل أقوى من نص أو إجماع أو ضرورة أو عرف، مع العناية بالعرف في بناء الأحكام كما فعل ابن عابدين.
  • المالكية بالقياس والمصالح المرسلة وسد الذرائع والعرف، وبما جرى به العمل في الأقطار، وهم أوسع المذاهب في هذا الباب صراحة.
  • الشافعية بالقياس، ويدخلون كثيرا من النظر المصلحي في المناسبة من مسالك العلة، ويمنعون الاستحسان بمعنى العدول بلا دليل.
  • الحنابلة بالقياس وقول الصحابي، ولهم في السياسة الشرعية والمصالح باب واسع قرره ابن تيمية وابن القيم.
  • سبب الخلاف الخلاف في حجية الاستحسان والمصلحة المرسلة وسد الذرائع بوصفها أدلة مستقلة، وفي مقدار ما يدخل منها في القياس.
  • الثمرة تتقارب المذاهب في كثير من نتائج النوازل وتختلف في التسمية والمأخذ، ويظهر الخلاف الحقيقي حين تُبنى المصلحة وحدها حكما لا يشهد له أصل معين.

١ الاجتهاد الجماعي والمجامع الفقهية

الاجتهاد الجماعي أن يتشاور جماعة من أهل النظر في نازلة، ويستعينوا بأهل الاختصاص في تصور الواقعة، ثم يصدروا فيها رأيا بالاتفاق أو بالأغلبية. وأصله ما كان عليه الخلفاء من جمع أهل العلم للمشورة في النوازل. وعلته في عصرنا أن كثيرا من الوقائع الحديثة (المصارف، والطب، والاتصالات) لا يحيط بتصورها فرد، والمحطة السابعة فيها تحتاج إلى خبير قبل الفقيه، والحكم على الشيء فرع عن تصوره.

ومن أشهر هيئاته: مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي ومقره جدة، والمجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة، ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الذي أنشئ بقانون تنظيم الأزهر سنة ١٩٦١م، والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث المعني بأحوال المسلمين في أوروبا. وطريقتها في الجملة: تكليف باحثين ببحوث في النازلة من مذاهب مختلفة، واستكتاب خبراء في تصورها، ثم مناقشة في دورة المجمع، ثم قرار مرقم يذكر الحكم وقيوده، وأحيانا توصيات بالبديل.

المثال الأول: النقود الورقية. قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته الثالثة بعمّان (صفر ١٤٠٧هـ، أكتوبر ١٩٨٦م)، في القرار رقم ٢١ (٩/٣)، أن العملات الورقية نقود اعتبارية فيها صفة الثمنية كاملة، ولها الأحكام الشرعية المقررة للذهب والفضة من حيث أحكام الربا والزكاة والسلم وسائر أحكامهما. وهذا جواب سؤال الافتتاح: المجمع نزّل حكم الربا المقرر في النقدين على محل جديد، ولم يستنبط حكما جديدا. وطريقه تخريج على العلة: من علل ربا النقدين بالثمنية (المالكية والشافعية، انظر المسألة العاشرة في تخريج الفروع على الأصول) أمكنه أن يوسع معناها من «ثمنية الذهب والفضة» إلى «الثمنية المطلقة»، فيعدّيها إلى كل ما اتخذه الناس ثمنا. ومن علل بالوزن (الحنفية والمذهب عند الحنابلة) لم يجد في الورق وزنا، فاحتاج إلى مأخذ آخر. فالقرار عمل في المحطتين الخامسة والسابعة معا، وصارت الثمنية في هذا التخريج علة متعدية، بعد أن قصرها أكثر الشافعية على الذهب والفضة.

المثال الثاني: شراء المسكن في أوروبا. أصدر المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في دورته العادية الرابعة (رجب ١٤٢٠هـ، أكتوبر ١٩٩٩م) قرارا يؤكد تحريم فوائد البنوك، ويدعو إلى البدائل المشروعة كالمرابحة وإنشاء شركات تبني المساكن بشروط ميسرة، ثم أجاز بأغلبية أعضائه شراء المسكن بقرض بفائدة لمن لم يجد بديلا، استنادا إلى قاعدة «الحاجة تنزل منزلة الضرورة»، وقيّد ذلك بأن يكون المسكن للحاجة الأصلية، وألا يكون عند المشتري ما يكفيه للشراء بغير هذا الطريق. والقرار عمل في المحطة السادسة (الموازنة بين مفسدة الربا ومفسدة بقاء الأسرة بلا مسكن آمن)، وفي المحطة السابعة (تحقيق مناط «الحاجة» في أحوال المسلمين هناك). وقد تعقبه فيه باحثون، منهم الدكتور صلاح الصاوي والدكتور سامي السويلم، ونازعوا في تحقيق مناط الحاجة وفي إنزالها منزلة الضرورة في هذا الموضع. فالخلاف بين الفريقين وقع في المحطتين السادسة والسابعة، مع اتفاقهم في المحطات قبلها على تحريم الربا.

تنبيه قرار المجمع والإجماع

قرار المجمع اجتهاد جماعي، وليس إجماعا بالمعنى الأصولي، لأن الإجماع اتفاق مجتهدي العصر كلهم، والمجمع جماعة منهم، وقد يصدر قراره بالأغلبية (انظر الإجماع). فقوته قوة الاجتهاد المتشاور فيه: أبعد عن الخطأ الفردي في تصور الواقعة، ويجوز للمجتهد مخالفته بدليل، وللمستفتي أن يعتمده تقليدا لأهل الذكر. وقد قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].

٢ الدرس اللساني والتداولي الحديث

مباحث الألفاظ في الأصول نظرية في الفهم: كيف يُعرف مراد المتكلم من كلامه؟ ولهذا وجد فيها دارسو اللسانيات الحديثة مادة غنية. ففي كتاب محمد محمد يونس علي Medieval Islamic Pragmatics قراءة لمباحث الوضع والاستعمال والقصد والسياق عند الأصوليين قراءة تداولية، تبين أنهم عالجوا كثيرا مما تعالجه التداولية المعاصرة: الفرق بين ما يقال وما يفهم بلا قول، وأثر المقام في تعيين المراد. وينفع الطالب منه أن يرى أن تقسيم الحنفية الدلالة إلى عبارة وإشارة ودلالة واقتضاء، وتقسيم المتكلمين إلى منطوق ومفهوم (انظر طرق الدلالة بين المنهجين)، نظريتان في سؤال واحد. والتشبيه حده معلوم: مفهوم المخالفة عند الجمهور حجة شرعية بشروط، والاستلزام الحواري عند Grice قابل للإلغاء بالسياق، فالمقارنة تعليمية لا مطابقة.

وفي أعمال طه عبد الرحمن، ومنها «تجديد المنهج في تقويم التراث»، أن التراث يُقوَّم بأدواته وفي مجاله التداولي، وأن الاستدلال في العلوم الإسلامية حجاجي في جمهوره، أي استدلال طبيعي يرجّح ويقوّي، لا برهان رياضي. وهذا يفسر كثرة عبارات «الأظهر» و«الأقوى» و«الراجح» في كتب الأصول، ويعين على فهم منزلة الجدل والمناظرة في تكوين الأصولي.

٢ الدراسات الأكاديمية الغربية

للدراسات الغربية الحديثة في الأصول قيمة حين تُقرأ بوصفها نظرا من خارج المذهب يرتب ما في الكتب ويقارن بينه. وكل كتاب من الآتية يعين الطالب على رؤية شيء بعينه:

الكتاب ما يعين الطالب على رؤيته
Bernard Weiss، The Search for God's Law (عرض «الإحكام» للآمدي) أن الأصول عند المتكلمين «بحث» منضبط عن حكم الله، وأن الظن في قلب النظام، والفقيه يبني حكما مظنونا يلزمه العمل به.
Aron Zysow، The Economy of Certainty أن كل مذهب يوزع القطع والظن على أدلته توزيعا خاصا، ومن هذا التوزيع تنشأ فروق كثيرة، كقطعية العام عند الحنفية وظنيته عند الشافعية. وهو أنفع هذه الكتب لمنهج كتابنا.
Wael Hallaq، A History of Islamic Legal Theories تطور النظرية من الشافعي إلى العصر الحديث، وأن «القياس» مظلة لحجج متعددة بعضها غير تمثيلي.
Joseph Lowry، Early Islamic Legal Theory أن «الرسالة» نظرية في «البيان»: الكتاب والسنة نظام يبين بعضه بعضا.
Ahmed El Shamsy، The Canonization of Islamic Law كيف نقل الشافعي الفقه من ممارسة متوارثة إلى نصوص مدونة ومنهج تأويلي، وهو يفسر جانبا من الخلاف بين العمل المدني والسنة المروية.
David Vishanoff، The Formation of Islamic Hermeneutics أن الخلاف في صيغ العموم والأمر نابع من تصورات كلامية ولغوية سابقة، فيتعلم الطالب أن يسأل عن الافتراض الكامن وراء القول.

والقراءة الأمينة لهذه الكتب تأخذ منها الترتيب والمقارنة، وتعرف حدودها: هي قراءات تاريخية وتحليلية، ومؤلفوها يختلفون في مناهجهم ومواقفهم، ونسبة الأقوال إلى المذاهب تُراجع على كتب المذاهب المعتمدة قبل أن تُبنى عليها.

٢ مشاريع التجديد وما يُقبل منها

كثر في القرن الأخير الكلام في «تجديد أصول الفقه». وأوزن ما يُوزن به كل مشروع سؤال واحد: هل يجدد العرض والتطبيق مع حفظ مصطلح العلم وضوابطه، أم يغير العلم نفسه؟

  • حسن الترابي في «تجديد أصول الفقه الإسلامي»: رأى أن الأصول صيغت لفقه الأفراد، ودعا إلى أصول لفقه الجماعة والدولة، واقترح «القياس الواسع» على مقاصد عامة غير مقيد بشروط العلة، وتوسيع الإجماع إلى إجماع الأمة عبر الشورى. والسؤال عن فقه الجماعة سؤال مشروع، وجوابه الأصولي موجود في السياسة الشرعية والمصالح المرسلة وتصرفات الإمام. أما القياس بلا شروط فيُفقد القياس صفته الاستدلالية، ولهذا يصلح مثالا على ضرورة شروط العلة.
  • طه جابر العلواني في «أصول الفقه الإسلامي: منهج بحث ومعرفة» و«الجمع بين القراءتين»: جعل الأصول منهج تفكير يتجاوز الفقه إلى العلوم الاجتماعية. والصالح منه للتعليم أن الأصول تعلّم الطالب كيف يفكر، وكتابه «أدب الاختلاف في الإسلام» نافع في أسباب الخلاف. وما اقترحه من مقاصد عليا حاكمة يحتاج إلى مسالك إثبات منضبطة، وبعض آرائه في السنة موضع نقد عند الأصوليين والمحدثين.
  • جمال الدين عطية في «نحو تفعيل مقاصد الشريعة»: اقترح توزيع المقاصد على مجالات (الفرد، والأسرة، والأمة، والإنسانية) لتصير أداة تخطيط. وهو أقرب هذه المشاريع إلى العلم، لأنه لا يمس ترتيب الأدلة، ويُناقش في مسالك إثبات ما زاده من مقاصد.

ويقابل هذه المشاريع تصور الشيخ أبي الطيب مولود السريري السوسي المالكي، المدرّس بمدرسة تنكرت العلمية بسوس، وله في الباب كتاب «تجديد علم أصول الفقه» ومحاضرات في «طرق اكتساب الملكة الأصولية». ومعنى كلامه في محاضرته عن معنى التجديد أن التجديد «رد الجِدّة» إلى العلم، أي رد قوته إليه، وأن العلم قائم في الأذهان، فتجديده يكون بتكوين عقل يحسن بناء الأحكام، لا بتغيير ماهيته ولا بمجرد تأليف كتب جديدة. والنظر عنده أساس بناء الأحكام، يضعف ويموت إذا أُهمل. ولذلك يرى أن يُكوَّن الطالب على طريقة المتقدمين بالجدل: الإيراد والإلزام والانفصال، لأنها تورث ذهنية أصولية في التحليل والمناظرة، ويفرق بين علم الجدل وعلم المنطق. ويقرر أن الواقع يغير الفقه، أي الفتوى بحسب الأحوال، ولا يغير الأصول. وينقد أكثر دعاوى التجديد المعاصرة بأنها خواطر لا مسائل أصولية، ويستثني منها تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية بوصفه مسألة جديرة بالبحث.

والنظر الرصين يجمع بين الأمرين: الأسئلة التي طرحها المجددون عن فقه الجماعة والمقاصد والواقع أسئلة حقيقية، وأجوبتها تُطلب بأدوات العلم نفسه، وأول ما يحتاج إليه العلم طالب تكونت عنده الملكة. وهذا الكتاب مبني على هذا الفهم: الجديد فيه في العرض والربط والتطبيق، والعلم بمصطلحه وضوابطه.

٢ النماذج الحاسوبية والذكاء الاصطناعي

ظهرت في السنوات الأخيرة محاولات لصياغة أجزاء من الاستدلال الأصولي صياغة صورية، منها ورقة منشورة سنة ٢٠٢٦ تصوغ السبر والتقسيم صياغة مجموعاتية في أبواب فقهية مغلقة: حصر الأوصاف، ثم إبطال ما لا يصلح علة، مع ترك التحقق الدلالي للفقهاء. وقريب من هذا عرض مسألة علة الربا في «مختبر الاستنباط»، حيث يرى الطالب الوصف الذي اختاره كل مذهب ومسلكه.

وأما النماذج اللغوية الكبيرة فقد قيست في معيار IslamicLegalBench (فبراير ٢٠٢٦)، وفيه ٧١٨ حالة في ثلاث عشرة مهمة مأخوذة من ثمانية وثلاثين نصا فقهيا في سبعة مذاهب، منها تحديد علة الحكم والتطبيق القياسي. وبلغ أفضل نموذج فيه نحو ٦٨٪ من الصواب مع نحو ٢١٪ من الإجابات المختلقة، ونزل بعضها دون ٣٥٪. وهذه أرقام ذلك المعيار في تاريخ نشره. والمواضع التي يُتوقع فيها خطأ هذه النماذج يعرفها من درس هذا الكتاب:

  1. الخلط في النسبة: قد ينسب النموذج إلى المذهب قولا مرجوحا فيه، أو قول مذهب إلى آخر، لأن الفرق بين «المعتمد» و«قول في المذهب» يُعرف بكتب الترجيح، ولا يظهر في كثرة ورود القول.
  2. الخطأ في التعليل: التعليل يحتاج إلى معرفة مسلك العلة وشروطها، وقد يكتفي النموذج بوصف مناسب في الظاهر، فيعلل بالحكمة بدل العلة المنضبطة.
  3. توحيد المأخذ: قد يرد الفرع إلى القاعدة الأشهر، وقد رأينا في تخريج الفروع على الأصول أن المأخذ يتعدد.
  4. اختلاق الإحالة: قد يذكر كتابا أو صفحة لا وجود لها، لأنه يولد نصا محتملا ولا ينقل من مصدر معين.

ومنهج التحقق للطالب: يطلب من النموذج المصدر المعين (الكتاب والباب)، ثم يراجعه بنفسه في المكتبة الشاملة أو الطبعة المحققة؛ ويقابل النسبة بالكتاب المعتمد في المذهب كما تقرر في التقليد والفتوى والمذهب؛ ويعرض الجواب على خط الاستنباط ليرى أي محطة سكت عنها؛ ويستعمل النموذج في الجمع والترتيب والتذكير، ويبقي الترجيح والفتوى لأهلها.

١ كيف يواصل الطالب بعد هذا الكتاب

هذا الكتاب يضع الطالب على عتبة المتوسطات. وطريقه بعده سلّم في مذهبه، ثم اطلاع على المذاهب الأخرى:

المذهب المبتدئ المتوسط الاطلاع العالي
الحنفي أصول الشاشي المنار بشرح نور الأنوار أو كشف الأسرار؛ والحسامي مرآة الأصول؛ التوضيح والتلويح؛ مسلم الثبوت بفواتح الرحموت
المالكي الورقات بشرح الحطاب أو نظمها مراقي السعود بنشر البنود أو نثر الورود؛ ومرتقى الوصول لابن عاصم جمع الجوامع بحاشية البناني؛ شرح تنقيح الفصول؛ مفتاح الوصول؛ مختصر ابن الحاجب
الشافعي الورقات بشرح المحلي غاية الوصول شرح لب الأصول جمع الجوامع بشرح المحلي وحاشية البناني أو العطار؛ أو منهاج البيضاوي بنهاية السول
الحنبلي قواعد الأصول لصفي الدين البغدادي روضة الناظر بنزهة الخاطر أو مذكرة الشنقيطي مختصر التحرير بشرح الكوكب المنير؛ مختصر الروضة للطوفي وشرحه

وفي القمة مراجع الفن: «المستصفى» للغزالي، و«المحصول» للرازي، و«الإحكام» للآمدي، و«البحر المحيط» للزركشي، و«الموافقات» للشاطبي، و«أصول السرخسي» و«كشف الأسرار» عند الحنفية.

٢ كيف يُقرأ الكتاب المطول

المطول يُقرأ بعد أن يُعرف مفتاحه. فأول ما يُقرأ منه مقدمته، ففيها منهج المؤلف وترتيبه واصطلاحه. ثم يُعرف اصطلاحه في حكاية الخلاف والترجيح: «الأصح» و«الصحيح» و«المختار» و«قيل» عند ابن السبكي مثلا، ولكل منها رتبة. ثم يُقرأ الشرح مع المتن، والحاشية عند الإشكال لا في كل سطر. وينفع أن يكتب الطالب لكل مسألة بطاقة على قالب هذا الكتاب: السؤال، والأقوال، وسبب الخلاف، والثمرة، وموضعها على خط الاستنباط. ويقرأ المسألة الواحدة في كتابين من مذهبين، كالمنار وجمع الجوامع، فيرى الفرق في الترتيب والاصطلاح والحجة.

٢ كيف تُبنى الملكة

الملكة الأصولية قدرة راسخة على بناء الحكم من دليله ونقد بنائه. وتُبنى بثلاثة تمرينات تتكرر:

  1. التخريج: يأخذ الطالب مسألة من «بداية المجتهد» أو من كتب الخلاف، فيحلها على قالب تخريج الفروع على الأصول، ثم يقارن حله بما في كتب التخريج. ثم يتدرج إلى تخريج نازلة لا نص فيها على أصول مذهبه.
  2. المناظرة: يتدرب على الإيراد والجواب في مسألة مختلف فيها مع زميل، بآداب البحث: تحرير محل النزاع، ومطالبة الخصم بالدليل، والمنع والنقض والمعارضة، مع التزام أصول المذهب الذي يتكلم بلسانه. وهذا هو التكوين بالجدل الذي يدعو إليه الشيخ السريري، وهو أداة «اختبار الحجة بالاعتراض» في هذا الكتاب.
  3. قراءة الفتوى قراءة ناقدة: يأخذ فتوى منشورة أو قرار مجمع، ويسأل عنها أسئلة المحطات: ما الحكم المطلوب؟ ما الدليل وما درجة ثبوته؟ كيف دل؟ هل فُحص المعارض؟ هل في الجواب قياس أو مصلحة، وما مسلكها؟ هل نُظر في المآل؟ هل حُقق المناط في الواقعة نفسها أم في صورة أخرى؟ ومن قائلها وما أهليته؟ ثم يحدد المحطة التي يقوى فيها الجواب والمحطة التي يضعف فيها.

وقد جمع القرآن هذه الغاية في قوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، فالاستنباط علم له أهله، وطريقه طويل، وأوله ما في هذا الكتاب.

صلة الفصل بغيره

هذا الفصل يمد خط الاستنباط إلى آخره: تحقيق المناط وأنواعه من القياس، والعرف والمصلحة وسد الذرائع من الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف، والمقاصد والمآلات من مقاصد الشريعة، والاجتهاد الجماعي من الاجتهاد، والمعتمد في المذاهب وآداب الفتوى من التقليد والفتوى والمذهب. والنقود الورقية امتداد لمسألة علة الربا في تخريج الفروع على الأصول. والدرس التداولي يعود إلى مبادئ لغوية وطرق الدلالة بين المنهجين. والإجماع وحده في الإجماع. وخطة الدراسة في ملحق خطة الدراسة.

خلاصة الفصل

  1. تحقيق المناط إثبات الوصف المعلوم في الواقعة المعينة، وهو الاجتهاد الذي لا ينقطع عند الشاطبي، ويُقبل عند الجميع.
  2. «فقه الواقع» و«فقه النوازل» أسماء حديثة لتحقيق المناط الخاص مع معرفة العرف وأحوال المكلفين.
  3. تغير الفتوى يقع في المبني على العرف والمصلحة المتغيرة، أي في المحل، والحكم الثابت بالقطعي لا يتغير.
  4. التنزيل الرباعي: الحكم الكلي، ومحله، وتنزيله على المعين، ومآله، والمآل يعمل في المساحة التي يتركها النص.
  5. الموازنات والأولويات والمآلات أدوات تنزيل لها أصول عند العز بن عبد السلام والشاطبي.
  6. الاجتهاد الجماعي تشاور أهل النظر مع أهل الاختصاص، وقرار المجمع اجتهاد جماعي لا إجماع.
  7. قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي في النقود الورقية تنزيل لحكم النقدين على محل جديد بتوسيع معنى الثمنية.
  8. خلاف قرار المجلس الأوروبي في شراء المسكن ومنتقديه وقع في المحطتين السادسة والسابعة.
  9. الدرس التداولي يكشف أن مباحث الألفاظ نظرية في الفهم، والمقارنة بالتداولية الحديثة تعليمية لها حدود.
  10. الدراسات الغربية تعين على الترتيب والمقارنة، ونسبها تُراجع على كتب المذاهب.
  11. مشاريع التجديد تُوزن بحفظها مصطلح العلم وضوابطه، والتجديد عند السريري رد القوة إلى العلم بتكوين الملكة بالنظر والجدل.
  12. النماذج اللغوية تخطئ في النسبة والتعليل والإحالة، والتحقق بالمصدر المعين والكتاب المعتمد واجب على من يستعملها.
  13. الملكة تُبنى بالتخريج والمناظرة وقراءة الفتوى قراءة ناقدة على محطات الخط.

تمارين

  1. ميّز في الأمثلة الآتية بين تحقيق المناط وتخريجه: (أ) النظر في أن هذا الشراب المعين مسكر؛ (ب) استنباط أن علة تحريم الخمر الإسكار؛ (ج) النظر في أن هذا الشاهد عدل.
  2. ما وجه قول الشاطبي إن الاجتهاد في تحقيق المناط لا ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف؟
  3. طبّق التنزيل الرباعي على مسألة: إخراج زكاة الفطر نقودا في بلد تكثر فيه حاجة الفقراء إلى النقد.
  4. لماذا لم يكن قرار المجمع في النقود الورقية مبنيا على علة الحنفية في ربا النقدين؟
  5. «قرار المجمع إجماع يحرم خلافه». ناقش العبارة.
  6. في قرار المجلس الأوروبي في شراء المسكن: حدد المحطة التي اتفق فيها الفريقان، والمحطة التي اختلفا فيها.
  7. اذكر ما يعين عليه كتاب Zysow، والحد الذي يُراعى عند الاستفادة منه.
  8. ما الفرق بين تصور الترابي للتجديد وتصور السريري؟
  9. سألت نموذجا لغويا عن علة الربا عند المالكية فأجاب: «الطعم». كيف تتحقق من الجواب، وما سبب الخطأ المحتمل؟

أجوبة التمارين

  1. (أ) تحقيق مناط؛ (ب) تخريج مناط؛ (ج) تحقيق مناط، وهو مثال الشاطبي نفسه.
  2. لأن الأحكام الكلية لا تنزل على المكلفين إلا بتعيين محالها، والوقائع لا تتناهى، فلو انقطع هذا الاجتهاد لتعطل التكليف.
  3. (١) الحكم الكلي: وجوب زكاة الفطر بالنص، والمنصوص إخراج صاع من طعام؛ (٢) المحل: إغناء الفقير يوم العيد؛ (٣) التنزيل: النظر في حاجة الفقراء في هذا البلد بعينه؛ (٤) المآل: هل يحقق النقد الإغناء أتم؟ ويبقى أن الجواز مذهب الحنفية، والجمهور على إخراج الطعام، فالتنزيل يعمل داخل المذهب الذي يُفتى به.
  4. لأن علة الحنفية الوزن مع الجنس، والورق النقدي لا يوزن في التعامل، فلا تتحقق فيه علتهم. وعلة الثمنية عند المالكية والشافعية أمكن توسيعها إلى الثمنية المطلقة فتعدت إلى الورق.
  5. العبارة خطأ: الإجماع اتفاق مجتهدي العصر كلهم، والمجمع جماعة منهم وقد يقرر بالأغلبية. فقراره اجتهاد جماعي قوي يعتمده المستفتي، ويجوز للمجتهد مخالفته بدليل.
  6. اتفقا في المحطات الأولى على تحريم الربا وفوائد البنوك، واختلفا في السادسة والسابعة: في الموازنة، وفي تحقيق مناط الحاجة وإنزالها منزلة الضرورة.
  7. يعين على رؤية توزيع كل مذهب للقطع والظن، فيفسر خلافات كثيرة بين الحنفية والجمهور. وحده أنه قراءة تحليلية، فتُراجع نسبه على كتب المذاهب، ولا يُجعل التوزيع وحده سببا لكل خلاف.
  8. الترابي اقترح تغيير أدوات العلم نفسها (القياس الواسع بلا شروط، وإجماع الأمة). والسريري يرى التجديد رد القوة إلى العلم بتكوين الملكة بالنظر والجدل، والواقع عنده يغير الفتوى لا الأصول.
  9. يُطلب المصدر المعين ويُراجع في كتب المالكية المعتمدة، فيظهر أن علة ربا الفضل في الطعام عندهم الاقتيات والادخار، وأن مجرد الطعم عندهم علة ربا النَّساء، وهو عند الشافعية علة الفضل والنساء معا. وسبب الخطأ الخلط بين نوعي الربا، وبين قول المذهبين لكثرة ورود قول الشافعية في الكتب المقارنة.

الملاحق

قراءة المتون

١ موضع الملحق وطريقته

المتن التراثي مكتوب لطالب يقرؤه على شيخ: عبارته مضغوطة، وضمائره بعيدة المرجع، وأقواله محكية بصيغ اصطلح عليها المصنفون. ومن لم يتدرب على هذه العبارة بقي محتاجا إلى الشرح في كل سطر. وهذا الملحق تدريب على هذه الصنعة في سبعة عشر مقتطفا قصيرا: خمسة من الورقات للجويني، وأربعة من أصول الشاشي، وأربعة من مراقي السعود، وثلاثة من جمع الجوامع، وواحد من المستصفى. ولكل مقتطف كتلة فيها النص وحله، ثم تدريبات متدرجة، والأجوبة في آخر الملحق. والمقتطفات مرتبة على المتون، وكل منها موصول بفصله من التفصيل، فيصلح أن يُقرأ مع الفصل أو بعد إتمام الكتاب في الأسبوع الحادي عشر من خطة الدراسة خطة الدراسة ومشروع التخرج.

وأما المتن الحنفي فقد طُلب «المنار» للنسفي أولا، فلم توجد له نسخة رقمية مضبوطة يُطمأن إلى حروفها: النسخة النصية المتاحة منه منقولة بلا همزات، ومختصرة في مواضع بنقط الحذف.18 فاختير «أصول الشاشي»، وهو المتن الحنفي الأول في سلم الطلب، ونصه في المكتبة الشاملة مضبوط بالشكل في أكثره. ونص جمع الجوامع مأخوذ من قطع المتن التي يصدّرها أبو زرعة العراقي بحرف «ص» في «الغيث الهامع». وأبيات مراقي السعود مأخوذة من «نشر البنود» للناظم نفسه، وصورة البيت في أوله مطابقة لما في «الأصل الجامع».

وطريقة النقل واحدة في الملحق كله: النص منقول بحروفه من الطبعة المذكورة في الحاشية، بشكلها الجزئي ورسمها كما هو، فإذا كان في الطبعة رسم غير المعتاد (كـ«اذا» بلا همزة، و«تقتضى» بالألف المقصورة) تُرك على حاله. وما خالف فيه لفظ الطبعة المعروف من العبارة نُبه عليه في الحاشية، ولم يُصحح في النص. والعلامة [...] موضع حذف. والأقواس ﴿ ﴾ وأرقام الآيات زيادة للتوثيق. ويُذكر رابط الصفحة في حاشية كل مقتطف.

٢ مستويات التدريب

  1. المستوى الأول: التركيب: تعيين المبتدأ والخبر والفاعل والمعطوف، ومرجع كل ضمير، ومتعلق الجار.
  2. المستوى الثاني: فك الاختصار: تقدير المحذوف، ومعرفة القائل في «وقيل» و«قالوا»، وإعادة الجملة تامة.
  3. المستوى الثالث: صيغ الخلاف: صيغ الترجيح والتمريض، ومراتب الأقوال في العبارة، وما تدل عليه عن حال المسألة.
  4. المستوى الرابع: المقابلة: متنان في مسألة واحدة، وبيان ما يتفقان فيه وما يفترقان، وسبب الفرق.

٢ مفاتيح العبارة

هذه صيغ تتكرر في المقتطفات، ويُرجع إليها عند حل التدريبات:

الصيغة دلالتها
«وقيل» حكاية قول غير مختار عند المصنف، والمختار ما قدّمه قبلها
«على الصحيح»، «والصحيح» ترجيح المصنف، ومقابله قول ضعيف عنده
«ثالثها»، «رابعها» في المسألة أقوال، والمذكور ثالثها أو رابعها. والأول والثاني في عرف المختصرات هما الطرفان المطلقان: الإثبات مطلقا والنفي مطلقا، والثالث تفصيل بينهما
«عكسه» القول المقابل في صورته: يثبت ما نفاه الأول وينفي ما أثبته
«خلافا لفلان»، «وفاقا لفلان» ذكر المخالف أو الموافق للقول المختار
«عندنا»، «أصحابنا» مذهب المصنف وأهله
«القول الجديد» قول الشافعي بمصر، ويقابله القديم بالعراق
«الصحيح من المذهب» المعتمد في مذهب المصنف، مع وجود قول آخر فيه أو خارجه
«بوفق من خلا»، «وفقا» بالاتفاق

١ أولا: الورقات لإمام الحرمين الجويني (ت ٤٧٨هـ)

متن الشافعية الأول، وهو مدخل الطلب في المذاهب الثلاثة. عبارته سهلة التركيب، والصعوبة فيه أنه يُجمل ما فصّله غيره، فيحتاج القارئ إلى أن يعرف ما سكت عنه.

٢ المقتطف ١: أنواع الحكم

من المتون الورقات للجويني، أنواع الحكم

وَالْأَحْكَام سَبْعَة الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب والمباح والمحظور وَالْمَكْرُوه وَالصَّحِيح وَالْبَاطِل فَالْوَاجِب مَا يُثَاب على فعله ويعاقب على تَركه وَالْمَنْدُوب مَا يُثَاب على فعله وَلَا يُعَاقب على تَركه والمباح مَا لَا يُثَاب على فعله وَلَا يُعَاقب على تَركه والمحظور مَا يُثَاب على تَركه ويعاقب على فعله وَالْمَكْرُوه مَا يُثَاب على تَركه وَلَا يُعَاقب على فعله وَالصَّحِيح مَا يتَعَلَّق بِهِ النّفُوذ ويعتد بِهِ وَالْبَاطِل مَا لَا يتَعَلَّق بِهِ النّفُوذ وَلَا يعْتد بِهِ

الحل: عد الجويني الأحكام سبعة، فجمع الخمسة التكليفية واثنين من خطاب الوضع (الصحيح والباطل) في قائمة واحدة، لأن الورقات للمبتدئ. وعرّف كل حكم بثمرته في الثواب والعقاب، وهذا تعريف بالأثر. ويُفهم العقاب فيه على الاستحقاق، فالله قد يعفو عن التارك. و«المحظور» الحرام. و«النفوذ» ترتب الأثر على العقد، كانتقال الملك في البيع، و«الاعتداد» إجزاء العبادة وسقوط الطلب بها. ويقابل المقتطف في كتابنا الحكم التكليفي في الخمسة، والحكم الوضعي في الصحيح والباطل.1

التدريبات

  1. (المستوى الأول) في قوله «فالواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه»: ما «ما»؟ وعلام يعود الضمير في «فعله» و«تركه»؟ وما نائب الفاعل في «يثاب»؟
  2. (المستوى الثاني) طبّق تعريف المباح كما كتبه الجويني على المكروه: هل يصدق عليه؟ وما القيد الذي يجعل التعريف مانعا؟
  3. (المستوى الثاني) أي الأحكام السبعة من خطاب الوضع؟ وبأي كلمة في تعريفهما يظهر أنهما ليسا من التكليف؟
  4. (المستوى الرابع) ضع قسمة الجويني إلى جانب قسمة الحنفية في الحكم التكليفي والحكم الوضعي: أين يقع عندهم الفرض والواجب، والمكروه تحريما، والفاسد؟

٢ المقتطف ٢: الأمر

من المتون الورقات للجويني، باب الأمر

وَالْأَمر استدعاء الْفِعْل بالْقَوْل مِمَّن هُوَ دونه على سَبِيل الْوُجُوب وصيغته افْعَل وَهِي عِنْد الْإِطْلَاق والتجرد عَن الْقَرِينَة تحمل عَلَيْهِ إِلَّا مَا دلّ الدَّلِيل على أَن المُرَاد مِنْهُ النّدب أَو الْإِبَاحَة وَلَا تَقْتَضِي التّكْرَار على الصَّحِيح إِلَّا مَا دلّ الدَّلِيل على قصد التّكْرَار وَلَا تقتضى الْفَوْر

الحل: «استدعاء الفعل» طلبه، و«بالقول» يخرج الطلب بالإشارة والفعل، و«ممن هو دونه» شرط العلو، فطلب المساوي التماس وطلب الأدنى سؤال. و«على سبيل الوجوب» قيد في الحد نفسه، فالأمر عند الجويني ما كان طلبا جازما. ثم قرر حكم الصيغة: «افعل» عند التجرد من القرينة تُحمل على الوجوب، ولا تُصرف إلى الندب أو الإباحة إلا بدليل، ولا تقتضي التكرار ولا الفور. ويقابله الأمر والنهي.2

التدريبات

  1. (المستوى الأول) علام يعود الضمير في «صيغته»، و«وهي»، و«عليه»، و«منه»؟
  2. (المستوى الثاني) أعد كتابة «ولا تقتضي التكرار على الصحيح إلا ما دل الدليل على قصد التكرار» تامة، مبينا المستثنى منه.
  3. (المستوى الثالث) قال في التكرار «على الصحيح» وأطلق النفي في الفور. ماذا تفيد «على الصحيح»؟ وهل يدل إطلاق النفي في الفور على أن المسألة لا خلاف فيها؟

٢ المقتطف ٣: العام والخاص

من المتون الورقات للجويني، باب العام والخاص

وَأما الْعَام فَهُوَ مَا عَم شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا من قَوْله عممت زيدا وعمرا بالعطاء وعممت جَمِيع النَّاس بالعطاء [...] والعموم من صِفَات النُّطْق وَلَا يجوز دَعْوَى الْعُمُوم فِي غَيره من الْفِعْل وَمَا يجْرِي مجْرَاه وَالْخَاص يُقَابل الْعَام والتخصيص تَمْيِيز بعض الْجُمْلَة وَهُوَ يَنْقَسِم إِلَى مُتَّصِل ومنفصل فالمتصل الِاسْتِثْنَاء وَالتَّقْيِيد بِالشّرطِ وَالتَّقْيِيد بِالصّفةِ

الحل: العام عند الجويني «ما عم شيئين فصاعدا»، وهو حد واسع يدخل فيه المثنى، ولذلك زاد من بعده قيد الاستغراق وعدم الحصر (المقتطف ١٥). والمثالان من كلام العرب: عطاء شمل اثنين، وعطاء شمل الناس جميعا. وموضع الحذف ألفاظ العموم الأربعة، وقد نُقلت في العام والخاص. وقوله «والعموم من صفات النطق» يجعل العموم وصفا للفظ، فلا يُدّعى في الفعل المحكي ولا في الواقعة المعينة. ثم عرّف التخصيص بأنه «تمييز بعض الجملة»، أي إخراج بعض ما تناوله العام، وقسم المخصص إلى متصل بالكلام ومنفصل عنه، وعد المتصل ثلاثة. ويقابله العام والخاص.3

التدريبات

  1. (المستوى الأول) «من قوله»: علام يعود الضمير؟ وما متعلق الجار؟
  2. (المستوى الثاني) ما الذي حُذف في موضع [...]؟ ارجع إلى كتلة المتن في العام والخاص واذكره.
  3. (المستوى الثاني) هل يدخل في حد الجويني لفظ «الزيدان»؟ ولفظ «عشرة»؟ وما القيد الذي يخرجهما عند غيره؟
  4. (المستوى الثاني) ما المراد بـ«ما يجري مجراه» في قوله «من الفعل وما يجري مجراه»؟

٢ المقتطف ٤: الإجماع

من المتون الورقات للجويني، باب الإجماع

وَإِمَّا الْإِجْمَاع فَهُوَ اتِّفَاق عُلَمَاء الْعَصْر على حكم الْحَادِثَة ونعني بالعلماء الْفُقَهَاء ونعني بالحادثة الْحَادِثَة الشَّرْعِيَّة وَالْإِجْمَاع حجَّة على الْعَصْر الثَّانِي وَفِي أَي عصر كَانَ وَلَا يشْتَرط انْقِرَاض الْعَصْر على الصَّحِيح وَالْإِجْمَاع يَصح بقَوْلهمْ وبفعلهم وَبقول الْبَعْض وبفعل الْبَعْض وانتشار ذَلِك وسكوت البَاقِينَ وَقَول الْوَاحِد من الصَّحَابَة لَيْسَ بِحجَّة على غَيره على القَوْل الْجَدِيد

الحل: الإجماع «اتفاق علماء العصر على حكم الحادثة»، وفسّر العلماء بالفقهاء، أي المجتهدين في الأحكام، فلا عبرة بالعامة ولا بمن ليس من أهل الاجتهاد، وفسّر الحادثة بالشرعية، فلا يدخل الاتفاق على مسألة لغوية أو عقلية. ثم قرر ثلاث مسائل: الإجماع حجة على من بعد أهله في كل عصر، ولا يشترط انقراض عصر المجمعين، ويصح بالقول والفعل وبقول البعض مع انتشاره وسكوت الباقين، وهذا الأخير الإجماع السكوتي، وقد عدّه الجويني هنا إجماعا. ثم انتقل إلى قول الصحابي: ليس حجة على غيره في قول الشافعي الجديد. ويقابله الإجماع، وقول الصحابي في الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة.4

التدريبات

  1. (المستوى الأول) عدّ المعطوفات على «بقولهم» في الجملة الأخيرة، وبيّن أين تنتهي صور الإجماع وأين تبدأ جملة جديدة، وما مبتدؤها وخبرها.
  2. (المستوى الثاني) «ولا يشترط انقراض العصر على الصحيح»: ما القول المقابل؟ وما ثمرة الخلاف كما ذكرها الجويني بعد هذه الجملة؟
  3. (المستوى الثالث) «على القول الجديد»: قول من؟ وما الذي يقابله؟
  4. (المستوى الرابع) قارن ما قاله الجويني في السكوتي بما في المقتطف ١٦ من جمع الجوامع، وبمرتبة السكوتي عند الحنفية.

٢ المقتطف ٥: ترتيب الأدلة

من المتون الورقات للجويني، باب ترتيب الأدلة

وَأما الْأَدِلَّة فَيقدم الْجَلِيّ مِنْهَا على الْخَفي والموجب للْعلم على الْمُوجب للظن والنطق على الْقيَاس وَالْقِيَاس الْجَلِيّ على الْخَفي فَإِن وجد فِي النُّطْق مَا يُفَسر الأَصْل يعْمل بالنطق وَإِلَّا فيستصحب الْحَال

الحل: يقدم الجويني من الأدلة عند التعارض أربعة على مقابلها: الجلي على الخفي، وما يفيد العلم على ما يفيد الظن، و«النطق» وهو نص الكتاب والسنة على القياس، والقياس الجلي على الخفي. ثم ذكر الدليل الذي يُرجع إليه عند فقد ما سبق: إن وُجد في النطق ما يتعلق بالأصل عُمل به، وإلا استُصحب الحال، والأصل هنا براءة الذمة والعدم الأصلي. فالسطر الأول قاعدة في الترجيح التعارض والترجيح، والثاني قاعدة الاستصحاب الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة.5

التدريبات

  1. (المستوى الأول) ما المراد بـ«النطق» هنا؟ وأين فسّره الجويني في الورقات؟
  2. (المستوى الثاني) قدّر المحذوف بعد «وإلا».
  3. (المستوى الرابع) قارن هذا الترتيب بما في المقتطف ٩ من أصول الشاشي: متى ينتقل كل منهما إلى دليل دون الذي تعارض؟

١ ثانيا: أصول الشاشي (الحنفية)

متن مختصر على ترتيب الحنفية: الكتاب ومباحث ألفاظه أولا، ثم السنة، ثم الإجماع، ثم القياس. والمقتطفات الأربعة تقابل أربعة مما سبق في الورقات أو يأتي في جمع الجوامع، لتكون مادة للمقابلة.

٢ المقتطف ٦: الخاص والعام

من المتون أصول الشاشي، فصل في الخاص والعام وبحث العام والخاص

فالخاص لفظ وضع لِمَعْنى مَعْلُوم أَو لمسمى مَعْلُوم على الِانْفِرَاد كَقَوْلِنَا فِي تَخْصِيص الْفَرد زيد وَفِي تَخْصِيص النَّوْع رجل وَفِي تَخْصِيص الْجِنْس إِنْسَان وَالْعَام كل لفظ يَنْتَظِم جمعا من الْأَفْرَاد إِمَّا لفظا كَقَوْلِنَا مُسلمُونَ [...] وَإِمَّا معنى كَقَوْلِنَا من وَمَا وَحكم الْخَاص من الْكتاب وجوب الْعَمَل بِهِ لَا محَالة فَإِن قابله خبر الْوَاحِد أَو الْقيَاس فَإِن أمكن الْجمع بَينهمَا بِدُونِ تَغْيِير فِي حكم الْخَاص يعْمل بهما وَإِلَّا يعْمل بِالْكتاب وَيتْرك مَا يُقَابله

الحل: الخاص لفظ وُضع لمعنى واحد معلوم على الانفراد، سواء كان فردا كزيد، أو نوعا كرجل، أو جنسا كإنسان. وهذا اصطلاح الأصوليين، فالجنس عندهم ما يشمل كثيرين مختلفين في الأغراض، والنوع ما يشمل كثيرين متفقين فيها. والعام «ينتظم جمعا»، أي يشمل جماعة، وهو إما عام بلفظه كصيغ الجمع، وإما عام بمعناه دون صيغته كـ«من» و«ما». ثم قرر حكم الخاص: يجب العمل به «لا محالة»، أي دلالته قطعية، فإن عارضه خبر واحد أو قياس جُمع بينهما إن أمكن الجمع دون تغيير حكم الخاص، وإلا قُدّم الكتاب. ومثاله عند الشاشي بعد هذا الموضع لفظ «ثلاثة» في آية القروء، وهي المسألة السابعة في تخريج الفروع على الأصول. ويقابله العام والخاص.6

التدريبات

  1. (المستوى الأول) علام يعود الضمير في «قابله»، و«بينهما»، و«بهما»؟ وما إعراب «لا محالة»؟
  2. (المستوى الثاني) أعد كتابة «وإلا يعمل بالكتاب ويترك ما يقابله» تامة.
  3. (المستوى الثالث) إلى أي خانة من شبكة الثبوت والدلالة يضع الشاشي الخاص من الكتاب بقوله «لا محالة»؟ ولماذا لا يقوى خبر الواحد على تغييره؟
  4. (المستوى الرابع) قارن قسمة الشاشي للخاص (فرد، نوع، جنس) بالقسمة المنطقية للكليات، وبيّن موضع الاختلاف في الاصطلاح.

٢ المقتطف ٧: الظاهر والنص

من المتون أصول الشاشي، فصل في المتقابلات

فَالظَّاهِر اسْم لكل كَلَام ظهر المُرَاد بِهِ للسامع بِنَفس السماع من غير تَأمل وَالنَّص مَا سيق الْكَلَام لأَجله ومثاله فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأحل الله البيع وَحرم الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فالآية سيقت لبَيَان التَّفْرِقَة بَين البيع والربا ردا لما ادَّعَاهُ الْكفَّار من التَّسْوِيَة بَينهمَا حَيْثُ قَالُوا ﴿إِنَّمَا البيع مثل الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَقد علم حل البيع وَحُرْمَة الرِّبَا بِنَفس السماع فَصَارَ ذَلِك نصا فِي التَّفْرِقَة ظَاهرا فِي حل البيع وَحُرْمَة الرِّبَا

الحل: هذا أول التقسيم الحنفي للفظ باعتبار الظهور. الظاهر ما يفهم السامع مراده بمجرد السماع دون تأمل، والنص ما زاد عليه بأن سيق الكلام لأجله. فالفرق بينهما في السَّوق، أي في قصد المتكلم. ومثاله الآية: سيقت للرد على من سوّى بين البيع والربا، فهي نص في التفرقة بينهما، وظاهر في حل البيع وحرمة الربا، لأنهما فُهما منها بنفس السماع ولم تُسق لأجلهما. وبعد النص في هذا التقسيم المفسر ثم المحكم، ويقابلها الخفي والمشكل والمجمل والمتشابه. ويقابله طرق الدلالة بين المنهجين.7

التدريبات

  1. (المستوى الأول) ما نائب الفاعل في «سيقت»؟ وما مرجع الضمير في «بينهما» الأولى والثانية؟ وما المشار إليه بـ«ذلك» في «فصار ذلك»؟
  2. (المستوى الثاني) قدّر المحذوف في «حيث قالوا»: من القائلون؟
  3. (المستوى الرابع) عرّف الجويني في الورقات النص بأنه «ما لا يحتمل إلا معنى واحدا»، والظاهر بأنه «ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر». هل النص عند الشاشي هو النص عند الجويني؟ وأي مرتبة حنفية أقرب إلى نص الجويني؟

٢ المقتطف ٨: الأمر

من المتون أصول الشاشي، الفصل العاشر في الأمر، وبحث موجب الأمر المطلق

الْأَمر فِي اللُّغَة قَول الْقَائِل لغيره افْعَل وَفِي الشَّرْع تصرف إِلْزَام الْفِعْل على الْغَيْر اخْتلف النَّاس فِي الْأَمر الْمُطلق [...] وَالصَّحِيح من الْمَذْهَب إِن مُوجبه الْوُجُوب إِلَّا إِذا قَامَ الدَّلِيل على خِلَافه لِأَن ترك الْأَمر مَعْصِيّة كَمَا أَن الائتمار طَاعَة

الحل: الأمر لغة قول القائل لغيره «افعل»، وشرعا «تصرف إلزام الفعل على الغير»، فالإلزام داخل في معناه الشرعي. و«الأمر المطلق» عند الشاشي المجرد عن قرينة تدل على اللزوم أو عدمه، وفي موضع الحذف مثالان من القرآن. وحكم المطلق «الوجوب إلا إذا قام الدليل على خلافه»، والعلة أن ترك الأمر معصية كما أن امتثاله طاعة. ثم يبني الشاشي بعد هذا الموضع لزوم الامتثال على ولاية الآمر: يلزم الائتمار بقدر ولاية الآمر على المخاطب، ولله الملك الكامل. ويقابله الأمر والنهي.8

التدريبات

  1. (المستوى الأول) ما معنى «تصرف» في التعريف الشرعي؟ وما متعلق «على الغير»؟
  2. (المستوى الثالث) «والصحيح من المذهب»: ماذا تفيد هذه الصيغة عن الخلاف في موجب الأمر؟
  3. (المستوى الرابع) قارن بالمقتطف ٢ من الورقات: أين وضع الجويني الوجوب، وأين وضعه الشاشي؟ وهل يختلفان في حكم «افعل» المجردة؟ وما الذي يقابل شرط العلو «ممن هو دونه» في كلام الشاشي؟

٢ المقتطف ٩: إذا تعارض الدليلان

من المتون أصول الشاشي، بحث إذا تعارض الدليلان ما يفعل المجتهد

ثمَّ اذا تعَارض الدليلان عِنْد الْمُجْتَهد فان كَانَ التَّعَارُض بَين الْآيَتَيْنِ يمِيل الى السّنة وان كَانَ بَين السنتين يمِيل الى آثَار الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَالْقِيَاس الصَّحِيح ثمَّ اذا تعَارض القياسان عِنْد الْمُجْتَهد يتحَرَّى وَيعْمل بِأَحَدِهِمَا لانه لَيْسَ دون الْقيَاس دَلِيل شَرْعِي يُصَار إِلَيْهِ وعَلى هَذَا قُلْنَا اذا كَانَ مَعَ الْمُسَافِر إناءان طَاهِر ونجس لَا يتحَرَّى بَينهمَا بل يتَيَمَّم وَلَو كَانَ مَعَه ثَوْبَان طَاهِر ونجس يتحَرَّى بَينهمَا لَان للْمَاء بَدَلا وَهُوَ التُّرَاب وَلَيْسَ للثوب بدل يُصَار إِلَيْهِ

الحل: هذا حكم المجتهد بعد أن يعجز عن دفع التعارض بما يُدفع به، كما رُتب في التعارض والترجيح: إذا تعارضت آيتان ترك العمل بهما وانتقل إلى السنة في المسألة، وإذا تعارضت سنتان انتقل إلى آثار الصحابة والقياس الصحيح، وإذا تعارض قياسان تحرى المجتهد وعمل بأحدهما، لأنه لا دليل شرعيا دون القياس يُنتقل إليه. وفرّع عليه: الإناءان أحدهما نجس لا يُتحرى بينهما بل يُتيمم، لأن للماء بدلا هو التراب، والثوبان يُتحرى بينهما لأن الثوب لا بدل له. ويقابله التعارض والترجيح.9

التدريبات

  1. (المستوى الأول) ما فاعل «يميل»؟ وما الضمير في «لانه»؟
  2. (المستوى الثاني) قدّر المحذوف في «فان كان التعارض بين الآيتين يميل الى السنة».
  3. (المستوى الثاني) لماذا افترق حكم الإناءين عن حكم الثوبين؟ صغ القاعدة التي يدل عليها الفرعان.
  4. (المستوى الرابع) قارن بالمقتطف ٥ من الورقات وبترتيب الجمهور في التعارض والترجيح: ما الذي يفعله كل منهما حين لا يُعرف تاريخ ولا مرجح؟

١ ثالثا: مراقي السعود لسيدي عبد الله العلوي الشنقيطي (المالكية)

نظم في نحو ألف بيت نظم فيه الناظم جمع الجوامع وزاد عليه أقوال المالكية، وشرحه بنفسه في «نشر البنود». والنظم يزيد القراءة صعوبة بالتقديم والتأخير والحذف لإقامة الوزن، فأكثر تدريب هذا القسم في التركيب.

٢ المقتطف ١٠: حد أصول الفقه

من المتون مراقي السعود، المقدمة: أصول الفقه

أصوله دلائل الإجمال ... وطرق الترجيح قيد تال وما للاجتهاد من شرط وضح ... ويطلق الأصل على ما قد رجح

الحل: «أصوله» أي أصول الفقه، وهي «دلائل الإجمال» أي الأدلة الإجمالية، كمطلق الأمر والنهي والإجماع والقياس، دون الأدلة التفصيلية كآية بعينها. و«طرق الترجيح قيد تال»: وجوه الترجيح بين الأدلة عند تعارضها تابعة للأدلة الإجمالية في الدخول في حد الأصول. و«ما للاجتهاد من شرط وضح»: شروط الاجتهاد ظهر دخولها في مسمى الأصول. فالأصول عند الناظم ثلاثة: الأدلة الإجمالية، ووجوه الترجيح، وشروط الاجتهاد. ثم ذكر معنى آخر لكلمة «الأصل» في الاصطلاح: الراجح، كقولهم «الأصل براءة الذمة». ويقابله حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه.10

التدريبات

  1. (المستوى الأول) أعرب «ما» في «وما للاجتهاد من شرط وضح»، وبيّن نوع «من».
  2. (المستوى الثاني) أعد كتابة «أصوله دلائل الإجمال» نثرا تاما.
  3. (المستوى الرابع) قارن البيتين بالمقتطف ١٤ من جمع الجوامع، والمراقي نظم له: ما الذي أدخله الناظم في حد الأصول ووضعه ابن السبكي في حد الأصولي؟ وما الذي زاده الناظم؟

٢ المقتطف ١١: الاستصحاب

من المتون مراقي السعود، كتاب الاستدلال: الاستصحاب

ورجحن كون الاستصحاب ... للعدم الأصلي من ذا الباب بعد قصارى البحث عن نص فلم ... يلف وهذا البحث وفقًا منحتم

الحل: «رجّحن» أمر مؤكد بالنون الخفيفة، أي رجّح أن استصحاب العدم الأصلي، وهو البراءة الأصلية، من هذا الباب، أي من أبواب الاستدلال المعتبرة. وشرطه أن يكون بعد غاية البحث عن نص ينقل عن الأصل فلا يوجد. و«هذا البحث وفقا منحتم»: البحث عن الناقل واجب بالاتفاق قبل الحكم بالاستصحاب. ويقابله الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة.11

التدريبات

  1. (المستوى الأول) ما «ذا الباب»؟ وما إعراب «منحتم» و«وفقا»؟
  2. (المستوى الثاني) «فلم يلف»: ما الفعل وما نائب فاعله؟ وأعد الشطر نثرا.
  3. (المستوى الثالث) ماذا تدل عليه صيغة «رجّحن» عن حال المسألة؟
  4. (المستوى الرابع) قارن بالسطر الثاني من المقتطف ٥ (الورقات)، وبقاعدة الحنفية في الاستصحاب في الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة.

٢ المقتطف ١٢: الاستحسان

من المتون مراقي السعود، كتاب الاستدلال: الاستحسان

والأخذ بالذي له رجحان ... من الأدلة هو الاستحسان أو هو تخصيص بعرف ما يعم ... ورعي الاستصلاح بعضهم يؤم ورد كونه دليلًا ينقدح ... ويقصر التعبير عنه متضح

الحل: حكى الناظم في الاستحسان أربعة أقوال. الأول: الأخذ بأرجح الدليلين، وقد نقله الباجي عن ابن خويز منداد من المالكية كما في الشرح، وهذا لا خلاف فيه. والثاني: تخصيص العام بالعرف، وهو تفسير أشهب عند الشارح. والثالث: «رعي الاستصلاح»، أي العمل بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي، ونسبه الشارح إلى الأبياري فيما فهمه من مذهب مالك. والرابع: «دليل ينقدح في نفس المجتهد تقصر عنه عبارته»، وهو مردود، وقد رده ابن الحاجب بأن الدليل إن تحقق عند المجتهد فمعتبر، وإلا فمردود اتفاقا. ويقابله الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف.12

التدريبات

  1. (المستوى الأول) في «ورعي الاستصلاح بعضهم يؤم»: ما المبتدأ وما الخبر؟ وما موقع «رعي»؟
  2. (المستوى الأول) في البيت الثالث: ما المبتدأ وما الخبر؟ وما موقع جملتي «ينقدح» و«يقصر التعبير عنه»؟
  3. (المستوى الثاني) في «أو هو تخصيص بعرف ما يعم»: ما المخصَّص، وما المخصِّص؟
  4. (المستوى الرابع) قابل هذه التعريفات بقول الحنفية «الاستحسان أحد القياسين» وبإنكار الشافعي في الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف: أي تعريف من تعريفات الناظم لا يقع فيه خلاف حقيقي؟

٢ المقتطف ١٣: قول الصحابي

من المتون مراقي السعود، كتاب الاستدلال: قول الصحابي

ورأي الصحابي على الأصحاب لا ... يكون حجة بوفق من خلا في غيره ثالثها أن انتشر ... وما مخالف له قط ظهر ويقتدي من عم بالمجتهد ... منهم لدى تحقق المعتمد

الحل: قول الصحابي المجتهد ليس حجة على صحابي مجتهد آخر باتفاق من مضى. وفي حجيته على غير الصحابة أقوال، ذكر الناظم ثالثها: يكون حجة إن انتشر ولم يظهر له مخالف. والقولان المطويان هما الحجية مطلقا، وذكر الشارح أنه المشهور عن مالك وقول الشافعي القديم، والمنع مطلقا. ثم قرر أن العامي يقلد المجتهد من الصحابة إذا تحقق مذهبه في المسألة، لأن مذاهب الصحابة لم تُدوّن كما دُونت مذاهب الأئمة. ويقابله الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة.13

التدريبات

  1. (المستوى الأول) «بوفق من خلا»: ما «من»؟ وما معنى «خلا» هنا؟ و«من عمّ»: من هو؟
  2. (المستوى الثاني) علام يعود الضمير في «في غيره» و«له»؟
  3. (المستوى الثالث) «ثالثها»: ما القولان الأول والثاني؟ وما الكلمة التي ينبغي أن تُقرأ بها «أن» في الشطر؟
  4. (المستوى الرابع) قارن بآخر المقتطف ٤ من الورقات: أي الأقوال الثلاثة يوافق الجديد من قولي الشافعي؟

١ رابعا: جمع الجوامع لتاج الدين ابن السبكي (ت ٧٧١هـ)

أكثف المتون الشافعية، جمع فيه المصنف خلاصة نحو مئة كتاب. العبارة فيه قصيرة والأقوال كثيرة، فيُحكى في سطر واحد أحيانا ستة أقوال بأسماء أصحابها، ولذلك كانت صيغ الخلاف فيه أهم ما يتدرب عليه القارئ.

٢ المقتطف ١٤: أصول الفقه والأصولي والفقه

من المتون جمع الجوامع، المقدمات

أصول الفقه: دلائل الفقه الإجمالية، وقيل: معرفتها. والأصولي: العارف بها، وبطرق استفادتها ومستفيدها. والفقه: العلم بالأحكام الشرعية العملية، المكتسب من أدلتها التفصيلية.

الحل: أصول الفقه عند ابن السبكي «دلائل الفقه الإجمالية»، أي الأدلة نفسها، وحكى قولا آخر أنها معرفة هذه الدلائل. وجعل معرفة «طرق استفادتها» (وجوه الترجيح) و«مستفيدها» (المجتهد) في حد الأصولي، فالأصولي يعرف الأدلة وطرق الترجيح بينها وشروط من يستفيد منها. ونبه الشارح أبو زرعة على أن المصنف انفرد بإخراج هذين من حد الأصول إلى حد الأصولي. ثم عرّف الفقه بالعلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية. ويقابله حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه.14

التدريبات

  1. (المستوى الأول) علام يعود الضمير في «معرفتها»، و«بها»، و«استفادتها»، و«مستفيدها»، و«أدلتها»؟
  2. (المستوى الثاني) أعد «وقيل: معرفتها» جملة تامة.
  3. (المستوى الثالث) ما القول المختار عند المصنف في حد الأصول؟ وبم عرفت ذلك؟
  4. (المستوى الرابع) عرّف الجويني علم الأصول بقوله: «وعلم أصول الفقه طرقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها». قارنه بحد ابن السبكي.

٢ المقتطف ١٥: العام ودلالته

من المتون جمع الجوامع، الكتاب الأول، العام

العام لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر. ودلالته على أصل المعنى قطعية، وهو عن الشافعي – رحمه الله – وعلى كل فرد بخصوصه ظنية وهو عن الشافعية، وعن الحنفية قطعية.

الحل: العام «لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر»: فكونه «لفظا» يجعله من عوارض الألفاظ، و«يستغرق» يخرج المطلق الذي يدل على فرد شائع، و«الصالح له» يقصر الاستغراق على ما يصلح اللفظ له، و«من غير حصر» يخرج أسماء الأعداد. ثم فرّق في دلالته بين أمرين: دلالته على «أصل المعنى»، أي على أقل ما يصدق عليه، وهي قطعية، ودلالته على كل فرد بخصوصه، وهي ظنية عند الشافعية قطعية عند الحنفية. ونبه الشارح على أن الأولى لا خلاف فيها، فلا وجه لنسبتها إلى الشافعي وحده. ويقابله العام والخاص.15

التدريبات

  1. (المستوى الأول) علام يعود الضمير في «له» و«ودلالته»؟
  2. (المستوى الثاني) قدّر المحذوف في «وعن الحنفية قطعية».
  3. (المستوى الثالث) قال المصنف «وهو عن الشافعي» ثم «وهو عن الشافعية». ما الفرق بين العبارتين؟ ولماذا يُعد هذا الفرق من دقة النسبة؟
  4. (المستوى الرابع) ضع حدود العام الثلاثة متجاورة: الجويني (المقتطف ٣)، والشاشي (المقتطف ٦)، وابن السبكي. ما الذي يدخل في كل حد ويخرج من غيره؟ وأي ثمرة لقطعية العام عند الحنفية في تخصيصه بخبر الواحد؟

٢ المقتطف ١٦: الإجماع السكوتي

من المتون جمع الجوامع، الكتاب الثالث في الإجماع

أما السكوتي فثالثهما حجة لا إجماع ورابعها: بشرط الانقراض وقال ابن أبي هريرة: إن كان فتيا، وأبو إسحاق المروزي عكسه، وقوم: إن وقع فيما يفوت استدراكه، وقوم: في عصر الصحابة، وقوم: إن كان الساكتون أقل، والصحيح: حجة، وفي تسميته إجماعا خلاف لفظي، وفي كونه إجماعا تردد، مثاره أن السكوت المجرد عن أمارة رضا وسخط مع بلوغ الكل ومضي مهلة النظر عادة عن مسألة اجتهادية تكليفية هل يغلب ظن الموافقة؟

الحل: السكوتي أن يقول بعض المجتهدين قولا وينتشر ويسكت الباقون. وفيه عند المصنف أقوال: الأول والثاني مطويان على عرف «ثالثها»: ليس حجة ولا إجماعا، وهو حجة وإجماع. والثالث: حجة وليس إجماعا. والرابع: حجة بشرط انقراض العصر. ثم أقوال مفصلة بأسماء أصحابها: ابن أبي هريرة يجعله حجة إن كان فتيا لا حكما، وأبو إسحاق المروزي عكسه، وقوم يشترطون أن يكون فيما يفوت استدراكه، وقوم يخصونه بعصر الصحابة، وقوم يشترطون أن يكون الساكتون أقل. ثم اختار المصنف أنه حجة، وجعل الخلاف في تسميته إجماعا لفظيا، وذكر أن التردد في كونه إجماعا راجع إلى سؤال واحد: هل يغلب على الظن أن الساكت موافق، إذا كان السكوت خاليا من أمارة رضا أو سخط، وبلغ القولُ الجميع، ومضت مدة النظر عادة، وكانت المسألة اجتهادية تكليفية؟ ويقابله الإجماع.16

التدريبات

  1. (المستوى الأول) في «مثاره أن السكوت المجرد...»: ما المبتدأ وما الخبر؟ وما متعلق «عن مسألة اجتهادية»؟
  2. (المستوى الثاني) قدّر المحذوف في «وأبو إسحاق المروزي عكسه».
  3. (المستوى الثالث) ما القولان الأول والثاني الذي يدل عليهما «ثالثها»؟ وما القول المختار؟ وما معنى «خلاف لفظي»، وأي أداة من أدوات الكتاب تختبره؟
  4. (المستوى الرابع) قارن بالمقتطف ٤ من الورقات، وبعدّ الشاشي في أقسام الإجماع: «ثم إجماعهم بنص البعض وسكوت الباقين عن الرد».

١ خامسا: المستصفى للغزالي (ت ٥٠٥هـ)

نثر مرسل طويل الجمل، يختلف عن المتون المختصرة بأنه يبسط العلة. والتدريب فيه على تتبع الجملة الطويلة إلى ركنيها.

٢ المقتطف ١٧: منزلة علم الأصول بين العقل والسمع

من المتون المستصفى للغزالي، خطبة الكتاب

وَأَشْرَفُ الْعُلُومِ مَا ازْدَوَجَ فِيهِ الْعَقْلُ وَالسَّمْعُ وَاصْطَحَبَ فِيهِ الرَّأْيُ وَالشَّرْعُ، وَعِلْمُ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ صَفْوِ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ سَوَاءَ السَّبِيلِ، فَلَا هُوَ تَصَرُّفٌ بِمَحْضِ الْعُقُولِ بِحَيْثُ لَا يَتَلَقَّاهُ الشَّرْعُ بِالْقَبُولِ وَلَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَحْضِ التَّقْلِيدِ الَّذِي لَا يَشْهَدُ لَهُ الْعَقْلُ بِالتَّأْيِيدِ وَالتَّسْدِيدِ.

الحل: يقسم الغزالي قبل هذا الموضع العلوم إلى عقلي محض، ونقلي محض يكفي فيه الحفظ. ثم يجعل أشرفها ما اجتمع فيه العقل والسمع، والرأي والشرع، والفقه وأصوله من هذا القسم: يأخذ من الشرع والعقل على وسط الطريق، فلا هو نظر عقلي مجرد لا يقبله الشرع، ولا تقليد مجرد لا يؤيده العقل. وهذا أصل ما في حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه من استمداد الأصول من الكلام والعربية وتصور الأحكام، ومن جمع العلم بين النقل والنظر.17

التدريبات

  1. (المستوى الأول) ما المبتدأ وما الخبر في الجملة الأولى؟ وما الفاعل في «ازدوج» و«اصطحب»؟
  2. (المستوى الأول) علام يعود الضمير في «فإنه» و«يتلقاه» و«له»؟
  3. (المستوى الثاني) ما «هذا القبيل»؟ وما القسمان الآخران من العلوم اللذان يُفهمان من السياق؟
  4. (المستوى الرابع) أين يظهر هذا الوصف في قسمة الغزالي العلمَ إلى أقطابه الأربعة التي بُني عليها كتابنا في حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه؟

١ أجوبة التدريبات

٢ المقتطف ١: أنواع الحكم

  1. «ما» موصولة بمعنى «الذي»، أو نكرة موصوفة بمعنى «فعل»، والجملة بعدها صلتها أو صفتها. والضميران يعودان على «ما»، أي فعل الواجب وتركه. ونائب الفاعل في «يثاب» الجار والمجرور «على فعله»، أو ضمير مستتر يعود على المكلف المفهوم من السياق.
  2. يصدق عليه، لأن فاعل المكروه لا يثاب على فعله، وتاركه لا يعاقب على تركه، فالتعريف غير مانع. والقيد الذي يمنعه: أن يقال «ما لا يتعلق بفعله ولا بتركه ثواب ولا عقاب»، فيخرج المكروه لأن في تركه ثوابا.
  3. الصحيح والباطل. وظهر ذلك بلفظ «النفوذ» و«الاعتداد»، فهما وصف للفعل بأنه معتبر شرعا أو غير معتبر، لا طلب فعل أو ترك. انظر الحكم الوضعي.
  4. الحنفية يقسمون المطلوب فعله على شبكة الثبوت والدلالة: الفرض ما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بظني، وكذلك الحرام والمكروه تحريما في جانب الترك. وفي خطاب الوضع يفرقون بين الباطل (ما لم يُشرع بأصله ولا وصفه) والفاسد (ما شُرع بأصله دون وصفه)، والجويني جعلهما شيئا واحدا تحت «الباطل».

٢ المقتطف ٢: الأمر

  1. «صيغته» على الأمر، و«وهي» على الصيغة، و«عليه» على الوجوب، و«منه» على الأمر الذي دل الدليل على صرفه.
  2. والصيغة لا تقتضي التكرار في القول الصحيح، فيكفي فيها الفعل مرة، إلا الأمر الذي دل الدليل على أن المقصود منه التكرار، فيُكرر.
  3. «على الصحيح» تدل على أن في التكرار خلافا وأن الجويني رجح أحد القولين. وإطلاق النفي في الفور لا يدل على نفي الخلاف، فالخلاف فيه معروف وقد عُرض في الأمر والنهي. والمتن المختصر يسكت عن الخلاف كثيرا، فلا يُستدل بسكوته على الإجماع.

٢ المقتطف ٣: العام والخاص

  1. الضمير للقائل من العرب، يُفهم من السياق ولم يُذكر. والجار متعلق بمحذوف تقديره: وهو مأخوذ من قوله.
  2. ألفاظ العموم الأربعة: الاسم الواحد المعرف بالألف واللام، واسم الجمع المعرف باللام، والأسماء المبهمة (من وما وأي وأين ومتى)، و«لا» في النكرات.
  3. يدخل المثنى لأنه عم شيئين، ويدخل اسم العدد لأنه عم أكثر من شيئين. ويخرجهما عند غيره قيدا «الاستغراق» و«عدم الحصر» (المقتطف ١٥): فالمثنى والعشرة يشملان آحادهما لكنهما محصوران.
  4. ما ليس لفظا يُحكى به حكم عام، كالواقعة المعينة التي يحكيها الراوي، وقضايا الأعيان، فهي في حكم الفعل لا عموم لها.

٢ المقتطف ٤: الإجماع

  1. المعطوفات: «وبفعلهم»، «وبقول البعض»، «وبفعل البعض»، ثم «وانتشار ذلك وسكوت الباقين» قيدان لصورة البعض. وتنتهي صور الإجماع عند «سكوت الباقين». ثم تبدأ جملة جديدة: «وقول الواحد من الصحابة» مبتدأ، و«ليس بحجة» خبره.
  2. القول المقابل: أن انقراض العصر شرط. وثمرته عند الجويني في الجملة التالية في الورقات: من وُلد في حياة المجمعين وتفقه وصار من أهل الاجتهاد اعتُبر قوله، وللمجمعين أن يرجعوا عن حكمهم ما داموا أحياء.
  3. قول الشافعي الجديد الذي قاله بمصر. ويقابله القديم بالعراق، وفيه أن قول الصحابي حجة. وتفصيل ذلك في الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة.
  4. الجويني في الورقات يعد السكوتي إجماعا بلا تفصيل. وابن السبكي حكى فيه أقوالا واختار أنه حجة، وجعل تسميته إجماعا خلافا لفظيا. والشاشي من الحنفية عده قسما من أقسام الإجماع بعد الإجماع القولي الصريح، فهو إجماع عندهم في مرتبة دونه.

٢ المقتطف ٥: ترتيب الأدلة

  1. النطق نص الكتاب والسنة. وفسّره الجويني في باب التخصيص من الورقات بقوله: «ونعني بالنطق قول الله سبحانه وتعالى وقول الرسول صلى الله عليه وسلم».
  2. وإن لم يوجد في النطق ما يتعلق بالأصل ويخرج عنه، فيستصحب الحال.
  3. الجويني يرتب الأدلة ويقدم الأقوى، فإن لم يوجد نص رجع إلى الاستصحاب. والشاشي يجعل المتعارضين كالمعدومين ويرجع إلى ما دونهما: من الآيتين إلى السنة، ومن السنتين إلى الآثار والقياس، ومن القياسين إلى التحري. فالانتقال عند الجويني عند فقد النص، وعند الشاشي عند تعارض النصين دون مخرج.

٢ المقتطف ٦: الخاص والعام

  1. «قابله» على الخاص، و«بينهما» و«بهما» على الخاص وما قابله من خبر الواحد أو القياس. و«لا» نافية للجنس، و«محالة» اسمها مبني على الفتح، وخبرها محذوف تقديره «في ذلك»، والمعنى: لا بد.
  2. وإن لم يمكن الجمع بين الخاص وما قابله إلا بتغيير حكم الخاص، يُعمل بالكتاب ويُترك ما يقابله من خبر الواحد أو القياس.
  3. قطعي الدلالة. فالخاص من الكتاب قطعي الثبوت والدلالة، وخبر الواحد ظني الثبوت، فلا يرفع الظني القطعي، وإنما يُجمع بينهما إن أمكن دون تغيير. انظر العام والخاص.
  4. المناطقة يجعلون «الإنسان» نوعا و«الحيوان» جنسا. والأصوليون يجعلون الجنس ما يشمل كثيرين مختلفين في الأغراض، فالإنسان جنس لأن تحته الرجل والمرأة وأغراضهما في الشرع مختلفة، والرجل نوع لأن أفراده متفقون فيها.

٢ المقتطف ٧: الظاهر والنص

  1. نائب الفاعل ضمير الآية. و«بينهما» الأولى تعود على البيع والربا، والثانية كذلك. والمشار إليه بـ«ذلك» الكلام أو الآية في دلالتها على التفرقة.
  2. القائلون الكفار المذكورون قبلها، وقولهم ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
  3. ليس هو. النص عند الجويني ما لا يحتمل غير معنى واحد، والنص عند الشاشي يحتمل التأويل والتخصيص، وإنما زاد على الظاهر بالسَّوق. وأقرب المراتب الحنفية إلى نص الجويني المفسر والمحكم، وهما ما لا يحتمل التأويل. انظر جدول المقابلة في طرق الدلالة بين المنهجين.

٢ المقتطف ٨: الأمر

  1. «تصرف» فعل شرعي يترتب عليه حكم، أي إنشاء إلزام. و«على الغير» متعلق بـ«إلزام».
  2. تدل على أن في المسألة قولا آخر، وأن الوجوب هو المعتمد في مذهب الحنفية. فالصيغة تعلن المعتمد ولا تنفي وجود المخالف.
  3. الجويني وضع الوجوب في حد الأمر («على سبيل الوجوب»)، والشاشي وضعه في حكم الأمر المطلق («موجبه الوجوب»). ولا يختلفان في أن «افعل» المجردة عن القرينة للوجوب، وأنها تُصرف عنه بدليل. ويقابل شرط العلو في كلام الشاشي قوله بعد هذا الموضع إن لزوم الائتمار بقدر ولاية الآمر على المخاطب.

٢ المقتطف ٩: إذا تعارض الدليلان

  1. فاعل «يميل» ضمير المجتهد. والضمير في «لانه» ضمير الشأن.
  2. فإن كان التعارض بين الآيتين ترك المجتهد العمل بهما ومال إلى السنة الواردة في المسألة فعمل بها.
  3. لأن للماء بدلا شرعيا هو التراب، فلا يُلجأ إلى الرأي مع وجوده، والثوب لا بدل له. والقاعدة كما قالها الشاشي بعد الفرعين: «العمل بالرأي إنما يكون عند انعدام دليل سواه شرعا».
  4. الجمهور يقدمون الجمع بين الدليلين ما أمكن، ثم النسخ إن عُرف التاريخ، ثم الترجيح، ثم التوقف أو التخيير. والحنفية يقدمون النسخ عند معرفة التاريخ، ثم الترجيح، ثم الجمع، ثم يتساقط الدليلان ويُنتقل إلى ما دونهما، وهذا الأخير ما في المقتطف. والجويني في المقتطف ٥ يرتب الأدلة بالقوة ويرجع إلى الاستصحاب عند فقد النص.

٢ المقتطف ١٠: حد أصول الفقه

  1. «ما» اسم موصول مبتدأ، و«للاجتهاد» صلتها، و«من شرط» بيان لـ«ما» و«من» بيانية، و«وضح» خبر المبتدأ. وهو إعراب الشارح في نشر البنود.
  2. أصول الفقه هي أدلة الفقه الإجمالية.
  3. ابن السبكي جعل الأصول الأدلة الإجمالية وحدها، ووضع طرق الاستفادة والمستفيد في حد الأصولي. والناظم أدخل وجوه الترجيح وشروط الاجتهاد في حد الأصول نفسه. وزاد بيتا في معنى «الأصل» بمعنى الراجح.

٢ المقتطف ١١: الاستصحاب

  1. «ذا الباب» باب الاستدلال، وهو الكتاب الذي وردت فيه الأبيات. و«منحتم» خبر «هذا البحث»، و«وفقا» منصوب على الحال أو المصدر، أي باتفاق.
  2. «يُلْفَ» مضارع «ألفى» بمعنى وجد، مبني للمجهول ومجزوم بـ«لم» بحذف الألف، ونائب فاعله ضمير النص. والمعنى: بعد غاية البحث عن نص فلم يوجد.
  3. تدل على أن في حجية استصحاب العدم الأصلي خلافا، وأن الناظم يختار حجيته.
  4. الجويني والناظم يتفقان على أن الاستصحاب يُعمل به بعد البحث عن نص يغير الأصل وعدم وجوده. والمعتمد عند متأخري الحنفية أنه حجة للدفع لا للإثبات: يبقي ما كان على ما كان، ولا يُثبت به حكم جديد.

٢ المقتطف ١٢: الاستحسان

  1. «بعضهم» مبتدأ، و«يؤم» خبره، و«رعي» مفعول به مقدم لـ«يؤم»، والمعنى: بعضهم يقصد بالاستحسان رعي الاستصلاح.
  2. «ردّ» مبتدأ مضاف إلى «كونه»، و«متضح» خبره في آخر البيت. وجملتا «ينقدح» و«يقصر التعبير عنه» صفتان لـ«دليلا».
  3. المخصَّص «ما يعم»، أي اللفظ العام، والمخصِّص العرف. والتقدير: تخصيص ما يعم بعرف.
  4. التعريف الأول: الأخذ بأرجح الدليلين، فهذا لا ينكره أحد، والخلاف معه لفظي. والحنفية بقولهم «الاستحسان أحد القياسين» قريبون منه. والشافعي أنكر القول في الدين بغير دليل منضبط، وأقرب التعريفات إلى ما أنكره الرابع، وهو الذي رده الناظم في البيت الثالث.

٢ المقتطف ١٣: قول الصحابي

  1. «من» موصولة، و«خلا» بمعنى مضى، أي باتفاق من مضى من أهل الأصول. و«من عمّ» العامي، وهو غير المجتهد، كما فسره الشارح.
  2. «في غيره» يعود على الصحابي المجتهد، أي في حق غير الصحابي من المجتهدين. و«له» يعود على رأي الصحابي.
  3. الأول: حجة مطلقا، والثاني: ليس بحجة مطلقا، والثالث المذكور تفصيل بينهما. و«أن» في الطبعة، والمعنى يقتضي «إنْ» الشرطية: حجة إن انتشر ولم يظهر مخالف.
  4. الجديد من قولي الشافعي أنه ليس بحجة على غيره، وهو القول الثاني المطوي في «ثالثها».

٢ المقتطف ١٤: أصول الفقه والأصولي والفقه

  1. «معرفتها» و«بها» و«استفادتها» و«مستفيدها» تعود على «دلائل الفقه الإجمالية». و«أدلتها» تعود على «الأحكام الشرعية العملية».
  2. وقيل: أصول الفقه معرفة دلائل الفقه الإجمالية.
  3. المختار أن الأصول الدلائل نفسها. وعُرف ذلك من تقديمه، ومن حكاية المقابل بـ«وقيل».
  4. الجويني جعل علم الأصول «طرقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها»، فأدخل كيفية الاستدلال في حد العلم. وابن السبكي جعل العلم الدلائل وحدها، ونقل كيفية الاستفادة إلى حد الأصولي. فالمسألة في موضع القيد: هل هو جزء من العلم أو صفة للعالم به.

٢ المقتطف ١٥: العام ودلالته

  1. «له» يعود على اللفظ العام، و«دلالته» تعود على العام.
  2. وعن الحنفية أن دلالته على كل فرد بخصوصه قطعية.
  3. «عن الشافعي» نسبة إلى الإمام نفسه، و«عن الشافعية» نسبة إلى أصحاب المذهب وما تقرر عندهم. وقد يكون القول للأصحاب دون نص للإمام، فالتمييز بين العبارتين أمانة في النسبة، وعليه بنى الشارح اعتراضه.
  4. حد الجويني يدخل فيه المثنى وأسماء العدد. وحد الشاشي «ينتظم جمعا» يخرج المثنى، ويدخل فيه بعض الحنفية الجمع المنكر. وحد ابن السبكي يخرج المثنى والعدد بقيد الاستغراق وعدم الحصر، ويخرج المطلق بقيد الاستغراق. والثمرة: لما كان العام قطعيا عند الحنفية لم يجيزوا تخصيص عام الكتاب ابتداء بخبر الواحد ولا بالقياس، وأجازه الجمهور لأنه ظني عندهم. انظر العام والخاص.

٢ المقتطف ١٦: الإجماع السكوتي

  1. «مثاره» مبتدأ، و«أن السكوت... هل يغلب ظن الموافقة؟» خبره. و«عن مسألة اجتهادية» متعلق بـ«السكوت».
  2. وقال أبو إسحاق المروزي: هو حجة إن كان حكما لا فتيا.
  3. الأول: ليس بحجة ولا إجماع، والثاني: حجة وإجماع. والمختار عند المصنف «حجة». و«خلاف لفظي» خلاف في التسمية لا يتغير به العمل، ويختبره سؤال «الثمرة»: إذا كان الفريقان يعملان به عُلم أن الخلاف في الاسم.
  4. الجويني عده إجماعا بلا تفصيل. وابن السبكي حكى الأقوال واختار أنه حجة، وجعل الخلاف في تسميته إجماعا لفظيا. والشاشي جعله القسم الثاني من أقسام الإجماع بعد إجماع الصحابة نصا، فهو عنده إجماع في رتبة دون الصريح.

٢ المقتطف ١٧: منزلة علم الأصول بين العقل والسمع

  1. «أشرف العلوم» مبتدأ، و«ما ازدوج...» خبره. والفاعل في «ازدوج» «العقل» ومعطوفه «السمع»، وفي «اصطحب» «الرأي» ومعطوفه «الشرع».
  2. «فإنه» يعود على علم الفقه وأصوله، و«يتلقاه» يعود على التصرف بمحض العقول، و«له» يعود على محض التقليد.
  3. «هذا القبيل» قبيل العلوم التي ازدوج فيها العقل والسمع. والقسمان الآخران: العقلي المحض، والنقلي المحض كالأحاديث والتفاسير الذي يكفي فيه الحفظ.
  4. في القطب الثالث، طرق الاستثمار: فالدلالات تُبحث بالعقل والعربية على نصوص السمع، والقياس عند الغزالي دلالة «بالمعنى المعقول» من النص. فالعلم كله نظر عقلي في مادة سمعية.

  1. الجويني، الورقات، باب أنواع الحكم، ص٨ من النسخة المنشورة في المكتبة الشاملة: https://shamela.ws/book/6297/2 ↩

  2. الجويني، الورقات، باب الأمر، ص١٣: https://shamela.ws/book/6297/7 . و«تقتضى» بالألف المقصورة كذا في هذه النسخة. ↩

  3. الجويني، الورقات، باب العام والخاص، ص١٦: https://shamela.ws/book/6297/10 . والحذف موضع قوله «وألفاظ أربعة...» إلى آخر الألفاظ. وتفسير «النطق» في المسألة الخامسة من الأجوبة من ص١٧: https://shamela.ws/book/6297/11 ↩

  4. الجويني، الورقات، باب الإجماع، ص٢٤: https://shamela.ws/book/6297/18 . وأول السطر في هذه النسخة «وَإِمَّا الْإِجْمَاع» بكسر الهمزة، والسياق يقتضي «وأمّا». وحُذفت من المقتطف جملة الاستدلال بالحديث وجملة شرط الانقراض، والثانية مذكورة في جواب التدريب الثاني من الصفحة نفسها. ↩

  5. الجويني، الورقات، باب ترتيب الأدلة، ص٢٨: https://shamela.ws/book/6297/22 . وفي هذه النسخة «ما يُفَسر الأصل»، والسياق يدل على ما يتعلق بالأصل فينقل عنه. ↩

  6. أصول الشاشي، فصل في الخاص والعام، ص١٣، وبحث العام والخاص، ص١٧، من النسخة المنشورة في المكتبة الشاملة: https://shamela.ws/book/6302/1 و https://shamela.ws/book/6302/2 . وموضع الحذف كلمة بعد «مسلمون» هي في هذه النسخة «ومشرقون»، والمعروف في التمثيل «ومشركون». ↩

  7. أصول الشاشي، الفصل السابع في المتقابلات، ص٦٨ و٦٩: https://shamela.ws/book/6302/23 و https://shamela.ws/book/6302/24 . والآيتان في الطبعة بين معقوفين، وأُثبتتا هنا بين القوسين مع موضعهما. وتعريفا الجويني في التدريب الثالث من الورقات، ص١٨ و١٩: https://shamela.ws/book/6297/12 و https://shamela.ws/book/6297/13 ↩

  8. أصول الشاشي، الفصل العاشر في الأمر، ص١١٦، وبحث تحقيق موجب الأمر المطلق، ص١٢٠: https://shamela.ws/book/6302/46 و https://shamela.ws/book/6302/48 . وفي الطبعة «إِن مُوجبه» بكسر الهمزة، والسياق يقتضي «أنّ». وفي موضع الحذف تفسير المطلق بالمجرد عن القرينة مع آيتين، وبناء اللزوم على ولاية الآمر في ص١٢٣: https://shamela.ws/book/6302/49 ↩

  9. أصول الشاشي، بحث إذا تعارض الدليلان ما يفعل المجتهد، ص٣٠٤: https://shamela.ws/book/6302/126 . والرسم بلا همزة («اذا»، «فان»، «الى»، «لانه») كذا في هذه الصفحة من الطبعة. ↩

  10. سيدي عبد الله العلوي الشنقيطي، نشر البنود على مراقي السعود، أصول الفقه، ١/١٦ إلى ١٨، والأشطر فيه مفرقة بين الشرح: https://shamela.ws/book/20892/11 و https://shamela.ws/book/20892/12 و https://shamela.ws/book/20892/13 . وصورة البيتين مجموعين في الأصل الجامع لإيضاح الدرر المنظومة في سلك جمع الجوامع، ١/٥: https://shamela.ws/book/1469/5 ↩

  11. نشر البنود، كتاب الاستدلال، ٢/٢٥٨: https://shamela.ws/book/20892/550 ↩

  12. نشر البنود، كتاب الاستدلال، ٢/٢٦١ إلى ٢٦٣: https://shamela.ws/book/20892/553 و https://shamela.ws/book/20892/554 و https://shamela.ws/book/20892/555 . والبيت الثاني مجموع من شطرين أوردهما الشارح بين قوسين متتابعين في ص٢٦٢. ↩

  13. نشر البنود، كتاب الاستدلال، ٢/٢٦٣ و٢٦٤: https://shamela.ws/book/20892/555 و https://shamela.ws/book/20892/556 . و«أن انتشر» كذا في الطبعة. ↩

  14. جمع الجوامع، بنص المتن في الغيث الهامع شرح جمع الجوامع لأبي زرعة العراقي، ص٢٣ و٢٥ و٢٦ من طبعة دار الكتب العلمية كما في المكتبة الشاملة: https://shamela.ws/book/14252/8 و https://shamela.ws/book/14252/10 و https://shamela.ws/book/14252/11 . وتنبيه الشارح على انفراد المصنف في ص٢٦. وحد الجويني في التدريب الرابع من الورقات، ص٩: https://shamela.ws/book/6297/3 ↩

  15. جمع الجوامع، بنص المتن في الغيث الهامع، ص٢٦٦ و٢٧٣: https://shamela.ws/book/14252/251 و https://shamela.ws/book/14252/258 . واعتراض الشارح على نسبة القطعية إلى الشافعي في ص٢٧٣. ↩

  16. جمع الجوامع، بنص المتن في الغيث الهامع، الكتاب الثالث في الإجماع، ص٥٠٢: https://shamela.ws/book/14252/487 . وفي هذه الطبعة «فثالثهما»، والمعروف في صيغة المتون «فثالثها». وعدّ الشاشي في جواب التدريب الرابع من أصول الشاشي، ص٢٨٨: https://shamela.ws/book/6302/119 ↩

  17. الغزالي، المستصفى، خطبة الكتاب، ص٤ من طبعة دار الكتب العلمية كما في المكتبة الشاملة: https://shamela.ws/book/5459/2 ↩

  18. النسخة النصية لمتن المنار في مشروع OpenITI، منقولة من مستودع المكتبة الشاملة: https://raw.githubusercontent.com/OpenITI/0725AH/master/data/0710IbnAhmadHafizDinNasafi/0710IbnAhmadHafizDinNasafi.ManarAnwar/0710IbnAhmadHafizDinNasafi.ManarAnwar.ShamAY0037542-ara1 ↩

جدول الخلاف بين المذاهب

جدول الخلاف بين المذاهب

يجمع هذا الملحق مسائل الخلاف الأصولي التي بُسطت في فصول التفصيل، وعددها ٧٠ مسألة في ١٧ بابا. لكل مسألة مواقف المذاهب الأربعة بحسب المعتمد في كتبها، وسبب الخلاف، وثمرته الفقهية مع وجه بنائها على الأصل، ثم موضعها من الكتاب. ومصدر الجدول data/madhhab-matrix.json، وهو مولد منه.

الحكم الشرعي

مسألة خلافية هل الفرض والواجب مترادفان، أم الفرض ما ثبت بدليل قطعي والواجب ما ثبت بدليل ظني؟

  • الحنفية يفرقون بينهما: الفرض ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه، ويكفر جاحده؛ والواجب ما ثبت بدليل فيه شبهة كخبر الواحد، يلزم العمل به ولا يكفر جاحده، ويأثم تاركه دون إثم تارك الفرض.
  • المالكية مترادفان في الأصل، ويفرق الفقهاء في العبادات بين الفرض والسنة والفضيلة، وفي الحج بين الركن والواجب الذي يجبر بالدم.
  • الشافعية الفرض والواجب مترادفان عند الجمهور والمعتمد، ويستثنون باب الحج: الركن لا يجبر، والواجب يجبر بدم، وهذا اصطلاح في باب لا تقسيم عام للحكم.
  • الحنابلة المذهب الترادف، وعن أحمد رواية بالتفريق بين ما ثبت بالقرآن وما ثبت بالسنة، ذكرها ابن قدامة في الروضة.
  • سبب الخلاف هل تتفاوت قوة الدليل المثبت فيتفاوت الطلب تبعا له، أم أن الطلب الجازم واحد مهما كان طريق ثبوته؟ الحنفية نظروا إلى طريق الثبوت، والجمهور إلى صفة الطلب. ويرى كثير من الجمهور الخلاف لفظيا، والحنفية رتبوا عليه آثارا عملية.
  • الثمرة (١) قراءة الفاتحة في الصلاة: الحنفية: الفرض مطلق القراءة بقوله «فاقرءوا ما تيسر»، والفاتحة واجبة بخبر الواحد، فمن تركها سهوا سجد للسهو، ومن تركها عمدا أساء وتجب الإعادة ولا تبطل الصلاة. الشافعية والحنابلة: ركن تبطل الصلاة بتركه. المالكية: فرض في كل ركعة على المشهور. ووجه البناء: الدليل الظني لا يرفع الفاتحة إلى رتبة الفرض عند الحنفية، فلا تبطل الصلاة بفواتها. (٢) الطمأنينة في الركوع والسجود: أبو حنيفة ومحمد: واجبة لا فرض لأن الأمر بالركوع والسجود قطعي معلوم المعنى، وحديث المسيء صلاته خبر واحد. أبو يوسف والجمهور: ركن. ووجه البناء: تطبيق مباشر للتفريق بين الثابت بالقطعي والثابت بالظني، مع خلاف داخلي عند الحنفية. (٣) الوتر: أبو حنيفة: واجب لا فرض، فلا يكفر جاحده ويقضى. الصاحبان والجمهور: سنة مؤكدة. ووجه البناء: وجود رتبة الواجب أتاح لأبي حنيفة إيجاب الوتر دون إلحاقه بالفرائض الخمس.

موضعه: الحكم التكليفي

مسألة خلافية هل بين الحرام والمكروه رتبة وسطى هي المكروه تحريما؟

  • الحنفية نعم: المكروه تحريما ما طلب الشارع تركه طلبا جازما بدليل ظني، وهو مقابل الواجب، كما أن الحرام مقابل الفرض. وعند محمد كل مكروه تحريما حرام، وعند الشيخين هو إلى الحرام أقرب.
  • المالكية كالشافعية في التقسيم، مع استعمال مالك لفظ «أكره» في الحرام أحيانا تورعا، فيحتاج تحديد مراده إلى نظر المجتهدين في المذهب.
  • الشافعية لا رتبة وسطى: المنهي عنه نهيا جازما حرام، وغير الجازم مكروه، ويقع في كلام الشافعي لفظ الكراهة بمعنى التحريم أحيانا.
  • الحنابلة كالجمهور، والكراهة في عبارة أحمد تحتمل التحريم والتنزيه، وفي حملها خلاف بين الأصحاب.
  • سبب الخلاف فرع عن مسألة الفرض والواجب: من جعل رتبة الثبوت مؤثرة في الطلب الجازم جعل للنهي الجازم الظني رتبة مستقلة.
  • الثمرة (١) ترك واجب من واجبات الصلاة عمدا: الحنفية: الصلاة صحيحة مكروهة تحريما وتجب إعادتها في الوقت. الجمهور: ما يسميه الحنفية واجبا هو إما ركن تبطل بتركه الصلاة، وإما سنة لا تجب الإعادة بتركها. ووجه البناء: رتبة المكروه تحريما هي التي أنشأت حكم وجوب الإعادة مع الصحة. (٢) حكم من أنكر المكروه تحريما: الحنفية: لا يكفر منكره لأن دليله ظني، ويفسق المصر على فعله. الجمهور: يدخل في الحرام، والتكفير عندهم يتعلق بإنكار المعلوم من الدين بالضرورة لا بلفظ التحريم. ووجه البناء: ربط الحنفية آثار الإنكار بطريق الثبوت.

موضعه: الحكم التكليفي

مسألة خلافية هل الباطل والفاسد مترادفان، أم الفاسد مرتبة بين الصحيح والباطل؟

  • الحنفية في المعاملات: الباطل ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، والفاسد ما شرع بأصله دون وصفه؛ والعقد الفاسد يفيد الملك بالقبض ويجب فسخه رفعا للمعصية. وفي العبادات هما سواء.
  • المالكية مترادفان في الأصل، لكن البيع الفاسد إذا فات المبيع بتغير سوق أو ذات أو تصرف مضى بالقيمة أو الثمن على تفصيل، مراعاة للخلاف ولما طرأ.
  • الشافعية مترادفان، إلا في أبواب معدودة استثناها الأصحاب كالحج والعمرة (يمضي في فاسدهما)، والخلع والكتابة والعارية.
  • الحنابلة مترادفان، ويستثنى الحج والعمرة.
  • سبب الخلاف هل النهي عن الوصف يسري إلى الأصل فيعدمه، أم يقتصر أثره على الوصف؟ الحنفية فصلوا بين الأصل والوصف، والجمهور جعلوا المخالفة للشرع مانعة من ترتب الأثر كله.
  • الثمرة (١) البيع بشرط فاسد أو بزيادة ربوية: الحنفية: فاسد يفيد الملك بالقبض بإذن البائع ويجب فسخه، فإن تصرف فيه المشتري تصرفا لازما نفذ. الشافعية والحنابلة: باطل لا يفيد ملكا ولو قبض. المالكية: يفسخ ما لم يفت، فإن فات مضى بالقيمة. ووجه البناء: انفصال الوصف عن الأصل عند الحنفية يبقي للعقد وجودا شرعيا ناقصا. (٢) نذر صوم يوم النحر: الحنفية: النذر منعقد لأن الصوم مشروع بأصله والنهي لوصف الإعراض عن ضيافة الله، فيفطر ويقضي يوما آخر. المالكية والشافعية: النذر لا ينعقد. الحنابلة: لا يصومه، وفي لزوم القضاء والكفارة روايات في المذهب. ووجه البناء: ثمرة مشهورة يذكرها الزنجاني في بناء الفاسد على أصل الحنفية في النهي.

موضعه: الحكم الوضعي

مسألة خلافية هل قصر الصلاة في السفر رخصة يجوز تركها، أم عزيمة؟ وأقسام الرخصة: رخصة ترفيه ورخصة إسقاط.

  • الحنفية يقسمون الرخصة إلى رخصة ترفيه يبقى معها حكم العزيمة، ورخصة إسقاط يسقط معها حكم الأصل؛ والقصر رخصة إسقاط فهو عزيمة في حق المسافر، والركعتان الأخريان غير مشروعتين له.
  • المالكية القصر سنة مؤكدة على المشهور، ومن أتم أعاد في الوقت.
  • الشافعية القصر رخصة، والإتمام جائز، والقصر أفضل إذا بلغ السفر ثلاث مراحل.
  • الحنابلة القصر رخصة وهو أفضل، ويجوز الإتمام من غير كراهة على الصحيح من المذهب.
  • سبب الخلاف تحديد ماهية الرخصة: هل هي ما شرع لعذر مع بقاء السبب المحرم قائما، أم يدخل فيها ما سقط فيه حكم الأصل أصلا؟ ومعه فهم حديث عائشة «فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر».
  • الثمرة المسافر يصلي الرباعية أربعا: الحنفية: إن قعد قدر التشهد على رأس الركعتين صحت فرضا مع الإساءة وكانت الأخريان نفلا، وإلا بطل فرضه. الشافعية والحنابلة: صحيحة ولا إساءة. المالكية: صحيحة ويعيد في الوقت. ووجه البناء: من جعل القصر عزيمة جعل الزيادة زيادة على الفرض، ومن جعله رخصة جعل الإتمام رجوعا إلى الأصل.

موضعه: الحكم الوضعي

مسألة خلافية هل تناط الرخص بالمعاصي؟ أي هل يترخص العاصي بسفره؟

  • الحنفية يترخص العاصي بسفره، لأن النصوص علقت الرخصة بمطلق السفر، والمعصية مجاورة للسفر لا وصف فيه.
  • المالكية المشهور أنه لا يقصر العاصي بسفره، وفي المذهب قول بالجواز مع الإثم.
  • الشافعية لا يترخص العاصي بسفره، لأن الرخصة إعانة والمعصية لا يعان عليها، وقاعدتهم: الرخص لا تناط بالمعاصي.
  • الحنابلة لا يترخص العاصي بسفره على المذهب.
  • سبب الخلاف هل يُقيد إطلاق نصوص السفر بالمعنى المناسب لشرعية الرخصة، وهو التخفيف على المطيع؟ وهل النهي عن المعصية متعلق بذات السفر أم بأمر مجاور له؟
  • الثمرة (١) قصر الصلاة والفطر لمن سافر لقطع طريق أو عقوق: الحنفية: يقصر ويفطر. الجمهور: لا يترخص حتى يتوب. ووجه البناء: تطبيق مباشر للقاعدة. (٢) أكل الميتة للمضطر العاصي بسفره: الشافعية والحنابلة: لا يباح له حتى يتوب، مع تصريحهم بأن التوبة متاحة له في الحال. الحنفية: يباح. ووجه البناء: امتداد القاعدة إلى رخص الضرورة.

موضعه: الحكم الوضعي

مسألة خلافية هل يجب القضاء بالأمر الأول الذي وجب به الأداء، أم بأمر جديد؟

  • الحنفية عامة المشايخ ومنهم السرخسي والبزدوي: القضاء يجب بما يجب به الأداء، أي بالسبب والأمر الأول. ونقلوا عن مشايخ العراق أنه لا يجب إلا بنص مقصود.
  • المالكية الأكثر على أنه بأمر جديد.
  • الشافعية المعتمد عند الأصوليين أن القضاء بأمر جديد، لأن الأمر المؤقت لا يتناول ما بعد الوقت.
  • الحنابلة في المذهب قولان: نسب إلى القاضي أبي يعلى وجماعة أنه بالأمر الأول، واختار غيرهم أنه بأمر جديد.
  • سبب الخلاف هل الوقت قيد في ذات المطلوب لا يبقى الطلب بعده، أم ظرف لأدائه والمقصود المصلحة الباقية بعد خروجه؟
  • الثمرة (١) من نذر اعتكاف رمضان فصامه ولم يعتكف: الحنفية (أبو حنيفة ومحمد): يقضي الاعتكاف بصوم مقصود لأن القضاء بالسبب الأول وقد زال الصوم الذي كان يتأدى به. أبو يوسف: لا يقضي. ووجه البناء: مثال يذكره أصوليو الحنفية في شرح القاعدة. (٢) قضاء الصلاة المتروكة عمدا: المذاهب الأربعة: يجب القضاء. الحنفية بالأمر الأول، والجمهور بأمر جديد هو حديث «من نام عن صلاة أو نسيها» بطريق الأولى أو بالإجماع. ووجه البناء: اتفقوا في الحكم واختلفوا في مأخذه، فالثمرة هنا في التخريج لا في الفتوى.

موضعه: الحكم الوضعي

مسألة خلافية هل يمنع الدين وجوب الزكاة؟ (الدين مانع من السبب أو لا)

  • الحنفية الدين الذي له مطالب من جهة العباد يمنع وجوب الزكاة بقدره في أموال الزكاة كلها، ولا يمنع العشر.
  • المالكية يمنع في العين (الذهب والفضة) دون الحرث والماشية والمعدن.
  • الشافعية الأظهر أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة.
  • الحنابلة يمنع في الأموال الباطنة رواية واحدة، وفي الظاهرة روايتان، والمذهب أنه يمنع فيها أيضا إذا نقص النصاب.
  • سبب الخلاف هل الدين يخل بالملك التام الذي هو سبب الوجوب وبمعنى الغنى الذي هو حكمته، أم الملك قائم والدين متعلق بالذمة لا بعين المال؟ ومن فرق بين الباطن والظاهر نظر إلى أن السعاة كانوا يأخذون زكاة الماشية والزرع دون سؤال عن الدين.
  • الثمرة تاجر يملك مائة ألف وعليه دين حال قدره ستون ألفا: الحنفية والمالكية والحنابلة: يزكي الأربعين الباقية. الشافعية: يزكي المائة كلها على الأظهر. ووجه البناء: من جعل الدين مانعا من السبب أسقط الزكاة بقدره، ومن جعله متعلقا بالذمة أبقى السبب تاما.

موضعه: الحكم الوضعي

مسألة خلافية الواجب الموسع: هل يتعلق الوجوب بأول الوقت، أم بالجزء الذي يتصل به الأداء أو بآخر الوقت؟

  • الحنفية سبب الوجوب الجزء الذي يتصل به الأداء، فإن لم يؤد تعين آخر الوقت سببا؛ فالعبرة في الأعذار والأحوال بآخر الوقت.
  • المالكية الوجوب موسع من أول الوقت، لكن العبرة في سقوط الصلاة بالأعذار كالحيض والإغماء بإدراك ما يسع ركعة من الوقت الضروري بعد الطهر أو قبل العذر.
  • الشافعية يجب بأول الوقت وجوبا موسعا، ويستقر بمضي ما يسع الفعل وطهارته.
  • الحنابلة يجب بأول الوقت، ويستقر بإدراك قدر تكبيرة الإحرام منه على المذهب.
  • سبب الخلاف هل يُنظر إلى الوقت كله سببا للوجوب فيثبت بأوله، أم يُنظر إلى لحظة الأداء التي يتحقق بها الامتثال؟
  • الثمرة (١) امرأة دخل عليها الوقت ثم حاضت قبل أن تصلي: الشافعية: يجب القضاء إن مضى ما يسع الصلاة. الحنابلة: يجب القضاء بإدراك قدر تكبيرة. الحنفية: لا قضاء لأن العبرة بآخر الوقت. المالكية: لا قضاء إن حاضت وقد بقي من الوقت ما يسع الصلاة على تفصيل الضروري. ووجه البناء: من علق الوجوب بأول الوقت أوجب القضاء، ومن علقه بآخره أسقطه. (٢) من سافر في أثناء الوقت ولم يصل: الحنفية: يقصر. المالكية: يقصر إن بقي من الوقت قدر ركعة. الشافعية: يقصر على الأصح. الحنابلة: يتم على المذهب لأنها وجبت في الحضر. ووجه البناء: الحنابلة طردوا تعلق الوجوب بأول الوقت، والشافعية نظروا إلى حال الأداء في هذا الفرع.

موضعه: الحكم التكليفي

مسألة خلافية هل يلزم النفل بالشروع فيه، فيجب إتمامه وقضاؤه إن أُفسد؟

  • الحنفية يلزم بالشروع، فيحرم قطعه بغير عذر ويجب قضاؤه إن أفسده، لقوله «ولا تبطلوا أعمالكم» وقياسا على النذر.
  • المالكية يلزم بالشروع، فمن قطعه عمدا بلا عذر قضاه؛ ومن أفسده لعذر فلا قضاء.
  • الشافعية لا يلزم بالشروع إلا الحج والعمرة، ويكره القطع بلا عذر ولا قضاء واجبا.
  • الحنابلة كالشافعية: لا يلزم بالشروع إلا الحج والعمرة.
  • سبب الخلاف هل المؤدَّى من النفل صار حقا لله يجب صونه، وهل يتناول «ولا تبطلوا أعمالكم» النوافل؛ وحديث «الصائم المتطوع أمير نفسه».
  • الثمرة من صام تطوعا ثم أفطر بلا عذر: الحنفية والمالكية: يقضي. الشافعية والحنابلة: لا قضاء ويستحب. ووجه البناء: تطبيق مباشر.

موضعه: الحكم التكليفي

مسألة خلافية هل يستقل العقل بإدراك الحسن والقبح وإثبات الحكم قبل ورود الشرع؟ وما حكم الأشياء قبل الشرع؟

  • الحنفية الماتريدية: العقل يدرك حسن بعض الأفعال وقبحها، والحاكم الله؛ ونقل عن أبي حنيفة وماتريدية سمرقند وجوب معرفة الله بالعقل، وماتريدية بخارى قالوا لا حكم قبل الشرع كالأشاعرة. وفي حكم الأشياء قبل الشرع نقول متعددة جمعها ابن نجيم: نسب الشافعية إلى أبي حنيفة أن الأصل التحريم، وفي البديع أن المختار ألا حكم قبل الشرع، وفي شرح المنار أن الإباحة قول بعض الحنفية ومنهم الكرخي وأن أكثر أصحابهم على التوقف، وفي الهداية أن الإباحة أصل.
  • المالكية كالأشاعرة في الحسن والقبح، وفي حكم الأشياء قبل الشرع أقوال: الحظر عن أبي بكر الأبهري، والإباحة عن أبي الفرج، والوقف وهو المختار عند المحققين.
  • الشافعية الأشاعرة: لا حكم قبل الشرع، والحسن والقبح بمعنى الثواب والعقاب شرعيان. والأصل بعد الشرع في المنافع الإذن وفي المضار المنع على ما قرره البيضاوي وابن السبكي.
  • الحنابلة في المذهب أقوال: الحظر (ابن حامد والقاضي في قول)، والإباحة (أبو الحسن التميمي وأبو الخطاب)، والوقف.
  • سبب الخلاف مسألة كلامية في أصلها: هل للأفعال صفات ذاتية يدركها العقل وتصلح مناطا للتكليف؟
  • الثمرة (١) من لم تبلغه الدعوة ومات على الشرك: قول أبي حنيفة المنقول وماتريدية سمرقند: لا يعذر في ترك التوحيد. الأشاعرة: ناج لعدم التكليف قبل البلوغ بالرسالة. ووجه البناء: من أوجب المعرفة بالعقل لم يعذر الجاهل بالتوحيد. (٢) حيوان لا نص فيه ولا قياس، ومثاله الزرافة: القائلون بأن الأصل الإباحة يبيحونه، والقائلون بالحظر يمنعونه، والواقفون يرجعون إلى قواعد المنافع والمضار بعد الشرع. وفي الزرافة خاصة: اختار السبكي الحل ونقل عن نص أحمد، وجزم الشيرازي في التنبيه بالتحريم وتبعه أبو الخطاب، وذكر السيوطي أن المالكية والحنفية لم يذكروها وأن قواعدهم تقتضي الحل. ووجه البناء: أثر مسألة الأشياء قبل الشرع في ما سكت عنه، كما في الأشباه والنظائر للسيوطي، قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة.

موضعه: نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية

الحكم الشرعي: المحكوم عليه

مسألة خلافية هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟

  • الحنفية مشايخ العراق كالكرخي والجصاص: مخاطبون. ومشايخ ما وراء النهر كالدبوسي والبزدوي والسرخسي: غير مخاطبين بأداء العبادات، مخاطبون بالإيمان والمعاملات والعقوبات. والثاني هو المشهور في كتب أصول الحنفية المتأخرة.
  • المالكية مخاطبون على الصحيح المشهور.
  • الشافعية مخاطبون بالفروع على الصحيح، وفائدته مضاعفة العقاب في الآخرة، ولا يصح منهم الأداء حال الكفر.
  • الحنابلة مخاطبون على الصحيح من المذهب، وعن أحمد رواية أنهم مخاطبون بالنواهي دون الأوامر.
  • سبب الخلاف هل الإيمان شرط لصحة الخطاب بالعبادة أم شرط لصحة أدائها فقط؟
  • الثمرة (١) المرتد إذا أسلم: هل يقضي ما تركه في ردته؟: الشافعية: يقضي، والزنجاني يبنيها على الخطاب بالفروع وعلى بقاء التزام المرتد. الحنفية والمالكية: لا يقضي ما فاته في الردة. الحنابلة: المذهب أنه لا يقضي ما تركه في ردته ويقضي ما تركه قبلها، وقال ابن قدامة في المغني (باب المواقيت): «وهذا المذهب»؛ وعن أحمد روايتان أخريان: لا يقضي شيئا، ويقضي الجميع. ووجه البناء: من جعله مخاطبا ملتزما ألزمه القضاء، ومن جعل الردة كالكفر الأصلي أسقطه. (٢) العقوبة الأخروية على ترك الصلاة: الجمهور: يعاقب على ترك الفروع زيادة على الكفر لقوله «ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين». مشايخ ما وراء النهر: لا يعاقب على ترك الأداء. ووجه البناء: هذه هي الثمرة المتفق على ظهورها، وهي أخروية.

موضعه: الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه

مسألة خلافية حد القذف: حق الله أم حق العبد؟

  • الحنفية حق الله غالب فيه، لأن المقصود منه صيانة الأعراض وإخلاء العالم من الفساد، فلا يسقط بعفو المقذوف بعد رفعه إلى الإمام، ولا يورث، وتتداخل فيه الحدود.
  • المالكية حق للعبد قبل بلوغ الإمام فله العفو، فإذا بلغ الإمام لم يصح العفو إلا أن يريد المقذوف الستر على نفسه، على المشهور.
  • الشافعية حق العبد غالب فيه، فيسقط بعفو المقذوف ويورث.
  • الحنابلة كالشافعية على المذهب.
  • سبب الخلاف أي المعنيين أغلب في الحد: صيانة العرض الخاص بالمقذوف، أم دفع الفساد العام؟ وهو من تطبيقات تقسيم الحقوق إلى حق الله وحق العبد وما اجتمعا فيه.
  • الثمرة موت المقذوف قبل استيفاء الحد: الحنفية: يسقط الحد ولا يورث. الشافعية والحنابلة: يورث، فلأوليائه المطالبة به. ووجه البناء: ما غلب فيه حق الله لا يورث ولا يسقط بالعفو، وما غلب فيه حق العبد يورث ويسقط بعفوه.

موضعه: الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه

مسألة خلافية هل تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون؟

  • الحنفية لا تجب الزكاة في مالهما، لأنها عبادة خالصة لا تتأدى إلا بنية من أهل الأداء، ولا أهلية أداء لهما. ويجب في مالهما العشر لأنه مؤونة الأرض، وصدقة الفطر عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافا لمحمد.
  • المالكية تجب، ويخرجها الولي.
  • الشافعية تجب، ويخرجها الولي.
  • الحنابلة تجب، ويخرجها الولي.
  • سبب الخلاف هل الغالب في الزكاة معنى العبادة المفتقرة إلى أهلية الأداء، أم معنى الحق المالي المتعلق بالمال الذي ينوب فيه الولي؟ وهو تطبيق لتقسيم الحنفية في الحقوق والأهلية معا.
  • الثمرة يتيم يملك نصابا من النقد: الحنفية: لا يخرج عنه وليه زكاة. المالكية والشافعية والحنابلة: يخرجها الولي من ماله. ووجه البناء: من جعل الزكاة عبادة محضة اشترط أهلية الأداء، ومن جعلها حقا ماليا أوجبها في المال.

موضعه: الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه

مسألة خلافية هل تصح الكفالة بدين الميت المفلس؟ (بقاء الذمة بعد الموت)

  • الحنفية قال أبو حنيفة: لا تصح الكفالة عن ميت لم يترك مالا ولا كفيلا، لأن الدين سقط بخراب الذمة وعدم المال، والكفالة ضم ذمة إلى ذمة. وقال أبو يوسف ومحمد: تصح.
  • المالكية تصح.
  • الشافعية تصح.
  • الحنابلة تصح.
  • سبب الخلاف هل تبقى الذمة بعد الموت محلا للدين، أم تخرب ولا يبقى الدين إلا في التركة؟ واستدل الجمهور بحديث أبي قتادة «صل عليه يا رسول الله وعلي دينه» (رواه البخاري من حديث سلمة بن الأكوع)، وتأوله أبو حنيفة بأنه إقرار بكفالة سابقة أو وعد بالتبرع.
  • الثمرة من قال: علي دين فلان الميت، ولا تركة له: الجمهور ومعهم الصاحبان: يلزمه الوفاء. أبو حنيفة: لا يلزمه بحكم الكفالة. ووجه البناء: من جعل الذمة باقية بعد الموت صحح ضم ذمة الكفيل إليها.

موضعه: الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه

مسألة خلافية هل يقع طلاق السكران المتعدي بسكره؟

  • الحنفية يقع طلاقه وتنفذ تصرفاته عقوبة له وزجرا، إلا الردة فلا يحكم بها استحسانا؛ واختار الطحاوي والكرخي عدم الوقوع.
  • المالكية المشهور وقوع طلاقه.
  • الشافعية المذهب وقوع طلاقه.
  • الحنابلة روايتان، والمشهور في المذهب الوقوع، واختار ابن تيمية عدمه.
  • سبب الخلاف هل السكر المحرم يلحق بالجنون فتسقط عبارة صاحبه لغياب القصد، أم يجعل صاحبه في حكم الصاحي عقوبة له لأنه أزال عقله بمعصية؟ ومعه قوله «لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون»، وأثر عثمان المعلق في البخاري: ليس لمجنون ولا لسكران طلاق.
  • الثمرة سكران متعد بسكره طلق امرأته ثلاثا: يقع عند جمهور المذاهب الأربعة في المعتمد. ولا يقع عند الطحاوي والكرخي وابن تيمية ومن وافقهم. ووجه البناء: من أعطى السكران حكم الصاحي أوقع طلاقه، ومن ألحقه بفاقد العقل أسقطه.

موضعه: الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه

مسألة خلافية هل يحجر على البالغ العاقل للسفه؟

  • الحنفية قال أبو حنيفة: لا يحجر على الحر البالغ العاقل للسفه، لأن في الحجر إهدارا لآدميته وأهليته، لكن لا يدفع إليه ماله حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة. وقال أبو يوسف ومحمد: يحجر عليه، وعليه الفتوى عند المتأخرين.
  • المالكية يحجر عليه.
  • الشافعية يحجر عليه.
  • الحنابلة يحجر عليه.
  • سبب الخلاف الموازنة بين مفسدة إهدار الأهلية ومفسدة ضياع المال، وفهم آية «فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم»: هل هي في اليتيم عند بلوغه فقط، أم في كل من فقد الرشد؟
  • الثمرة بالغ مبذر محجور عليه باع أرضه بغبن فاحش: أبو حنيفة: ينفذ بيعه. الصاحبان والجمهور: يرد بيعه. ووجه البناء: السفه عارض مكتسب لا ينقص أهلية الأداء عند أبي حنيفة، ويوجب الحجر عند غيره رعاية للمال.

موضعه: الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه

مسألة خلافية هل يقع طلاق المكره؟ (أثر الإكراه في التصرفات القولية)

  • الحنفية يقع، لأنه قصد اللفظ واختار أهون الشرين، فهو مختار في التلفظ وإن لم يرض بالحكم، والطلاق لا يشترط فيه الرضا كطلاق الهازل.
  • المالكية لا يقع.
  • الشافعية لا يقع.
  • الحنابلة لا يقع.
  • سبب الخلاف هل ينعدم بالإكراه القصد إلى اللفظ والاختيار، أم الرضا بالحكم وحده؟ الحنفية فرقوا بين الاختيار والرضا وقاسوه على الهازل، والجمهور جعلوا الإكراه معدما للقصد المعتبر، واستدلوا بقوله «إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان»، وبحديث «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، وبحديث «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق» وفي إسناده كلام. ويتصل بمسألة عموم المقتضى.
  • الثمرة (١) من أكره على طلاق امرأته بالتهديد بالقتل: الحنفية: يقع طلاقه. المالكية والشافعية والحنابلة: لا يقع. ووجه البناء: تطبيق مباشر للتفريق بين الاختيار والرضا. (٢) من أكره على بيع داره: الحنفية: بيعه فاسد أو موقوف على الإجازة بعد زوال الإكراه. الجمهور: باطل أو غير لازم على تفصيل. ووجه البناء: الحنفية فرقوا بين الطلاق الذي لا يشترط فيه الرضا والبيع الذي يشترط فيه، والجمهور سووا بينهما.

موضعه: الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه

الأدلة: الكتاب

مسألة خلافية هل البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة؟

  • الحنفية آية من القرآن مستقلة أنزلت للفصل بين السور، وليست من الفاتحة ولا من غيرها.
  • المالكية ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها إلا في سورة النمل.
  • الشافعية آية من الفاتحة قطعا عند الأصحاب، ومن كل سورة على الأصح.
  • الحنابلة آية من القرآن مستقلة ليست من الفاتحة على المذهب، وعن أحمد رواية أنها من الفاتحة.
  • سبب الخلاف هل يثبت كونها قرآنا في كل موضع بكتابتها في المصحف بخطه، أم يشترط التواتر على قرآنيتها في كل موضع؟ ومعه تعارض أحاديث الجهر والإسرار.
  • الثمرة قراءة البسملة في الصلاة والجهر بها: الشافعية: واجبة مع الفاتحة ويجهر بها في الجهرية. الحنفية والحنابلة: تقرأ سرا سنة. المالكية: تكره في الفريضة على المشهور، ويستحب الإتيان بها سرا خروجا من الخلاف في قول. ووجه البناء: حكم قراءتها تابع لحكم قرآنيتها في الفاتحة.

موضعه: الكتاب والسنة

مسألة خلافية هل القراءة الشاذة حجة في الأحكام؟

  • الحنفية حجة تنزل منزلة خبر الواحد، لأنها لا تخلو أن تكون قرآنا أو تفسيرا مسموعا من النبي.
  • المالكية المشهور عند الأصوليين المالكية كابن الحاجب أنها ليست حجة.
  • الشافعية قولان للأصوليين: نقل إمام الحرمين والنووي أنها ليست حجة، والذي اعتمده ابن السبكي وكثير من المتأخرين أنها حجة كخبر الآحاد.
  • الحنابلة حجة على المذهب.
  • سبب الخلاف هل ما نقل قرآنا ولم يتواتر يسقط بالكلية، أم يبقى له حكم الخبر؟
  • الثمرة (١) التتابع في صيام كفارة اليمين (قراءة ابن مسعود: فصيام ثلاثة أيام متتابعات): الحنفية والحنابلة: يشترط التتابع. الشافعية: لا يشترط على الأظهر. المالكية: لا يشترط ويستحب. ووجه البناء: من جعل القراءة حجة قيد بها مطلق الآية. والشافعية لا يشترطون التتابع على الأظهر، فالفرع عندهم لا يتبع قاعدة متأخريهم في حجية الشاذ. (٢) قطع يمين السارق (قراءة: فاقطعوا أيمانهما): اتفقوا على قطع اليمنى أولا، واستند بعضهم إلى القراءة وبعضهم إلى الإجماع والسنة. ووجه البناء: مثال على اتفاق الحكم مع اختلاف المأخذ.

موضعه: الكتاب والسنة

الأدلة: السنة

مسألة خلافية فعل النبي ﷺ المجرد الذي لم تعلم صفته، وما تردد بين الجبلي والتشريعي: ما حكمه في حق الأمة؟

  • الحنفية ما عُلمت صفته فالأمة مثله فيه، وما لم تعلم صفته فالمنقول عن الكرخي وجماعة منهم حمله على الإباحة ما لم يظهر قصد القربة، وحملوا جلسة الاستراحة على الحاجة.
  • المالكية نسب إلى مالك في رواية القول بالوجوب في الفعل المجرد، وعمل المذهب على حمل المتردد على الحاجة ما لم يظهر قصد القربة.
  • الشافعية المنقول عن الشافعي وعليه كثير من أصحابه الندب فيما ظهر فيه قصد القربة، وقال ابن سريج بالوجوب، واختار الغزالي التوقف.
  • الحنابلة قال جماعة من الحنابلة بالوجوب، وقال آخرون بالندب، وفي المتردد بين الجبلي والتشريعي روايات.
  • سبب الخلاف الفعل لا صيغة له، فدلالته تحتاج إلى معرفة وجهه: هل الأصل في أفعاله التشريع والتأسي لقوله «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة»، أم الأصل عدم التشريع حتى يظهر القصد؟
  • الثمرة جلسة الاستراحة في الصلاة: الشافعية: سنة. الحنفية والمالكية: لا تسن، وحملوها على الحاجة عند الكبر. الحنابلة: المذهب أنها لا تسن، وعن أحمد رواية بسنيتها. ووجه البناء: من جعل الفعل الواقع في العبادة تشريعا سنها، ومن جعله جبليا أو لحاجة لم يسنها.

موضعه: الكتاب والسنة

مسألة خلافية التقرير: ما الذي يثبت بسكوت النبي ﷺ أو استبشاره، وما محل التقرير؟

  • الحنفية التقرير دليل الجواز بشرط العلم والقدرة على الإنكار، لكنهم يقصرونه على ما ظهر أنه محل الإقرار؛ وفي قصة مجزز المدلجي قالوا: سروره كان لقطع طعن المنافقين في نسب أسامة بما يعتقدونه، والنسب ثابت بالفراش، فلا يثبت به أن القيافة طريق للإثبات.
  • المالكية التقرير حجة على الجواز، ويحتجون بقصة مجزز على اعتبار القيافة، والمشهور قصرها على أولاد الإماء دون الحرائر.
  • الشافعية التقرير حجة على الجواز، والقيافة طريق شرعي لإثبات النسب احتجاجا بسرور النبي ﷺ بقول مجزز.
  • الحنابلة كالشافعية: التقرير حجة، والقيافة معتبرة في إثبات النسب.
  • سبب الخلاف اتفقوا على أن التقرير يدل على الجواز، واختلفوا في تحديد محله: هل أقر النبي ﷺ الطريق الذي توصل به القائف، أم أقر النتيجة التي وافقت نسبا ثابتا بغيره؟
  • الثمرة إثبات النسب بالقيافة (قصة مجزز المدلجي: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، متفق عليه): الشافعية والحنابلة: يثبت النسب بالقافة عند التنازع. المالكية: يعمل بها في الجملة، والمشهور قصرها على أولاد الإماء. الحنفية: لا يثبت بها النسب. ووجه البناء: الخلاف في محل التقرير لا في حجيته.

موضعه: الكتاب والسنة

مسألة خلافية هل يقبل خبر الواحد فيما تعم به البلوى؟

  • الحنفية لا يقبل عند الكرخي وجمهور المتأخرين، لأن ما يحتاج إليه الكافة تتوافر الدواعي على نقله، فانفراد الواحد به أمارة خلل.
  • المالكية يقبل، وقد يقدم عليه عمل أهل المدينة لا عموم البلوى ذاته.
  • الشافعية يقبل، ولا أثر لعموم البلوى في رده.
  • الحنابلة يقبل.
  • سبب الخلاف هل عموم الحاجة يقتضي عادة شيوع النقل، فيكون انفراد الواحد قرينة على الوهم أو النسخ؟
  • الثمرة (١) نقض الوضوء بمس الذكر (حديث بسرة): الحنفية: لا ينقض، ويعضدون ذلك بحديث طلق «إنما هو بضعة منك». الشافعية: ينقض ببطن الكف والأصابع. الحنابلة: ينقض باليد بطنها أو ظهرها على المذهب. المالكية: ينقض بباطن الكف أو الأصابع أو جنبها على المعتمد. ووجه البناء: رد الحنفية حديث بسرة لعموم البلوى مع معارضته. (٢) رفع اليدين عند الركوع والرفع منه: الحنفية: لا يرفع إلا عند الافتتاح. الشافعية والحنابلة: يرفع. المالكية: المشهور (رواية ابن القاسم) عدم الرفع إلا في الافتتاح، وفي رواية الرفع. ووجه البناء: استدلال الحنفية بعموم البلوى، والمالكية بالعمل.

موضعه: الكتاب والسنة

مسألة خلافية إذا خالف خبر الواحد القياس، أيهما يقدم؟ وهل يشترط فقه الراوي؟

  • الحنفية عيسى بن أبان والدبوسي والبزدوي والسرخسي: الراوي المعروف بالعدالة والضبط دون الفقه، كأبي هريرة وأنس، إذا خالف خبره القياس من كل وجه وانسد باب الرأي قُدم القياس. والكرخي وأتباعه: لا يشترط فقه الراوي، ويقدم الخبر.
  • المالكية المعتمد عند المحققين كالباجي تقديم الخبر، ونقل بعض المالكية كابن القصار عن مالك تقديم القياس إذا تعارضا، ويظهر في المذهب رد خبر الواحد إذا خالف القواعد القطعية أو العمل.
  • الشافعية يقدم الخبر على القياس مطلقا، ولا يشترط فقه الراوي.
  • الحنابلة يقدم الخبر على القياس.
  • سبب الخلاف الخبر يحتمل الوهم في النقل بالمعنى، والقياس المستند إلى أصول قطعية يحتمل الخطأ في الإلحاق؛ فأي الاحتمالين أقوى؟
  • الثمرة حديث المصراة: ردها وصاعا من تمر: أبو حنيفة ومحمد: لا ترد بعيب التصرية ولا يجب الصاع، لمخالفة الحديث قياس ضمان المتلفات بالمثل أو القيمة. الشافعية والمالكية والحنابلة وأبو يوسف في رواية: يردها وصاعا من تمر. ووجه البناء: المثال الأشهر لشرط فقه الراوي، لأن الحديث من رواية أبي هريرة.

موضعه: الكتاب والسنة

مسألة خلافية إذا عمل الراوي أو أفتى بخلاف ما رواه، فالعبرة بما روى أم بما رأى؟

  • الحنفية العبرة بما رأى إذا كانت المخالفة بعد الرواية ولا يحتمل خفاء الخبر عليه، لأنه لا يترك ما رواه إلا عن ناسخ أو دليل.
  • المالكية العبرة بما روى عند الأكثر، مع الاعتداد بالعمل في بعض المواضع.
  • الشافعية العبرة بما روى، لأن الحجة في كلام النبي لا في فهم الراوي.
  • الحنابلة العبرة بما روى على الصحيح، وعن أحمد رواية بالأخذ بقول الراوي.
  • سبب الخلاف هل مخالفة الراوي قرينة على علمه بنسخ أو تأويل، أم مجرد اجتهاد منه لا يلزم غيره؟
  • الثمرة (١) غسل الإناء من ولوغ الكلب: الحنفية: ثلاثا، لأن أبا هريرة راوي السبع أفتى بالثلاث فيما نقله الطحاوي والدارقطني. الشافعية والحنابلة: سبعا إحداهن بالتراب. المالكية: يندب غسله سبعا تعبدا، مع حكمهم بطهارة الكلب وطهارة الماء. ووجه البناء: تطبيق مباشر: مأخذ الحنفية فتوى الراوي بخلاف ما روى، لا فقه الراوي. (٢) خيار المجلس وحديث ابن عمر: الحنفية: لا خيار مجلس، ويؤولون التفرق بالأقوال. الشافعية والحنابلة: يثبت، ويحتجون بفعل ابن عمر نفسه في مفارقة صاحبه ليلزم البيع. ووجه البناء: هنا فعل الراوي موافق لما روى، فاحتج به المثبتون.

موضعه: الكتاب والسنة

مسألة خلافية إذا أنكر الأصل (الشيخ) ما رواه عنه الفرع، أو قال: لا أذكره، فهل يرد الحديث؟ (من حدّث ونسي)

  • الحنفية إن جزم الأصل بالنفي رُدّ الحديث. وإن قال: لا أذكره، رده الكرخي وجماعة من الحنفية، ويُنقل عن أبي يوسف، لأن الفرع فرع للأصل، فإذا لم يثبته الأصل لم يثبت.
  • المالكية إن جزم الأصل بالنفي رُدّ الحديث عند الأكثر دون جرح أحدهما. وإن قال: لا أذكره، قُبل، وهو قول الجمهور، لأن الفرع ثقة جازم والنسيان لا يبطل جزمه.
  • الشافعية إن جزم الأصل بالنفي رُدّ الحديث عند الأكثر دون جرح أحدهما. وإن قال: لا أذكره، قُبل، وهو قول الجمهور.
  • الحنابلة إن جزم الأصل بالنفي رُدّ الحديث عند الأكثر دون جرح أحدهما. وإن قال: لا أذكره، قُبل، وهو قول الجمهور.
  • سبب الخلاف هل رواية الفرع تابعة لثبوتها عند الأصل، فإذا لم يثبتها سقطت، أم هي خبر ثقة جازم مستقل لا يبطله نسيان الشيخ؟
  • الثمرة النكاح بغير ولي وحديث عائشة «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل»: الحنفية: ردوا الحديث بما نُقل عن ابن جريج أنه سأل الزهري، وهو مداره، فلم يعرفه، ومعه عندهم أن عائشة زوّجت حفصة بنت أخيها عبد الرحمن وهو غائب، فخالفت ما روت. الجمهور: احتجوا به، لأن الراوي ثقة، وحكاية ابن جريج تفرد بها إسماعيل ابن علية وضعفها يحيى بن معين. ووجه البناء: الحديث رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم، من طريق سليمان بن موسى عن الزهري؛ وتخريج النكاح بلا ولي على هذه الأصول في f21.

موضعه: الكتاب والسنة

مسألة خلافية هل الحديث المرسل حجة؟

  • الحنفية حجة إذا كان المرسل ثقة من أهل القرون الثلاثة، بل قد يقدم على المسند عند بعضهم.
  • المالكية حجة، وهو مذهب مالك وأصحابه في الجملة، والموطأ مشحون بالمراسيل والبلاغات.
  • الشافعية ليس حجة بذاته. وقبله الشافعي في الرسالة بشروط: أن يكون المرسل من كبار التابعين، وأن يعتضد بمسند، أو مرسل آخر من غير طريقه، أو قول صحابي، أو فتوى أكثر أهل العلم، وأن يكون المرسل إذا سمى لم يسم مجهولا ولا مرغوبا عنه. وقال في مراسيل سعيد بن المسيب ما معناه إنها عنده حسنة، وفسره النووي والخطيب بالاستحسان مع بقاء شرط الاعتضاد، لا بقبولها مطلقا.
  • الحنابلة عن أحمد روايتان، والذي عليه جماعة من أصحابه قبوله، ويقدم عليه المتصل.
  • سبب الخلاف هل إسقاط الثقة للواسطة توثيق ضمني لها، أم أن جهالة الواسطة تمنع الحكم بالعدالة؟
  • الثمرة (١) نقض الوضوء بالقهقهة في الصلاة: الحنفية: تنقض الوضوء والصلاة، بمرسل أبي العالية في الضحك. الجمهور: تبطل الصلاة دون الوضوء. ووجه البناء: أخذ الحنفية بالمرسل وإن خالف القياس. (٢) بيع اللحم بالحيوان: الشافعية والمالكية والحنابلة: ممنوع في الجملة، احتجاجا بمرسل سعيد بن المسيب. أبو حنيفة وأبو يوسف: يجوز. ووجه البناء: الشافعي احتج هنا بمرسل ابن المسيب لاعتضاده، وأبو حنيفة لم يأخذ به لمعارض عنده؛ فالقاعدة وحدها لا تفسر الفرع.

موضعه: الكتاب والسنة

الأدلة: النسخ

مسألة خلافية هل يجوز نسخ القرآن بالسنة، والسنة بالقرآن؟

  • الحنفية يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة والمشهورة، ونسخ السنة بالقرآن.
  • المالكية يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة عند الجمهور منهم كالباجي والقرافي، ونسخ السنة بالقرآن.
  • الشافعية نص الشافعي في الرسالة على أن القرآن لا ينسخ إلا بقرآن، والسنة لا تنسخها إلا سنة، وأن الله إذا نسخ سنة بقرآن سن رسوله سنة تبين ذلك. وخالفه كثير من أصحابه في جواز نسخ السنة بالقرآن وفي الجواز العقلي لنسخ القرآن بالسنة المتواترة، وصحح ابن السبكي في جمع الجوامع الجواز في الجهتين.
  • الحنابلة عن أحمد روايتان في نسخ القرآن بالسنة، والمنع أشهر عند كثير من أصحابه، ويجوز عندهم نسخ السنة بالقرآن.
  • سبب الخلاف هل النسخ بيان لانتهاء أمد الحكم يصح من كل وحي، أم يشترط التماثل بين الناسخ والمنسوخ في الرتبة؟ وفهم قوله «نأت بخير منها أو مثلها».
  • الثمرة نسخ الوصية للوالدين والأقربين: اتفقوا على عدم وجوبها للوارث. الحنفية وكثير من المالكية: نسخت بحديث «لا وصية لوارث» مع آية المواريث، والحديث عند الحنفية مشهور متلقى بالقبول، وكثير من المالكية يجعلون الناسخ آية المواريث. الشافعي: نسختها آية المواريث، والحديث مبين. ووجه البناء: الخلاف في المأخذ؛ والحكم واحد.

موضعه: النسخ

مسألة خلافية هل الزيادة على النص نسخ؟

  • الحنفية الزيادة التي تغير حكم المزيد عليه شرعا، فتجعله بعض الواجب بعد أن كان كله، أو تجعل المطلق مقيدا، نسخ؛ فلا تثبت بخبر الواحد ولا بالقياس إذا كان المزيد عليه قطعيا، وتثبت بالمتواتر والمشهور. أما زيادة عبادة مستقلة لا تغير حكم الأصل فليست نسخا.
  • المالكية ليست نسخا عند الأكثر، وتقبل بخبر الواحد، وفيهم من فصل.
  • الشافعية ليست نسخا بل بيان أو تخصيص، فتقبل بخبر الواحد.
  • الحنابلة ليست نسخا.
  • سبب الخلاف حقيقة النسخ: هل هو رفع حكم شرعي، فتكون إزالة الإجزاء عن المزيد عليه وحده رفعا لحكمه، أم أن الزيادة ضم حكم إلى حكم؟
  • الثمرة (١) تغريب الزاني البكر مع الجلد: الحنفية: ليس من الحد، ويجوز للإمام تعزيرا. الشافعية والحنابلة: من الحد للرجل والمرأة. المالكية: يغرب الرجل الحر دون المرأة. ووجه البناء: زيادة التغريب على آية الجلد نسخ عند الحنفية فلا تقبل بالآحاد. (٢) القضاء بالشاهد واليمين: الحنفية: لا يقضى به. المالكية والشافعية والحنابلة: يقضى به في الأموال. ووجه البناء: زيادة على آية «واستشهدوا شهيدين من رجالكم». (٣) اشتراط النية في الوضوء: الحنفية: سنة لا شرط. الجمهور: شرط. ووجه البناء: اشتراطها بحديث «إنما الأعمال بالنيات» زيادة على آية الوضوء عند الحنفية، مع مآخذ أخرى. (٤) تعيين الفاتحة والطمأنينة في الأركان: الحنفية: الفرض مطلق القراءة ومطلق الركوع والسجود، والفاتحة والطمأنينة واجبتان بخبر الواحد لا ركنان. الجمهور: ركنان تبطل الصلاة بتركهما. ووجه البناء: جعلهما ركنين بالآحاد زيادة على النص القطعي، والزيادة نسخ عند الحنفية فلا تثبت بالآحاد. (٥) اشتراط الإيمان في رقبة كفارة اليمين والظهار: الحنفية: لا يشترط، فتجزئ الرقبة الكافرة. المالكية والشافعية والحنابلة: يشترط الإيمان. ووجه البناء: تقييد الرقبة المطلقة زيادة على النص عند الحنفية، وتفصيلها في حمل المطلق على المقيد.

موضعه: النسخ

الأدلة: الإجماع

مسألة خلافية هل الإجماع السكوتي إجماع وحجة؟

  • الحنفية إجماع قطعي عند أكثرهم، بشرط انتشار القول ومضي مدة التأمل وعدم المانع من الإنكار.
  • المالكية حجة عند جمهورهم، واختلفوا في تسميته إجماعا، وردد ابن الحاجب في المختصر بين كونه إجماعا أو حجة.
  • الشافعية نص الشافعي في الجديد: «لا ينسب إلى ساكت قول»، فليس إجماعا ولا حجة. واختار جماعة من أصحابه كالآمدي وابن السبكي أنه حجة ظنية، وجعل ابن السبكي الخلاف في تسميته إجماعا لفظيا.
  • الحنابلة إجماع وحجة على المذهب.
  • سبب الخلاف السكوت محتمل: الموافقة، أو التروي، أو الهيبة، أو اعتقاد أن كل مجتهد مصيب. فهل يرجح احتمال الموافقة عادة؟
  • الثمرة حد شارب الخمر: الحنفية والمالكية والحنابلة في المذهب: ثمانون، لما استقر في عهد عمر بلا نكير. الشافعية: أربعون حدا، والزيادة إلى الثمانين تعزير يجوز للإمام. ووجه البناء: من جعل السكوت إجماعا ثبتت عنده الثمانون حدا.

موضعه: الإجماع

الأدلة: المختلف فيها

مسألة خلافية هل عمل أهل المدينة حجة؟ وهل يقدم على خبر الواحد؟

  • الحنفية ليس حجة بذاته.
  • المالكية حجة. وقسمه المحققون كالقاضي عياض والباجي إلى: نقلي (كالأذان والصاع والمد وترك الزكاة في الخضروات) وهو حجة مقدم على خبر الواحد؛ واستدلالي اجتهادي، وفي حجيته خلاف بين المالكية.
  • الشافعية ليس حجة بذاته، ويرجح به أحد الخبرين عند بعضهم.
  • الحنابلة ليس حجة بذاته على المذهب، ونقل عن أحمد أن ما رواه أهل المدينة وعملوا به أرجح عند التعارض، وقرر ابن تيمية أن عمل الصدر الأول مرجح.
  • سبب الخلاف هل العمل المتوارث في مدينة النبي نقل جماعي لسنة عملية يفوق خبر الفرد، أم هو اجتهاد أهل بلد لا يلزم غيرهم؟
  • الثمرة (١) خيار المجلس: المالكية: لا خيار مجلس، لأن العمل على خلافه، مع رواية مالك حديث ابن عمر في الموطأ. الحنفية: لا خيار مجلس بتأويل الحديث. الشافعية والحنابلة: يثبت. ووجه البناء: قدم مالك العمل على الخبر الصحيح الذي رواه. (٢) زكاة الخضروات: المالكية والشافعية والحنابلة وأبو يوسف ومحمد: لا زكاة فيها (والمالكية استدلوا بالعمل النقلي). أبو حنيفة: تجب في كل ما أخرجت الأرض. ووجه البناء: العمل النقلي عند المالكية دليل على عدم أخذ الزكاة منها.

موضعه: الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة

مسألة خلافية هل قول الصحابي حجة إذا لم يعرف له مخالف؟

  • الحنفية حجة يقدم على القياس عند البردعي والجصاص والسرخسي، وعند الكرخي لا يقلد إلا فيما لا يدرك بالقياس؛ واتفقوا على حجيته فيما لا مجال للرأي فيه لأنه في حكم المرفوع.
  • المالكية حجة عند مالك وأصحابه في الجملة.
  • الشافعية حجة في القديم، والمعتمد عند الأصحاب أنه ليس حجة في الجديد، أي ليس حجة ملزمة مقدمة على القياس؛ وفي الرسالة الجديدة، باب أقاويل الصحابة، ما يدل على الأخذ بقول الواحد منهم عند فقد الكتاب والسنة والإجماع، ولذلك نازع ابن القيم في نسبة نفي الحجية إلى الجديد.
  • الحنابلة حجة مقدم على القياس في ظاهر المذهب، وعن أحمد رواية أخرى.
  • سبب الخلاف هل لمشاهدة الصحابة التنزيل وعلمهم بالقرائن قيمة تجعل قولهم دليلا، أم هم مجتهدون يجوز عليهم الخطأ كغيرهم؟
  • الثمرة (١) بيع العينة (قصة زيد بن أرقم وأثر عائشة): الحنفية والمالكية والحنابلة: يمنع شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن. الشافعية: يصح، لأن قول الصحابي ليس حجة، وقد خالفه زيد. ووجه البناء: احتج المانعون بأثر عائشة. (٢) أقل مدة الحيض: الحنفية: ثلاثة أيام، بآثار عن أنس وغيره فيما لا يدرك بالرأي. الشافعية والحنابلة: يوم وليلة بالاستقراء. المالكية: لا حد لأقله في العبادة. ووجه البناء: المقدرات لا تدرك بالرأي فيحمل قول الصحابي فيها على السماع.

موضعه: الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة

مسألة خلافية هل شرع من قبلنا شرع لنا إذا قصه الله أو رسوله من غير إنكار؟

  • الحنفية شرع لنا على أنه شريعة نبينا، إذا ثبت بالقرآن أو السنة ولم يرد ناسخ.
  • المالكية شرع لنا على المشهور.
  • الشافعية قولان في المذهب، والذي اختاره كثير من الأصوليين الشافعية كالغزالي والآمدي وابن السبكي أنه ليس شرعا لنا.
  • الحنابلة شرع لنا في أظهر الروايتين.
  • سبب الخلاف هل خاتمية الرسالة تنسخ ما قبلها جملة إلا ما أقره الشرع، أم أن القص بلا إنكار إقرار؟
  • الثمرة (١) قتل المسلم بالذمي: الحنفية: يقتل به، ومن أدلتهم «وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس». الجمهور: لا يقتل، لحديث «لا يقتل مسلم بكافر». والمالكية يقتلونه به في قتل الغيلة حدا. ووجه البناء: الاستدلال بآية التوراة مبني على القاعدة. (٢) الكفالة والجعالة (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم): اتفقوا على مشروعيتهما في الجملة، والاستدلال بالآية عند القائلين بالقاعدة، وغيرهم بالسنة والإجماع. ووجه البناء: اتفاق في الحكم واختلاف في المأخذ. (٣) قسمة المهايأة (قسمة المنافع بالزمان): احتج لها الحنفية بقوله تعالى في ناقة صالح «لها شرب ولكم شرب يوم معلوم» وقوله «ونبئهم أن الماء قسمة بينهم»، وهي مشروعة عند غيرهم بأدلة أخرى. ووجه البناء: استدلال بشرع من قبلنا في حكم اتفقوا عليه في الجملة.

موضعه: الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة

مسألة خلافية هل الاستحسان حجة؟

  • الحنفية حجة، وهو العدول بالمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم آخر لوجه أقوى: نص، أو إجماع، أو ضرورة، أو قياس خفي.
  • المالكية حجة، وروى أصبغ عن ابن القاسم عن مالك: «تسعة أعشار العلم الاستحسان» كما في الموافقات، وهو عندهم الأخذ بمصلحة جزئية أو عرف في مقابلة دليل كلي.
  • الشافعية أنكره الشافعي في الرسالة («وإنما الاستحسان تلذذ») وفي إبطال الاستحسان من الأم، ونقل عنه الغزالي في المستصفى: «من استحسن فقد شرع»، ومراده الاستحسان بلا دليل. ويرى المحققون أن الاستحسان بالمعنى الذي حرره الحنفية لا ينكره أحد، فالخلاف لفظي في أكثره.
  • الحنابلة قال به أحمد في مواضع، وأثبته القاضي وأبو الخطاب.
  • سبب الخلاف تحديد المعنى: إن كان الاستحسان ترك القياس لدليل أقوى فهو متفق عليه، وإن كان ما يستحسنه المجتهد بعقله بلا دليل فهو مردود اتفاقا؛ والنزاع في صور تقع بين المعنيين.
  • الثمرة (١) عقد الاستصناع: الحنفية: جائز استحسانا بالإجماع العملي والحاجة، وإن كان القياس منعه لأنه بيع معدوم. الشافعية والحنابلة: لا يصح إلا على صورة السلم بشروطه. المالكية: يلحقونه بالسلم بشروطه في الجملة. ووجه البناء: الاستحسان بالعرف والإجماع العملي. (٢) شهود الزنا إذا اختلفوا في زوايا البيت: الحنفية: يحد المشهود عليه استحسانا لإمكان التوفيق بالانتقال، والقياس ألا يحد. الشافعية: لا يحد. ووجه البناء: المثال الذي اشتهر في كتب الحنفية لاستحسان مقابل القياس، وانتقده الشافعية لأن الحدود تدرأ بالشبهات.

موضعه: الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف

مسألة خلافية هل المصلحة المرسلة حجة؟

  • الحنفية لا يعدونها دليلا مستقلا في كتب الأصول، ويدخل كثير من صورها عندهم في الاستحسان والعرف.
  • المالكية حجة، وهي من أشهر أصول مالك، بشروط: ملاءمة مقاصد الشرع، وألا تعارض نصا، وأن تكون في المعاملات المعقولة المعنى لا في التعبدات.
  • الشافعية المعتمد عند الآمدي وابن السبكي ردها، وقبلها الغزالي إذا كانت ضرورية قطعية كلية، وقبلها الجويني إذا كانت قريبة من معاني الأصول.
  • الحنابلة في الروضة لابن قدامة ردها أصلا مستقلا، وعمل الحنابلة بها واسع، وقررها ابن تيمية وابن القيم بضوابط.
  • سبب الخلاف هل يكفي شهادة جنس المقاصد للمصلحة، أم يشترط شاهد معين من نص أو إجماع أو قياس؟ وخشية فتح باب التشريع بالهوى.
  • الثمرة (١) تضمين الصناع (الأجير المشترك): المالكية: يضمنون ما ادعوا تلفه إلا ببينة، مصلحة لحفظ أموال الناس. أبو حنيفة: لا يضمن إلا بالتعدي؛ وأبو يوسف ومحمد: يضمن إلا من غالب. الشافعية: الأظهر أنه أمين لا يضمن. الحنابلة: يضمن ما تلف بفعله. ووجه البناء: استند المالكية إلى قول علي «لا يصلح الناس إلا ذاك» (رواه البيهقي، وضعّف الشافعي إسناده) وإلى المصلحة. (٢) جمع المصحف وتدوين الدواوين: متفق عليه عمليا، ويستدل به المالكية على المصلحة المرسلة، ويخرجه غيرهم على الإجماع. ووجه البناء: اتفاق في العمل واختلاف في التسمية.

موضعه: الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف

مسألة خلافية هل سد الذرائع أصل مستقل؟

  • الحنفية لا يعدونه أصلا مستقلا، ويعملون ببعض صوره تحت أبواب أخرى كالحيل والشبهة.
  • المالكية أصل مستقل موسع، والوسيلة إلى المحرم إذا كثر إفضاؤها إليه محرمة.
  • الشافعية لا يعدونه أصلا مستقلا، والعبرة بظاهر العقود لا بالنيات المتوقعة، ما لم يصرح بالمقصد المحرم.
  • الحنابلة أصل معمول به، وتوسع فيه ابن القيم في إعلام الموقعين.
  • سبب الخلاف هل يحكم على التصرف بمآله الغالب وقصد المتعاقد المظنون، أم بظاهره وأركانه؟
  • الثمرة (١) بيوع الآجال والعينة: المالكية والحنابلة: باطلة سدا للذريعة إلى الربا. الحنفية: فاسدة لأثر عائشة وشبهة الربا. الشافعية: صحيحة مع الكراهة. ووجه البناء: الشافعية نظروا إلى صحة كل عقد بمفرده. (٢) توريث المبتوتة في مرض الموت: المالكية: ترث ولو انقضت عدتها وتزوجت. الحنفية: ترث ما دامت في العدة. الحنابلة: ترث ما لم تتزوج. الشافعية في الجديد: لا ترث. ووجه البناء: معاملة الفار بنقيض قصده من باب سد الذريعة، ولها مستند أثري في قضاء عثمان.

موضعه: الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف

مسألة خلافية ما منزلة العرف في الأدلة؟ وهل يصحح العرف شرطا في العقد يخالف مقتضاه؟

  • الحنفية العرف معتبر، ويترك به القياس، ويخصص به العام عند كثير منهم؛ والشرط المتعارف لا يفسد العقد استحسانا.
  • المالكية العرف أصل واسع الأثر، والشروط في العقود يجيز المالكية منها ما لا يناقض مقتضى العقد ولا يخل بالثمن.
  • الشافعية العرف محكّم في تفسير الألفاظ وضبط ما أطلقه الشرع، ولا يخصص به النص عند الأكثر، والشرط الخارج عن مقتضى العقد ومصلحته يفسده ولو جرى به العرف.
  • الحنابلة العرف معتبر في الألفاظ والحرز والقبض ونحوها، والأصل في الشروط الصحة عند ابن تيمية، والمذهب يجيز شرطا واحدا من غير مقتضى العقد لحديث جابر.
  • سبب الخلاف هل العرف دليل منشئ للحكم، أم أداة لفهم الألفاظ وتحقيق المناط فقط؟
  • الثمرة (١) شراء نعل على أن يحذوه البائع: الحنفية: يصح استحسانا للتعامل. الشافعية: يفسد البيع بالشرط. الحنابلة: يصح لأنه شرط نفع واحد. المالكية: يصح. ووجه البناء: العرف عند الحنفية يرفع فساد الشرط. (٢) خدمة الزوجة في البيت: المالكية: يرجع إلى العرف وحال المرأة. الشافعية والحنابلة: لا تجب عليها. الحنفية: تجب ديانة لا قضاء. ووجه البناء: تحكيم العرف في ما لم يحدده النص.

موضعه: الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف

مسألة خلافية هل الاستصحاب حجة في الإثبات والدفع معا؟

  • الحنفية حجة للدفع لا للإثبات عند متأخريهم كالدبوسي والبزدوي والسرخسي: يصلح لإبقاء ما كان على ما كان، ولا يصلح لإثبات حق جديد. وقال كثير من متقدميهم، ومعهم أبو الحسين البصري، إنه ليس حجة أصلا كما في كشف الأسرار، ونسب القرافي الخلاف إلى «جمهور الحنفية والمتكلمين».
  • المالكية حجة مطلقا.
  • الشافعية حجة في الإثبات والدفع، مع رد استصحاب حال الإجماع عند الأكثر.
  • الحنابلة حجة مطلقا.
  • سبب الخلاف هل ظن البقاء المستند إلى ثبوت سابق قوي بما يكفي لإنشاء استحقاق جديد على الغير، أم يقف عند حفظ الحال القائم؟
  • الثمرة (١) المفقود: هل يرث من مات من أقاربه في غيبته؟: الحنفية: هو حي في حق ماله فلا يورث، ولا يثبت له إرث من غيره، فيوقف نصيبه، فإن حكم بموته رد إلى ورثة المورث الأول. الشافعية والحنابلة: يوقف نصيبه على أنه حي بالاستصحاب، ويبنى مآله على تبين حاله. ووجه البناء: استصحاب الحياة يدفع عن ماله القسمة ولا يثبت له ملكا جديدا عند الحنفية. (٢) الشفعة بملك ثابت باليد فقط: الحنفية: إذا أنكر المشتري ملك الشفيع للدار التي يشفع بها فلا شفعة حتى يقيم البينة، لأن ظاهر اليد يدفع ولا يستحق به. الجمهور: يكتفى بظاهر الملك على تفصيل. ووجه البناء: مثال مشهور في كتب أصول الحنفية.

موضعه: الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة

مسألة خلافية هل الأخذ بأقل ما قيل حجة؟

  • الحنفية لا يعدونه دليلا.
  • المالكية أخذ به بعض المالكية، والأكثر لا يعدونه دليلا مستقلا.
  • الشافعية احتج به الشافعي، وهو مركب من الإجماع على الأقل والبراءة الأصلية فيما زاد.
  • الحنابلة قال به بعض الأصحاب في مواضع.
  • سبب الخلاف هل القدر المتفق عليه ثابت بالإجماع، والزيادة منفية بالبراءة الأصلية، فيتعين الأقل؟
  • الثمرة دية الكتابي: الشافعية: ثلث دية المسلم. المالكية والحنابلة: نصف دية المسلم. الحنفية: مثل دية المسلم. ووجه البناء: اختار الشافعي الثلث لأنه أقل ما قيل، مع أثر عمر وعثمان.

موضعه: الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة

مسألة خلافية هل يراعى خلاف المخالف بعد وقوع الفعل؟

  • الحنفية تستحب مراعاة الخلاف احتياطا ما لم تؤد إلى ترك سنة أو مكروه في المذهب، ولا يعدونها أصلا مستقلا.
  • المالكية أصل مستقل: إعمال دليل المخالف في لازم مدلوله الذي أعمل في نقيضه دليلا آخر، ويكثر بعد الوقوع، فيصحح بعض آثار العقد الذي يراه المذهب فاسدا.
  • الشافعية الخروج من الخلاف مستحب قبل الفعل بشروط: ألا يخالف سنة ثابتة، وأن يقوى مدرك المخالف، وألا يؤدي إلى خرق إجماع.
  • الحنابلة يستحب الخروج من الخلاف عند كثير من الأصحاب.
  • سبب الخلاف هل لقول المجتهد المخالف أثر في تخفيف الحكم بعد الوقوع، لأن الواقعة صارت محل اجتهاد معتبر؟
  • الثمرة (١) النكاح بلا ولي إذا وقع: المالكية: يفسخ بطلاق، ويثبت به الميراث والعدة والنسب مراعاة لقول الحنفية بصحته. الشافعية والحنابلة: باطل، ويثبت النسب ويدرأ الحد للشبهة. الحنفية: صحيح للحرة البالغة العاقلة، والمفتى به عند المتأخرين في غير الكفء رواية الحسن بعدم الصحة. ووجه البناء: المالكية أعطوا العقد الفاسد عندهم بعض آثار الصحيح مراعاة للخلاف. (٢) الدلك في الوضوء: الشافعية: يستحب خروجا من خلاف مالك. المالكية: واجب. ووجه البناء: صورة الخروج من الخلاف قبل الوقوع.

موضعه: الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة

الأدلة: القياس

مسألة خلافية هل يجري القياس في الحدود والكفارات والمقدرات والرخص؟

  • الحنفية لا يجري القياس فيها، لأنها مقدرات لا تعقل عللها على وجه التفصيل، والحدود تدرأ بالشبهات. ويثبتونها بدلالة النص (مفهوم الموافقة) لأنها عندهم دلالة لفظية لا قياس.
  • المالكية يجري فيها القياس على المشهور.
  • الشافعية يجري فيها القياس إذا عقل المعنى.
  • الحنابلة يجري فيها القياس على المذهب.
  • سبب الخلاف هل تدرك علل هذه الأحكام إدراكا يصلح للتعدية، وهل الشبهة في القياس الظني تدرأ الحد؟
  • الثمرة (١) الكفارة بالأكل أو الشرب عمدا في نهار رمضان: الحنفية والمالكية: تجب الكفارة؛ الحنفية بدلالة النص، والمالكية بتنقيح المناط. الشافعية والحنابلة: لا كفارة إلا بالجماع. ووجه البناء: مفارقة نافعة: الحنفية لا يقيسون في الكفارات وأوجبوها بدلالة النص (المعنى المفهوم لغة: الجناية على الصوم)، والشافعية يقيسون ولم يوجبوها لأنهم رأوا المعنى خاصا بالجماع. (٢) حد اللواط: أبو حنيفة: تعزير لا حد. الصاحبان والشافعية: كحد الزنا. المالكية: الرجم مطلقا. الحنابلة: المعتمد في المذهب أن حد اللوطي كحد الزاني، وعن أحمد رواية بالرجم مطلقا اختارها جماعة منهم ابن تيمية وابن القيم. ووجه البناء: منع أبو حنيفة إلحاقه بالزنا قياسا ولا شمول اسم الزنا له. (٣) قطع النباش: أبو حنيفة ومحمد: لا قطع. أبو يوسف والجمهور: يقطع. ووجه البناء: الجمهور بالقياس على السارق أو بشمول الاسم، والحنفية لنقص الحرز والملك ومنع القياس في الحدود.

موضعه: القياس

مسألة خلافية هل يصح التعليل بالعلة القاصرة التي لا تتعدى محل النص؟

  • الحنفية لا يصح التعليل بالقاصرة المستنبطة، لأن فائدة التعليل التعدية؛ ويقبلون القاصرة المنصوصة أو المجمع عليها، فالخلاف في المستنبطة.
  • المالكية يصح.
  • الشافعية يصح، وفائدتها معرفة الحكمة والمنع من القياس عليها وتقوية النص.
  • الحنابلة في المذهب روايتان، والأكثر على الصحة مع عدم التعدية.
  • سبب الخلاف هل فائدة العلة محصورة في تعدية الحكم إلى الفرع، أم لها فوائد في فهم النص والاطمئنان إليه؟
  • الثمرة (١) علة الربا في الذهب والفضة: الشافعية والمالكية: الثمنية، وهي قاصرة على النقدين عند الشافعية. الحنفية والحنابلة: الوزن مع الجنس، وهي متعدية إلى كل موزون. ووجه البناء: من منع القاصرة لم يقبل الثمنية علة، فعدى الربا إلى الحديد والنحاس ونحوهما. (٢) الفلوس والأوراق النقدية: اختلف المعاصرون في تخريجها على العلتين، وأكثر المجامع على جريان الربا فيها بعلة الثمنية المطلقة. ووجه البناء: توسع في معنى الثمنية حتى صارت متعدية.

موضعه: القياس

الدلالات: العام والخاص

مسألة خلافية هل دلالة العام على أفراده قطعية أم ظنية؟

  • الحنفية قطعية قبل التخصيص عند العراقيين والدبوسي والبزدوي والسرخسي وعامة المتأخرين، وظنية عند مشايخ سمرقند كأبي منصور الماتريدي. فإذا خص بدليل صار ظنيا فيما بقي.
  • المالكية ظنية عند الجمهور منهم.
  • الشافعية ظنية، لاحتمال التخصيص احتمالا ناشئا عن دليل، إذ ما من عام إلا وقد خص.
  • الحنابلة ظنية.
  • سبب الخلاف هل الاحتمال الذي لا دليل عليه يقدح في القطع، وهل كثرة التخصيص في الشرع تجعل الاحتمال معتبرا في كل عام؟
  • الثمرة (١) متروك التسمية عمدا: الحنفية: حرام، لعموم «ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه» فلا يخصص بخبر الواحد. المالكية: حرام إذا تركها عمدا مع القدرة. الحنابلة: حرام عمدا وتسقط سهوا في الذبيحة. الشافعية: حلال، ويحملون الآية على ما ذبح لغير الله. ووجه البناء: قطعية العام عند الحنفية تمنع تخصيصه بالآحاد، وأخرجوا الناسي بغير طريق التخصيص، لأنه جُعل ذاكرا حكما، وحملوا حديث عائشة على مجهول الحال. أما المالكية والحنابلة فيقولون بظنية العام ووافقوا في الحكم بأدلة أخرى، فالبناء على القطعية خاص بالحنفية. (٢) قراءة الفاتحة: الحنفية: عموم «فاقرءوا ما تيسر» قطعي فلا تتعين الفاتحة ركنا. الجمهور: تتعين بحديث «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». ووجه البناء: تلتقي هنا قاعدة قطعية العام مع قاعدة الفرض والواجب.

موضعه: العام والخاص

مسألة خلافية هل يخصص عام القرآن والسنة المتواترة بخبر الواحد وبالقياس؟

  • الحنفية لا يخصص بهما ابتداء، لأن العام قطعي؛ فإن خص أولا بدليل قطعي متصل أو منفصل صار ظنيا فجاز تخصيصه بالآحاد والقياس. ويخصص بالحديث المشهور.
  • المالكية يجوز بخبر الواحد على المعتمد، وبالقياس على المشهور، وفي المذهب أقوال في القياس.
  • الشافعية يجوز تخصيصه بخبر الواحد وبالقياس.
  • الحنابلة يجوز بخبر الواحد، وبالقياس على الصحيح.
  • سبب الخلاف فرع عن قطعية العام وظنيته: الظني لا يقوى على القطعي عند الحنفية، والجمهور يرون التخصيص بيانا لا معارضة.
  • الثمرة (١) قتل المسلم بالذمي: الحنفية: يقتل به لعموم آيات القصاص، ويحملون حديث «لا يقتل مسلم بكافر» على الحربي. الشافعية والحنابلة: لا يقتل. المالكية: لا يقتل إلا في قتل الغيلة. ووجه البناء: تخصيص عموم القصاص بخبر الواحد ممتنع ابتداء عند الحنفية. (٢) الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها: اتفقوا على التحريم، مع أن عموم «وأحل لكم ما وراء ذلكم» يتناوله. ووجه البناء: خصصه الجمهور بالآحاد، والحنفية بالحديث المشهور المتلقى بالقبول؛ فالاتفاق في الحكم يخفي اختلاف المسلك.

موضعه: العام والخاص

مسألة خلافية هل صورة السبب الذي ورد عليه العام قطعية الدخول فيه فلا يجوز إخراجها بالاجتهاد؟

  • الحنفية اتفقوا مع الجمهور على أن العبرة بعموم اللفظ، لكن قد يخرجون صورة السبب بدليل يرونه، ولا يسلمون أن دخولها قطعي على كل حال.
  • المالكية العبرة بعموم اللفظ على المشهور، ونقل عن مالك رواية بالقصر على السبب.
  • الشافعية صورة السبب قطعية الدخول، فلا يجوز إخراجها بالاجتهاد، وهو المعتمد عند ابن السبكي وغيره.
  • الحنابلة العبرة بعموم اللفظ، وصورة السبب داخلة قطعا.
  • سبب الخلاف هل ورود النص جوابا عن واقعة يجعلها مرادة يقينا، أم يبقى لغيرها من الأدلة أثر في إخراجها؟
  • الثمرة الأمة الموطوءة: هل تصير فراشا بمجرد الوطء؟ (حديث الولد للفراش في قصة ابن وليدة زمعة): الشافعية والمالكية والحنابلة: تصير فراشا بالوطء فيلحق الولد بالسيد. الحنفية: لا يثبت نسب ولد الأمة إلا بدعوة السيد. ووجه البناء: الشافعية أنكروا على الحنفية إخراج صورة السبب، وهي ولد أمة.

موضعه: العام والخاص

مسألة خلافية هل ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال؟

  • الحنفية لا يعطونه قوة العموم دائما، ويجيزون حمل الواقعة على حال معين بدليل.
  • المالكية يأخذون بها في الجملة، وفرقوا بينها وبين قاعدة «حكايات الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال» كما بين القرافي.
  • الشافعية قاعدة مقررة منسوبة إلى الشافعي: ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم.
  • الحنابلة يأخذون بها.
  • سبب الخلاف هل سكوت المشرع عن السؤال عن التفاصيل مع حاجة الحكم إليها دليل على أن الحكم لا يختلف بها؟
  • الثمرة من أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة (حديث غيلان): الشافعية والمالكية والحنابلة ومحمد بن الحسن: يختار أربعا منهن مطلقا. أبو حنيفة وأبو يوسف: إن تزوجهن في عقد واحد بطل الجميع، وإن تزوجهن في عقود صح نكاح الأوائل وبطل ما بعد الرابعة. ووجه البناء: النبي لم يسأل غيلان عن ترتيب عقوده، فعمم الجمهور الحكم.

موضعه: العام والخاص

الدلالات: الحقيقة والمجاز والمشترك

مسألة خلافية هل يجوز حمل اللفظ المشترك على جميع معانيه في استعمال واحد؟

  • الحنفية لا يجوز، والمشترك لا عموم له، ويتعين أحد معانيه بالقرينة وإلا توقف.
  • المالكية يجوز عند الباقلاني والقرافي وجمع من المالكية.
  • الشافعية يجوز ويحمل عليها جميعا إذا لم تتناف ولم تقم قرينة على التعيين، وهو منسوب إلى الشافعي.
  • الحنابلة أجازه القاضي أبو يعلى وجماعة، ومنعه آخرون.
  • سبب الخلاف هل الوضع اللغوي يسمح بإرادة المعنيين معا بلفظ واحد، أم أن الواضع وضع اللفظ لكل معنى على البدل؟
  • الثمرة (١) الوصية للموالي وله معتِق ومعتَق: الحنفية: باطلة، لأن اللفظ لا يتناول الفريقين معا ولا مرجح لأحدهما (الهداية، باب الوصية للأقارب وغيرهم). الحنابلة: للفريقين جميعا، لأن الاسم يتناولهم حقيقة وعرفا (المغني، كتاب الوصايا). ونقل ابن قدامة عن ابن القاسم من المالكية أنها للموالي من أسفل، وعن الشافعية أربعة أوجه: للجميع، والبطلان، وللموالي من فوق، والوقف حتى يصطلحوا. ووجه البناء: من أجاز عموم المشترك صرفها إلى الجميع. (٢) القرء: الحيض أو الطهر: الحنفية والحنابلة: الحيض. المالكية والشافعية: الطهر. ووجه البناء: اتفقوا هنا على أن المراد أحد المعنيين، فالخلاف في الترجيح بالقرائن لا في العموم؛ ويصلح مثالا على حد القاعدة.

موضعه: مبادئ لغوية

مسألة خلافية هل يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد؟

  • الحنفية لا يجوز، ويسلكون عند الحاجة طريق «عموم المجاز»: حمل اللفظ على معنى مجازي عام تدخل فيه الحقيقة.
  • المالكية أجازه جمع منهم كالقاضي الباقلاني والقرافي، ومنعه آخرون كابن الحاجب لغة.
  • الشافعية يجوز إذا لم يتنافيا.
  • الحنابلة أجازه بعض الأصحاب كالقاضي أبي يعلى، ومنعه آخرون.
  • سبب الخلاف المجاز يشترط فيه قرينة صارفة عن الحقيقة، فهل يجتمع الصرف عنها وإرادتها في استعمال واحد؟
  • الثمرة (١) لمس المرأة: «أو لامستم النساء»: الشافعية: ينقض اللمس باليد مطلقا لغير المحرم، واللفظ يتناول الجماع أيضا عند من أجاز الجمع. الحنفية: الملامسة كناية عن الجماع، فلا ينقض المس. المالكية: ينقض إذا قصد اللذة أو وجدها. الحنابلة: ينقض إذا كان بشهوة على المذهب. ووجه البناء: حمل الآية على الحقيقة والمجاز معا يتيح للشافعية نقض الوضوء بالمس وبيان حكم الجنب بالآية نفسها. (٢) من حلف لا يضع قدمه في دار فلان: الحنفية: يحنث بالدخول حافيا أو منتعلا أو راكبا، لأن وضع القدم صار مجازا عن الدخول، والحقيقة فرد منه. ووجه البناء: مثال لطريقة الحنفية في عموم المجاز بدل الجمع بين الحقيقة والمجاز (الهداية، كتاب الأيمان).

موضعه: مبادئ لغوية

مسألة خلافية هل للمقتضى (المحذوف المقدر لتصحيح الكلام) عموم؟

  • الحنفية لا عموم للمقتضى، فيقدر ما يندفع به الضرورة فقط.
  • المالكية اختلفوا، والقرافي يذكر الخلاف ويرجح بحسب القرائن، والمعتمد عندهم عدم وقوع طلاق المكره.
  • الشافعية للمقتضى عموم على المعتمد عند كثير من الأصحاب، ويقدر ما يعم الأحكام.
  • الحنابلة له عموم عند كثير من الأصحاب.
  • سبب الخلاف المقدر ثبت للضرورة، فهل يقدر بقدرها، أم يقدر اللفظ الأعم ليكون الكلام أتم فائدة؟
  • الثمرة (١) طلاق المكره، وحديث «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»: الحنفية: يقع طلاق المكره، والمرفوع الإثم فقط. الشافعية والمالكية والحنابلة: لا يقع، والمرفوع الإثم والحكم. ووجه البناء: عموم المقتضى عند الجمهور يشمل رفع الآثار الدنيوية. (٢) الكلام ناسيا في الصلاة: الشافعية: لا تبطل بالكلام اليسير ناسيا. المالكية: لا تبطل باليسير سهوا ويسجد. الحنفية: تبطل. الحنابلة: روايتان. ووجه البناء: رفع الحكم عن الناسي عند من يرى عموم المقتضى، وللحنفية حديث «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس».

موضعه: طرق الدلالة بين المنهجين

الدلالات: الأمر والنهي

مسألة خلافية هل الأمر المطلق يقتضي الفور أم يجوز فيه التراخي؟

  • الحنفية المعتمد عند السرخسي وصدر الشريعة وعامة المتأخرين: لا يقتضي الفور، والكرخي يقول بالفور.
  • المالكية يقتضي الفور عند البغداديين من المالكية، وهو المنسوب إلى المذهب في كتب أصوله.
  • الشافعية لا يقتضي الفور، ويجوز التأخير بشرط العزم عند بعضهم وألا يغلب على الظن الفوات.
  • الحنابلة يقتضي الفور على ظاهر المذهب.
  • سبب الخلاف صيغة الأمر تدل على طلب الماهية، فهل الزمن داخل في مدلولها، أم يستفاد من قرائن كالمسارعة إلى الخيرات؟
  • الثمرة (١) وجوب الحج على المستطيع: الحنابلة والمالكية على المعتمد وأبو يوسف وأصح الروايتين عن أبي حنيفة: على الفور. الشافعية ومحمد بن الحسن: على التراخي. ووجه البناء: الحنفية الذين لا يرون الأمر للفور أوجبوا الحج فورا احتياطا لأن العمر لا يؤمن، فالفرع عندهم غير مخرج على القاعدة. (٢) إخراج الزكاة بعد الحول: الجمهور ومتأخرو الحنفية في المفتى به: على الفور. ونقل عن بعض الحنفية التراخي. ووجه البناء: الفور فيها لحاجة الفقير لا لمجرد الصيغة.

موضعه: الأمر والنهي

مسألة خلافية هل الأمر المطلق يقتضي التكرار، وهل يحتمله بالنية؟

  • الحنفية لا يقتضي التكرار ولا يحتمله، وإنما يحتمل كل الجنس لأنه فرد حكمي؛ فالمصدر في صيغة الأمر لا يحتمل العدد.
  • المالكية لا يقتضي التكرار عند الأكثر، ويحتمله.
  • الشافعية لا يقتضي التكرار على المختار، ويحتمله إذا نوي.
  • الحنابلة في المذهب قولان، والمختار عند كثيرين عدم الاقتضاء.
  • سبب الخلاف هل المصدر المضمن في الفعل اسم جنس يصدق على القليل والكثير فيحتمل العدد، أم فرد لا يتعدد إلا بلفظ؟
  • الثمرة قوله «أنت طالق» أو «طلقي نفسك» ينوي به الثلاث أو الثنتين: الحنفية: لا تقع إلا واحدة في «أنت طالق» ولو نوى الثلاث، وفي «طلقي نفسك» تصح نية الثلاث لأنها كل الجنس ولا تصح نية الثنتين. الشافعية والمالكية: يقع ما نواه. الحنابلة: في المذهب خلاف. ووجه البناء: يبنيها أصوليو الحنفية على أن المصدر لا يحتمل العدد.

موضعه: الأمر والنهي

مسألة خلافية هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه؟

  • الحنفية النهي عن الأفعال الحسية (كالزنا) يقتضي القبح لذاتها. والنهي عن التصرفات الشرعية لوصف لازم يقتضي فساد الوصف مع مشروعية الأصل، فيكون فاسدا لا باطلا. والنهي لأمر مجاور لا يقتضي الفساد.
  • المالكية يقتضي الفساد في الجملة، والمشهور صحة ما رجع النهي فيه إلى أمر خارج، مع فسخ بعض العقود وإمضائها إذا فاتت.
  • الشافعية يقتضي الفساد إذا رجع إلى ذات المنهي عنه أو وصفه اللازم، ولا يقتضيه إذا رجع إلى أمر خارج غير لازم.
  • الحنابلة يقتضي الفساد مطلقا على ظاهر المذهب، ولو كان لأمر خارج في كثير من الصور.
  • سبب الخلاف هل يمكن انفكاك الجهة بين ما أمر به الشارع وما نهى عنه في الفعل الواحد؟
  • الثمرة (١) الصلاة في الأرض المغصوبة: الحنابلة: باطلة على المذهب. الحنفية والشافعية والمالكية: صحيحة مع الإثم. ووجه البناء: الحنابلة لم يقبلوا انفكاك الجهة. (٢) البيع وقت نداء الجمعة: الحنفية: صحيح مكروه تحريما. الشافعية: صحيح مع التحريم. المالكية: يفسخ على المشهور ما لم يفت. الحنابلة: باطل. ووجه البناء: تدرج المذاهب في أثر النهي لأمر خارج. (٣) صوم يوم العيد بالنذر: الحنفية: ينعقد النذر، ويفطر ويقضي، فإن صامه أثم وبرئ. المالكية والشافعية: لا ينعقد النذر ولا يصح الصوم. الحنابلة: لا يصومه، وفي لزوم القضاء والكفارة روايات في المذهب. ووجه البناء: النهي لوصف عند الحنفية لا يعدم الأصل.

موضعه: الأمر والنهي

الدلالات: التخصيص المتصل

مسألة خلافية الاستثناء الواقع بعد جمل متعاطفة: هل يرجع إلى جميعها أم إلى الأخيرة؟

  • الحنفية يرجع إلى الجملة الأخيرة، إلا بقرينة.
  • المالكية يرجع إلى الجميع.
  • الشافعية يرجع إلى الجميع، إلا بقرينة.
  • الحنابلة يرجع إلى الجميع.
  • سبب الخلاف هل العطف بالواو يجعل الجمل في حكم الجملة الواحدة، أم أن الاستثناء يتعلق بما يليه لأنه المتيقن؟
  • الثمرة شهادة المحدود في القذف إذا تاب: الحنفية: لا تقبل أبدا، والاستثناء «إلا الذين تابوا» يرجع إلى الفسق وحده. المالكية والشافعية والحنابلة: تقبل. ووجه البناء: المثال الأشهر في كتب التخريج.

موضعه: العام والخاص

مسألة خلافية هل يصح الاستثناء من غير الجنس؟

  • الحنفية لا يصح حقيقة، ويصح عند أبي حنيفة وأبي يوسف استحسانا في المقدرات من المكيل والموزون والمعدود الذي يثبت دينا، فيستثنى بقيمته.
  • المالكية يصح.
  • الشافعية يصح مجازا.
  • الحنابلة لا يصح على المذهب، وفي استثناء أحد النقدين من الآخر رواية بالصحة.
  • سبب الخلاف الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فهل يتصور فيما لم يدخل أصلا؟ أم هو استدراك يصح مجازا؟
  • الثمرة قوله: له علي ألف درهم إلا ثوبا: الشافعية والمالكية: يصح ويسقط من الألف قيمة الثوب. الحنفية والحنابلة: يلزمه الألف كاملة. وفي «إلا دينارا» يصح عند أبي حنيفة وأبي يوسف وتسقط قيمته. ووجه البناء: تطبيق مباشر في الإقرار.

موضعه: العام والخاص

مسألة خلافية هل يصح استثناء الأكثر أو النصف؟

  • الحنفية يصح ما لم يستغرق.
  • المالكية يصح عند الأكثر، وفي المذهب قول بالمنع.
  • الشافعية يصح ما لم يستغرق.
  • الحنابلة لا يصح استثناء الأكثر على المذهب، ويصح استثناء النصف في وجه.
  • سبب الخلاف هل العرب تستعمل الاستثناء لإخراج القليل فقط، أم يصح لإخراج كل ما دون الكل؟
  • الثمرة قوله: أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين: الحنفية والشافعية والمالكية: تقع واحدة. الحنابلة: تقع ثلاث على المذهب لبطلان الاستثناء. ووجه البناء: مسألة يتميز فيها الحنابلة.

موضعه: العام والخاص

الدلالات: حروف المعاني

مسألة خلافية هل الواو العاطفة تقتضي الترتيب؟

  • الحنفية لمطلق الجمع لا تقتضي ترتيبا ولا معية.
  • المالكية لمطلق الجمع.
  • الشافعية لمطلق الجمع، وهو المعتمد عند جمهور الأصحاب. ونسب السرخسي الترتيب إلى بعض أصحاب الشافعي وإلى الشافعي في أحكام القرآن، ومن هنا شاعت النسبة، والمعتمد عندهم خلافها.
  • الحنابلة لمطلق الجمع عند الأكثر، ونقل عن بعض الأصحاب الترتيب.
  • سبب الخلاف الاستعمال اللغوي ومواقع الواو في القرآن، مع احتجاج القائلين بالترتيب بحديث «ابدءوا بما بدأ الله به».
  • الثمرة الترتيب في أعضاء الوضوء: الشافعية والحنابلة: فرض. الحنفية والمالكية: سنة. ووجه البناء: الشافعية لم يبنوا وجوبه على الواو غالبا، بل على إدخال الممسوح بين المغسولات وعلى فعل النبي المبين؛ وهذا تنبيه على خطأ شائع في نسبة الفرع.

موضعه: مبادئ لغوية

مسألة خلافية الباء في «وامسحوا برءوسكم»: للإلصاق أم للتبعيض؟ وما القدر الواجب؟

  • الحنفية الباء للإلصاق، والآية مجملة في المقدار بينها حديث المسح على الناصية، فالواجب ربع الرأس.
  • المالكية الواجب مسح جميع الرأس على المشهور، والباء للإلصاق أو زائدة للتوكيد كما في آية التيمم، وفي المذهب أقوال بإجزاء الثلثين أو الثلث.
  • الشافعية يكفي ما يقع عليه اسم المسح ولو بعض شعرة، لأن المسح مطلق؛ ونفى كثير منهم أن يكون مأخذهم التبعيض.
  • الحنابلة يجب مسح جميع الرأس على المذهب، وعن أحمد رواية بإجزاء البعض، ونقل عنه في المرأة إجزاء مسح مقدم رأسها.
  • سبب الخلاف معنى الباء الداخلة على الممسوح، وهل الآية مجملة في المقدار أم مطلقة أم عامة لجميع الرأس؟
  • الثمرة القدر الواجب من مسح الرأس في الوضوء: كما في المواقف: الشافعية أقل ما يسمى مسحا، الحنفية الربع، المالكية والحنابلة الجميع. ووجه البناء: الفرع نفسه هو الثمرة.

موضعه: مبادئ لغوية

مسألة خلافية «أو» في آية الحرابة: للتخيير أم للتنويع بحسب الجناية؟

  • الحنفية للتنويع بحسب الجناية في الجملة، مع تخيير الإمام عند أبي حنيفة فيمن قتل وأخذ المال بين القطع ثم القتل أو الصلب، وبين القتل أو الصلب.
  • المالكية للتخيير: الإمام يختار بحسب المصلحة، إلا من قتل فيتعين قتله أو صلبه.
  • الشافعية للتنويع: من قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن قتل فقط قتل، ومن أخذ المال قطع من خلاف، ومن أخاف نفي.
  • الحنابلة للتنويع على المذهب، كقول الشافعية.
  • سبب الخلاف أصل «أو» التخيير، فهل يصرف عنه بقرينة تناسب العقوبة مع الجناية وأثر ابن عباس في التنويع؟
  • الثمرة محارب أخاف السبيل وأخذ مالا كثيرا ولم يقتل: الجمهور: تقطع يده ورجله من خلاف. المالكية: للإمام أن يختار القتل إن رأى المصلحة، لأن أو للتخيير. ووجه البناء: تطبيق مباشر.

موضعه: مبادئ لغوية

الدلالات: المفهوم

مسألة خلافية هل مفهوم المخالفة حجة؟ ومفهوم الصفة خاصة.

  • الحنفية ليس حجة في نصوص الشرع، والتخصيص بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه؛ فالمسكوت عنه باق على العدم الأصلي أو يطلب حكمه من دليل آخر. ويعتبره متأخروهم في كلام الناس والعقود والروايات.
  • المالكية حجة، بشروط منها ألا يخرج القيد مخرج الغالب، ولا يكون لبيان واقعة، ولا لجواب سؤال؛ وأنكره القاضي الباقلاني.
  • الشافعية حجة، ومفهوم الصفة من أقواها بعد الشرط والغاية، وأنكر مفهوم الصفة بعض الشافعية منهم الغزالي.
  • الحنابلة حجة.
  • سبب الخلاف هل لتخصيص الشيء بالذكر فائدة غير نفي الحكم عما عداه؟ وهل العرب تفهم من القيد النفي؟
  • الثمرة (١) زكاة الغنم المعلوفة (حديث: في سائمة الغنم الزكاة): الحنفية والشافعية والحنابلة: لا زكاة في المعلوفة. المالكية: تجب فيها الزكاة. ووجه البناء: مفارقة نافعة: الحنفية يردون المفهوم ووافقوا الشافعية بأدلة أخرى، والمالكية يقبلونه وخالفوا لأن السوم عندهم خرج مخرج الغالب. (٢) نكاح الأمة الكتابية (من فتياتكم المؤمنات): الحنفية: يجوز. الجمهور: لا يجوز للمسلم. ووجه البناء: الجمهور عملوا بمفهوم الصفة. (٣) نكاح الأمة مع القدرة على مهر الحرة (ومن لم يستطع منكم طولا): الحنفية: يجوز مع الكراهة ما لم تكن تحته حرة. الجمهور: لا يجوز إلا بشرطي عدم الطول وخوف العنت. ووجه البناء: مفهوم الشرط والصفة في الآية.

موضعه: طرق الدلالة بين المنهجين

مسألة خلافية هل مفهوم الشرط حجة؟

  • الحنفية ليس حجة، فالمعلق بالشرط معدوم قبل وجود الشرط بالعدم الأصلي، لا بدلالة اللفظ.
  • المالكية حجة.
  • الشافعية حجة، وقال به بعض من رد مفهوم الصفة.
  • الحنابلة حجة.
  • سبب الخلاف هل أداة الشرط تدل لغة على انتفاء المشروط عند انتفاء الشرط، أم تدل على الوجود عند الوجود فقط؟
  • الثمرة نفقة المبتوتة غير الحامل (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن): الحنفية: لها النفقة والسكنى. المالكية والشافعية: لها السكنى دون النفقة. الحنابلة: لا نفقة لها ولا سكنى، لحديث فاطمة بنت قيس. ووجه البناء: الجمهور نفوا النفقة لغير الحامل بمفهوم الشرط، والحنفية أوجبوها بأدلة أخرى منها أثر عمر.

موضعه: طرق الدلالة بين المنهجين

مسألة خلافية هل مفهوم العدد حجة؟

  • الحنفية ليس حجة.
  • المالكية حجة عند الأكثر.
  • الشافعية حجة عند الشافعي وأكثر أصحابه.
  • الحنابلة حجة على المذهب.
  • سبب الخلاف هل ذكر العدد يدل على نفي الحكم عما زاد أو نقص، أم يثبت المذكور ويسكت عن غيره؟
  • الثمرة الماء القليل تقع فيه نجاسة لم تغيره (حديث القلتين): الشافعية والحنابلة: ما دون القلتين ينجس بملاقاة النجاسة، بمفهوم العدد. الحنفية: العبرة بالكثرة التي لا يخلص فيها أثر النجاسة، ولا يأخذون بحديث القلتين. المالكية: لا ينجس الماء إلا بالتغير، ويكره القليل. ووجه البناء: المالكية لم يأخذوا هنا بالمفهوم لمعارضته عندهم حديث «الماء طهور لا ينجسه شيء» وعمل أهل المدينة.

موضعه: طرق الدلالة بين المنهجين

مسألة خلافية هل مفهوم اللقب (تعليق الحكم باسم جامد) حجة؟

  • الحنفية ليس حجة.
  • المالكية ليس حجة عند الأكثر، وقال به ابن خويز منداد وبعض المالكية.
  • الشافعية ليس حجة عند الجمهور، وقال به الدقاق والصيرفي.
  • الحنابلة ليس حجة عند الأكثر، وقال به بعض الأصحاب.
  • سبب الخلاف تعليق الحكم بالاسم الجامد لا يشعر بعلة، فلا يظهر للتخصيص فائدة النفي.
  • الثمرة التيمم بغير التراب (وجعلت تربتها لنا طهورا): الشافعية والحنابلة: لا يصح إلا بتراب له غبار. الحنفية والمالكية: يصح بكل ما صعد على وجه الأرض. ووجه البناء: الشافعية والحنابلة لا يقولون بمفهوم اللقب، واحتجوا بأن ذكر التربة بعد ذكر الأرض عموما تخصيص له فائدة؛ وهذا نقاش مشهور في حدود القاعدة.

موضعه: طرق الدلالة بين المنهجين

مسألة خلافية هل دلالة الاقتران حجة؟ أي هل يدل اقتران شيئين في الذكر على اشتراكهما في الحكم؟

  • الحنفية ليست حجة عند الجمهور منهم، وأخذ بها أبو يوسف في بعض المواضع.
  • المالكية ليست حجة عند الأكثر، وأخذ بها بعضهم.
  • الشافعية ليست حجة عند الجمهور، وقال بها المزني وابن أبي هريرة.
  • الحنابلة ليست حجة عند الأكثر، وأخذ بها القاضي أبو يعلى وابن أبي موسى في مواضع.
  • سبب الخلاف العطف يقتضي التشريك في العامل لا في كل حكم، فهل ينشأ من الاقتران ظن الاشتراك في الحكم؟
  • الثمرة أكل لحم الخيل (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة): أبو حنيفة: مكروه. المالكية: المشهور التحريم. الشافعية والحنابلة والصاحبان: مباح لحديث جابر. ووجه البناء: استدل المانعون باقتران الخيل بالبغال والحمير في سياق الامتنان بالركوب دون الأكل.

موضعه: طرق الدلالة بين المنهجين

الدلالات: المطلق والمقيد

مسألة خلافية هل يحمل المطلق على المقيد إذا اتحد الحكم واختلف السبب؟ وإذا اتحدا وورد القيد في السبب؟

  • الحنفية لا يحمل إذا اختلف السبب، ولا يحمل إذا ورد القيد والإطلاق في السبب، لأن الحكم يجوز أن يتعدد سببه؛ ويحمل إذا اتحد الحكم والسبب وورد القيد على الحكم.
  • المالكية يحمل على المشهور في اتحاد الحكم واختلاف السبب.
  • الشافعية يحمل إذا اتحد الحكم واختلف السبب، بالقياس عند الأكثر أو بمقتضى اللغة عند بعضهم.
  • الحنابلة يحمل على المذهب.
  • سبب الخلاف هل القيد في موضع يدل على مراد الشارع في الموضع الآخر لوحدة الكلام الشرعي، أم أن لكل نص دلالته المستقلة، والزيادة بالقيد نسخ عند الحنفية؟
  • الثمرة (١) اشتراط الإيمان في رقبة كفارة الظهار واليمين (قيدت بالإيمان في كفارة القتل): الحنفية: تجزئ الرقبة الكافرة في الظهار واليمين. المالكية والشافعية والحنابلة: يشترط الإيمان. ووجه البناء: المثال الأشهر في الباب. (٢) زكاة الفطر عن العبد الكافر (روايات: من المسلمين، وروايات بلا قيد): الحنفية: تجب على السيد عن عبده الكافر. الجمهور: لا تجب. ووجه البناء: القيد عند الحنفية واقع في السبب (الرأس الذي يمونه)، فلا يحمل المطلق عليه.

موضعه: المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول

التعارض والترجيح

مسألة خلافية ما ترتيب طرق دفع التعارض بين الدليلين؟

  • الحنفية المشهور في كتب المتأخرين: النسخ إن علم التاريخ، ثم الترجيح، ثم الجمع، ثم التساقط والانتقال إلى ما دونهما من الأدلة. وقدم بعض الحنفية الجمع على الترجيح.
  • المالكية الجمع، ثم النسخ، ثم الترجيح.
  • الشافعية الجمع أولا لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، ثم النسخ إن علم التاريخ، ثم الترجيح، ثم التوقف أو التخيير.
  • الحنابلة الجمع، ثم النسخ، ثم الترجيح.
  • سبب الخلاف هل الجمع بتأويل أحد الدليلين تكلف قد يخالف مراد الشارع، فيقدم ما يعرف به مراده من تاريخ أو قوة، أم أن إعمال الكلامين أولى؟
  • الثمرة الصلاة ذات السبب في أوقات النهي (كتحية المسجد بعد العصر): الشافعية: تجوز، جمعا بحمل أحاديث النهي على ما لا سبب له. الحنفية: لا تجوز، ترجيحا للمحرم على المبيح. المالكية: لا تجوز على المشهور. الحنابلة: لا تجوز على المذهب إلا ما استثني كركعتي الطواف وإعادة الجماعة، وعن أحمد رواية بالجواز اختارها ابن تيمية. ووجه البناء: تقديم الجمع عند الشافعية يقابله تقديم الترجيح عند الحنفية.

موضعه: التعارض والترجيح

مسألة خلافية إذا تعارض العام والخاص، فهل يبنى العام على الخاص مطلقا؟

  • الحنفية إن علم التاريخ وتراخى الخاص نسخ من العام بقدره، وإن تأخر العام نسخ الخاص المتقدم؛ وإن جهل التاريخ تعارضا في القدر المتنازع فيطلب الترجيح، ولا يبنى العام على الخاص بإطلاق، لأن العام قطعي مثله.
  • المالكية يبنى العام على الخاص مطلقا عند الأكثر.
  • الشافعية يبنى العام على الخاص مطلقا، تقدم أو تأخر أو جهل التاريخ.
  • الحنابلة يبنى العام على الخاص على الصحيح، وعن أحمد رواية بنسخ الخاص المتقدم بالعام المتأخر.
  • سبب الخلاف فرع عن قطعية العام عند الحنفية: إذا تساويا في القطعية صار الأمر نسخا أو معارضة، لا بيانا.
  • الثمرة زكاة الزروع والثمار: النصاب والخضروات («فيما سقت السماء العشر»، مع «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» و«ليس في الخضراوات صدقة»): أبو حنيفة: العشر في القليل والكثير مما أخرجت الأرض، ومنه الخضروات. أبو يوسف ومحمد والجمهور: النصاب خمسة أوسق ولا زكاة في الخضروات. ووجه البناء: قرر السرخسي أن أبا حنيفة رجح العام على الخاص لتساويهما في القوة عنده مع جهل التاريخ، فهو ترجيح لا مجرد تقديم للعام؛ وقال الترمذي في أحاديث الخضراوات: لا يصح في هذا الباب شيء.

موضعه: العام والخاص

الاجتهاد والتقليد

مسألة خلافية هل كل مجتهد مصيب في الفروع؟ وما أثر ذلك في الاقتداء بالمخالف في الفروع؟

  • الحنفية المصيب واحد عند الله، والمخطئ مأجور معذور، وهو المنقول عن أبي حنيفة وأصحابه؛ وقال كثير من مشايخهم: المخطئ مصيب ابتداء مخطئ انتهاء.
  • المالكية المصيب واحد عند الأكثر، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وهو مالكي في الفروع، من أئمة المصوبة.
  • الشافعية المصيب واحد على المنصوص عن الشافعي، وقال الأشعري في المشهور عنه والغزالي بالتصويب.
  • الحنابلة المصيب واحد.
  • سبب الخلاف هل لله في كل واقعة حكم معين يطلبه المجتهد، أم الحكم تابع لما أدى إليه الاجتهاد؟ والخلاف في أصله كلامي بين المخطئة والمصوبة، لا بين المذاهب الفقهية.
  • الثمرة الصلاة خلف إمام يخالف المأموم في شرط أو ركن (كمن مس ذكره ولم يتوضأ): الشافعية: العبرة باعتقاد المأموم على الأصح، فلا يصح الاقتداء إن علم المأموم الخلل. الحنفية: العبرة برأي المقتدي على الأصح عند المتأخرين. المالكية: يصح الاقتداء بالمخالف في الفروع، والعبرة بمذهب الإمام في ما ليس شرطا لصحة الاقتداء. الحنابلة: يصح على الصحيح إذا ترك الإمام ما يعتقده المأموم شرطا والإمام يرى صحته. ووجه البناء: صلة الفرع بالتصويب غير مباشرة، وأقوى صلته بتصحيح اجتهاد الغير في حقه.

موضعه: الاجتهاد

مسألة خلافية هل يتجزأ الاجتهاد، فيجتهد العالم في باب دون باب؟

  • الحنفية يتجزأ عند الأكثر، ومنعه بعضهم.
  • المالكية يتجزأ عند الأكثر، وتردد فيه ابن الحاجب في المختصر.
  • الشافعية يتجزأ على الصحيح، وهو اختيار الغزالي والرازي، وفيه خلاف.
  • الحنابلة يتجزأ على الصحيح.
  • سبب الخلاف هل ملكة الاجتهاد واحدة لا تتجزأ، أم يكفي في المسألة الإحاطة بأدلتها ومداركها؟
  • الثمرة إفتاء المتخصص في باب الفرائض أو المعاملات وهو مقلد في غيرها: من أجاز التجزؤ أجاز له الاجتهاد والإفتاء في بابه، ومن منعه أوجب عليه التقليد مطلقا. ووجه البناء: أثره في تنظيم الإفتاء المعاصر والمجامع المتخصصة.

موضعه: الاجتهاد

مسألة خلافية هل يجوز أن يخلو عصر من مجتهد؟

  • الحنفية يجوز عقلا وشرعا عند كثير منهم، وهو قول الجمهور.
  • المالكية يجوز عند كثير منهم، وهو اختيار ابن الحاجب وقول الجمهور.
  • الشافعية يجوز عند كثير منهم، وهو اختيار الآمدي، ونُقل عن ابن دقيق العيد أن الزمان لا يخلو من مجتهد إلى أن تتداعى القواعد بقرب الساعة.
  • الحنابلة لا يجوز خلو العصر عن مجتهد، وهو المعروف عند أصحاب أحمد.
  • سبب الخلاف هل الاجتهاد فرض كفاية لا تجتمع الأمة على تركه، مع حديث «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق»، أم يجوز ذهاب العلماء كما في حديث «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا... ولكن يقبض العلم بقبض العلماء» (وكلاهما في الصحيحين)؟
  • الثمرة دعوى إغلاق باب الاجتهاد: من منع الخلو جعل وجود المجتهد مقدمة لازمة، فلا يصح أن يُدّعى إغلاق الاجتهاد. ومن أجازه احتاج إلى ضبط حال الأمة إذا فقدت المجتهد: تعمل بالمذاهب المدونة، ويُفتي فيها أهل الترجيح والنقل. ووجه البناء: ألف السيوطي «الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض».

موضعه: الاجتهاد

مسألة خلافية هل يجوز للعامي تقليد المفضول مع وجود الفاضل؟

  • الحنفية يجوز، وهو قول أكثر الحنفية.
  • المالكية يجوز، وهو قول أكثر المالكية.
  • الشافعية يجوز عند أكثر الشافعية، وأوجب ابن سريج والقفال أن يجتهد العامي في أعيان المفتين فيقلد الأعلم الأورع.
  • الحنابلة في المذهب خلاف، ونُقل عن أحمد في رواية أنه يجب على العامي أن يجتهد في أعيان المفتين فيقلد الأعلم الأورع.
  • سبب الخلاف هل قول المفتي للعامي بمنزلة الدليل للمجتهد، فيجب الترجيح بين الأقوى والأضعف؟ أم العامي عاجز عن الترجيح، فيكفيه أن يسأل من عُرفت أهليته؟ واحتج المجيزون بأن الصحابة كان فيهم الفاضل والمفضول، وكان العامة يستفتون المفضول مع وجود الفاضل ولم يُنكر عليهم.
  • الثمرة إذا اختلف على العامي مفتيان: على قول الجمهور يتخير أو يأخذ بالأوثق في نفسه، وعلى القول الآخر يلزمه قول الأعلم. ووجه البناء: ثمرة مباشرة لوجوب الترجيح بين المفتين أو عدمه.

موضعه: التقليد والفتوى والمذهب

مسألة خلافية هل يجوز للمقلد التنقل بين المذاهب وتتبع الرخص والتلفيق؟

  • الحنفية أجاز ابن الهمام وابن أمير حاج تقليد غير المذهب في المسائل والأخذ بالأخف ما لم يتتبع الرخص بهوى، ومنع متأخرون التلفيق المركب الذي لا يقول به أحد، وفي المذهب نقاش طويل في التلفيق.
  • المالكية شروط القرافي: ألا يجمع بين المذاهب على وجه يخالف الإجماع، وأن يعتقد رجحان من يقلده، وألا يتتبع الرخص؛ وأجاز بعض المتأخرين التلفيق في العبادات بضوابط.
  • الشافعية يجوز تقليد غير المذهب في مسألة بشروط، ويمنع تتبع الرخص والتلفيق الذي يؤدي إلى حقيقة مركبة لا يقول بها أحد من المجتهدين، كما قرر ابن حجر الهيتمي والرملي.
  • الحنابلة يمنعون تتبع الرخص، ويجيزون الانتقال لدليل أو حاجة.
  • سبب الخلاف هل التقليد التزام بمذهب معين أم اتباع لمجتهد في مسألة؟ والموازنة بين التيسير ومنع التحايل على الشرع.
  • الثمرة (١) النكاح بلا ولي تقليدا للحنفية، وبلا إشهاد عند العقد تقليدا للمالكية، وبلا إشهاد قبل الدخول ولا إعلان: باطل عند الجميع، لأنه حقيقة مركبة لا يصححها أحد من المجتهدين؛ والمالكية لا يشترطون الإشهاد عند العقد لكنهم يوجبونه قبل الدخول. ووجه البناء: الصورة المثالية للتلفيق الممنوع. (٢) الوضوء على مذهب والصلاة به على مذهب آخر يخالفه في النقض: منعه كثير من المتأخرين في الشافعية والحنفية إذا أدى إلى صلاة لا يصححها أحد، وتسامح فيه آخرون في العبادات. ووجه البناء: تطبيق عملي متكرر في حياة الطالب.

موضعه: التقليد والفتوى والمذهب

معجم المصطلحات

١ مدخل المعجم

يجمع المعجم المصطلحات التي عُرّفت في فصول التفصيل، مرتبة على حروف المعجم بعد إسقاط «ال»، ولكل مصطلح تعريفه الموجز ومقابله الإنجليزي والفصل الذي بُسط فيه.

١ ا

١ ب

١ ت

  • تأخير البيان عن وقت الحاجة (deferring clarification past the time of need): أن يتأخر بيان المراد عن وقت وجوب العمل به، وهو غير واقع في الشريعة. موضعه: المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول
  • التأسيس (foundational (non-redundant) reading): حمل اللفظ على إفادة معنى جديد، وهو أولى من التأكيد عند التردد بينهما. موضعه: مبادئ لغوية
  • التأكيد (emphasis (ta'kid)): تقوية مدلول اللفظ بلفظ آخر، لفظي أو معنوي. موضعه: مبادئ لغوية
  • التأويل (interpretation (ta'wil)): صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى مرجوح يحتمله، لدليل يصيّره راجحا. موضعه: المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول
  • التأويل البعيد (far-fetched interpretation): تأويل يحتاج إلى دليل قوي لبعد الاحتمال، فإن لم يقو عليه دليله رُد. موضعه: المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول
  • تتبع الرخص (seeking out concessions): أخذ المقلد من كل مذهب أخف ما فيه بقصد التخفف، وهو ممنوع. موضعه: التقليد والفتوى والمذهب
  • التترس (human-shield case (tatarrus)): اتخاذ الكفار أسرى المسلمين ترسا في القتال، وهو مثال الغزالي للمصلحة الضرورية القطعية الكلية. موضعه: الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف
  • تجزؤ الاجتهاد (partial ijtihad): أن يحصّل العالم أهلية الاجتهاد في باب أو مسألة دون غيرها. موضعه: الاجتهاد
  • التحري (considered personal judgment (taharri)): عند الحنفية: اجتهاد المجتهد وعمله بما تطمئن إليه نفسه حين لا يبقى دليل يُنزل إليه، كتعارض القياسين. موضعه: التعارض والترجيح
  • التحسينات (embellishments (tahsiniyyat)): الأخذ بما يليق من محاسن العادات ومكارم الأخلاق. موضعه: مقاصد الشريعة
  • التحسين والتقبيح العقليان (rational determination of good and evil): القول بأن العقل يدرك حسن الأفعال وقبحها بمعنى استحقاق المدح والثواب أو الذم والعقاب قبل الشرع. موضعه: نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية
  • تحقيق المناط (verifying the ratio in the case): إثبات العلة المعلومة في الواقعة المعينة. موضعه: القياس أصول الفقه في زمننا
  • تحقيق المناط الخاص (particular verification of the ratio): تحقيق المناط في أشخاص المكلفين وأحوالهم، ويحتاج إلى خبرة بالنفوس، بحسب تقسيم الشاطبي. موضعه: أصول الفقه في زمننا
  • التخريج (derivation within a school (takhrij)): بيان صلة الفرع بأصله، أو استخراج أصل الإمام من فروعه، أو إلحاق فرع غير منصوص بفرع منصوص. موضعه: حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه تخريج الفروع على الأصول
  • تخريج الأصول من الفروع (extracting roots from branches): استخراج القاعدة الأصولية التي كان الإمام يعمل بها من فروعه المنقولة عنه حين لم يرد عنه نص فيها. موضعه: تخريج الفروع على الأصول
  • تخريج الفروع على الأصول (deriving branches from roots): رد الفروع الفقهية المختلف فيها إلى القواعد الأصولية التي بنيت عليها، وبيان أثر الخلاف في القاعدة في الخلاف في الفرع. موضعه: تخريج الفروع على الأصول
  • تخريج الفروع على الفروع (extending branches from branches): نقل حكم مسألة منصوصة عن الإمام إلى مسألة مسكوت عنها لاشتراكهما في المعنى، وهو عمل المجتهد في المذهب. موضعه: تخريج الفروع على الأصول
  • تخريج المناط (extracting the ratio): استخراج علة حكم نص عليه الشارع دون علته. موضعه: القياس
  • التخصيص (specification (takhsis)): قصر العام على بعض أفراده، ويفارق النسخ بأنه في الأفراد لا في الأزمان. موضعه: النسخ العام والخاص
  • تخصيص العلة (specification of the cause): تخلف الحكم عن العلة في صورة لمانع مع بقاء عليتها. موضعه: القياس
  • التخصيص في الأزمان (temporal specification): وصف بعضهم للنسخ، وبه فسر خلاف أبي مسلم الأصفهاني. موضعه: النسخ
  • التخيير (option (takhyir)): تسوية الشارع بين فعل الشيء وتركه، وهو الإباحة. موضعه: الحكم التكليفي التعارض والترجيح
  • التداولية (pragmatics): علم يدرس المعنى في الاستعمال والمقام وقصد المتكلم، وقرئت به مباحث الألفاظ عند الأصوليين قراءة مقارنة. موضعه: أصول الفقه في زمننا
  • التراخي (permissible deferral (tarakhi)): جواز تأخير الفعل عن أول أوقات الإمكان ما لم يغلب على الظن فواته. موضعه: الأمر والنهي
  • الترادف (synonymy (taraduf)): توارد لفظين مفردين فأكثر على معنى واحد باعتبار واحد. موضعه: مبادئ لغوية
  • الترجيح (preference (tarjih)): تقوية أحد الدليلين المتعارضين بما ليس دليلا مستقلا، فيُعمل بالأقوى؛ وعند الحنفية إظهار زيادة لأحد المتماثلين وصفا لا أصلا. موضعه: التعارض والترجيح
  • ترك الاستفصال (non-inquiry treated as generality): أن يجيب الشارع عن واقعة تحتمل أحوالا دون أن يسأل عن حالها، فينزل منزلة العموم عند الجمهور. موضعه: العام والخاص
  • التساقط (mutual cancellation (tasaqut)): ترك الدليلين المتعارضين في محل التعارض عند تعذر النسخ والترجيح والجمع، والانتقال إلى ما دونهما. موضعه: التعارض والترجيح
  • التسعير (price-fixing (tas'ir)): تحديد الحاكم أسعار السلع على البائعين. موضعه: مقاصد الشريعة
  • التصديق (assent, judgement (tasdiq)): إدراك النسبة بين شيئين إثباتا أو نفيا، ويُطلب بالدليل. موضعه: حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه
  • التصور (conception (tasawwur)): إدراك المفرد دون حكم عليه، ويُطلب بالحد. موضعه: حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه
  • التعادل (equipollence (ta'adul)): تساوي الدليلين المتعارضين بحيث لا مزية لأحدهما على الآخر. موضعه: التعارض والترجيح
  • التعارض (conflict of evidence (ta'arud)): تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، بأن يقتضي أحدهما خلاف ما يقتضيه الآخر في محل واحد وزمن واحد. موضعه: التعارض والترجيح
  • التعليل (ratiocination of rulings (ta'lil)): بيان أن الحكم معلق بعلة أو حكمة؛ وفي علم الكلام: هل لأفعال الله وأحكامه أغراض وحكم. موضعه: مقاصد الشريعة
  • التغريب (banishment (taghrib)): نفي الزاني البكر عاما، وهو من الحد عند الجمهور وتعزير عند الحنفية. موضعه: النسخ
  • التغليب (gender predominance (taghlib)): إدخال المؤنث في لفظ المذكر عند اجتماعهما، وبه أدخل الحنابلة النساء في جمع المذكر السالم. موضعه: العام والخاص
  • تغير الفتوى (change of fatwa): اختلاف الجواب في الحكم المبني على عرف أو مصلحة متغيرة لتغير محله، مع ثبات الحكم الكلي. موضعه: أصول الفقه في زمننا
  • تغير الفتوى بتغير العرف (change of fatwa with change of custom): تغير الحكم الذي مدركه العادة عند تغير العادة، مع ثبات الحكم الكلي. موضعه: الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف
  • التقرير (tacit approval (taqrir)): سكوت النبي ﷺ عن قول أو فعل علمه مع قدرته على الإنكار، أو استبشاره به، وهو دليل الجواز. موضعه: الكتاب والسنة
  • التقليد (following (taqlid)): العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة، بتعريف ابن الهمام. موضعه: التقليد والفتوى والمذهب
  • تقليد المفضول (following the less learned): أخذ العامي بقول المفتي الأقل علما مع وجود الأعلم، وأجازه الجمهور. موضعه: التقليد والفتوى والمذهب
  • التكرار (repetition (tikrar)): اقتضاء الأمر فعل المأمور به مرة بعد مرة؛ ولا يقتضيه الأمر المطلق عند الجمهور. موضعه: الأمر والنهي
  • التكليف بما لا يطاق (imposing the impossible (taklif ma la yutaq)): طلب الشارع فعلا لا يقدر عليه المكلف؛ جائز عقلا عند الأشاعرة، ممتنع عند المعتزلة والماتريدية، وغير واقع في المحال لذاته والعادي. موضعه: نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية
  • التلفيق (combining opinions (talfiq)): الإتيان في المسألة الواحدة بكيفية مركبة من مذاهب لا يقول بها مجتهد. موضعه: التقليد والفتوى والمذهب
  • التمذهب (adherence to a school (tamadhhub)): التزام مذهب معين يأخذ المقلد بعزائمه ورخصه. موضعه: التقليد والفتوى والمذهب
  • التنزيل الرباعي (four-step application model): أداة الكتاب في التنزيل: الحكم الكلي، ثم محله، ثم تنزيله على المعين، ثم مآله. موضعه: أصول الفقه في زمننا
  • تنقيح المناط (refining the ratio): حذف الأوصاف التي لا أثر لها من سبب منصوص، وإناطة الحكم بالباقي. موضعه: القياس
  • التوقف (suspension of judgment): ترك الحكم في المسألة حتى يظهر مرجح، من أقوال الجمهور عند التعادل. موضعه: التعارض والترجيح

١ ث

  • الثمنية المطلقة (absolute monetary value (thamaniyya)): صفة كون الشيء ثمنا يتعامل به الناس، وبتوسيع علة الثمنية إليها جرى حكم الربا في النقود الورقية. موضعه: أصول الفقه في زمننا

١ ج

١ ح

  • الحاجيات (needs (hajiyyat)): ما يُفتقر إليه للتوسعة ورفع الحرج، ولا يختل النظام بفقده. موضعه: مقاصد الشريعة
  • الحاظر والمبيح (prohibiting over permitting report): تقديم الخبر المانع على المبيح احتياطا ولأنه ناقل عن الأصل. موضعه: التعارض والترجيح
  • الحاكم (the Lawgiver (al-hakim)): من يصدر عنه الحكم الشرعي، وهو الله تعالى باتفاق المسلمين. موضعه: نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه
  • الحجاج (argumentation (hijaj)): الاستدلال الطبيعي الذي يرجح ويقوي دون برهان قطعي، ويراه طه عبد الرحمن صورة الاستدلال في أكثر العلوم الإسلامية. موضعه: أصول الفقه في زمننا
  • الحجة الدافعة (repelling proof (ḥujja dāfiʿa)): دليل يُدفع به من ادعى تغيير الحال، ولا يُثبت به حق جديد على الغير، وهو الاستصحاب عند متأخري الحنفية. موضعه: الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة
  • الحد (definition (hadd)): التعريف الكاشف عن حقيقة الشيء بالجنس والفصل، ويُشترط فيه أن يكون جامعا مانعا. موضعه: حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه
  • الحديث المشهور (well-known report (mashhur)): عند الحنفية: ما رواه آحاد في الطبقة الأولى ثم تواتر في الثانية والثالثة، ويُخص به العام القطعي ويُزاد به على النص. موضعه: العام والخاص
  • الحرام لذاته (forbidden in itself): ما كانت مفسدته في ذاته، كالزنا والميتة، فلا يشرع سببا لحكم. موضعه: الحكم التكليفي
  • الحرام لغيره (forbidden for an extrinsic reason): ما كان مشروعا في أصله وحرم لوصف أو أمر مجاور، كالبيع وقت النداء. موضعه: الحكم التكليفي
  • حروف المعاني (functional particles (huruf al-ma'ani)): الحروف التي لها معنى في غيرها، كحروف العطف والجر، وتُبنى عليها أحكام كثيرة. موضعه: مبادئ لغوية
  • الحصر (restriction (hasr)): إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه، وتفيده إنما عند الجمهور. موضعه: مبادئ لغوية
  • حق العبد (right of the person (haqq al-'abd)): ما تعلقت به مصلحة خاصة، يسقط بالعفو ويورث ويصالح عليه. موضعه: الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه
  • حق الله (right of God (haqq Allah)): ما تعلق به النفع العام من غير اختصاص بأحد، فلا يسقط بإسقاط العبد ولا يورث. موضعه: الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه
  • الحقيقة (literal usage (haqiqa)): اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب. موضعه: مبادئ لغوية
  • الحقيقة الشرعية (legal literal meaning): اللفظ المستعمل فيما وضعه له الشارع، كالصلاة للأفعال المخصوصة. موضعه: مبادئ لغوية
  • الحقيقة العرفية (customary literal meaning): اللفظ المستعمل فيما غلب فيه عند أهل العرف، عاما كالدابة لذوات الأربع، أو خاصا كاصطلاحات الفنون. موضعه: مبادئ لغوية
  • حكم الأشياء قبل ورود الشرع (status of things before revelation): مسألة حكم الانتفاع بالأعيان والأفعال على فرض عدم الشرع، وفيها أقوال: الحظر والإباحة والوقف. موضعه: نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية
  • حكم الأصل (ruling of the original case): الحكم الشرعي الثابت للأصل بنص أو إجماع. موضعه: القياس
  • الحكم الشرعي (legal ruling (hukm shar'i)): خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع؛ وعند الحنفية أثر هذا الخطاب في الفعل. موضعه: الحكم التكليفي
  • الحكم الوضعي (declaratory ruling (hukm wad'i)): خطاب الله المتعلق بجعل الشيء سببا أو شرطا أو مانعا، أو بوصف الفعل بالصحة والفساد أو العزيمة والرخصة. موضعه: الحكم الوضعي
  • الحكمة (wisdom (ḥikma)): المصلحة المقصودة من شرع الحكم، كالمشقة في رخصة السفر. موضعه: القياس مقاصد الشريعة
  • الحمل (attribution of meaning (haml)): اعتقاد السامع مراد المتكلم من لفظه؛ وقواعد الأصوليين في الدلالة قواعد في الحمل. موضعه: مبادئ لغوية
  • حمل المطلق على المقيد (reading the unrestricted as restricted): فهم المطلق مرادا به المقيد إذا ورد في نص آخر، على تفصيل في صوره الأربع. موضعه: المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول
  • الحمل على حالين (assigning each text to a different case): نوع من الجمع ينزل فيه كل دليل على حال غير حال الآخر. موضعه: التعارض والترجيح

١ خ

١ د

  • دعوى الإجماع (reported (claimed) consensus): حكاية الإجماع في كتب العلم، وتُختبر بالحاكي والعبارة والنطاق ونقل المخالف. موضعه: الإجماع
  • دلالة الإيماء (allusion to the cause (ima')): اقتران الحكم بوصف لو لم يكن علة له لكان اقترانه به بعيدا. موضعه: طرق الدلالة بين المنهجين
  • دلالة النص (implied sense of the text (dalalat al-nass)): عند الحنفية: ثبوت حكم المنصوص لمسكوت عنه بمعنى يفهمه العارف باللغة بلا اجتهاد، وهي مفهوم الموافقة. موضعه: طرق الدلالة بين المنهجين
  • الدليل (proof, evidence (dalil)): ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري. موضعه: حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه
  • الدليل الإجمالي (general (summary) evidence): الدليل منظورا إليه من حيث نوعه، كالأمر والعام والقياس، لا من حيث مسألة معينة. موضعه: حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه
  • الدليل التفصيلي (specific evidence): دليل مسألة بعينها، كآية أو حديث في حكم معين. موضعه: حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه
  • الدوران (co-variance (dawarān)): وجود الحكم بوجود الوصف وعدمه بعدمه. موضعه: القياس

١ ذ

١ ر

  • الراجح (preponderant position (rajih)): عند المالكية: ما قوي دليله. موضعه: التقليد والفتوى والمذهب
  • الرخصة (dispensation (rukhsa)): الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر مع قيام السبب المقتضي لحكم العزيمة. موضعه: الحكم الوضعي
  • رخصة الإسقاط (dispensation of removal): عند الحنفية: رخصة يسقط معها حكم العزيمة عن المعذور فيصير الثابت في حقه عزيمة، كقصر الصلاة. موضعه: الحكم الوضعي
  • رخصة الترفيه (dispensation of relief): عند الحنفية: رخصة يبقى معها حكم العزيمة وسببه، والأخذ بالعزيمة أفضل، كفطر المسافر. موضعه: الحكم الوضعي
  • رد الجدة (restoring vigour (radd al-jidda)): تعريف الشيخ مولود السريري للتجديد: رد القوة إلى العلم بتكوين عقل يحسن بناء الأحكام. موضعه: أصول الفقه في زمننا
  • الرسالة (al-Shafi'i's Risala (The Epistle on Legal Theory)): كتاب الشافعي في البيان والسنة والنسخ والخبر والإجماع والقياس والاجتهاد، وهو أول تدوين جامع في الأصول وصل إلينا. موضعه: نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية
  • الرسم (description (rasm)): تعريف الشيء بالجنس والخاصة أو بآثاره اللازمة، كتعريف الواجب بما يُثاب فاعله ويُعاقب تاركه. موضعه: حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه
  • الرغيبة (raghiba (Maliki grade of recommended)): عند المالكية: ما رغب فيه النبي ﷺ وحده تحديدا ولم يظهره في جماعة، وهي ركعتا الفجر. موضعه: الحكم التكليفي

١ ز

١ س

  • السبب (cause (sabab)): الوصف الظاهر المنضبط الذي جعله الشارع علامة على الحكم، يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته. موضعه: الحكم الوضعي
  • السبر والتقسيم (probing and elimination): حصر الأوصاف المحتملة ثم إبطال ما لا يصلح منها ليتعين الباقي. موضعه: القياس
  • سد الذرائع (blocking the means (sadd al-dharāʾiʿ)): حسم مادة وسائل الفساد دفعا له، بمنع الفعل السالم عن المفسدة إذا كان وسيلة إليها. موضعه: الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف
  • السفه (prodigality (safah)): خفة تبعث على تبذير المال على خلاف مقتضى العقل والشرع. موضعه: الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه
  • سكوت الشارع مع قيام المقتضي (the Lawgiver's silence despite an existing motive): ترك الشارع تشريع حكم مع وجود المعنى المقتضي له في زمنه، فيدل على قصد الوقوف عند ما شرع. موضعه: مقاصد الشريعة
  • السنة (the Sunna): ما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير. موضعه: الكتاب والسنة
  • سنة الزوائد (supplementary sunna (sunnat al-zawa'id)): عند الحنفية: ما فعله النبي ﷺ على وجه العادة، ولا إساءة في تركه. موضعه: الحكم التكليفي
  • السنة المستقلة بالتشريع (independent legislative Sunna): سنة تأتي بحكم سكت عنه القرآن، كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها. موضعه: الكتاب والسنة
  • سنة الهدى (sunna of guidance (sunnat al-huda)): عند الحنفية: ما واظب عليه النبي ﷺ على وجه العبادة، وتاركها يستوجب الإساءة. موضعه: الحكم التكليفي

١ ش

  • الشبه (resemblance (shabah)): وصف لا تظهر مناسبته بذاته عُهد التفات الشارع إليه، ومنه إلحاق الفرع بأكثر الأصلين شبها. موضعه: القياس
  • شبهة الكعبي (al-Ka'bi's argument against the permitted): قول الكعبي إنه لا مباح، لأن كل مباح يحصل به ترك حرام، وما لا يتم الواجب إلا به واجب. موضعه: الحكم التكليفي
  • شجرة القرار عند التعارض (conflict decision tree): أداة تعليمية تعرض ترتيب طرق دفع التعارض فرعين متوازيين: الجمهور والحنفية. موضعه: التعارض والترجيح
  • الشرط (condition (shart)): ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وهو خارج عن ماهية المشروط. موضعه: الحكم الوضعي
  • شرط الصحة (condition of validity): شرط إذا انتفى توجه الخطاب ولم يصح الفعل، كالطهارة للصلاة. موضعه: الحكم الوضعي
  • الشرط اللغوي (linguistic condition): ما دخلت عليه أداة الشرط، كالتعليق على دخول الدار، وهو في حقيقته سبب. موضعه: الحكم الوضعي
  • شرط الوجوب (condition of obligation): شرط إذا انتفى لم يتوجه الخطاب، كالبلوغ وملك النصاب، ولا يجب تحصيله. موضعه: الحكم الوضعي
  • شرع من قبلنا (law of earlier prophets (sharʿ man qablanā)): الأحكام التي شرعها الله للأمم السابقة على ألسنة أنبيائهم. موضعه: الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة
  • الشك (doubt (shakk)): تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر. موضعه: حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه
  • شكر المنعم (gratitude to the Benefactor): معرفة الله وتعظيمه وصرف نعمه فيما خلقت له؛ وجوبه بالعقل عند المعتزلة، وبالشرع عند الأشاعرة. موضعه: نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية
  • الشيخان (the two shaykhs (al-Rafi'i and al-Nawawi)): عند الشافعية: الرافعي والنووي، وما اتفقا عليه هو المعتمد. موضعه: التقليد والفتوى والمذهب

١ ص

  • صاحب الواقعة (party to the event): المباشر للقصة المروية، وتُرجح روايته على رواية من نقلها عن غيره. موضعه: التعارض والترجيح
  • الصحة (validity (sihha)): موافقة الفعل ذي الوجهين للشرع؛ وفي العبادات: موافقة الأمر عند المتكلمين، وإسقاط القضاء عند الفقهاء. موضعه: الحكم الوضعي
  • الصريح (explicit expression (sarih)): ما ظهر المراد منه ظهورا بيّنا بكثرة الاستعمال، ويثبت موجبه بلا نية. موضعه: طرق الدلالة بين المنهجين
  • الصلح على الإنكار (settlement with denial): صلح المدعى عليه المنكر للحق على عوض، أجازه الحنفية افتداء لليمين. موضعه: الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة
  • صورة السبب (the occasioning case): الواقعة التي ورد عليها النص العام؛ قطعية الدخول فيه عند الشافعية والحنابلة. موضعه: العام والخاص
  • صيغ العموم (forms of generality): الألفاظ الموضوعة للاستغراق: كل وجميع، والمعرف بأل الاستغراقية والإضافة، والنكرة في سياق النفي والشرط، والموصولات، وأسماء الشرط والاستفهام. موضعه: العام والخاص

١ ض

١ ط

  • الطرد (mere concomitance (ṭard)): مقارنة الحكم للوصف من غير مناسبة ولا شبه، وهو مردود عند الجمهور. موضعه: القياس
  • طريقة الجمع (the combined method): طريقة المتأخرين في الجمع بين تحقيق القاعدة بالدليل وحكاية مذهب الحنفية ومذهب الجمهور. موضعه: نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية
  • طريقة الحنفية (the Hanafi (jurists') method): طريقة الفقهاء في التأليف: استخراج القواعد من فروع الأئمة وصياغتها بحيث تفسرها، مع كثرة التمثيل. موضعه: نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية
  • طريقة الفقهاء (jurists' method (Hanafi method)): طريقة الحنفية في تدوين الأصول باستقراء فروع الأئمة وصياغة القواعد التي تفسرها. موضعه: تخريج الفروع على الأصول
  • طريقة المتكلمين (the theologians' method): طريقة في التأليف تقرر القاعدة بالدليل وتجرد المسائل عن الفروع، وتستمد من الكلام والمنطق. موضعه: نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية
  • طلاق الفار (divorce of the fleeing (deathbed divorce)): طلاق المريض مرض الموت امرأته بائنا بغير رضاها، فترثه على تفصيل بين المذاهب. موضعه: الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه

١ ظ

١ ع

١ غ

  • الغاية (terminus (ghaya)): ما ينتهي إليه الحكم، وتفيدها إلى وحتى، والخلاف في دخولها في المغيّا. موضعه: مبادئ لغوية

١ ف

  • الفاسد (defective (fasid)): عند الحنفية في المعاملات: ما شرع بأصله دون وصفه، يفيد الملك بالقبض ويجب فسخه. موضعه: الحكم الوضعي
  • الفاسد عند الحنفية (defective act (fasid, Hanafi sense)): ما شُرع بأصله دون وصفه، كالبيع الربوي، يفيد الملك بالقبض ويجب فسخه. موضعه: الأمر والنهي
  • فتح الذرائع (opening the means (fatḥ al-dharāʾiʿ)): إعطاء وسيلة الواجب أو المندوب حكم ما تفضي إليه من وجوب أو ندب. موضعه: الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف
  • الفتوى (legal opinion (fatwa)): الإخبار بالحكم الشرعي عن دليل لمن سأل عنه، ولا تُلزم إلا من جهة التقليد. موضعه: التقليد والفتوى والمذهب
  • الفرض (fard (definitively established obligation)): عند الحنفية: ما ثبت لزومه بدليل قطعي لا شبهة فيه، يكفر جاحده؛ وعند الجمهور مرادف للواجب. موضعه: الحكم التكليفي
  • الفرع (new case (farʿ)): المحل المسكوت عنه المراد إلحاقه بالأصل. موضعه: القياس
  • الفضيلة (fadila (lesser recommended, Maliki)): عند المالكية: المندوب الذي قل تأكده عن السنة والرغيبة. موضعه: الحكم التكليفي
  • الفعل البياني (explanatory act (fi'l bayani)): فعل وقع بيانا لمجمل، فحكمه حكم المبين. موضعه: الكتاب والسنة
  • الفعل الجبلي (natural act (fi'l jibilli)): ما فعله النبي ﷺ بمقتضى الطبع البشري، وحكمه الإباحة. موضعه: الكتاب والسنة
  • الفقه (positive law, jurisprudence (fiqh)): العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية. موضعه: حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه
  • فقه الأولويات (jurisprudence of priorities): ترتيب الأعمال والأحكام بحسب رتبها الشرعية، كالفرض قبل النفل والضروري قبل الحاجي. موضعه: أصول الفقه في زمننا
  • فقه الراوي (narrator's juristic standing): شرط عند عيسى بن أبان ومن تبعه لتقديم خبر الراوي على القياس المخالف له من كل وجه. موضعه: الكتاب والسنة
  • فقه الموازنات (jurisprudence of balancing): الترجيح بين المصالح والمفاسد عند تزاحمها، وأصله في قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام. موضعه: أصول الفقه في زمننا
  • فقه الواقع (understanding of reality (fiqh al-waqi')): اسم حديث لتحقيق المناط الخاص مع معرفة العرف وأحوال المكلفين. موضعه: أصول الفقه في زمننا
  • الفور (immediacy (fawr)): وجوب المبادرة إلى الفعل في أول أوقات الإمكان. موضعه: الأمر والنهي

١ ق

  • القاعدة الأصولية (legal-theoretical rule): قضية كلية موضوعها الدليل، تكون كبرى في قياس يُستنبط به الحكم، مثل: الأمر المطلق للوجوب. موضعه: حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه
  • القاعدة الفقهية (legal maxim (qa'ida fiqhiyya)): حكم كلي موضوعه فعل المكلف، يجمع فروعا من أبواب متعددة، مستقرأ منها، مثل: اليقين لا يزول بالشك. موضعه: حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه التقليد والفتوى والمذهب
  • القدر (measure (kayl or wazn)): الكيل أو الوزن، وهو مع اتحاد الجنس علة ربا الفضل عند الحنفية والمذهب عند الحنابلة. موضعه: تخريج الفروع على الأصول
  • القرآن (the Qur'an (al-Kitab)): المنزل على الرسول ﷺ المكتوب في المصاحف المنقول عنه تواترا بلا شبهة (الحنفية)؛ واللفظ المنزل على محمد ﷺ للإعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته (المتكلمون). موضعه: الكتاب والسنة
  • القراءة الشاذة (non-canonical reading (qira'a shadhdha)): ما نُقل قرآنا ولم يتواتر، وهي عند المتأخرين ما وراء القراءات العشر. موضعه: الكتاب والسنة
  • القرينة الصارفة (diverting indicator): ما يمنع إرادة المعنى الحقيقي ويدل على المعنى المجازي، لفظية أو حالية أو عقلية. موضعه: مبادئ لغوية
  • القرء (qur' (menstrual period or purity)): لفظ مشترك بين الحيض والطهر، حمله الحنفية والحنابلة في العدة على الحيض، والمالكية والشافعية على الطهر. موضعه: تخريج الفروع على الأصول
  • القصر بالمتصل (restriction by a connected qualifier): اصطلاح الحنفية في الاستثناء والشرط والصفة: لا يسمونه تخصيصا، لأن الكلام مع قيده كلام واحد لم يتناول المخرج. موضعه: العام والخاص
  • القضاء (make-up (qada')): فعل العبادة بعد خروج وقتها استدراكا لما سبق وجوبه أو انعقد سببه. موضعه: الحكم الوضعي التقليد والفتوى والمذهب
  • القطعي (definitive (qat'i)): ما لا يحتمل غير مدلوله احتمالا ناشئا عن دليل، في ثبوته أو دلالته. موضعه: حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه
  • قطعية الخاص (definitiveness of the specific term): قول الحنفية إن الخاص يتناول مدلوله قطعا ولا يحتمل البيان، فما يغيره نسخ أو زيادة. موضعه: العام والخاص
  • قطعية العام (definitiveness of the general term): قول جمهور الحنفية إن العام يتناول أفراده قبل التخصيص قطعا كالخاص، فلا يُخص ابتداء بظني. موضعه: العام والخاص
  • قوادح القياس (objections to analogy): اعتراضات تُورد على القياس لإبطاله أو إضعافه، كالنقض والقلب وفساد الاعتبار. موضعه: القياس
  • القواعد الكبرى الخمس (the five major maxims): الأمور بمقاصدها، واليقين لا يزول بالشك، والمشقة تجلب التيسير، والضرر يزال، والعادة محكمة. موضعه: التقليد والفتوى والمذهب
  • قول الصحابي (Companion's opinion (qawl al-ṣaḥābī)): ما نُقل عن الصحابي من فتوى أو قضاء في حادثة لا نص فيها ولا إجماع. موضعه: الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة
  • القول القديم والجديد (al-Shāfiʿī's old and new doctrines): قول الشافعي في العراق قبل رحيله إلى مصر، وقوله في مصر بعد أن أعاد النظر في كتبه. موضعه: الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة
  • القول المخرّج (derived opinion (qawl mukharraj)): قول يستخرجه أصحاب الوجوه على أصل الإمام أو على نص له في مسألة أخرى، ويقابله القول المنصوص. موضعه: تخريج الفروع على الأصول
  • قوة الأثر (strength of effect (quwwat al-athar)): عند الحنفية: ظهور تأثير الوصف في جنس الحكم، ويرجح به بين الأقيسة. موضعه: التعارض والترجيح
  • القياس (analogy (qiyās)): مساواة فرع لأصل في علة حكمه، أو رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم. موضعه: القياس
  • قياس الأولى (a fortiori analogy): ما كانت العلة في فرعه أقوى منها في الأصل، ويسميه الحنفية دلالة النص. موضعه: القياس
  • القياس الخفي (hidden analogy (qiyās khafī)): قياس يخفى جامعه ويقوى أثره، يقابل القياس الجلي، وهو أحد معاني الاستحسان عند الحنفية. موضعه: الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف
  • القياس في اللغة (linguistic analogy): إثبات اسم لمعنى لم يُسمع إطلاقه عليه لمشاركته المسمى في علة التسمية؛ يمنعه الحنفية وأكثر المحققين. موضعه: مبادئ لغوية

١ ك

  • الكراهة التحريمية (prohibitive disapproval (karaha tahrimiyya)): عند الحنفية: أثر النهي الثابت بدليل ظني، مرتبة دون الحرام يأثم فاعلها ولا يكفر مستحلها. موضعه: الأمر والنهي
  • الكف (restraint (kaff)): حمل النفس على ترك المنهي عنه قصدا، وهو المكلف به في النهي عند الجمهور. موضعه: الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه
  • الكليات الخمس (the five universals): الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وهي متعلقات الضروريات، وثبتت بالاستقراء. موضعه: مقاصد الشريعة
  • الكناية (allusive expression (kinaya)): ما استتر المراد منه حتى يعرف بالنية أو دلالة الحال. موضعه: طرق الدلالة بين المنهجين

١ ل

  • لزوم النفل بالشروع (binding of supererogation upon commencement): أن النافلة إذا شُرع فيها وجب إتمامها وقضاؤها إن أُفسدت، وهو قول الحنفية والمالكية. موضعه: الحكم التكليفي

١ م

  • الماتريدية (Maturidites): مدرسة كلامية ترى أن العقل يدرك حسن بعض الأفعال وقبحها وأنه معرّف للحكم لا موجب؛ وعليها أكثر الحنفية، وهم سمرقنديون وبخاريون. موضعه: نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية
  • ما تعم به البلوى (matter of widespread need ('umum al-balwa)): ما يحتاج إليه عامة المكلفين حاجة متكررة، فتتوافر الدواعي على نقله. موضعه: الكتاب والسنة
  • ما جرى به العمل (established practice ('amal)): قول ضعيف أو مرجوح عمل به القضاة والمفتون في بلد لمصلحة أو عرف، فيقدم على المشهور بشروط. موضعه: التقليد والفتوى والمذهب
  • المأخذ (ground of a ruling (ma'khadh)): الدليل أو القاعدة التي بني عليها الحكم الفرعي، وقد يتعدد للفرع الواحد. موضعه: تخريج الفروع على الأصول
  • ما لا يدرك بالرأي (matters beyond independent reasoning): المقدرات وما لا مجال للاجتهاد فيه، يُحمل فيه قول الصحابي على السماع عند الحنفية. موضعه: الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة
  • المانع (impediment (mani')): ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته. موضعه: الحكم الوضعي
  • مانع الحكم (impediment to the ruling): وصف يمنع ترتب الحكم مع قيام سببه، كالأبوة في القصاص. موضعه: الحكم الوضعي
  • مانع السبب (impediment to the cause): وصف يخل بحكمة السبب فيمنع انعقاده، كالدين في الزكاة عند من قال به. موضعه: الحكم الوضعي
  • المباح (permitted (mubah)): ما خيّر الشارع المكلف بين فعله وتركه. موضعه: الحكم التكليفي
  • المبين (clarified term (mubayyan)): ما اتضحت دلالته بأصل وضعه أو بعد ورود البيان عليه. موضعه: المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول
  • المتشابه (ambiguous verse (mutashabih)): ما استأثر الله بعلمه أو خفي معناه؛ وعند الحنفية أعلى مراتب الخفاء. موضعه: الكتاب والسنة طرق الدلالة بين المنهجين
  • المتواتر (mass-transmitted report (mutawatir)): خبر جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه، مستندهم الحس، ويفيد العلم. موضعه: الكتاب والسنة
  • المثبت والنافي (affirming over negating report): تقديم الخبر المثبت على النافي لأن معه زيادة علم. موضعه: التعارض والترجيح
  • المجاز (figurative usage (majaz)): اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب، لعلاقة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي. موضعه: مبادئ لغوية
  • مجتهد الفتوى (jurist of preponderance (ahl al-tarjih)): فقيه النفس الحافظ لمذهب إمامه العارف بأدلته، يحرر ويرجح بين الأقوال. موضعه: الاجتهاد
  • مجتهد المذهب (mujtahid within the school): المقيد بمذهب إمامه، يقرر أصوله بالدليل ويخرّج عليها ما لم ينص عليه، وأقواله الوجوه. موضعه: الاجتهاد
  • المجتهد المستقل (absolute independent mujtahid): المجتهد المطلق الذي يستنبط من الأدلة ويؤسس أصوله بلا تقليد ولا تقيد بمذهب. موضعه: الاجتهاد
  • المجتهد المنتسب (affiliated mujtahid (muntasib)): من بلغ صفة المستقل ولم يقلد إمامه، وإنما ينسب إليه لسلوكه طريقه. موضعه: الاجتهاد
  • المجتهد فيه (matter open to ijtihad): كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي. موضعه: الاجتهاد
  • المجمع الفقهي (fiqh academy): هيئة علمية تبحث النوازل بالاجتهاد الجماعي وتصدر فيها قرارات مرقمة، كمجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة. موضعه: أصول الفقه في زمننا
  • المجمعون (أهل الإجماع) (those whose agreement constitutes consensus): المجتهدون من الأمة في عصر الإجماع، وفي كل فن أهله. موضعه: الإجماع
  • المجمل (ambiguous term (mujmal)): ما لم تتضح دلالته، أو احتمل معنيين لا مزية لأحدهما، فافتقر إلى البيان. موضعه: المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول
  • المحال لذاته (intrinsically impossible): ما يمتنع عقلا وعادة، كالجمع بين الضدين. موضعه: نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية
  • المحال لغيره (extrinsically impossible): ما يمتنع عادة لا عقلا كطيران الإنسان، أو يمتنع لتعلق علم الله بعدم وقوعه مع إمكانه في نفسه. موضعه: نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية
  • المحكم (clear verse (muhkam)): ما اتضح معناه عند الجمهور؛ وعند الحنفية أعلى مراتب الوضوح لا يحتمل تأويلا ولا نسخا. موضعه: الكتاب والسنة
  • المحكم (عند الحنفية) (perspicuous (muhkam)): ما لا يحتمل تأويلا ولا نسخا، لمعنى في ذاته أو لنص على تأبيده. موضعه: طرق الدلالة بين المنهجين
  • المحكوم فيه (object of the ruling (mahkum fihi)): فعل المكلف الذي تعلق به الخطاب، ويشترط أن يكون معلوما مقدورا مكتسبا. موضعه: الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه
  • المخصِّص (specifier): الدليل الذي حصل به قصر العام على بعض أفراده. موضعه: العام والخاص
  • المخصص المتصل (connected specifier): ما لا يستقل بنفسه ويتعلق بالعام في الكلام نفسه: الاستثناء والشرط والصفة والغاية وبدل البعض. موضعه: العام والخاص
  • المخصص المنفصل (separate specifier): ما يستقل بنفسه: العقل والحس والنص والإجماع والمفهوم والعرف المقارن والقياس. موضعه: العام والخاص
  • المخطّئة (proponents of a single correct answer): القائلون بأن لله في كل واقعة حكما معينا، والمصيب واحد، والمخطئ مأجور. موضعه: الاجتهاد
  • مدارك الشرع (sources of legal knowledge): الأدلة المثمرة للأحكام: الكتاب والسنة والإجماع والعقل عند الغزالي. موضعه: الاجتهاد
  • المذهب (the school's position (al-madhhab)): عند النووي: الراجح من طريقين أو طرق في حكاية المذهب. موضعه: التقليد والفتوى والمذهب
  • مراعاة الخلاف (regard for disagreement (murāʿāt al-khilāf)): إعمال دليل المخالف في لازم مدلوله الذي أُعمل في نقيضه دليل آخر، ويكثر بعد وقوع الفعل. موضعه: الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة
  • المرسل (mursal report): عند الأصوليين: قول العدل الذي لم يلق النبي ﷺ: قال رسول الله ﷺ. موضعه: الكتاب والسنة
  • مرسل الصحابي (Companion's mursal): ما رواه الصحابي عن النبي ﷺ ولم يسمعه منه، وهو حجة عند الجمهور. موضعه: الكتاب والسنة
  • مسالك العلة (routes for establishing the ratio): الطرق التي يثبت بها كون الوصف علة. موضعه: القياس
  • المسألة المشركة (the shared case (al-mushtaraka)): زوج وأم وإخوة لأم وأشقاء، شرّك فيها عمر في قضائه الثاني بين الأشقاء والإخوة لأم في الثلث. موضعه: الاجتهاد
  • المستفتي (questioner (mustafti)): السائل عن الحكم، ويجب عليه أن يسأل من عُرفت أهليته. موضعه: التقليد والفتوى والمذهب
  • مستند الإجماع (basis of consensus (mustanad)): الدليل الذي يستند إليه المجمعون من نص أو قياس، ولا ينعقد إجماع بدونه. موضعه: الإجماع
  • المشترك (polysemous term (mushtarak)): اللفظ الموضوع لمعنيين فأكثر وضعا متعددا، كالقرء للحيض والطهر. موضعه: مبادئ لغوية
  • المشكل (difficult (mushkil)): ما خفي المراد منه بسبب في اللفظ نفسه، فلا يدرك إلا بالطلب ثم التأمل. موضعه: طرق الدلالة بين المنهجين
  • المشهور (well-known report (mashhur, Hanafi sense)): عند الحنفية: ما كان آحادا في الطبقة الأولى ثم انتشر في القرن الثاني والثالث وتلقته الأمة بالقبول، يفيد الطمأنينة ويزاد به على الكتاب. موضعه: الكتاب والسنة التقليد والفتوى والمذهب
  • المصلحة (benefit, public interest (maslaha)): المحافظة على مقصود الشرع في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، بحد الغزالي. موضعه: مقاصد الشريعة
  • المصلحة المرسلة (unregulated public interest (maṣlaḥa mursala)): ما لم يشهد له دليل معين بالاعتبار ولا بالإلغاء، ويشهد له جنس تصرفات الشارع. موضعه: الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف مقاصد الشريعة
  • المصلحة المعتبرة (attested interest (maṣlaḥa muʿtabara)): ما شهد له دليل معين بالاعتبار، فيُبنى عليه القياس. موضعه: الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف مقاصد الشريعة
  • المصلحة الملغاة (rejected interest (maṣlaḥa mulghāh)): ما شهد الشرع بإلغائه وإن ظهر فيه نفع. موضعه: الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف مقاصد الشريعة
  • المصوّبة (proponents of the correctness of every mujtahid): القائلون بأن كل مجتهد في الفروع مصيب، وحكم الله في حقه ما أداه إليه اجتهاده. موضعه: الاجتهاد
  • المطلق (unrestricted term (mutlaq)): ما دل على الماهية أو على فرد شائع في جنسه بلا قيد يقلل شيوعه. موضعه: المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول
  • مطلق الجمع (unqualified conjunction): معنى الواو العاطفة عند الجمهور: الاشتراك في الحكم دون اقتضاء ترتيب أو معية. موضعه: مبادئ لغوية
  • المعتزلة (Mu'tazilites): مدرسة كلامية جعلت للأفعال حسنا وقبحا ذاتيين يدركهما العقل ويترتب عليهما الثواب والعقاب قبل الشرع. موضعه: نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية
  • المعتمد (relied-upon position (mu'tamad)): القول الذي استقر الترجيح عليه عند أهل الترجيح في المذهب. موضعه: التقليد والفتوى والمذهب
  • المعدول به عن سنن القياس (ruling departing from the norm of analogy): حكم ثبت على خلاف القواعد لدليل خاص، فلا يقاس عليه. موضعه: القياس
  • المعرب (Arabicized foreign word (mu'arrab)): لفظ استعملته العرب في معنى وضع له في غير لغتها. موضعه: الكتاب والسنة
  • المعلوم من الدين بالضرورة (what is known of religion by necessity): ما يعرفه الخاص والعام من المسلمين بلا نظر، ويكفر جاحد الإجماع عليه. موضعه: الإجماع
  • المفسر (elucidated (mufassar)): ما ازداد وضوحا على النص فلا يحتمل تأويلا ولا تخصيصا، ويقبل النسخ في زمن الوحي. موضعه: طرق الدلالة بين المنهجين
  • المفقود (missing person (mafqūd)): الغائب الذي انقطع خبره فلا تُعلم حياته ولا موته. موضعه: الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة
  • المفهوم (implicature (mafhum)): ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، أي حكم لغير المذكور. موضعه: طرق الدلالة بين المنهجين
  • مفهوم اللقب (implication of a proper or generic noun): نفي الحكم عما عدا الاسم الجامد الذي عُلق به الحكم، وأكثر العلماء لا يحتجون به. موضعه: طرق الدلالة بين المنهجين
  • مفهوم المخالفة (contrary implication (dalil al-khitab)): أن يخالف المسكوت عنه المنطوق في الحكم لانتفاء قيد معتبر؛ دليل الخطاب. موضعه: طرق الدلالة بين المنهجين
  • مفهوم الموافقة (congruent implication): أن يوافق المسكوت عنه المنطوق في الحكم، أولى أو مساويا؛ فحوى الخطاب ولحنه. موضعه: طرق الدلالة بين المنهجين
  • المقاصد الخاصة (specific objectives): المقاصد الملحوظة في باب معين من المعاملات، كأحكام العائلة والتصرفات المالية والقضاء. موضعه: مقاصد الشريعة
  • مقاصد الشريعة (higher objectives of the Law (maqasid al-shari'a)): المعاني والغايات التي قصدها الشارع في تشريع الأحكام، عامة في التشريع كله أو خاصة بباب منه. موضعه: مقاصد الشريعة
  • المقاصد العامة (general objectives): عند ابن عاشور: المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها. موضعه: مقاصد الشريعة
  • مقاصد المكلف (the agent's intentions): ما يقصده المكلف بفعله، ويجب أن يوافق قصد الشارع في التشريع عند الشاطبي. موضعه: مقاصد الشريعة
  • مقدمة الواجب (prerequisite of the obligatory): ما لا يتم الواجب إلا به، ويجب إن كان في قدرة المكلف ولم يكن شرطا للوجوب. موضعه: الحكم التكليفي
  • المقلد (follower (muqallid)): من لم يبلغ رتبة الاجتهاد فيأخذ الحكم من المجتهد. موضعه: التقليد والفتوى والمذهب
  • المقيد (restricted term (muqayyad)): ما دل على الماهية مع قيد يقلل شيوعها، من وصف أو شرط أو غاية أو حال. موضعه: المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول
  • المكروه تحريما (makruh tahriman (prohibitively disliked)): عند الحنفية: ما طلب الشارع تركه طلبا جازما بدليل ظني، وهو مقابل الواجب. موضعه: الحكم التكليفي
  • المكروه تنزيها (makruh tanzihan (mildly disliked)): ما طلب الشارع تركه طلبا غير جازم، وهو إلى الحل أقرب. موضعه: الحكم التكليفي
  • المكلف (legally responsible person (mukallaf)): البالغ العاقل الذي يفهم الخطاب وهو أهل لما كلف به. موضعه: الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه
  • المكمل (complement (mukammil)): ما يحمي مرتبة من المراتب ويتمها، كالتماثل في القصاص، ويسقط اعتباره إذا عاد على أصله بالإبطال. موضعه: مقاصد الشريعة
  • الملكة الأصولية (juristic faculty (malaka)): قدرة راسخة على بناء الحكم من دليله ونقد بنائه، تُكتسب بالتخريج والمناظرة وقراءة الفتوى ناقدا. موضعه: أصول الفقه في زمننا
  • المناسب الغريب (unattested suitable attribute): ما لم يشهد له إلا ترتيب الحكم على وفقه في محله. موضعه: القياس
  • المناسب الملائم (congruent suitable attribute): ما شهد الشرع لعينه في جنس الحكم أو لجنسه في عينه أو جنسه. موضعه: القياس
  • المناسبة (suitability (munāsaba)): كون الوصف بحيث يترتب على شرع الحكم عنده مصلحة مقصودة للشارع. موضعه: القياس مقاصد الشريعة
  • المناط (ratio / locus of a ruling (manat)): العلة أو الوصف الذي علق الشارع به الحكم. موضعه: أصول الفقه في زمننا
  • من حدّث ونسي (the source who forgets his own report): أن ينكر الشيخ ما رواه عنه الثقة أو لا يذكره؛ إن جزم بالنفي رُدّ الحديث عند الأكثر، وإن نسي قبله الجمهور ورده جماعة من الحنفية. موضعه: الكتاب والسنة
  • المندوب (recommended (mandub)): ما طلب الشارع فعله طلبا غير جازم، يثاب فاعله امتثالا ولا يعاقب تاركه. موضعه: الحكم التكليفي
  • المنسوخ (abrogated ruling (mansukh)): الحكم الشرعي المرفوع بالناسخ. موضعه: النسخ
  • المنطوق (explicit utterance (mantuq)): ما دل عليه اللفظ في محل النطق، صريحا أو غير صريح. موضعه: طرق الدلالة بين المنهجين
  • المنهي عنه لأمر مجاور (prohibited for an adjacent matter): ما رجع القبح فيه إلى شيء ينفك عن الفعل، كالبيع وقت النداء والصلاة في الأرض المغصوبة. موضعه: الأمر والنهي
  • المنهي عنه لذاته (prohibited in itself): ما رجع القبح فيه إلى حقيقة الفعل أو ركنه، كبيع الميتة والصلاة بغير طهارة. موضعه: الأمر والنهي
  • المنهي عنه لوصفه اللازم (prohibited for an inseparable attribute): ما رجع القبح فيه إلى صفة لا تنفك عن الفعل، كصوم يوم العيد وبيع الربا. موضعه: الأمر والنهي
  • المهايأة (usufruct-sharing by turns (muhāyaʾa)): قسمة المنافع بين الشركاء بالزمان أو المكان. موضعه: الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة
  • المهجور عرفا (customarily abandoned literal sense): المعنى الحقيقي الممكن الذي ترك الناس استعمال اللفظ فيه، فتُترك به الحقيقة عند الحنفية. موضعه: مبادئ لغوية
  • موضوع العلم (subject matter of a science): ما يُبحث في العلم عن عوارضه الذاتية؛ وهو في الأصول الأدلة الإجمالية، أو الأدلة والأحكام. موضعه: حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه
  • المؤول (عند الحنفية) (interpreted term (mu'awwal, Hanafi usage)): المشترك الذي ترجح أحد معانيه بغالب الرأي. موضعه: طرق الدلالة بين المنهجين
  • المؤونة (levy (ma'una)): عند الحنفية: ما يجب لبقاء الشيء وحفظه كالعشر والخراج، وقد يكون فيها معنى العبادة أو العقوبة. موضعه: الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه

١ ن

  • الناسخ (abrogating text (nasikh)): الخطاب الشرعي الدال على رفع الحكم المتقدم، والناسخ حقيقة هو الله تعالى. موضعه: النسخ
  • الناقل والمقرر (report departing from the baseline over one confirming it): تقديم الخبر الناقل عن البراءة الأصلية على المقرر لها عند الأكثر. موضعه: التعارض والترجيح
  • النسخ (abrogation (naskh)): رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ عنه؛ وعند كثير من الحنفية: بيان انتهاء مدة الحكم. موضعه: النسخ
  • نسخ التلاوة دون الحكم (abrogation of recitation, ruling retained): رفع لفظ الآية مع بقاء حكمها، كآية الرجم. موضعه: النسخ
  • نسخ التلاوة والحكم (abrogation of recitation and ruling): رفع لفظ الآية وحكمها معا، كعشر رضعات معلومات. موضعه: النسخ
  • نسخ الحكم دون التلاوة (abrogation of ruling, recitation retained): رفع حكم الآية مع بقاء لفظها يتلى، كعدة الحول. موضعه: النسخ
  • النسخ إلى غير بدل (abrogation without replacement): رفع الحكم دون أن يُشرع مكانه حكم آخر، كصدقة النجوى. موضعه: النسخ
  • النسخ قبل التمكن (abrogation before opportunity to act): رفع الحكم قبل مضي وقت يسع فعله، ويجيزه الجمهور بعد التمكن من الاعتقاد. موضعه: النسخ
  • النص (عند الحنفية) (explicit (nass, Hanafi usage)): ما ازداد وضوحا على الظاهر لأن الكلام سيق له. موضعه: طرق الدلالة بين المنهجين
  • النص (عند المتكلمين) (explicit text (nass, theologians' usage)): ما دل على معنى لا يحتمل غيره، أو لا يتطرق إليه احتمال ناشئ عن دليل. موضعه: المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول
  • النقض (inconsistency (naqḍ)): وجود العلة مع تخلف الحكم عنها في صورة. موضعه: القياس
  • نقض الاجتهاد (reversal of a ruling based on ijtihad): إبطال حكم صدر عن اجتهاد، ولا يكون باجتهاد مثله، ويكون بمخالفة النص أو الإجماع أو القياس الجلي. موضعه: الاجتهاد
  • نقطة الافتراق (point of divergence): المحطة من خط الاستنباط التي يتفرق فيها طريق المذاهب في مسألة بعينها. موضعه: تخريج الفروع على الأصول
  • النقل والتخريج (transfer and derivation): أن يرد عن الإمام نصان مختلفان في مسألتين متشابهتين فينقل حكم كل منهما إلى الأخرى، فيصير في كل منهما قولان. موضعه: تخريج الفروع على الأصول
  • النكت الفقهية (fine legal points (nukat)): المعاني الدقيقة التي يُبنى عليها الفرق بين المسائل الفقهية المتشابهة. موضعه: نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية
  • النهي (prohibition (nahy)): القول الطالب للكف عن فعل على جهة الاستعلاء؛ وصيغته لا تفعل. موضعه: الأمر والنهي
  • النوادر (rare transmissions (nawadir)): مسائل مروية عن أصحاب المذهب الحنفي في غير كتب ظاهر الرواية. موضعه: التقليد والفتوى والمذهب
  • النوازل (new cases (nawazil)): الوقائع المستجدة التي يطلب حكمها، ولها عند المالكية تراث مدون كالمعيار المعرب للونشريسي. موضعه: أصول الفقه في زمننا

١ ه

١ و

  • الواجب (wajib (obligatory)): عند الجمهور: ما طلب الشارع فعله طلبا جازما. وعند الحنفية: ما ثبت لزومه بدليل فيه شبهة، لا يكفر جاحده. موضعه: الحكم التكليفي
  • الواجب الكفائي (collective obligation (fard kifaya)): ما طلب الشارع حصوله من مجموع المكلفين دون نظر إلى فاعله، ويسقط بفعل من يكفي. موضعه: الحكم التكليفي
  • الواجب المخير (optional obligation (wajib mukhayyar)): ما طلب الشارع فيه واحدا مبهما من أمور معينة، ككفارة اليمين. موضعه: الحكم التكليفي
  • الواجب الموسع (extended-time obligation (wajib muwassa')): الواجب المؤقت بوقت يسعه ويسع غيره من جنسه، كالصلوات الخمس. موضعه: الحكم التكليفي
  • الواقعات (later juristic responses (waqi'at)): مسائل استنبطها متأخرو الحنفية في ما لا رواية فيه عن المتقدمين، وتسمى الفتاوى والنوازل. موضعه: التقليد والفتوى والمذهب
  • الوضع (assignment (wad')): جعل اللفظ دليلا على المعنى بحيث إذا أُطلق فُهم منه؛ وهو صفة الواضع. موضعه: مبادئ لغوية
  • الوقت المشكل (ambiguous time (mushkil)): عند الحنفية: وقت يشبه الظرف من جهة والمعيار من جهة، وهو وقت الحج. موضعه: الحكم التكليفي
  • الوقت المعيار (measuring time (mi'yar)): عند الحنفية: الوقت الذي يستغرقه الأداء ولا يسع غيره، كوقت صوم رمضان. موضعه: الحكم التكليفي
  • الوقف (suspension of judgement (waqf)): في مسألة الأشياء قبل الشرع: نفي الحكم حتى يرد الشرع عند الأشاعرة، أو عدم العلم بحكم ثابت عند من قاله من الحنفية. موضعه: نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية
  • الوهم (faint supposition (wahm)): إدراك الطرف المرجوح المقابل للظن. موضعه: حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه

خطة الدراسة ومشروع التخرج

١ موضع الملحق

هذا الملحق يحوّل الكتاب إلى مقرر: اثنا عشر أسبوعا بنحو ست ساعات إلى ثماني ساعات في الأسبوع، تبدأ بالتقريب كله في الأسبوع الأول، ثم تمشي في فصول التفصيل على ترتيب خط الاستنباط، وتنتهي بمشروع تخرج يجمع العلم في مسألة واحدة. والخطة نفسها هي التي تعرضها المنصة في صفحة «خطة الدراسة» وتحفظ فيها علامات الإنجاز، فما في هذا الملحق وما في المنصة شيء واحد.

وبُنيت الخطة على ثلاثة أصول من علوم التعلم: الاسترجاع (اختبار الفصل في آخر الأسبوع، والبطاقات اليومية)، والتباعد (يبدأ كل أسبوع بما استحق من بطاقات الأسابيع السابقة)، والتداخل (مراجعة مختلطة في منتصف الطريق، ومختبر الاستنباط الذي يجمع الأبواب في القضية الواحدة).

١ الإيقاع الأسبوعي

ثلاث جلسات قراءة، وجلسة في مختبر الاستنباط، ومراجعة البطاقات عشر دقائق كل يوم، واختبار الفصل في آخر الأسبوع. يبدأ كل أسبوع بمراجعة البطاقات المستحقة من الأسابيع السابقة.

اليوم العمل المدة التقريبية
الأول البطاقات المستحقة، ثم جلسة القراءة الأولى: سؤال الافتتاح والمبحث الأول من الفصل ساعة ونصف
الثاني جلسة القراءة الثانية: بقية المباحث وكتل الخلاف ساعة ونصف
الثالث جلسة القراءة الثالثة: كتلة المتن وحلها، وكتلة التطبيق، وتمارين الفصل ساعة ونصف
الرابع جلسة المختبر: قضية من مختبر الاستنباط أو جدول المقارنة ساعة
الخامس اختبار الفصل، ثم مراجعة الأجوبة الخاطئة وسبب خطئها نصف ساعة إلى ساعة
كل يوم البطاقات بالتكرار المتباعد عشر دقائق

وقاعدة الجلسة: يبدأ الطالب بسؤال الافتتاح ويكتب جوابه قبل الشرح، ثم يقارنه بالجواب في موضعه من الفصل. ويختم القراءة بأن يضع الفصل على خط الاستنباط: أي محطة يخدم، وأي سؤال يجيب.

١ الأسابيع الاثنا عشر

الأسبوع العنوان الغاية القراءة التطبيق والتقويم
1 المنظومة كلها في أسبوع أن يرسم الطالب خط الاستنباط من الذاكرة، ويعرف موضع كل باب منه خطة الكتاب خطة الكتاب ومنهجه، وفصول التقريب ما أصول الفقه؟ العلم في صورة واحدة إلى قضية واحدة من أولها إلى آخرها: النكاح بغير ولي على خط الاستنباط، وأول متن المنظومة متن المنظومة رسم خريطة المنظومة باليد ثم مقابلتها بالخريطة في الصفحة الأولى؛ حفظ القضايا الأولى من المتن
2 مقدمات العلم ونشأته أن يعرّف أصول الفقه، ويميزه من الفقه والقواعد الفقهية، ويعرف مدارس التأليف وأمهات كتبها حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه، نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية اختبار الفصلين
3 الحكم الشرعي أن يصنف الحكم تكليفيا ووضعيا، ويفرق بين الفرض والواجب عند الحنفية، وبين الفاسد والباطل الحكم التكليفي، الحكم الوضعي، الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه اختبارات الفصول الثلاثة
4 الكتاب والسنة والنسخ أن يزن الدليل النقلي بثبوته، ويعرف شروط كل مذهب في خبر الواحد، ويفرق بين النسخ والتخصيص الكتاب والسنة، النسخ مقارنة المذاهب في شروط خبر الواحد؛ اختبار الفصلين
5 الإجماع والقياس أن يحلل قياسا إلى أركانه، ويستخرج علته بمسلك معلوم، ويعرف مراتب الإجماع الإجماع، القياس مختبر الاستنباط: علة الربا؛ اختبار الفصلين
6 الأدلة المختلف فيها أن يعرف من يحتج بكل دليل مختلف فيه، وبأي قيد، وما ثمرة ذلك الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف، الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة مراجعة منتصف الطريق: اختبارات مختلطة من الأسابيع الماضية
7 مبادئ اللغة والأمر والنهي أن يعرف معاني الحروف التي تُبنى عليها الأحكام، ويحدد مقتضى الأمر والنهي عند كل مذهب مبادئ لغوية، الأمر والنهي اختبار الفصلين
8 العام والخاص والمطلق والمقيد أن يحدد العام ومخصصه، ويعرف أثر قطعية العام عند الحنفية، ويحمل المطلق على المقيد في صوره العام والخاص، المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول مختبر الاستنباط: تخصيص العام بخبر الواحد
9 طرق الدلالة والتعارض أن يسمي نوع الدلالة بمصطلح الحنفية والجمهور معا، ويحل تعارضا على ترتيب كل منهجين طرق الدلالة بين المنهجين، التعارض والترجيح مختبر الاستنباط: مفهوم المخالفة
10 المقاصد والاجتهاد أن يستعمل المقاصد داخل قيود النص، ويعرف شروط المجتهد ومراتبه مقاصد الشريعة، الاجتهاد اختبار الفصلين
11 التقليد والمذهب وقراءة المتون أن يعرف كيف يُستخرج المعتمد في مذهبه، ويحل عبارة من متن لم يدرسه التقليد والفتوى والمذهب، وتدريبات قراءة المتون اختبار الفصل
12 الأصول في العمل أن يرد خلافا فقهيا إلى أصله الأصولي، ويعرف طريق مواصلة الطلب تخريج الفروع على الأصول، أصول الفقه في زمننا حل جميع قضايا مختبر الاستنباط؛ مشروع التخرج

ثلاثة أسابيع أثقل من غيرها: الأول (ثمانية فصول قصيرة)، والثالث (ثلاثة فصول)، والثاني عشر (فصلان طويلان مع المختبر كله والمشروع). فمن ضاق وقته جعل كل واحد منها أسبوعين، فتصير الخطة خمسة عشر أسبوعا دون أن يتغير ترتيبها. ويُقرأ ملحق جدول الخلاف جدول الخلاف بين المذاهب والمسرد معجم المصطلحات مراجعَ طوال المدة، لا في أسبوع بعينه.

١ كفايات المتخرج

الكفاية قدرة تُرى في عمل، فلكل واحدة مهمة أداء يقوم بها الطالب على نص لم يره، ومعيار يُعرف به الإتقان.

الكفاية مهمة الأداء موضع التدريب معيار الإتقان
1. يصنّف الحكم يُعطى عشرة نصوص أو فتاوى قصيرة فيحدد في كل منها نوع الحكم التكليفي أو الوضعي، ويبين أين يفرق الحنفي بين الفرض والواجب أو بين الفاسد والباطل الحكم التكليفي، الحكم الوضعي، الأسبوع 3 ثمانية من عشرة مع تعليل صحيح
2. يحدد الدليل ومرتبته يُعطى نصوصا من الكتاب والسنة والإجماع فيضع كلا منها في خانتها من شبكة الثبوت والدلالة، ويعلل حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه، الكتاب والسنة، الإجماع الخانة صحيحة والعلة مذكورة
3. يسمّي نوع الدلالة يُعطى خمسة عشر نصا مختلطا فيسمي وجه الدلالة في كل منها بمصطلح المتكلمين ومصطلح الحنفية معا (عام، مطلق، أمر، مفهوم مخالفة، إشارة النص، اقتضاء…) مبادئ لغوية إلى طرق الدلالة بين المنهجين، الأسابيع 7 إلى 9 اثنا عشر من خمسة عشر بالمصطلحين
4. يطبق قاعدة يمشي خطوات الاستنباط في قضية جديدة من النص إلى الحكم على قالب المختبر، ويذكر المعارض المحتمل وكيف يُدفع مختبر الاستنباط، قضية واحدة من أولها إلى آخرها: النكاح بغير ولي على خط الاستنباط، تخريج الفروع على الأصول لا تسقط محطة، والمعارض مذكور
5. يحل تعارضا بمنهجين يُعطى دليلين متعارضين فيعرض حل الحنفي على ترتيبهم وحل الجمهور على ترتيبهم، ويبين هل يختلف الحكم بين الطريقين ولماذا التعارض والترجيح، الأسبوع 9 الترتيبان صحيحان، وأثر الفرق في النتيجة مبين
6. يرد الخلاف الفقهي إلى أصله يُعطى مسألة خلافية فيعين القاعدة الأصولية التي افترق عندها المذهبان، ويحيل إلى كتاب من كتب التخريج تخريج الفروع على الأصول، كتل الخلاف في الفصول القاعدة هي موضع الافتراق حقا، لا قاعدة يتفقان عليها
7. يقرأ عبارة المتن تُعرض عليه عبارة من متن لم يدرسه فيحل تركيبها، ويفك اختصارها، ويبين القول المعتمد فيها ومراتب ما حكاه المصنف قراءة المتون، كتل المتن في الفصول، الأسبوع 11 الحل يطابق مراد المصنف، والمعتمد مميز من المحكي
8. يقوّم فتوى تُعطى فتوى معاصرة منشورة فيحدد مستندها، وأين بُنيت على أصل معتبر، وأين جاوزت حدود الدليل أو أغفلت تحقيق المناط مقاصد الشريعة، التقليد والفتوى والمذهب، أصول الفقه في زمننا يسمي الأصل والموضع، ويفرق بين صحة القاعدة وصحة تنزيلها

والكفايات الرابعة والخامسة والسادسة شرط في النجاح، لأنها حاصل العلم: المشي من النص إلى الحكم، ودفع التعارض، ورد الفرع إلى أصله.

١ مشروع التخرج

٢ المطلوب

ملف تخريج لمسألة خلافية واحدة يختارها الطالب، يتتبع فيها خط الاستنباط عند الحنفية والمالكية والشافعية (والحنابلة إن تميزوا)، على هذا القالب:

  1. الواقعة والسؤال: صورة المسألة في سطرين، ونوع الحكم المطلوب (تكليفي أو وضعي).
  2. الأدلة وثبوتها: النصوص بلفظها وتخريجها، ومرتبة كل منها من القطع والظن ثبوتا.
  3. وجه الدلالة: تسمية الدلالة بمصطلح الفريقين، ودرجتها.
  4. المعارض: ما يعارض الدليل من تخصيص أو تقييد أو نسخ أو خبر آخر، وكيف دفعه كل مذهب.
  5. الإلحاق: القياس أو الاستحسان أو المصلحة أو العرف إن دخلت في المسألة.
  6. الوزن المقاصدي والمآل: إن كان له أثر في القول.
  7. تحقيق المناط: كيف يُنزّل الحكم على صورة معينة.
  8. الحكم في كل مذهب: القول المعتمد بمرجعه من كتب المذهب، ودرجة اليقين فيه.

ثم فقرتان من عمل الطالب: موضع الافتراق (في أي محطة افترق المذهبان، وعند أي قاعدة)، وسبب الخلاف على أداة «سؤال سبب الخلاف»: ثبوت الدليل، أو دلالته، أو قاعدة منهجية، أو نظر مقاصدي، أو تصور الواقعة. والطول المقترح بين ألف وخمسمئة كلمة وثلاثة آلاف.

٢ مسائل يُختار منها

المسائل العشر المحلولة في تخريج الفروع على الأصول نماذج للاحتذاء، فلا يُختار منها. وهذه مسائل تقوم أصولها في فصول الكتاب، فيجد الطالب القاعدة ويطلب الفرع بنفسه في كتب المذاهب:

المسألة القاعدة التي يُنتظر أن يبلغها الطالب الفصل
زكاة الإبل المعلوفة حجية مفهوم الصفة طرق الدلالة بين المنهجين
قضاء صوم التطوع إذا أُفسد لزوم المندوب بالشروع الحكم التكليفي
صوم يوم العيد ونذره اقتضاء النهي الفساد، والفاسد عند الحنفية الأمر والنهي، الحكم الوضعي
الصلاة في الأرض المغصوبة النهي لأمر مجاور الأمر والنهي
تحية المسجد في وقت الكراهة تعارض العامين من وجه التعارض والترجيح
بيع العينة سد الذرائع الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف
النية في الوضوء الأمر بالوسيلة، وحمل النص على المقصود مبادئ لغوية، المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول
الترتيب في الوضوء معنى الواو مبادئ لغوية
غسل الإناء من ولوغ الكلب خبر الواحد إذا خالف القياس أو عمل الراوي الكتاب والسنة
الطمأنينة في الركوع الزيادة على النص بخبر الواحد النسخ
قتل المسلم بالذمي تخصيص العام، والمفهوم العام والخاص
ميراث الجد مع الإخوة الإجماع على قولين وإحداث قول ثالث الإجماع

٢ مقياس التقويم

خمسة معايير، لكل منها أربع درجات، فمجموع المشروع عشرون. وعتبة القبول أربع عشرة، بشرط ألا تنزل درجة «دقة النسبة» عن ثلاث، لأن الخطأ في النسبة يفسد ما بُني عليه.

المعيار ٤ متقن ٣ جيد ٢ مقارب ١ ضعيف
دقة النسبة كل قول منسوب إلى كتاب معتمد في مذهبه، والمعتمد مميز من الرواية الأخرى النسبة صحيحة ومرجع واحد ضعيف أو عام قول منسوب بلا مرجع أو إلى كتاب من غير المذهب قول منسوب إلى مذهب على خلاف ما في كتبه
صحة تسمية الدلالة الدلالة مسماة بالمصطلحين ودرجتها مبينة المصطلحان صحيحان والدرجة ناقصة مصطلح واحد أو تسمية قريبة غير مضبوطة خلط بين أنواع الدلالة
اكتمال الخطوات المحطات الثماني حاضرة بقدر ما تقتضيه المسألة، وما لا أثر له منها مذكور سبب إسقاطه سقطت محطة لا يتغير بها الحكم سقطت محطة المعارض أو تحقيق المناط الانتقال من النص إلى الحكم مباشرة
رد الخلاف إلى أصله موضع الافتراق محدد بمحطة وقاعدة، وسببه على الأداة، مع الإحالة إلى كتاب تخريج الموضع صحيح والسبب مجمل الموضع واسع («اختلفوا في الدليل») سبب الخلاف غير صحيح
سلامة العبارة عربية فصيحة واضحة، والمصطلح محفوظ، والفقرة تحمل حجة أخطاء يسيرة لا تمس المعنى غموض في مواضع أو خلط في المصطلح العبارة تحول دون فهم المراد

ويقوّم الطالب مشروعه بهذا المقياس قبل أن يعرضه على معلم أو زميل، ثم يقارن تقويمه بتقويمهما. وعلى المنصة يُكتب المشروع خارجها، لأنها موقع ثابت بلا خادم، ويُستعمل المقياس فيها للتقويم الذاتي.

١ الاختبار النهائي

يُعقد بعد الأسبوع الثاني عشر، في ساعتين، دون كتاب. وله ثلاثة أجزاء:

الجزء الوزن المضمون التصحيح
المصطلحات 20٪ عشرون سؤالا من بنك الاختبارات والمسرد: تعريف، ونسبة قول إلى مذهب، وتمييز مصطلحين متقاربين آلي على المنصة
التصنيف والتسمية 40٪ نصوص لم ترد في الكتاب: يصنف الحكم، ويحدد مرتبة الدليل، ويسمي نوع الدلالة بالمصطلحين، ويرتب خطوات الاستنباط آلي في الأسئلة المغلقة، وبنموذج جواب في القصيرة
مسألتان 40٪ الأولى: حل تعارض بمنهجين. الثانية: رد خلاف فقهي إلى أصله الأصولي بنموذج جواب ومقياس يقوّم به الطالب نفسه، أو يصدّر جوابه لمعلم

عتبة النجاح سبعون في المئة من المجموع، مع اشتراط تحقق الكفايات الرابعة والخامسة والسادسة، وهي تظهر في الجزء الثالث وفي مشروع التخرج. ومن لم يبلغ العتبة رجع إلى الفصول التي أخطأ فيها، وأعاد بطاقاتها أسبوعا، ثم أعاد الاختبار بنصوص أخرى.

١ جدول المقابلة بين فصول الكتاب والكتب التراثية

يدل هذا الجدول على موضع كل فصل في المتون الأربعة وفي الكتب الجامعية، ليرجع إليها الطالب حين يقرأ فصلا، أو يقرأ متنا على شيخ ويريد ما يقابله هنا. عناوين الورقات من نسخة المكتبة الشاملة، وعناوين جمع الجوامع ومراقي السعود على كتبهما السبعة كما في الغيث الهامع ونشر البنود. ومواضع المنار رُتبت على ترتيب دروس شرح متداول للمتن، ولم تُطابق على طبعة محققة: الكتاب بتقسيماته وحروف المعاني والعزيمة والرخصة، ثم السنة وفيها التعارض والبيان، ثم الإجماع، ثم القياس وفيه الاستصحاب والاستحسان، ثم الأحكام وأسبابها، ثم الأهلية وعوارضها. والعمود الأخير يذكر الموضوع كما يرد في الكتب الجامعية الحديثة (الزحيلي في «أصول الفقه الإسلامي»، وعبد الكريم زيدان في «الوجيز في أصول الفقه»)، وعناوين الأبواب فيها تختلف من كتاب إلى كتاب. والعلامة × تعني أن المتن لا يفرد للمبحث بابا.

فصل الكتاب الورقات المنار مراقي السعود جمع الجوامع الكتب الجامعية
حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه حد العلم ومبادئه معنى أصول الفقه؛ الفرق بين الفقه والعلم والظن والشك الصدر: أصول الشرع المقدمة: أصول الفقه المقدمات: تعريف أصول الفقه والفقه التمهيد: التعريف والموضوع والاستمداد
نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية النشأة والمدارس والمسائل الكلامية × × المقدمة: الحاكم، والحسن والقبح المقدمات: الحسن والقبح، وشكر المنعم، ولا حكم قبل الشرع التمهيد: نشأة العلم وطرق التأليف
الحكم التكليفي الحكم التكليفي أنواع الحكم العزيمة: الفرض والواجب والسنة والنفل (في أبواب الكتاب) المقدمة: الحكم وأقسامه؛ والواجب الموسع وذو الكفاية في مباحث الأمر المقدمات: الحكم وأقسامه الحكم الشرعي: الحكم التكليفي
الحكم الوضعي الحكم الوضعي أنواع الحكم: الصحيح والباطل العزيمة والرخصة (في أبواب الكتاب)؛ والسبب والعلة والشرط والعلامة (في آخره) المقدمة: السبب والشرط والمانع والصحة والفساد المقدمات: خطاب الوضع الحكم الشرعي: الحكم الوضعي
الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه الحاكم والمحكوم فيه وعليه تنبيه: من يدخل في الأمر والنهي حقوق الله وحقوق العباد، الأهلية وعوارضها (في آخره) المقدمة: التكليف وشروطه المقدمات: التكليف الحاكم، المحكوم فيه، المحكوم عليه والأهلية
الكتاب والسنة الكتاب والسنة الأفعال؛ الأخبار الكتاب؛ باب السنة كتاب القرآن؛ كتاب السنة الكتاب الأول؛ الكتاب الثاني في السنة الأدلة المتفق عليها: القرآن والسنة
النسخ النسخ النسخ بيان التبديل (في فصل البيان بعد السنة) النسخ (في آخر كتاب القرآن) النسخ (في آخر الكتاب الأول) النسخ
الإجماع الإجماع الإجماع باب الإجماع كتاب الإجماع الكتاب الثالث في الإجماع الأدلة المتفق عليها: الإجماع
القياس القياس القياس باب القياس كتاب القياس، مسالك العلة، القوادح الكتاب الرابع في القياس الأدلة المتفق عليها: القياس
الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف × الاستحسان (في القياس) كتاب الاستدلال الكتاب الخامس في الاستدلال الأدلة المختلف فيها
الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا الحظر والإباحة؛ وقول الصحابي في الإجماع تقليد الصحابي؛ شرائع من قبلنا (في أبواب السنة)؛ الاستصحاب (في القياس) كتاب الاستدلال؛ كتاب الإجماع (عمل أهل المدينة) الكتاب الخامس في الاستدلال الأدلة المختلف فيها
مبادئ لغوية مبادئ لغوية أقسام الكلام الحقيقة والمجاز، الصريح والكناية، حروف المعاني الاشتقاق، الترادف، المشترك، الحقيقة، المجاز، الحروف الكتاب الأول: اللغات، والحروف دلالات الألفاظ: الحقيقة والمجاز، الاشتراك
الأمر والنهي الأمر والنهي الأمر؛ النهي الأمر؛ النهي الأمر؛ النهي الكتاب الأول: الأمر والنهي طرق الاستنباط: الأمر والنهي
العام والخاص العام والخاص العام والخاص الخاص والعام العام؛ التخصيص؛ المخصص المتصل الكتاب الأول: العام والتخصيص طرق الاستنباط: العام والخاص
المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول المطلق والمقيد والمجمل والظاهر المجمل والمبين؛ الظاهر والمؤول المطلق والمقيد؛ البيان المقيد والمطلق؛ التأويل والمحكم والمجمل؛ البيان الكتاب الأول: المطلق والمقيد، الظاهر والمؤول، المجمل، البيان طرق الاستنباط: المطلق والمقيد، المجمل والمبين
طرق الدلالة بين المنهجين طرق الدلالة بين المنهجين × الظاهر والنص والمفسر والمحكم ومقابلاتها؛ العبارة والإشارة والدلالة والاقتضاء المنطوق والمفهوم الكتاب الأول: المنطوق والمفهوم طرق الاستنباط: الواضح والخفي، والدلالات عند الفريقين
التعارض والترجيح التعارض والترجيح ترتيب الأدلة التعارض (في أبواب السنة) كتاب التعادل والتراجيح الكتاب السادس في التعادل والتراجيح التعارض والترجيح
مقاصد الشريعة المقاصد × × المناسب (في مسالك العلة)؛ المصلحة (في الاستدلال) المناسبة (في مسالك العلة) مقاصد الشريعة
الاجتهاد الاجتهاد الاجتهاد إشارات في باب القياس كتاب الاجتهاد الكتاب السابع في الاجتهاد الاجتهاد
التقليد والفتوى والمذهب التقليد والفتوى والمذهب شروط المفتي؛ شروط المستفتي × فصل في التقليد الكتاب السابع: التقليد التقليد والفتوى
تخريج الفروع على الأصول تخريج الفروع على الأصول × × × × تُطلب في كتب التخريج: تأسيس النظر، تخريج الفروع على الأصول، مفتاح الوصول، التمهيد
أصول الفقه في زمننا أصول الفقه في زمننا × × × × فصول الاجتهاد المعاصر وتحقيق المناط

وأوضح ما يظهر في الجدول أمران. الأول أن الورقات تخلو من أبواب كاملة يحتاجها المتوسط: الحكم الوضعي مفصلا، والأدلة المختلف فيها، والمفهوم، وتقسيمات الحنفية. والثاني أن المنار يجمع ما تفرقه كتب الجمهور، فيضع الأحكام وأسبابها والأهلية في آخر الكتاب بعد الأدلة، ويجعل مباحث الألفاظ من الكتاب لأنها تقسيم لنظمه.

١ بعد هذا الكتاب

من أتم هذا الكتاب وأتقنه كان على عتبة المتوسطات، فيقرأ المتوسط في مذهبه على شيخ وهو يعرف موضع كل باب منه وسبب كل خلاف فيه. والسلالم المعروفة في كل مذهب:

المذهب المتوسط الذي يلي هذا الكتاب ثم للاطلاع العالي
الحنفي المنار بشرح «نور الأنوار» لملا جيون أو «كشف الأسرار» للنسفي؛ والحسامي «مرآة الأصول» لملا خسرو؛ و«التوضيح» لصدر الشريعة مع «التلويح» للتفتازاني؛ و«مسلم الثبوت» بشرح «فواتح الرحموت»
المالكي «مراقي السعود» بـ«نشر البنود» أو «نثر الورود»؛ وفي المغرب «مرتقى الوصول» لابن عاصم «جمع الجوامع» بحاشية البناني؛ و«شرح تنقيح الفصول» للقرافي؛ و«مفتاح الوصول» للتلمساني؛ و«مختصر ابن الحاجب»
الشافعي «غاية الوصول شرح لب الأصول» لزكريا الأنصاري «جمع الجوامع» بشرح المحلي وحاشية البناني أو العطار؛ أو «منهاج الوصول» للبيضاوي بـ«نهاية السول» للإسنوي
الحنبلي «روضة الناظر» لابن قدامة بـ«نزهة الخاطر» لابن بدران أو «مذكرة» الشنقيطي «مختصر التحرير» لابن النجار وشرحه «الكوكب المنير»؛ و«شرح مختصر الروضة» للطوفي

ولكل مذهب مع ذلك ثلاثة أبواب للتوسع لا يغني عنها المتوسط:

  • التخريج: «تأسيس النظر» للدبوسي، و«تخريج الفروع على الأصول» للزنجاني، و«مفتاح الوصول» للتلمساني، و«التمهيد» للإسنوي، و«أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء» لمصطفى الخن. وبها يتصل ما في تخريج الفروع على الأصول.
  • المقاصد: «الموافقات» للشاطبي، ثم «مقاصد الشريعة الإسلامية» لابن عاشور. وبها يتصل ما في مقاصد الشريعة.
  • الدلالات المقارنة: «تفسير النصوص في الفقه الإسلامي» لمحمد أديب صالح، وهو أوفى ما كُتب في مقابلة دلالات الحنفية بدلالات المتكلمين. وبه يتصل ما في طرق الدلالة بين المنهجين.

ومن أراد صورة تاريخية للعلم بلغة البحث الحديث فعنده ما في أصول الفقه في زمننا من الدراسات الغربية، وأولاها بمنهج هذا الكتاب كتاب Aron Zysow في توزيع القطع والظن بين المذاهب. ويبقى الطريق المعتبر في الطلب أن يُقرأ المتن على شيخ متصل السند به، وأن يُحفظ النظم في مذهب يؤثر النظم، وأن يُرجع إلى هذا الكتاب لربط ما يُقرأ بالمنظومة كلها.

ثبت المصادر

١ طريقة الثبت

جُمع هذا الثبت من حواشي فصول الكتاب، ومن عناوين كتل المتن، ومن الكتب التي يسميها المتن في سياق الشرح، ثم حُذف المكرر ورُتب على المذاهب والمناهج. ويُذكر مع كل كتاب مؤلفه وسنة وفاته بالهجرة حين تكون معلومة على وجه اليقين، وتُترك السنة حين يختلف فيها المؤرخون أو لا تثبت. والطبعة تُذكر حين تكون الحاشية قد أحالت على طبعة بعينها، وما سوى ذلك يُطلب في أي طبعة محققة. وأما النصوص المنقولة حرفيا في الكتاب فقد طوبقت على المكتبة الشاملة أو ويكي مصدر أو إسلام ويب، والإحالة إلى موضعها في حاشية الكتلة التي نُقلت فيها.

ويعين على مراجعة الثبت كلما زيد في الفصول البرنامج scripts/collect_footnotes.py، فهو يستخرج تعريفات الحواشي وعناوين كتل المتن والإحالات الواقعة بين قوسين وأسماء الكتب المذكورة في المتن، مع الفصول التي وردت فيها.

١ أولا: المصادر التراثية

٢ أصول الفقه على طريقة الحنفية

  • أبو الحسن الكرخي (ت ٣٤٠هـ): رسالة في الأصول التي عليها مدار فروع الحنفية.
  • أبو بكر الجصاص (ت ٣٧٠هـ): الفصول في الأصول.
  • أبو زيد الدبوسي (ت ٤٣٠هـ): تقويم الأدلة في أصول الفقه؛ وتأسيس النظر.
  • فخر الإسلام علي بن محمد البزدوي (ت ٤٨٢هـ): كنز الوصول إلى معرفة الأصول، المعروف بأصول البزدوي.
  • شمس الأئمة محمد بن أحمد السرخسي: أصول السرخسي، بتحقيق أبي الوفا الأفغاني.
  • أصول الشاشي، منسوب إلى نظام الدين الشاشي، وفي تعيين مؤلفه وعصره خلاف بين المحققين.
  • حسام الدين محمد بن محمد الأخسيكثي (ت ٦٤٤هـ): المنتخب في أصول المذهب، المعروف بالحسامي.
  • مظفر الدين ابن الساعاتي (ت ٦٩٤هـ): بديع النظام الجامع بين كتاب البزدوي والإحكام.
  • أبو البركات حافظ الدين النسفي (ت ٧١٠هـ): منار الأنوار (المنار)، وشرحه كشف الأسرار.
  • علاء الدين عبد العزيز البخاري (ت ٧٣٠هـ): كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي.
  • صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود المحبوبي (ت ٧٤٧هـ): التنقيح وشرحه التوضيح.
  • سعد الدين التفتازاني (ت ٧٩٢هـ): التلويح إلى كشف حقائق التنقيح.
  • كمال الدين ابن الهمام (ت ٨٦١هـ): التحرير في أصول الفقه.
  • ابن أمير حاج (ت ٨٧٩هـ): التقرير والتحبير شرح التحرير.
  • أمير بادشاه: تيسير التحرير.
  • ملا خسرو (ت ٨٨٥هـ): مرقاة الوصول وشرحها مرآة الأصول.
  • زين الدين ابن نجيم (ت ٩٧٠هـ): فتح الغفار بشرح المنار.
  • محب الله البهاري (ت ١١١٩هـ): مسلم الثبوت؛ وشرحه فواتح الرحموت لعبد العلي اللكنوي.
  • ملا جيون أحمد بن أبي سعيد (ت ١١٣٠هـ): نور الأنوار شرح المنار.
  • محمد أمين ابن عابدين (ت ١٢٥٢هـ): شرح عقود رسم المفتي، طبعة إسطنبول؛ ونشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف.

٣ الفقه والفتوى عند الحنفية

  • محمد بن الحسن الشيباني (ت ١٨٩هـ): كتب ظاهر الرواية.
  • الحاكم الشهيد (ت ٣٣٤هـ): الكافي.
  • السرخسي: المبسوط.
  • برهان الدين المرغيناني (ت ٥٩٣هـ): الهداية شرح بداية المبتدي.
  • ابن نجيم: الأشباه والنظائر.
  • ابن عابدين: رد المحتار على الدر المختار.

٢ أصول الفقه عند المالكية

  • ابن القصار (ت ٣٩٧هـ): المقدمة في الأصول.
  • القاضي أبو بكر الباقلاني (ت ٤٠٣هـ): التقريب والإرشاد.
  • أبو الوليد الباجي (ت ٤٧٤هـ): إحكام الفصول في أحكام الأصول.
  • أبو الوليد ابن رشد الحفيد (ت ٥٩٥هـ): الضروري في أصول الفقه؛ وبداية المجتهد ونهاية المقتصد.
  • ابن الحاجب (ت ٦٤٦هـ): مختصر منتهى السول والأمل، المعروف بمختصر ابن الحاجب.
  • شهاب الدين القرافي (ت ٦٨٤هـ): تنقيح الفصول وشرحه؛ ونفائس الأصول في شرح المحصول؛ وأنوار البروق في أنواء الفروق (الفروق)؛ والإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام.
  • الشريف التلمساني (ت ٧٧١هـ): مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول.
  • أبو إسحاق الشاطبي (ت ٧٩٠هـ): الموافقات، بتحقيق مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان؛ والاعتصام.
  • ابن عاصم (ت ٨٢٩هـ): مرتقى الوصول إلى علم الأصول.
  • سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي الشنقيطي: مراقي السعود لمبتغي الرقي والصعود، وشرحه نشر البنود على مراقي السعود.
  • محمد الأمين الشنقيطي (ت ١٣٩٣هـ): نثر الورود على مراقي السعود؛ ومذكرة في أصول الفقه على روضة الناظر.
  • حسن بن عمر السيناوني: الأصل الجامع لإيضاح الدرر المنظومة في سلك جمع الجوامع.

٣ الفقه والفتوى عند المالكية

  • الإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩هـ): الموطأ؛ والمدونة برواية سحنون.
  • ابن عبد البر (ت ٤٦٣هـ): جامع بيان العلم وفضله.
  • خليل بن إسحاق (ت ٧٧٦هـ): المختصر، طبعة دار الحديث بتحقيق أحمد جاد.
  • المواق (ت ٨٩٧هـ): التاج والإكليل لمختصر خليل.
  • الحطاب (ت ٩٥٤هـ): مواهب الجليل في شرح مختصر خليل؛ وقرة العين لشرح ورقات إمام الحرمين.
  • الخرشي (ت ١١٠١هـ): شرح مختصر خليل، وعليه حاشية العدوي.
  • عبد الباقي الزرقاني: شرح مختصر خليل، وعليه حاشية البناني.
  • أحمد الدردير (ت ١٢٠١هـ): الشرح الكبير، وعليه حاشية الدسوقي.

٢ أصول الفقه عند الشافعية وطريقة المتكلمين

  • الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت ٢٠٤هـ): الرسالة، بترقيم أحمد شاكر؛ والأم، وفيها كتاب إبطال الاستحسان.
  • أبو إسحاق الشيرازي (ت ٤٧٦هـ): اللمع وشرحه؛ والتبصرة.
  • إمام الحرمين الجويني (ت ٤٧٨هـ): البرهان في أصول الفقه؛ والورقات، بتحقيق عبد اللطيف محمد العبد.
  • أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ): المستصفى، طبعة دار الكتب العلمية بتحقيق محمد عبد السلام عبد الشافي؛ وشفاء الغليل؛ والمنخول.
  • فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦هـ): المحصول.
  • سيف الدين الآمدي (ت ٦٣١هـ): الإحكام في أصول الأحكام.
  • شهاب الدين الزنجاني (ت ٦٥٦هـ): تخريج الفروع على الأصول.
  • العز بن عبد السلام (ت ٦٦٠هـ): قواعد الأحكام في مصالح الأنام، طبعة مكتبة الكليات الأزهرية بمراجعة طه عبد الرؤوف سعد.
  • ناصر الدين البيضاوي (ت ٦٨٥هـ): منهاج الوصول إلى علم الأصول.
  • شمس الدين محمود الأصفهاني (ت ٧٤٩هـ): بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب.
  • تاج الدين ابن السبكي (ت ٧٧١هـ): جمع الجوامع؛ ورفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب.
  • جمال الدين الإسنوي (ت ٧٧٢هـ): نهاية السول شرح منهاج الأصول؛ والتمهيد في تخريج الفروع على الأصول.
  • بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤هـ): البحر المحيط في أصول الفقه.
  • ولي الدين أبو زرعة العراقي (ت ٨٢٦هـ): الغيث الهامع شرح جمع الجوامع، طبعة دار الكتب العلمية بتحقيق محمد تامر حجازي.
  • جلال الدين المحلي (ت ٨٦٤هـ): البدر الطالع في حل جمع الجوامع (شرح المحلي)؛ وشرح الورقات.
  • زكريا الأنصاري (ت ٩٢٦هـ): لب الأصول وشرحه غاية الوصول.
  • عبد الرحمن البناني: حاشية على شرح المحلي لجمع الجوامع.
  • حسن العطار (ت ١٢٥٠هـ): حاشية على شرح المحلي لجمع الجوامع.

٣ الفقه والفتوى عند الشافعية

  • ابن الصلاح (ت ٦٤٣هـ): أدب المفتي والمستفتي.
  • أبو القاسم الرافعي (ت ٦٢٣هـ) ويحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦هـ): كتب الشيخين في المذهب.
  • النووي: منهاج الطالبين وعمدة المفتين؛ والمجموع شرح المهذب.
  • جلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ): الأشباه والنظائر؛ والإتقان في علوم القرآن.
  • ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤هـ): تحفة المحتاج بشرح المنهاج.
  • شمس الدين الرملي (ت ١٠٠٤هـ): نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج.

٢ أصول الفقه عند الحنابلة

  • القاضي أبو يعلى الفراء (ت ٤٥٨هـ): العدة في أصول الفقه.
  • أبو الخطاب الكلوذاني (ت ٥١٠هـ): التمهيد في أصول الفقه.
  • ابن عقيل (ت ٥١٣هـ): الواضح في أصول الفقه.
  • موفق الدين ابن قدامة (ت ٦٢٠هـ): روضة الناظر وجنة المناظر؛ والمغني.
  • آل تيمية: المسودة في أصول الفقه.
  • نجم الدين الطوفي (ت ٧١٦هـ): مختصر الروضة وشرحه.
  • تقي الدين ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ): رفع الملام عن الأئمة الأعلام؛ ونقد مراتب الإجماع.
  • ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١هـ): إعلام الموقعين عن رب العالمين.
  • صفي الدين عبد المؤمن البغدادي (ت ٧٣٩هـ): قواعد الأصول ومعاقد الفصول.
  • ابن اللحام (ت ٨٠٣هـ): القواعد والفوائد الأصولية.
  • ابن النجار الفتوحي (ت ٩٧٢هـ): مختصر التحرير وشرحه الكوكب المنير.
  • ابن بدران: نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر.

٣ الفقه والفتوى عند الحنابلة

  • ابن حمدان (ت ٦٩٥هـ): صفة الفتوى والمفتي والمستفتي.
  • علاء الدين المرداوي (ت ٨٨٥هـ): الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف؛ والتنقيح المشبع.
  • موسى الحجاوي (ت ٩٦٨هـ): الإقناع.
  • ابن النجار: منتهى الإرادات.
  • مرعي الكرمي (ت ١٠٣٣هـ): غاية المنتهى.
  • منصور البهوتي (ت ١٠٥١هـ): كشاف القناع؛ وشرح منتهى الإرادات.

٢ أصول من خارج المذاهب الأربعة

  • القاضي عبد الجبار (ت ٤١٥هـ): العمد، وهو مفقود ويُعرف من شرحه.
  • أبو الحسين البصري (ت ٤٣٦هـ): المعتمد في أصول الفقه.
  • ابن حزم (ت ٤٥٦هـ): الإحكام في أصول الأحكام؛ ومراتب الإجماع.
  • محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠هـ): إرشاد الفحول.

٢ الحديث وعلوم القرآن وكتب عامة

  • عبد الرزاق الصنعاني (ت ٢١١هـ): المصنف.
  • أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ): المسند.
  • البخاري (ت ٢٥٦هـ): الجامع الصحيح.
  • مسلم (ت ٢٦١هـ): الصحيح.
  • ابن ماجه (ت ٢٧٣هـ): السنن.
  • أبو داود (ت ٢٧٥هـ): السنن.
  • الترمذي (ت ٢٧٩هـ): الجامع.
  • النسائي (ت ٣٠٣هـ): السنن.
  • الدارقطني (ت ٣٨٥هـ): السنن.
  • البيهقي (ت ٤٥٨هـ): السنن الكبرى؛ ومعرفة السنن والآثار.
  • ابن السيد البطليوسي (ت ٥٢١هـ): الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم.
  • عبد الرحمن ابن خلدون (ت ٨٠٨هـ): المقدمة، فصل أصول الفقه.
  • شاه ولي الله الدهلوي (ت ١١٧٦هـ): الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف.

١ ثانيا: الدراسات المعاصرة العربية

٢ الكتب الجامعية والموسوعات المقارنة

  • محمد الخضري بك (ت ١٩٢٧م): أصول الفقه.
  • عبد الوهاب خلاف (ت ١٩٥٦م): علم أصول الفقه.
  • محمد أبو زهرة (ت ١٩٧٤م): أصول الفقه.
  • وهبة الزحيلي: أصول الفقه الإسلامي.
  • عبد الكريم زيدان: الوجيز في أصول الفقه.
  • عبد الكريم النملة: المهذب في علم أصول الفقه المقارن.

٢ الدراسات المتخصصة

  • مصطفى سعيد الخن: أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء.
  • محمد أديب صالح: تفسير النصوص في الفقه الإسلامي.
  • فتحي الدريني: المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي.
  • محمد سعيد رمضان البوطي: ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية.
  • محمد الطاهر ابن عاشور (ت ١٣٩٣هـ): مقاصد الشريعة الإسلامية.
  • علال الفاسي (ت ١٣٩٤هـ): مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها.
  • جمال الدين عطية: نحو تفعيل مقاصد الشريعة.
  • عبد الله بن بيه: علاقة مقاصد الشريعة بأصول الفقه؛ وصناعة الفتوى وفقه الأقليات؛ والاجتهاد بتحقيق المناط: فقه الواقع والتوقع؛ وتنبيه المراجع على تأصيل فقه الواقع؛ وأمالي الدلالات ومجالي الاختلافات.
  • يوسف القرضاوي: في فقه الأولويات.
  • طه عبد الرحمن: تجديد المنهج في تقويم التراث.
  • حسن الترابي: تجديد أصول الفقه الإسلامي.
  • طه جابر العلواني: أصول الفقه الإسلامي: منهج بحث ومعرفة؛ والجمع بين القراءتين؛ وأدب الاختلاف في الإسلام.
  • أبو الطيب مولود السريري: تجديد علم أصول الفقه؛ ومحاضرات في طرق اكتساب الملكة الأصولية.

٢ قرارات المجامع

  • مجمع الفقه الإسلامي الدولي (منظمة التعاون الإسلامي، جدة): قرار الدورة الثالثة بعمّان (صفر ١٤٠٧هـ) في أحكام النقود الورقية، وغيره من القرارات المذكورة في الفصلين التاسع والثاني والعشرين.
  • المجمع الفقهي الإسلامي (رابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة).

١ ثالثا: الدراسات الغربية

  • Ali, Mohamed M. Yunis. Medieval Islamic Pragmatics: Sunni Legal Theorists' Models of Textual Communication.
  • Auda, Jasser. Maqasid al-Shariah as Philosophy of Islamic Law: A Systems Approach. 2008.
  • El Shamsy, Ahmed. The Canonization of Islamic Law: A Social and Intellectual History.
  • Grice, H. Paul. "Logic and Conversation." 1975.
  • Hallaq, Wael B. "Was the Gate of Ijtihad Closed?" International Journal of Middle East Studies. 1984.
  • Hallaq, Wael B. "Was al-Shafi'i the Master Architect of Islamic Jurisprudence?" International Journal of Middle East Studies. 1993.
  • Hallaq, Wael B. A History of Islamic Legal Theories: An Introduction to Sunni Usul al-Fiqh. 1997.
  • Lowry, Joseph E. Early Islamic Legal Theory: The Risala of Muhammad ibn Idris al-Shafi'i. 2007.
  • Vishanoff, David R. The Formation of Islamic Hermeneutics: How Sunni Legal Theorists Imagined a Revealed Law.
  • Weiss, Bernard G. The Search for God's Law: Islamic Jurisprudence in the Writings of Sayf al-Din al-Amidi.
  • Zysow, Aron. The Economy of Certainty: An Introduction to the Typology of Islamic Legal Theory.

١ رابعا: المواقع والمكتبات الرقمية

  • المكتبة الشاملة، https://shamela.ws : مصدر أكثر النصوص المنقولة حرفيا، ومنها الورقات (الكتاب ٦٢٩٧)، وأصول الشاشي (٦٣٠٢)، وأصول السرخسي (٦٣٠١)، والمستصفى (٥٤٥٩)، والغيث الهامع (١٤٢٥٢)، ونشر البنود (٢٠٨٩٢)، والأصل الجامع (١٤٦٩)، ومختصر ابن الحاجب (٨١٥٦)، ونهاية السول (٧٣٣٢)، والتوضيح والتلويح (٩٥٠٨)، والتقرير والتحبير (٢١٦٠٥)، ورفع الحاجب (٦٣٣٨).
  • إسلام ويب، https://www.islamweb.net : المكتبة الإسلامية، ومنها بيان المختصر للأصفهاني.
  • ويكي مصدر، https://ar.wikisource.org : الرسالة للشافعي، والموافقات للشاطبي.
  • شبكة الألوكة، https://www.alukah.net : شرح عبد العزيز العقيل على الورقات، وطوبق عليه نص الورقات في بابي الإجماع والقياس.
  • مشروع OpenITI، https://github.com/OpenITI : نسخ نصية من كتب الشاملة، استُعين بها في تعيين مواضع الصفحات قبل المطابقة على الشاملة.