من الدليل إلى الحكم

القسم الأول: التقريب

التعارض والترجيح

طرق الاستثمارالمحطة ٤

موقع الفصل من المنظومة

هذا الفصل المحطة الرابعة من خط الاستنباط: فحص المعارض. وصل الناظر إليها بعد أن عيّن الحكم المطلوب (الحكم الشرعي)، وجمع الأدلة وفحص ثبوتها (الأدلة)، واستخرج دلالة كل الدليلproof, evidence (dalil)ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.في المسرد ودرجتها (دلالات الألفاظ). فإذا وجد دليلين يقتضي أحدهما خلاف ما يقتضيه الآخر سأل ثلاثة أسئلة: هل التعارضconflict of evidence (ta'arud)تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، بأن يقتضي أحدهما خلاف ما يقتضيه الآخر في محل واحد وزمن واحد.في المسرد حقيقي؟ وبأي ترتيب يُدفع؟ وبأي شيء يقوى أحد الدليلين على صاحبه؟ والجواب عن السؤال الثاني هو موضع افتراق المنهجين، الحنفية والجمهور، وعليه مدار هذا الفصل.

سؤال الافتتاح

رجل دخل المسجد بعد العصر. يبلغه حديث «لا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس»، وحديث «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس». هل يصلي تحية المسجد؟ ولماذا يجيب الشافعي بنعم والحنفي بلا، وكلاهما يصحح الحديثين؟ الجواب في المثال الثاني من هذا الفصل.

١ حقيقة التعارض

  1. التعارض تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، بأن يقتضي أحدهما في محل واحد وزمن واحد خلاف ما يقتضيه الآخر.

  2. الترجيحpreference (tarjih)تقوية أحد الدليلين المتعارضين بما ليس دليلا مستقلا، فيُعمل بالأقوى؛ وعند الحنفية إظهار زيادة لأحد المتماثلين وصفا لا أصلا.في المسرد تقوية أحد الدليلين المتعارضين بما ليس دليلا مستقلا، فيُعمل بالأقوى. وعرّفه الحنفية بأنه إظهار زيادة لأحد المتماثلين على الآخر وصفا لا أصلا، وعلى قيد «الوصف» بنوا منع الترجيح بكثرة الأدلة.

  3. لا تعارض في نفس الأمرcommand (amr)القول الطالب للفعل على جهة الاستعلاء؛ وعند ابن السبكي: اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير نحو كف.في المسرد. أدلة الشرع صادرة عن حكيم عليم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. فالتعارض يقع في نظر المجتهد، لقصور علمه بالتاريخ أو بالمخصص أو بوجه الجمع، ودفعه بحث عن مراد واحد الخفيobscure (khafi)ما خفي المراد منه في بعض أفراده بعارض من غير الصيغة، ويزول بالطلب.في المسرد.

  4. شروطه أربعة: أن يتساوى الدليلان في الحجية، وأن يتساويا في القوة، وأن يتحد المحل والزمن، وأن يتضاد الحكمان. فلا يعارض الضعيفُ الصحيحَ، ولا خبرُ الواحد المتواترmass-transmitted report (mutawatir)خبر جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه، مستندهم الحس، ويفيد العلم.في المسردَ، ولا يتعارض حكمان في زمنين عُلم تاريخهما، فذلك النسخabrogation (naskh)رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ عنه؛ وعند كثير من الحنفية: بيان انتهاء مدة الحكم.في المسرد.

  5. موضعه الظنيات. لا يقع تعارض حقيقي بين قطعيين، فإن ظهر بينهما فأحدهما الناسخabrogating text (nasikh)الخطاب الشرعي الدال على رفع الحكم المتقدم، والناسخ حقيقة هو الله تعالى.في المسرد إذا عُلم التاريخ. ولا تعارض بين القطعيdefinitive (qat'i)ما لا يحتمل غير مدلوله احتمالا ناشئا عن دليل، في ثبوته أو دلالته.في المسرد والظنيprobable (zanni)ما يحتمل غير مدلوله احتمالا مرجوحا، في ثبوته أو دلالته.في المسرد، فالقطعي مقدم. ومن هنا يدخل خلاف الدلالة في الباب: ما يراه الحنفية قطعيا كالعامgeneral term ('amm)لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر؛ وعند الحنفية: ما ينتظم جمعا من المسميات لفظا أو معنى.في المسرد قبل التخصيصspecification (takhsis)قصر العام على بعض أفراده، ويفارق النسخ بأنه في الأفراد لا في الأزمان.في المسرد يراه الجمهور ظنيا، فقد يرى أحد الفريقين تعارضا لا يراه الآخر. فالعام القطعي عند الحنفية يعارضه الخاصspecific term (khass)كل لفظ وُضع لمعنى معلوم على الانفراد، جنسا أو نوعا أو عينا أو عددا.في المسرد القطعي، ولا يعارضه الخاص الظني (دلالات الألفاظ).

١ الشجرتان متقابلتين

إذا ثبت التعارض فللمنهجين ترتيبان متوازيان. ويقوم الترتيب الأول على أن الشارع أراد الدليلين معا، فإعمالهما أولى ما أمكن. ويقوم الثاني على أن مراد الشارع يُعرف بالتاريخ أو بالقوة قبل التأويلinterpretation (ta'wil)صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى مرجوح يحتمله، لدليل يصيّره راجحا.في المسرد، لأن الجمع قد يكون تكلفا يخالف مراده.

الخطوة الفرعnew case (farʿ)المحل المسكوت عنه المراد إلحاقه بالأصل.في المسرد الجمهور فرع الحنفية
الأولى الجمع إن أمكن بوجه مقبول النسخ إن عُلم التاريخ
الثانية النسخ إن عُلم التاريخ الترجيح إن وُجد مرجح
الثالثة الترجيح إن وُجد مرجح الجمع إن أمكن
الرابعة التوقفsuspension of judgmentترك الحكم في المسألة حتى يظهر مرجح، من أقوال الجمهور عند التعادل.في المسرد، أو التخييرoption (takhyir)تسوية الشارع بين فعل الشيء وتركه، وهو الإباحة.في المسرد، أو التساقطmutual cancellation (tasaqut)ترك الدليلين المتعارضين في محل التعارض عند تعذر النسخ والترجيح والجمع، والانتقال إلى ما دونهما.في المسرد والرجوع إلى البراءة (أقوال) التساقط والنزول إلى ما دون الدليلين رتبة، ثم إلى الأصلroot, basis (asl)لغة ما يُبنى عليه غيره؛ واصطلاحا يطلق على الدليل، والراجح، والقاعدة المستمرة، والمقيس عليه.في المسرد
أصل الترتيب إعمال الكلامين أولى من إهمال أحدهما مراد الشارع يُعرف بالتاريخ والقوة قبل التأويل

مسألة خلافية ما ترتيب طرق دفع التعارض؟

  • الحنفية المشهورwell-known report (mashhur, Hanafi sense)عند الحنفية: ما كان آحادا في الطبقة الأولى ثم انتشر في القرن الثاني والثالث وتلقته الأمة بالقبول، يفيد الطمأنينة ويزاد به على الكتاب.في المسرد في كتب المتأخرين كالتوضيح وشرح المنار: النسخ إن عُلم التاريخ، ثم الترجيح، ثم الجمع، ثم التساقط والرجوع إلى ما دون الدليلين في الرتبة. وقدّم بعض الحنفية الجمع على الترجيح.
  • المالكية الجمع، ثم النسخ، ثم الترجيح.
  • الشافعية الجمع أولا، ثم النسخ إن عُلم التاريخ، ثم الترجيح، ثم التوقف أو التخيير.
  • الحنابلة الجمع، ثم النسخ، ثم الترجيح.
  • سبب الخلاف هل الجمع بتأويل أحد الدليلين قد يكون تكلفا يخالف مراد الشارع، فيُقدَّم ما يُعرف به مراده من تاريخ أو قوة، أم أن إعمال الكلامين أولى ما أمكن؟
  • الثمرة الصلاة ذات السببcause (sabab)الوصف الظاهر المنضبط الذي جعله الشارع علامة على الحكم، يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته.في المسرد في أوقات النهيprohibition (nahy)القول الطالب للكف عن فعل على جهة الاستعلاء؛ وصيغته لا تفعل.في المسرد، وهي المثال الثاني في هذا الفصل.
  1. النزول بعد التساقط عند الحنفية سلّم معلوم، قرره الشاشي في أصوله: إذا تعارضت آيتان نزل المجتهد إلى السنةthe Sunnaما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير.في المسرد، وإذا تعارضت سنتان نزل إلى قول الصحابيCompanion's opinion (qawl al-ṣaḥābī)ما نُقل عن الصحابي من فتوى أو قضاء في حادثة لا نص فيها ولا إجماع.في المسرد والقياسanalogy (qiyās)مساواة فرع لأصل في علة حكمه، أو رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم.في المسرد، وإذا تعارض قياسان تحرى وعمل بأحدهما بشهادة قلبه، لأنه ليس دون القياس دليل شرعي يُصار إليه. فإن لم يبق دليل رجع إلى الأصل، وهو الاستصحابpresumption of continuity (istiṣḥāb)الحكم ببقاء ما ثبت بدليل في الماضي حتى يظهر المغير بعد البحث عنه.في المسرد.

  2. سؤر الحمار مثال الحنفية المشهور على آخر الشجرة. تعارضت عندهم الأدلة في لحمه وسؤره، فلم يترجح دليل ولم يمكن جمع، فرجعوا إلى الأصل: الماء طاهر بيقين، والحدث ثابت بيقين، واليقين لا يزول بالشكdoubt (shakk)تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر.في المسرد. فقالوا: سؤره مشكوك فيه، فمن لم يجد غيره توضأ به وتيمم. والجمهور على طهارة سؤره.

١ أنواع الجمع

الجمع إعمال الدليلين معا بالحملattribution of meaning (haml)اعتقاد السامع مراد المتكلم من لفظه؛ وقواعد الأصوليين في الدلالة قواعد في الحمل.في المسرد كل منهما على وجه لا يناقض الآخر. وشرطه أن يكون بوجه تحتمله الألفاظ، وألا يعود على أحد النصين بالإبطال. وأنواعه خمسة:

  1. التخصيص: يُخص العام بالخاص، وفي العامين من وجه يُخص عموم كل منهما بخصوص الآخر.
  2. التقييد: يُحمل المطلق على المقيدreading the unrestricted as restrictedفهم المطلق مرادا به المقيد إذا ورد في نص آخر، على تفصيل في صوره الأربع.في المسرد على المقيدrestricted term (muqayyad)ما دل على الماهية مع قيد يقلل شيوعها، من وصف أو شرط أو غاية أو حال.في المسرد.
  3. التأويل: يُصرف أحد الظاهرين إلى معنى محتمل بدليل.
  4. الحمل على حالينassigning each text to a different caseنوع من الجمع ينزل فيه كل دليل على حال غير حال الآخر.في المسرد: يُنزَّل كل دليل على حال غير حال الآخر، كمدح من يأتي بشهادته قبل أن يُسألها وذم من يشهد ولا يُستشهد، فالأول فيمن عنده شهادة لا يعلم بها صاحبها، والثاني فيمن يتسرع إليها في حقوق الناس قبل طلبها.
  5. الحمل على اختلاف الحكم: يُحمل الأمر على الندب والنهي على الكراهة، أو أحد الفعلين على البيانclarification (bayan)عند الشافعي: إظهار الله أحكامه لعباده بالكتاب والسنة على مراتب، يبين بعضها بعضا.في المسرد الجواز والآخر على الأفضل.

فالجمع عند الجمهور يجمع أدوات المحطة الثالثة كلها في خدمة المحطة الرابعة: التخصيص والتقييد والتأويل التي بسطها دلالات الألفاظ.

١ وجوه الترجيح

  1. الترجيح الواجبwajib (obligatory)عند الجمهور: ما طلب الشارع فعله طلبا جازما. وعند الحنفية: ما ثبت لزومه بدليل فيه شبهة، لا يكفر جاحده.في المسرد عند جماهير العلماء، ووجوهه كثيرة أوصلها بعضهم إلى مئة، وترجع إلى أربعة أبواب. والضابطchapter-specific rule (dabit)حكم كلي يجمع فروع باب واحد.في المسرد الجامع: كل ما يزيد الظنprobability, preponderant belief (zann)إدراك الطرف الراجح من أمرين محتملين.في المسرد بصدق الخبر أو بإرادة المعنى يصلح مرجحا.
الباب أشهر وجوهه
السند كثرة الرواة عند الجمهور، وفقه الراويnarrator's juristic standingشرط عند عيسى بن أبان ومن تبعه لتقديم خبر الراوي على القياس المخالف له من كل وجه.في المسرد الراوي وضبطه، ورواية صاحب الواقعةparty to the eventالمباشر للقصة المروية، وتُرجح روايته على رواية من نقلها عن غيره.في المسرد والمباشر لها، والعلوsuperiority ('uluww)أن يكون الطالب أعلى رتبة من المطلوب منه في الواقع.في المسرد الإسناد
المتن القول على الفعل، والحاظر على المبيح، والمثبت على النافي، والحقيقةliteral usage (haqiqa)اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب.في المسرد على المجازfigurative usage (majaz)اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب، لعلاقة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.في المسرد، والمنطوقexplicit utterance (mantuq)ما دل عليه اللفظ في محل النطق، صريحا أو غير صريح.في المسرد على المفهومimplicature (mafhum)ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، أي حكم لغير المذكور.في المسرد، والعام الذي لم يُخص على المخصوص عند الجمهور
المدلول الناقل عن الأصل على المقرر له عند الأكثر، والنافي للالحدdefinition (hadd)التعريف الكاشف عن حقيقة الشيء بالجنس والفصل، ويُشترط فيه أن يكون جامعا مانعا.في المسرد على الموجب له
أمر خارج موافقة دليل آخر عند الجمهور، وعمل أهل المدينةpractice of the people of Medinaما اتفق عليه أهل المدينة نقلا أو اجتهادا، وهو حجة عند المالكية في النقلي.في المسرد عند المالكية، وعمل الخلفاء الراشدين، وتفسير الراوي وعمله، وموافقة المقاصد عند المتأخرين
  1. مثال صاحب الواقعة: روى ابن عباس أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم، وروت ميمونة نفسها أنه تزوجها وهو حلال. فرجح الجمهور روايتها لأنها صاحبة الواقعة، ومعها رواية أبي رافع السفير بينهما، ومعهما حديث «لا يَنكح المحرم ولا يُنكح» (رواه مسلم)، فمنعوا نكاح المحرم. ورجح الحنفية رواية ابن عباس لأنها متفق عليها وابن عباس أفقه، فصححوا نكاح المحرم.

  2. الحنفية لا يرجحون بكثرة الأدلة على المشهور عنهم، لأن الترجيح عندهم بوصف في الدليل نفسه، والدليل المنضم يقوم بنفسه ولا يصير وصفا لغيره. ولذلك لا يرجحون بموافقة دليل مستقل آخر، ويرجحون بما يقوي الدليل في ذاته. واختلف النقل عنهم في كثرة الرواة.

  3. الترجيح بين الأقيسة يكون بما يقوي العلةeffective cause ('illa)عند من فرق: سبب ظهرت مناسبته للحكم. وعند الحنفية: ما يضاف إليه وجوب الحكم ابتداء.في المسرد: برتبة الأصل، فما ثبت حكم أصله بقطعي أو اتفاق مقدم؛ وبمسلك العلة، فالمنصوصة على المستنبطة، والمناسبةsuitability (munāsaba)كون الوصف بحيث يترتب على شرع الحكم عنده مصلحة مقصودة للشارع.في المسرد على الشبهresemblance (shabah)وصف لا تظهر مناسبته بذاته عُهد التفات الشارع إليه، ومنه إلحاق الفرع بأكثر الأصلين شبها.في المسرد؛ وبصفتها، فالمتعدية على القاصرة عند الأكثر. ويرجح الحنفية بقوة الأثرstrength of effect (quwwat al-athar)عند الحنفية: ظهور تأثير الوصف في جنس الحكم، ويرجح به بين الأقيسة.في المسرد، أي ظهور تأثير الوصف في جنس الحكم (الأدلة).

أداة تفكير شجرة القرار

الشجرة أداة حديثة لعرض أسئلة مرتبة: سؤال يُجاب بنعم فينتهي النظر، أو بلا فينتقل إلى التالي. وهي تُري الطالب موضع الافتراق في الترتيب نفسه قبل الفروع، وتفسر كيف ينتهي مذهبان إلى حكمين مع اتفاقهما على الدليلين وثبوتهما.

وحدّها ثلاثة أمور. الأول: الشجرة فرعان متوازيان، وتوحيدهما في شجرة واحدة يمحو موضع الخلاف. الثاني: الأسئلة اجتهادية: «هل يمكن الجمع؟» حكم على قرب التأويل وبعده، و«هل لأحدهما مرجح؟» موازنة بين مرجحات قد تتعارض هي أيضا، والأصوليون يرتبون المرجحات ترتيبا ولا يقدرونها بالأرقام. الثالث: الفرع لا يطرد مع الشجرة دائما، لأن الحكم يُبنى على مجموع الأدلة والقرائن.

١ مثالان محلولان

تطبيق عدة الحامل المتوفى عنها زوجها: شجرتان وحكم واحد

الدليلان: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، و﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. والحامل المتوفى عنها داخلة في العمومين.

الطرق الممكنة: الجمع بأبعد الأجلين، وهو مروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهم. والتاريخ، بقول ابن مسعود رضي الله عنه: «أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى» (رواه البخاري)، أي أن آية الطلاق متأخرة. والسنة المبينة، بحديث سبيعة الأسلمية التي وضعت بعد وفاة زوجها بليال فأفتاها النبي ﷺ بأنها قد حلت (رواه البخاري ومسلم).

فرع الجمهور: جعلوا آية الطلاق مخصصة لعموم آية البقرة، وحديث سبيعة بيانا، وتركوا الجمع بأبعد الأجلين لقيام السنة المبينة.

فرع الحنفية: بدؤوا بالتاريخ، فجعلوا آية الطلاق ناسخة لالقدرmeasure (kayl or wazn)الكيل أو الوزن، وهو مع اتحاد الجنس علة ربا الفضل عند الحنفية والمذهب عند الحنابلة.في المسرد ما تناولته من آية البقرة، لتأخرها مع تساويهما في القطعية.

الحكم: عدتها الوضعassignment (wad')جعل اللفظ دليلا على المعنى بحيث إذا أُطلق فُهم منه؛ وهو صفة الواضع.في المسرد الحمل عند المذاهب الأربعة. فاختلاف ترتيب الشجرة قد ينتهي إلى حكم واحد، ويبقى الفرق في تسمية المسلك: تخصيص عند الجمهور، ونسخ جزئي عند الحنفية.

تطبيق الصلاة ذات السبب في أوقات النهي: شجرتان وحكمان

الدليلان: «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس» (رواه البخاري ومسلم)، و«إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» (رواه البخاري ومسلم). وهما عامان من وجه: الأول عام في الصلوات خاص بالأوقات، والثاني عام في الأوقات خاص بتحية المسجد.

فرع الشافعية: بدؤوا بالجمع، فخصوا أحاديث النهي بما لا سبب له، وأبقوا ذوات الأسباب كتحية المسجد والقضاءmake-up (qada')فعل العبادة بعد خروج وقتها استدراكا لما سبق وجوبه أو انعقد سببه.في المسرد الفائتة وصلاة الكسوف على عمومها. وقووا ذلك بأن عموم النهي مخصوص بالإجماعconsensus (ijmāʿ)اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي ﷺ في عصر على أمر من الأمور.في المسرد في قضاء الفرائض، والعام المخصوصspecified general termالعام الذي أُخرج بعض أفراده بدليل؛ حجة فيما بقي عند الجمهور، وظني فيه عند الحنفية.في المسرد أضعف عندهم.

فرع الحنفية: لم يُالعلمknowledge, certainty ('ilm)معرفة المعلوم على ما هو به؛ أو حكم لا يحتمل متعلَّقه النقيض بوجه.في المسرد تاريخ، فانتقلوا إلى الترجيح، فقدموا الحاظر على المبيح، فمنعوا التطوع ذا السبب في هذه الأوقات.

المالكية والحنابلة: يقدمون الجمع في المنهج، ومنعوا هنا على المشهور والمذهبthe school's position (al-madhhab)عند النووي: الراجح من طريقين أو طرق في حكاية المذهب.في المسرد، لأنهم رأوا الجمع غير متجه أو قدموا عموم النهي. واستثنى الحنابلة ركعتي الطواف والإعادةrepetition (i'ada)فعل العبادة ثانيا في وقتها لخلل في الأولى أو لتحصيل فضيلة.في المسرد الجماعة، وعن أحمد رواية بالجواز اختارها ابن تيمية.

الحكم: يصلي صاحب سؤال الافتتاح تحية المسجد عند الشافعية، ولا يصليها عند الحنفية والمالكية، ولا عند الحنابلة على المذهب. فالشجرة فسرت افتراق الشافعية والحنفية، ولم تطرد في المالكية والحنابلة.

تنبيه الجمع والترجيح والنسخ ثلاث نتائج مختلفة

الجمع يُعمل الدليلين. والترجيح يُعمل أحدهما ويترك الآخر في محل التعارض وحده، فيبقى دليلا في غيره، وقد يعود إذا زال المعارض. والنسخ يرفع حكم المتقدم فلا يعود. ودعوى النسخ عند العجز عن الجمع والترجيح مردودة، لأن النسخ لا يثبت إلا بطرقه المعتبرة.

أين التفصيل

أسئلة استرجاع

  1. ما الفرق بين التعارض والترجيح؟ ولماذا يقال إن التعارض في نظر المجتهد؟
  2. اذكر شروط التعارض الأربعة، ومثّل لما يخرج بالشرطcondition (shart)ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وهو خارج عن ماهية المشروط.في المسرد اتحاد الزمن.
  3. رتّب طرق دفع التعارض عند الجمهور وعند الحنفية، واذكر الأصل الذي يقوم عليه كل ترتيب.
  4. إلى أي شيء ينزل الحنفي إذا تعارضت عنده سنتان وتساقطتا؟ وإلى أي شيء إذا تعارض قياسان؟
  5. لماذا لا يرجح الحنفية بموافقة دليل مستقل آخر؟
  6. في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها: ما الحكم؟ وما الذي اختلف بين الفريقين مع اتفاقهم عليه؟

أجوبة أسئلة الاسترجاع

  1. التعارض تقابل الدليلين على سبيل الممانعة في محل واحد وزمن واحد، والترجيح تقوية أحدهما بما ليس دليلا مستقلا. والتعارض في نظر المجتهد لأن كلام الشارع لا يتناقض، وإنما يخفى على الناظر التاريخ أو المخصص أو وجه الجمع.
  2. التساوي في الحجية، والتساوي في القوة، واتحاد المحل والزمن، وتضاد الحكمين. ويخرج باتحاد الزمن حكمان عُلم تاريخهما، فالمتأخر ناسخ لا معارض.
  3. الجمهور: الجمع، ثم النسخ، ثم الترجيح، ثم التوقف أو التخيير أو التساقط؛ وأصله أن إعمال الكلامين أولى من إهمال أحدهما. الحنفية: النسخ، ثم الترجيح، ثم الجمع، ثم التساقط والنزول إلى ما دون الدليلين؛ وأصله أن مراد الشارع يُعرف بالتاريخ والقوة قبل التأويل.
  4. ينزل إلى قول الصحابي والقياس، فإن تعارض قياسان تحرى وعمل بأحدهما بشهادة قلبه، لأنه ليس دون القياس دليل شرعي.
  5. لأن الترجيح عندهم إظهار زيادة لأحد المتماثلين وصفا لا أصلا، والدليل المستقل المنضم أصل قائم بنفسه، لا وصف في الدليل الأول.
  6. عدتها وضع الحمل باتفاق المذاهب الأربعة. والخلاف في المسلك: الجمهور خصوا آية البقرة بآية الطلاق وجعلوا حديث سبيعة بيانا، والحنفية جعلوا آية الطلاق ناسخة لقدر ما تناولته لتأخرها.

الاختبارات: التعارض والترجيح