التعارض والترجيح
موقع الفصل من المنظومة
هذا الفصل المحطة الرابعة من خط الاستنباط: فحص المعارض. وصل الناظر إليها بعد أن عيّن الحكم المطلوب (الحكم الشرعي)، وجمع الأدلة وفحص ثبوتها (الأدلة)، واستخرج دلالة كل الدليلproof, evidence (dalil)ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.في المسرد ودرجتها (دلالات الألفاظ). فإذا وجد دليلين يقتضي أحدهما خلاف ما يقتضيه الآخر سأل ثلاثة أسئلة: هل التعارضconflict of evidence (ta'arud)تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، بأن يقتضي أحدهما خلاف ما يقتضيه الآخر في محل واحد وزمن واحد.في المسرد حقيقي؟ وبأي ترتيب يُدفع؟ وبأي شيء يقوى أحد الدليلين على صاحبه؟ والجواب عن السؤال الثاني هو موضع افتراق المنهجين، الحنفية والجمهور، وعليه مدار هذا الفصل.
سؤال الافتتاح
رجل دخل المسجد بعد العصر. يبلغه حديث «لا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس»، وحديث «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس». هل يصلي تحية المسجد؟ ولماذا يجيب الشافعي بنعم والحنفي بلا، وكلاهما يصحح الحديثين؟ الجواب في المثال الثاني من هذا الفصل.
١ حقيقة التعارض
-
التعارض تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، بأن يقتضي أحدهما في محل واحد وزمن واحد خلاف ما يقتضيه الآخر.
-
الترجيحpreference (tarjih)تقوية أحد الدليلين المتعارضين بما ليس دليلا مستقلا، فيُعمل بالأقوى؛ وعند الحنفية إظهار زيادة لأحد المتماثلين وصفا لا أصلا.في المسرد تقوية أحد الدليلين المتعارضين بما ليس دليلا مستقلا، فيُعمل بالأقوى. وعرّفه الحنفية بأنه إظهار زيادة لأحد المتماثلين على الآخر وصفا لا أصلا، وعلى قيد «الوصف» بنوا منع الترجيح بكثرة الأدلة.
-
لا تعارض في نفس الأمرcommand (amr)القول الطالب للفعل على جهة الاستعلاء؛ وعند ابن السبكي: اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير نحو كف.في المسرد. أدلة الشرع صادرة عن حكيم عليم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. فالتعارض يقع في نظر المجتهد، لقصور علمه بالتاريخ أو بالمخصص أو بوجه الجمع، ودفعه بحث عن مراد واحد الخفيobscure (khafi)ما خفي المراد منه في بعض أفراده بعارض من غير الصيغة، ويزول بالطلب.في المسرد.
-
شروطه أربعة: أن يتساوى الدليلان في الحجية، وأن يتساويا في القوة، وأن يتحد المحل والزمن، وأن يتضاد الحكمان. فلا يعارض الضعيفُ الصحيحَ، ولا خبرُ الواحد المتواترmass-transmitted report (mutawatir)خبر جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه، مستندهم الحس، ويفيد العلم.في المسردَ، ولا يتعارض حكمان في زمنين عُلم تاريخهما، فذلك النسخabrogation (naskh)رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ عنه؛ وعند كثير من الحنفية: بيان انتهاء مدة الحكم.في المسرد.
-
موضعه الظنيات. لا يقع تعارض حقيقي بين قطعيين، فإن ظهر بينهما فأحدهما الناسخabrogating text (nasikh)الخطاب الشرعي الدال على رفع الحكم المتقدم، والناسخ حقيقة هو الله تعالى.في المسرد إذا عُلم التاريخ. ولا تعارض بين القطعيdefinitive (qat'i)ما لا يحتمل غير مدلوله احتمالا ناشئا عن دليل، في ثبوته أو دلالته.في المسرد والظنيprobable (zanni)ما يحتمل غير مدلوله احتمالا مرجوحا، في ثبوته أو دلالته.في المسرد، فالقطعي مقدم. ومن هنا يدخل خلاف الدلالة في الباب: ما يراه الحنفية قطعيا كالعامgeneral term ('amm)لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر؛ وعند الحنفية: ما ينتظم جمعا من المسميات لفظا أو معنى.في المسرد قبل التخصيصspecification (takhsis)قصر العام على بعض أفراده، ويفارق النسخ بأنه في الأفراد لا في الأزمان.في المسرد يراه الجمهور ظنيا، فقد يرى أحد الفريقين تعارضا لا يراه الآخر. فالعام القطعي عند الحنفية يعارضه الخاصspecific term (khass)كل لفظ وُضع لمعنى معلوم على الانفراد، جنسا أو نوعا أو عينا أو عددا.في المسرد القطعي، ولا يعارضه الخاص الظني (دلالات الألفاظ).
١ الشجرتان متقابلتين
إذا ثبت التعارض فللمنهجين ترتيبان متوازيان. ويقوم الترتيب الأول على أن الشارع أراد الدليلين معا، فإعمالهما أولى ما أمكن. ويقوم الثاني على أن مراد الشارع يُعرف بالتاريخ أو بالقوة قبل التأويلinterpretation (ta'wil)صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى مرجوح يحتمله، لدليل يصيّره راجحا.في المسرد، لأن الجمع قد يكون تكلفا يخالف مراده.
| الخطوة | الفرعnew case (farʿ)المحل المسكوت عنه المراد إلحاقه بالأصل.في المسرد الجمهور | فرع الحنفية |
|---|---|---|
| الأولى | الجمع إن أمكن بوجه مقبول | النسخ إن عُلم التاريخ |
| الثانية | النسخ إن عُلم التاريخ | الترجيح إن وُجد مرجح |
| الثالثة | الترجيح إن وُجد مرجح | الجمع إن أمكن |
| الرابعة | التوقفsuspension of judgmentترك الحكم في المسألة حتى يظهر مرجح، من أقوال الجمهور عند التعادل.في المسرد، أو التخييرoption (takhyir)تسوية الشارع بين فعل الشيء وتركه، وهو الإباحة.في المسرد، أو التساقطmutual cancellation (tasaqut)ترك الدليلين المتعارضين في محل التعارض عند تعذر النسخ والترجيح والجمع، والانتقال إلى ما دونهما.في المسرد والرجوع إلى البراءة (أقوال) | التساقط والنزول إلى ما دون الدليلين رتبة، ثم إلى الأصلroot, basis (asl)لغة ما يُبنى عليه غيره؛ واصطلاحا يطلق على الدليل، والراجح، والقاعدة المستمرة، والمقيس عليه.في المسرد |
| أصل الترتيب | إعمال الكلامين أولى من إهمال أحدهما | مراد الشارع يُعرف بالتاريخ والقوة قبل التأويل |
مسألة خلافية ما ترتيب طرق دفع التعارض؟
- الحنفية المشهورwell-known report (mashhur, Hanafi sense)عند الحنفية: ما كان آحادا في الطبقة الأولى ثم انتشر في القرن الثاني والثالث وتلقته الأمة بالقبول، يفيد الطمأنينة ويزاد به على الكتاب.في المسرد في كتب المتأخرين كالتوضيح وشرح المنار: النسخ إن عُلم التاريخ، ثم الترجيح، ثم الجمع، ثم التساقط والرجوع إلى ما دون الدليلين في الرتبة. وقدّم بعض الحنفية الجمع على الترجيح.
- المالكية الجمع، ثم النسخ، ثم الترجيح.
- الشافعية الجمع أولا، ثم النسخ إن عُلم التاريخ، ثم الترجيح، ثم التوقف أو التخيير.
- الحنابلة الجمع، ثم النسخ، ثم الترجيح.
- سبب الخلاف هل الجمع بتأويل أحد الدليلين قد يكون تكلفا يخالف مراد الشارع، فيُقدَّم ما يُعرف به مراده من تاريخ أو قوة، أم أن إعمال الكلامين أولى ما أمكن؟
- الثمرة الصلاة ذات السببcause (sabab)الوصف الظاهر المنضبط الذي جعله الشارع علامة على الحكم، يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته.في المسرد في أوقات النهيprohibition (nahy)القول الطالب للكف عن فعل على جهة الاستعلاء؛ وصيغته لا تفعل.في المسرد، وهي المثال الثاني في هذا الفصل.
-
النزول بعد التساقط عند الحنفية سلّم معلوم، قرره الشاشي في أصوله: إذا تعارضت آيتان نزل المجتهد إلى السنةthe Sunnaما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير.في المسرد، وإذا تعارضت سنتان نزل إلى قول الصحابيCompanion's opinion (qawl al-ṣaḥābī)ما نُقل عن الصحابي من فتوى أو قضاء في حادثة لا نص فيها ولا إجماع.في المسرد والقياسanalogy (qiyās)مساواة فرع لأصل في علة حكمه، أو رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم.في المسرد، وإذا تعارض قياسان تحرى وعمل بأحدهما بشهادة قلبه، لأنه ليس دون القياس دليل شرعي يُصار إليه. فإن لم يبق دليل رجع إلى الأصل، وهو الاستصحابpresumption of continuity (istiṣḥāb)الحكم ببقاء ما ثبت بدليل في الماضي حتى يظهر المغير بعد البحث عنه.في المسرد.
-
سؤر الحمار مثال الحنفية المشهور على آخر الشجرة. تعارضت عندهم الأدلة في لحمه وسؤره، فلم يترجح دليل ولم يمكن جمع، فرجعوا إلى الأصل: الماء طاهر بيقين، والحدث ثابت بيقين، واليقين لا يزول بالشكdoubt (shakk)تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر.في المسرد. فقالوا: سؤره مشكوك فيه، فمن لم يجد غيره توضأ به وتيمم. والجمهور على طهارة سؤره.
١ أنواع الجمع
الجمع إعمال الدليلين معا بالحملattribution of meaning (haml)اعتقاد السامع مراد المتكلم من لفظه؛ وقواعد الأصوليين في الدلالة قواعد في الحمل.في المسرد كل منهما على وجه لا يناقض الآخر. وشرطه أن يكون بوجه تحتمله الألفاظ، وألا يعود على أحد النصين بالإبطال. وأنواعه خمسة:
- التخصيص: يُخص العام بالخاص، وفي العامين من وجه يُخص عموم كل منهما بخصوص الآخر.
- التقييد: يُحمل المطلق على المقيدreading the unrestricted as restrictedفهم المطلق مرادا به المقيد إذا ورد في نص آخر، على تفصيل في صوره الأربع.في المسرد على المقيدrestricted term (muqayyad)ما دل على الماهية مع قيد يقلل شيوعها، من وصف أو شرط أو غاية أو حال.في المسرد.
- التأويل: يُصرف أحد الظاهرين إلى معنى محتمل بدليل.
- الحمل على حالينassigning each text to a different caseنوع من الجمع ينزل فيه كل دليل على حال غير حال الآخر.في المسرد: يُنزَّل كل دليل على حال غير حال الآخر، كمدح من يأتي بشهادته قبل أن يُسألها وذم من يشهد ولا يُستشهد، فالأول فيمن عنده شهادة لا يعلم بها صاحبها، والثاني فيمن يتسرع إليها في حقوق الناس قبل طلبها.
- الحمل على اختلاف الحكم: يُحمل الأمر على الندب والنهي على الكراهة، أو أحد الفعلين على البيانclarification (bayan)عند الشافعي: إظهار الله أحكامه لعباده بالكتاب والسنة على مراتب، يبين بعضها بعضا.في المسرد الجواز والآخر على الأفضل.
فالجمع عند الجمهور يجمع أدوات المحطة الثالثة كلها في خدمة المحطة الرابعة: التخصيص والتقييد والتأويل التي بسطها دلالات الألفاظ.
١ وجوه الترجيح
- الترجيح الواجبwajib (obligatory)عند الجمهور: ما طلب الشارع فعله طلبا جازما. وعند الحنفية: ما ثبت لزومه بدليل فيه شبهة، لا يكفر جاحده.في المسرد عند جماهير العلماء، ووجوهه كثيرة أوصلها بعضهم إلى مئة، وترجع إلى أربعة أبواب. والضابطchapter-specific rule (dabit)حكم كلي يجمع فروع باب واحد.في المسرد الجامع: كل ما يزيد الظنprobability, preponderant belief (zann)إدراك الطرف الراجح من أمرين محتملين.في المسرد بصدق الخبر أو بإرادة المعنى يصلح مرجحا.
| الباب | أشهر وجوهه |
|---|---|
| السند | كثرة الرواة عند الجمهور، و |