الكتاب والسنة
موقع الفصل من المنظومة
هذا الفصل أول أبواب قطب المثمر، ويقع على المحطة الثانية من خط الاستنباط: جمع الأدلة وفحص ثبوتها. فالناظر بعد أن يعرف نوع الحكم المطلوب (الحكم التكليفي والحكم الوضعي) يسأل: ما النصوص التي تتكلم في الواقعة، وما درجة ثبوت كل منها؟ ودلالتها موضوع الباب الرابع (مبادئ لغوية إلى التعارض والترجيح)، ورفع بعضها لبعض موضوع النسخ. ويُبنى الفصل على ما تقرر في حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه من القطع والظنprobability, preponderant belief (zann)إدراك الطرف الراجح من أمرين محتملين.في المسرد.
سؤال الافتتاح
رجل حلف بالله ثم حنث، ولم يجد ما يطعم به عشرة مساكين ولا ما يكسوهم ولا رقبة، فصام ثلاثة أيام متفرقة: يوما في أول الشهر، ويوما في وسطه، ويوما في آخره. هل أجزأه صومه؟ والآية تقول: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، ولم تذكر التتابع.
١ الكتاب: حده وحجيته
الكتاب في اصطلاح الأصوليين هو القرآنthe Qur'an (al-Kitab)المنزل على الرسول ﷺ المكتوب في المصاحف المنقول عنه تواترا بلا شبهة (الحنفية)؛ واللفظ المنزل على محمد ﷺ للإعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته (المتكلمون).في المسرد. وللمدرستين في حده عبارتان متقاربتان في المضمون مختلفتان في المدخل:
- عبارة الحنفية، وعليها النسفي في المنار ومن قبله البزدوي: القرآن هو المنزل على الرسول ﷺ، المكتوب في المصاحف، المنقول عنه نقلا متواترا بلا شبهة.
- عبارة المتكلمين، وعليها ابن السبكي في جمع الجوامع ومن تبعه: اللفظ المنزل على محمد ﷺ للإعجاز بسورة منه، المتعبد بتلاوته.
فالحنفية بنوا الحدdefinition (hadd)التعريف الكاشف عن حقيقة الشيء بالجنس والفصل، ويُشترط فيه أن يكون جامعا مانعا.في المسرد على طريق ثبوته، لأن غرض الأصولي معرفة ما يحتج به، والمتكلمون بنوه على خصائصه الذاتية، ثم جعلوا التواتر شرطا في ثبوت كل جزء منه.
٢ قيود التعريف وما يخرج بها
- المنزل: يخرج كلام البشر، والحديث النبوي لأن لفظه من النبي ﷺ وإن كان معناه وحيا.
- على محمد ﷺ: يخرج التوراة والإنجيل.
- للإعجاز بسورة منه: يخرج الحديث القدسي، فلم يقع التحدي به.
- المتعبد بتلاوته: يخرج ما نسخت تلاوته، والقراءة الشاذةnon-canonical reading (qira'a shadhdha)ما نُقل قرآنا ولم يتواتر، وهي عند المتأخرين ما وراء القراءات العشر.في المسرد.
- المنقول تواترا بلا شبهة (في حد الحنفية): يخرج الشاذ والمشهورwell-known report (mashhur, Hanafi sense)عند الحنفية: ما كان آحادا في الطبقة الأولى ثم انتشر في القرن الثاني والثالث وتلقته الأمة بالقبول، يفيد الطمأنينة ويزاد به على الكتاب.في المسرد من القراءات.
ومن ثمرة قيد «اللفظ» أن الترجمة ليست قرآنا، فلا تقوم مقامه في الصلاة عند الجمهور. ونُقل عن أبي حنيفة جواز القراءة بالفارسية في الصلاة لمن يحسن العربية، ونقل أصحابه رجوعه عنه، وعلى الرجوع استقر المذهبthe school's position (al-madhhab)عند النووي: الراجح من طريقين أو طرق في حكاية المذهب.في المسرد.
١ حجية الكتاب
حجية القرآن الأصلroot, basis (asl)لغة ما يُبنى عليه غيره؛ واصطلاحا يطلق على الدليل، والراجح، والقاعدة المستمرة، والمقيس عليه.في المسرد الأصول، ثابتة بالإعجاز الدال على صدق الرسول ﷺ، وكل الدليلproof, evidence (dalil)ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.في المسرد بعده يرجع إليه في حجيته، كما يأتي في الإجماع والقياس.
١ التواتر شرط القرآنية
اتفق الأصوليون على أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، لأنه معجزة الرسالةal-Shafi'i's Risala (The Epistle on Legal Theory)كتاب الشافعي في البيان والسنة والنسخ والخبر والإجماع والقياس والاجتهاد، وهو أول تدوين جامع في الأصول وصل إلينا.في المسرد الباقية، وما كان كذلك تتوافر الدواعي على نقله نقلا قاطعا، فما نُقل آحادا مع توافر الدواعي دل على أنه ليس قرآنا.
وما وراء القراءات المتواترة يسمى القراءة الشاذة. والمعتمدrelied-upon position (mu'tamad)القول الذي استقر الترجيح عليه عند أهل الترجيح في المذهب.في المسرد عند المتأخرين أن الشاذ ما وراء القراءات العشر، وكان كثير من المتقدمين يقصرون المتواترmass-transmitted report (mutawatir)خبر جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه، مستندهم الحس، ويفيد العلم.في المسرد على السبع.
٢ القراءة الشاذة وحجيتها في الأحكام
لا تجوز القراءة بالشاذ في الصلاة ولا يُتعبد بتلاوته، وهذا محل اتفاق. والخلاف في الأمرcommand (amr)القول الطالب للفعل على جهة الاستعلاء؛ وعند ابن السبكي: اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير نحو كف.في المسرد آخر: إذا روى الصحابي في قراءته زيادة لم تتواتر، هل يُحتج بها في الأحكام كما يحتج بخبر الواحدsolitary report (khabar al-wahid)ما لم يبلغ حد التواتر، يوجب العمل ويفيد الظن عند الجمهور.في المسرد؟
مسألة خلافية هل القراءة الشاذة حجة في الأحكام؟
- الحنفية حجة تنزل منزلة خبر الواحد، وقراءة ابن مسعود المشهورة عندهم في حكم الخبر المشهور الذي يزاد به على الكتاب. فالصحابي العدل نقلها عن النبي ﷺ، فإن لم تثبت قرآنا بقيت خبرا مسموعا: قرآنا نسخت تلاوته أو تفسيرا.
- المالكية المشهور عند أصولييهم، كابن الحاجب، أنها ليست حجة، لأن الراوي نقلها قرآنا ولم ينقلها خبرا، فإذا بطل كونها قرآنا لم يبق ما يُحتج به.
- الشافعية نُقل عن الشافعي ما يدل على الاحتجاج بها، واختار إمام الحرمين والنووي أنها ليست حجة، واعتمد ابن السبكي في جمع الجوامع وكثير من المتأخرين أنها تجري مجرى خبر الآحاد. فالمسألة عندهم ذات قولين معتبرين.
- الحنابلة حجة على المذهب، كخبر الواحد.
- سبب الخلاف ما نُقل قرآنا ولم يتواتر، هل يسقط بالكلية لأن ناقله لم يقصد الخبر، أم يبقى له حكم الخبر لأن عدالة الناقل تمنع أن يكون اختلقه؟
- الثمرة التتابع في صيام كفارة اليمين، بقراءة ابن مسعود وأبي بن كعب: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات». الحنفية والحنابلة: يشترط التتابع. المالكية: لا يشترط ويستحب. الشافعية: لا يشترط على الأظهرmost evident (azhar)عند النووي: الراجح من قولين أو أقوال للشافعي مع قوة الخلاف.في المسرد في المذهب، وهو الجديد.
ومتأخرو الشافعية القائلون بحجية الشاذ لم يشترطوا التتابع، فالقاعدة وحدها لا تفسر الفرعnew case (farʿ)المحل المسكوت عنه المراد إلحاقه بالأصل.في المسرد (تخريج الفروع على الأصول).
تطبيق التتابع في كفارة اليمين على خط الاستنباط
-
نوع الحكم: هل التتابع الشرطcondition (shart)ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وهو خارج عن ماهية المشروط.في المسرد لالصحةvalidity (sihha)موافقة الفعل ذي الوجهين للشرع؛ وفي العبادات: موافقة الأمر عند المتكلمين، وإسقاط القضاء عند الفقهاء.في المسرد صوم الكفارة؟ حكم وضعي متعلق بالواجبwajib (obligatory)عند الجمهور: ما طلب الشارع فعله طلبا جازما. وعند الحنفية: ما ثبت لزومه بدليل فيه شبهة، لا يكفر جاحده.في المسرد.
-
الأدلة وثبوتها: آية المائدة متواترة بلا قيد. وقراءة «متتابعات» غير متواترة: مشهورة عند الحنفية، وخبر آحاد معمول به عند الحنابلة، ساقطة عند المالكية، ولا يقيد بها الشافعية على الأظهر.
-
الدلالة: «ثلاثة أيام» المطلقunrestricted term (mutlaq)ما دل على الماهية أو على فرد شائع في جنسه بلا قيد يقلل شيوعه.في المسرد، و«متتابعات» قيد.
-
المعارض: تقييد المطلق القطعيdefinitive (qat'i)ما لا يحتمل غير مدلوله احتمالا ناشئا عن دليل، في ثبوته أو دلالته.في المسرد الزيادة على النصaddition to the text (al-ziyada 'ala al-nass)إضافة جزء أو شرط أو وصف إلى حكم ثبت بنص، وهي نسخ عند الحنفية إذا غيرت حكم المزيد عليه.في المسرد، وهي النسخabrogation (naskh)رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ عنه؛ وعند كثير من الحنفية: بيان انتهاء مدة الحكم.في المسرد عند الحنفية لا تثبت بالآحاد وتثبت بالمشهور (النسخ). والحنابلة يجيزون التقييد بالآحاد.
-
الحكم: لم يجزئه صومه عند الحنفية والحنابلة فيستأنف متتابعا، وأجزأه عند المالكية والشافعية، والحكم الظنيprobable (zanni)ما يحتمل غير مدلوله احتمالا مرجوحا، في ثبوته أو دلالته.في المسرد عند الجميع.
٢ البسملة
اتفقوا على أن البسملة بعض آية في سورة النمل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]، وعلى أنها ليست في أول سورة براءة. واختلفوا فيما سوى ذلك.
مسألة خلافية هل البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة؟
- الحنفية آية من القرآن مستقلة، أنزلت للفصل بين السور والتبرك، وليست من الفاتحة ولا من غيرها.
- المالكية ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها، إلا في سورة النمل.
- الشافعية آية من الفاتحة قطعا عند الأصحاب، ومن أول كل سورة على الأصحsoundest (asahh)عند النووي: الراجح من وجهين أو أوجه للأصحاب مع قوة الخلاف.في المسرد.
- الحنابلة آية مستقلة ليست من الفاتحة على المذهب، وعن أحمد رواية أنها من الفاتحة.
- سبب الخلاف كتبها الصحابة في المصاحف مع تجريدهم المصحف مما ليس قرآنا، فهل يكفي ذلك في إثبات قرآنيتها في كل موضع، أم يشترط تواتر كونها آية في كل موضع بعينه؟ ويُضم إليه التعارضconflict of evidence (ta'arud)تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، بأن يقتضي أحدهما خلاف ما يقتضيه الآخر في محل واحد وزمن واحد.في المسرد أحاديث الجهر والإسرار بها.
- الثمرة قراءتها في الصلاة. الشافعية: واجبة مع الفاتحة في كل ركعة، ويجهر بها في الجهرية. الحنفية والحنابلة: تقرأ سرا السنةthe Sunnaما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير.في المسرد. المالكية: تكره في الفريضة على المشهور.
تنبيه لماذا لا يكفّر من نفى البسملة أو أثبتها؟
القطع حاصل بأنها مكتوبة في المصحف بالإجماعconsensus (ijmāʿ)اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي ﷺ في عصر على أمر من الأمور.في المسرد الصحابة، وكونها آية في أول كل سورة بعينه موضع الاجتهادindependent juristic reasoning (ijtihad)استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي.في المسرد فيه شبهة قوية من الجانبين، والتكفير لا يكون إلا بإنكار مجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورةwhat is known of religion by necessityما يعرفه الخاص والعام من المسلمين بلا نظر، ويكفر جاحد الإجماع عليه.في المسرد.
١ قطعية الثبوت وظنية بعض الدلالات
القرآن كله قطعي الثبوت. أما دلالته فمنها القطعي، كقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] في العدد، ومنها الظني، كدلالة «القرءqur' (menstrual period or purity)لفظ مشترك بين الحيض والطهر، حمله الحنفية والحنابلة في العدة على الحيض، والمالكية والشافعية على الطهر.في المسرد» على الحيض أو الطهر، ودلالة العامgeneral term ('amm)لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر؛ وعند الحنفية: ما ينتظم جمعا من المسميات لفظا أو معنى.في المسرد عند الجمهور.
أداة تفكير شبكة الثبوت والدلالة
تُالرسمdescription (rasm)تعريف الشيء بالجنس والخاصة أو بآثاره اللازمة، كتعريف الواجب بما يُثاب فاعله ويُعاقب تاركه.في المسرد المربعات الأربعة هكذا، ويوضع فيها كل نص يُحتج به:
| قطعي الدلالة | ظني الدلالة | |
|---|---|---|
| قطعي الثبوت | آية مفسرة أو محكمة، كعدد الجلد مئة | آية فيها لفظ المشتركpolysemous term (mushtarak)اللفظ الموضوع لمعنيين فأكثر وضعا متعددا، كالقرء للحيض والطهر.في المسرد أو عام، كالقرء |
| ظني الثبوت | خبر واحد الصريحexplicit expression (sarih)ما ظهر المراد منه ظهورا بيّنا بكثرة الاستعمال، ويثبت موجبه بلا نية.في المسرد لا يحتمل غير معناه | خبر واحد محتمل الدلالة |
وعليها يبني الحنفية تقسيم الطلب: ما ثبت بقطعي الثبوت والدلالة الفرضfard (definitively established obligation)عند الحنفية: ما ثبت لزومه بدليل قطعي لا شبهة فيه، يكفر جاحده؛ وعند الجمهور مرادف للواجب.في المسرد، وما فيه شبهة في أحد الطرفين واجب (الحكم التكليفي)، فالقراءة في الصلاة فرض بآية ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وتعيين الفاتحة واجب بخبر الواحد.
وحد الأداة: الشبكة تصنف الدليل الواحد، وقد تتضافر أدلة ظنية فيرتفع مجموعها إلى القطع، كما يقرر الشاطبي في