الحكم التكليفي
موقع الفصل من المنظومة
خط الاستنباط يبدأ بسؤال: ما نوع الحكم المطلوب في هذه الواقعة؟ وينتهي بحكم له درجة من اليقين. هذا الفصل يقف عند الطرفين معا: المحطة الأولى، حيث يعيّن الناظر نوع الحكم الذي يبحث عنه، والمحطة الثامنة، حيث يصف الحكم الذي وصل إليه وصفا مضبوطا. فالحكم التكليفي هو «الثمرة» في قسمة الغزالي، وكل ما بعده من أدلة ودلالات والترجيحpreference (tarjih)تقوية أحد الدليلين المتعارضين بما ليس دليلا مستقلا، فيُعمل بالأقوى؛ وعند الحنفية إظهار زيادة لأحد المتماثلين وصفا لا أصلا.في المسرد وسائل إليه. ويحتاج الفصل مما قبله إلى مراتب الإدراك (العلمknowledge, certainty ('ilm)معرفة المعلوم على ما هو به؛ أو حكم لا يحتمل متعلَّقه النقيض بوجه.في المسرد والظنprobability, preponderant belief (zann)إدراك الطرف الراجح من أمرين محتملين.في المسرد) والفرق بين القطعيdefinitive (qat'i)ما لا يحتمل غير مدلوله احتمالا ناشئا عن دليل، في ثبوته أو دلالته.في المسرد والظنيprobable (zanni)ما يحتمل غير مدلوله احتمالا مرجوحا، في ثبوته أو دلالته.في المسرد في حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه، وإلى مسألة الحاكمthe Lawgiver (al-hakim)من يصدر عنه الحكم الشرعي، وهو الله تعالى باتفاق المسلمين.في المسرد والتحسين والتقبيح في نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية.
سؤال الافتتاح
رجل صلى الظهر فترك قراءة الفاتحة عامدا وقرأ آيات من سورة أخرى. هل صلاته باطلة؟ وإن لم تكن باطلة، فهل عليه شيء؟ ستجد أن جواب المذاهب يختلف، وأن السببcause (sabab)الوصف الظاهر المنضبط الذي جعله الشارع علامة على الحكم، يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته.في المسرد اختلافه مسألة من مسائل هذا الفصل لا من مسائل الصلاة.
١ تعريف الحكم الشرعي
الحكم في اللغة المنع والقضاءmake-up (qada')فعل العبادة بعد خروج وقتها استدراكا لما سبق وجوبه أو انعقد سببه.في المسرد. وفي اصطلاح الأصوليين من المتكلمين: خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاءdemand (iqtida')الطلب، فعلا أو تركا، جازما أو غير جازم.في المسرد أو التخييرoption (takhyir)تسوية الشارع بين فعل الشيء وتركه، وهو الإباحة.في المسرد، وزاد ابن الحاجب وغيره: أو الوضعassignment (wad')جعل اللفظ دليلا على المعنى بحيث إذا أُطلق فُهم منه؛ وهو صفة الواضع.في المسرد، ليدخل الحكم الوضعيdeclaratory ruling (hukm wad'i)خطاب الله المتعلق بجعل الشيء سببا أو شرطا أو مانعا، أو بوصف الفعل بالصحة والفساد أو العزيمة والرخصة.في المسرد في الحدdefinition (hadd)التعريف الكاشف عن حقيقة الشيء بالجنس والفصل، ويُشترط فيه أن يكون جامعا مانعا.في المسرد.
قيود الحد:
- خطاب الله: كلامه الموجّه إلى العباد. ويدخل فيه ما دل عليه من السنةthe Sunnaما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير.في المسرد والإجماعconsensus (ijmāʿ)اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي ﷺ في عصر على أمر من الأمور.في المسرد والقياسanalogy (qiyās)مساواة فرع لأصل في علة حكمه، أو رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم.في المسرد، لأنها كواشف عن خطابه ومعرّفات له، وليست منشئة لحكم من عندها.
- المتعلق بأفعال المكلفين: يخرج به الخطاب المتعلق بذات الله وصفاته، والمتعلق بالجمادات، والمتعلق بأفعال العباد على جهة الإخبار كقوله ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]. والمراد بالفعل ما يعم عمل القلب والقول والكفrestraint (kaff)حمل النفس على ترك المنهي عنه قصدا، وهو المكلف به في النهي عند الجمهور.في المسرد.
- بالاقتضاء: أي الطلب، وهو أربعة: طلب فعل جازم (الإيجاب)، وطلب فعل غير جازم (الندب)، وطلب ترك جازم (التحريم)، وطلب ترك غير جازم (الكراهة).
- أو التخيير: الإباحة.
- أو الوضع: جعل الشيء سببا أو شرطا أو مانعا، وهو موضوع الحكم الوضعي.
ويقع على هذا الحد اعتراض المشهورwell-known report (mashhur, Hanafi sense)عند الحنفية: ما كان آحادا في الطبقة الأولى ثم انتشر في القرن الثاني والثالث وتلقته الأمة بالقبول، يفيد الطمأنينة ويزاد به على الكتاب.في المسرد: إن كان الحكم هو الخطاب، والخطاب كلام الله القديم، فالحكم قديم؛ فكيف يتعلق بفعل حادث وبمكلف لم يوجد بعد؟ وجوابهم أن للخطاب تعلقا معنويا قديما وتعلقا تنجيزيا حادثا يقع عند وجود المكلفlegally responsible person (mukallaf)البالغ العاقل الذي يفهم الخطاب وهو أهل لما كلف به.في المسرد مستوفيا للشروط.
٢ الحكم عند الحنفية: أثر الخطاب
سلك محققو الحنفية طريقا آخر: الحكم عندهم أثر الخطاب المترتب عليه في فعل المكلف، فالحكم هو الوجوب والحرمة والإباحة، والخطاب هو الإيجاب والتحريم. فقوله ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] إيجاب من جهة الله، ووجوب في جهة الفعل، والحكم عندهم الثاني. وهذا هو الذي يجري في ألسنة الفقهاء: يقولون «الصلاة واجبة» ولا يقولون «الصلاة إيجاب».
ولهذا الاختيار أثر في البناء الحنفي كله: إذا كان الحكم صفة للفعل ثابتة بالخطاب، أمكن أن تتفاوت هذه الصفة بتفاوت الطريق الذي وصل به الخطاب إلينا، فيكون الوجوب الثابت بطريق قطعي غير الوجوب الثابت بطريق ظني. وعلى هذا قام التفريق بين الفرضfard (definitively established obligation)عند الحنفية: ما ثبت لزومه بدليل قطعي لا شبهة فيه، يكفر جاحده؛ وعند الجمهور مرادف للواجب.في المسرد والواجبwajib (obligatory)عند الجمهور: ما طلب الشارع فعله طلبا جازما. وعند الحنفية: ما ثبت لزومه بدليل فيه شبهة، لا يكفر جاحده.في المسرد.
تنبيه الحكم والفقه والدليل
«الحكم» في الأصول غير «الفقهpositive law, jurisprudence (fiqh)العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.في المسرد» وغير «الدليلproof, evidence (dalil)ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.في المسرد». فالدليل ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، والحكم وجوب الصلاة، والفقه علم المجتهد بهذا الوجوب مستفادا من دليله التفصيلي. ومن خلط بينها ظن أن تقسيم الحكم إلى خمسة تقسيم للأدلة، وهو تقسيم لما تدل عليه.
١ أقسام الحكم التكليفي: خمسة أو سبعة
القسمة عند الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة خمسة، تخرج من السبر: الخطاب إما طلب أو تخيير؛ والطلب طلب فعل أو طلب ترك؛ وكل منهما جازم أو غير جازم. فيكون: الواجب، والمندوبrecommended (mandub)ما طلب الشارع فعله طلبا غير جازم، يثاب فاعله امتثالا ولا يعاقب تاركه.في المسرد، والمباحpermitted (mubah)ما خيّر الشارع المكلف بين فعله وتركه.في المسرد، والمكروه، والحرام.
والقسمة عند الحنفية سبعة: الفرض، والواجب، والسنة والمندوب (وهو النفل والمستحب على تفصيل يأتي)، والمباح، والمكروه تنزيهاmakruh tanzihan (mildly disliked)ما طلب الشارع تركه طلبا غير جازم، وهو إلى الحل أقرب.في المسرد، والمكروه تحريماmakruh tahriman (prohibitively disliked)عند الحنفية: ما طلب الشارع تركه طلبا جازما بدليل ظني، وهو مقابل الواجب.في المسرد، والحرام. فزادوا في طرف الطلب الجازم للفعل رتبة، وفي طرف الطلب الجازم للترك رتبة.
من المتون الورقات لإمام الحرمين الجويني
والأحكام سبعة: الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه والصحيح والباطل. فالواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه. والمندوب ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه. والمباح ما لا يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه. والمحظور ما يثاب على تركه ويعاقب على فعله. والمكروه ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله. والصحيح ما يتعلق به النفوذ ويعتد به، والباطل ما لا يتعلق به النفوذ ولا يعتد به.
الحل: سبعة الجويني غير سبعة الحنفية. هو يعد الخمسة التكليفية ويضم إليها اثنين من الحكم الوضعي، هما الصحيح والباطل، فيبلغ سبعة. وقوله «الواجب» و«المحظور» تسمية لمتعلق الحكم، أي الفعل الموصوف، لا للحكم نفسه، فالحكم الإيجاب والحظر. وتعريفاته كلها بالأثر المترتب، أي الثواب والعقاب، ويسمى هذا تعريفا بالرسم؛ ولذلك قيده الشراح بأن الثواب لمن فعل امتثالا، وأن العقاب استحقاق يجوز معه العفو. والتعريف بالحقيقة: الواجب ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، وهكذا في البقية. وتجد الصحيح والباطل مبسوطين في الحكم الوضعي.
١ الفرض والواجب عند الحنفية
الواجب عند الجمهور ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، والفرض مرادف له؛ فقول الشافعي «فرض» و«واجب» سواء. ويستثني الشافعية والحنابلة والمالكية باب الحج، فيفرقون فيه بين الركن الذي لا يُجبر والواجب الذي يُجبر بدم، وهو اصطلاح باب لا تقسيم العامgeneral term ('amm)لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر؛ وعند الحنفية: ما ينتظم جمعا من المسميات لفظا أو معنى.في المسرد للحكم.
أما الحنفية فالطلب الجازم عندهم رتبتان:
- الفرض: ما ثبت لزومه بدليل قطعي لا شبهة فيه، ككتاب أو سنة متواترة أو إجماع، مع قطعية الدلالة. حكمه: لزوم العمل والاعتقاد، ويكفر جاحده، ويفسق تاركه بلا عذر.
- الواجب: ما ثبت لزومه بدليل فيه شبهة، كخبر الواحدsolitary report (khabar al-wahid)ما لم يبلغ حد التواتر، يوجب العمل ويفيد الظن عند الجمهور.في المسرد، أو كالقطعي الثبوت الظني الدلالة. حكمه: لزوم العمل دون الاعتقاد القطعي، فلا يكفر جاحده، ويفسق تاركه إن استخف بالدليل، وإثمه دون إثم تارك الفرض.
مسألة خلافية هل الفرض والواجب مترادفان؟
- الحنفية يفرقون: الفرض ما ثبت بقطعي، والواجب ما ثبت بظني؛ ويرتبون على ذلك آثارا في الاعتقاد والصحةvalidity (sihha)موافقة الفعل ذي الوجهين للشرع؛ وفي العبادات: موافقة الأمر عند المتكلمين، وإسقاط القضاء عند الفقهاء.في المسرد والجبر.
- المالكية مترادفان في الأصول، ويفرق الفقهاء في العبادات بين الفرض والسنة والفضيلةfadila (lesser recommended, Maliki)عند المالكية: المندوب الذي قل تأكده عن السنة والرغيبة.في المسرد، وفي الحج بين الركن والواجب المجبور بالدم.
- الشافعية مترادفان، والتفريق في الحج اصطلاح الخاصspecific term (khass)كل لفظ وُضع لمعنى معلوم على الانفراد، جنسا أو نوعا أو عينا أو عددا.في المسرد بالباب.
- الحنابلة المذهبthe school's position (al-madhhab)عند النووي: الراجح من طريقين أو طرق في حكاية المذهب.في المسرد الترادفsynonymy (taraduf)توارد لفظين مفردين فأكثر على معنى واحد باعتبار واحد.في المسرد، وعن أحمد رواية بالتفريق بين ما ثبت بالقرآنthe Qur'an (al-Kitab)المنزل على الرسول ﷺ المكتوب في المصاحف المنقول عنه تواترا بلا شبهة (الحنفية)؛ واللفظ المنزل على محمد ﷺ للإعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته (المتكلمون).في المسرد وما ثبت بالسنة، ذكرها ابن قدامة في روضة الناظر.
- سبب الخلاف هل ينظر إلى صفة الطلب (وهو جازم في الحالين فلا تفاوت)، أم إلى طريق ثبوته (فيتفاوت الطلب بتفاوت قوة دليله)؟ الحنفية نظروا إلى الطريق، والجمهور إلى الصفة.
- الثمرة الفاتحة في الصلاة: الفرض عند الحنفية المطلقunrestricted term (mutlaq)ما دل على الماهية أو على فرد شائع في جنسه بلا قيد يقلل شيوعه.في المسرد القراءة لقوله ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، والفاتحة واجبة لحديث «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (رواه البخاري ومسلم)، لأن الخبر لا يقوى على الزيادة على القطعي؛ فمن تركها سهوا سجد للسهو، ومن تركها عمدا أساء ووجبت عليه الإعادةrepetition (i'ada)فعل العبادة ثانيا في وقتها لخلل في الأولى أو لتحصيل فضيلة.في المسرد، ولا تبطل الصلاة. والجمهور: ركن تبطل الصلاة بتركه. ومثلها الوتر: واجب عند أبي حنيفة يُقضى ولا يكفر جاحده، وسنة مؤكدة عند صاحبيه والجمهور.
- التحقيق يرى كثير من الجمهور الخلاف لفظيا، لأنهم يسلمون أن الأدلة تتفاوت وأن جاحد ما ثبت بالآحاد لا يكفر. ويبقى الخلاف معنويا في موضع واحد على الأقل: الحنفية جعلوا للرتبة الوسطى حكما خاصا في العبادات (الصحة مع وجوب الإعادة أو الجبر)، والجمهور لا يعرفون هذه الرتبة في الصلاة؛ فهي إما ركن أو سنة.
وعلى هذا جاء جواب سؤال الافتتاح: تارك الفاتحة عمدا صلاته صحيحة عند الحنفية ناقصة نقصا يوجب الإعادة، وباطلة عند الجمهور.
١ المكروه تحريما والمكروه تنزيها
ما صنعه الحنفية في جانب الفعل صنعوه في جانب الترك. فالطلب الجازم للترك إن ثبت بقطعي فهو الحرام، وإن ثبت بظني فهو المكروه تحريما، وهو في مقابلة الواجب كما أن الحرام في مقابلة الفرض. والطلب غير الجازم للترك هو المكروه تنزيها، وهو إلى الحل أقرب.
واختلف أئمة المذهب في المكروه تحريما: فعند محمد بن الحسن كل مكروه حرام، غير أنه لما لم يجد فيه نصا قاطعا لم يطلق عليه لفظ الحرام؛ وعند أبي حنيفة وأبي يوسف هو إلى الحرام أقرب، ولا يسمى حراما. والمكروه إذا أطلق في كتب الحنفية انصرف إلى التحريمي.
مسألة خلافية هل بين الحرام والمكروه رتبة وسطى؟
- الحنفية نعم، المكروه تحريما: ما طُلب تركه طلبا جازما بدليل ظني. يأثم فاعله، ولا يكفر جاحده.
- المالكية لا رتبة وسطى في التقسيم، مع أن مالكا يقول «أكره» في ما هو حرام عنده تورعا، فيحتاج تعيين مراده إلى نظر أهل المذهب.
- الشافعية النهيprohibition (nahy)القول الطالب للكف عن فعل على جهة الاستعلاء؛ وصيغته لا تفعل.في المسرد الجازم تحريم، وغير الجازم كراهة، ويقع لفظ الكراهة في كلام الشافعي بمعنى التحريم أحيانا.
- الحنابلة كالجمهور، ولفظ الكراهة في جواب أحمد يحتمل التحريم والتنزيه، وفي حمله خلاف بين الأصحاب.
- سبب الخلاف الفرعnew case (farʿ)المحل المسكوت عنه المراد إلحاقه بالأصل.في المسرد عن مسألة الفرض والواجب؛ من جعل لطريق الثبوت أثرا في الطلب الجازم جعل للنهي الجازم الظني رتبة مستقلة.
- الثمرة من ترك واجبا من واجبات الصلاة عمدا، كالقعود الأول عند الحنفية، فصلاته صحيحة مكروهة تحريما وتجب إعادتها في الوقت. والجمهور: إما ركن تبطل بتركه، وإما سنة لا تجب الإعادة بتركها.
أداة تفكير شبكة الثبوت والدلالة
ضع كل دليل في مربع من أربعة: قطعي الثبوت قطعي الدلالة (آية محكمة في معناها)، قطعي الثبوت ظني الدلالة (آية تحتمل معنيين)، ظني الثبوت قطعي الدلالة (خبر واحد الصريحexplicit expression (sarih)ما ظهر المراد منه ظهورا بيّنا بكثرة الاستعمال، ويثبت موجبه بلا نية.في المسرد)، ظني الثبوت ظني الدلالة. الحنفية يجعلون المربع الأول وحده منتجا للفرض والحرام، والثلاثة الباقية منتجة للواجب والمكروه تحريما. فالحكم عندهم يحمل في اسمه أثرا من درجة دليله، كما تحمل الوثيقة في القانون الحديث درجة توثيقها (رسمية أو عرفية) فيختلف أثرها في الإثبات. وحد الأداة: الشبكة تصف قوة الدليل، والحنفية لم يجعلوها آلة حسابية؛ فقد يرتقي الظني بالشهرة أو بالإجماع على العمل، والمشهور عندهم رتبة بين المتواترmass-transmitted report (mutawatir)خبر جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه، مستندهم الحس، ويفيد العلم.في المسرد والآحاد يزاد به على الكتاب (انظر الكتاب والسنة والنسخ).
٢ أقسام الواجب
يقسم الواجب باعتبارات أربعة، ولكل قسمة ثمرة.
٢ باعتبار الوقت: المطلق والمؤقت
الواجب المطلق ما لم يعين الشارع لأدائه وقتا، كالكفارات وقضاء رمضان عند من لم يوجب الفورimmediacy (fawr)وجوب المبادرة إلى الفعل في أول أوقات الإمكان.في المسرد فيه. والمؤقت ما عين له وقتا، وهو عند الجمهور قسمان: موسع يسع وقته الفعل وغيره من جنسه كالصلوات الخمس، ومضيق لا يسع إلا الفعل كصوم رمضان.
وللحنفية في الوقت تقسيم أوفى، يرجع إلى ثلاثة أنواع:
- الوقت الظرف: يفضل عن الأداءtimely performance (ada')فعل العبادة في وقتها المقدر لها شرعا.في المسرد، وهو للصلاة. فيه يجوز أداء غير الواجب من جنسه، ولا بد فيه من تعيين النية، لأن الوقت يقبل غير الفرض.
- الوقت المعيارmeasuring time (mi'yar)عند الحنفية: الوقت الذي يستغرقه الأداء ولا يسع غيره، كوقت صوم رمضان.في المسرد: يستغرقه الأداء ولا يسع غيره، وهو لصوم رمضان. ولهذا قالوا إن صوم رمضان يتأدى من الصحيح المقيم بمطلق النية وبنية النفل، لأن الوقت لا يقبل غيره، فانصرف كل إمساك منوي فيه إلى الفرض. والشافعية يوجبون تعيين النية وتبييتها في كل فرض.
- الوقت المشكلambiguous time (mushkil)عند الحنفية: وقت يشبه الظرف من جهة والمعيار من جهة، وهو وقت الحج.في المسرد (ذو الشبهين): يشبه الظرف من جهة والمعيار من جهة، وهو الحج: لا يصح في السنة إلا حج واحد، فهو كالمعيار، وأفعاله لا تستغرق أيامه، فهو كالظرف.
ويقرر الحنفية أن الوقت في الصلاة ظرف للمؤدى، والشرطcondition (shart)ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وهو خارج عن ماهية المشروط.في المسرد للأداء، وسبب للوجوب. والسبب عندهم الجزء الذي يتصل به الأداء، فإن لم يؤد حتى ضاق الوقت تعين آخره سببا.
وفي الموسع عند المتكلمين مسألتان: الأولى، هل يجب على من أخّر الفعل عن أول الوقت أن يعزم على فعله فيه؟ أوجبه القاضي الباقلاني وجماعة، والمختار في جمع الجوامع أنه لا يجب. والثانية، من أخّره وهو يظن السلامة فمات في أثناء الوقت لم يعص، ومن ظن أنه لا يعيش إلى آخره تضيّق عليه، فإن أخّر عصى.
مسألة خلافية بأي جزء من الوقت يتعلق الوجوب الموسع؟
- الحنفية بالجزء الذي يتصل به الأداء، فإن لم يؤد تعين آخر الوقت؛ فالعبرة في الأعذار والأحوال بآخر الوقت.
- المالكية الوجوب موسع من أول الوقت، والعبرة في سقوط الصلاة بالأعذار كالحيض والإغماء بإدراك ما يسع ركعة من الوقت بعد زوال العذر أو قبل طروئه.
- الشافعية يجب بأول الوقت وجوبا موسعا، ويستقر بمضي ما يسع الفعل.
- الحنابلة يجب بأول الوقت، ويستقر بإدراك القدرmeasure (kayl or wazn)الكيل أو الوزن، وهو مع اتحاد الجنس علة ربا الفضل عند الحنفية والمذهب عند الحنابلة.في المسرد تكبيرة الإحرام منه على المذهب.
- سبب الخلاف هل الوقت كله سبب للوجوب فيثبت بأوله، أم السبب لحظة الأداء التي يقع بها الامتثال؟
- الثمرة امرأة دخل عليها الوقت فلم تصل حتى حاضت. عند الشافعية يجب عليها القضاء إن مضى ما يسع الصلاة، وعند الحنابلة بإدراك قدر تكبيرة، وعند الحنفية لا قضاء لأن العبرة بآخر الوقت وهي فيه حائض، وعند المالكية لا قضاء إن بقي من الوقت ما يسعها. ومثلها من سافر في أثناء الوقت ولم يصل: يقصر عند الحنفية، ويتم عند الحنابلة على المذهب لأنها وجبت عليه في الحضر.
٢ باعتبار المكلف: العيني والكفائي
العيني ما طُلب من كل مكلف بعينه، كالصلوات الخمس. والكفائي ما طُلب حصوله من مجموع المكلفين دون نظر إلى فاعله، كصلاة الجنازة والأمرcommand (amr)القول الطالب للفعل على جهة الاستعلاء؛ وعند ابن السبكي: اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير نحو كف.في المسرد بالمعروف وتعلم الصناعات التي تقوم بها الأمة. فإذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإن تركه الجميع أثم كل من علم وقدر.
واختلفوا: هل يتعلق الخطاب بالكفائي بالجميع ويسقط بفعل البعض، وهو قول الجمهور، أم يتعلق ببعض مبهم، وهو اختيار الرازي وابن السبكي؟ والأول الأظهرmost evident (azhar)عند النووي: الراجح من قولين أو أقوال للشافعي مع قوة الخلاف.في المسرد في تفسير إثم الجميع عند الترك. ومن ثمرات المسألة عند الشافعية أن فرض الكفاية يتعين بالشروع فيه على الأصحsoundest (asahh)عند النووي: الراجح من وجهين أو أوجه للأصحاب مع قوة الخلاف.في المسرد، فمن شرع في صلاة الجنازة لم يكن له قطعها.
٢ باعتبار المطلوب: المعين والمخير
المعين ما طلب الشارع فعله بعينه كالصلاة. والمخير ما طلب واحدا مبهما من أمور معينة، ككفارة اليمين في قوله ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. والجمهور على أن الواجب واحد لا بعينه، يتعين بفعل المكلف؛ ونُسب إلى المعتزلةMu'tazilitesمدرسة كلامية جعلت للأفعال حسنا وقبحا ذاتيين يدركهما العقل ويترتب عليهما الثواب والعقاب قبل الشرع.في المسرد أن الجميع واجب على البدل. والخلاف عند المحققين قريب من اللفظي، إذ اتفقوا على أنه لا يلزمه الجمع، ولا يأثم بترك الكل إلا إثما واحدا.
٢ باعتبار المقدار: المحدد وغير المحدد
المحدد ما عين الشارع مقداره، كالزكاة وركعات الصلاة. وغير المحدد ما لم يعين مقداره، كالإنفاق في سبيل الله وإطعام الجائع. ويذكر المعاصرون من ثمرته أن المحدد يثبت دينا في الذمةlegal personality / liability-bearing capacity (dhimma)وصف يصير به الإنسان أهلا للإيجاب له وعليه، وهي مناط أهلية الوجوب.في المسرد، وغير المحدد لا يثبت دينا حتى يتحدد بقضاء أو تراض، وبنوا عليه قول الحنفية في نفقة الزوجة والقريب أنها لا تصير دينا بمضي الزمان إلا بقضاء أو تراض.
٢ ما لا يتم الواجب إلا به
ما يتوقف عليه وجود الواجب نوعان:
-
ما ليس في قدرة المكلف، أو ما جعله الشارع شرطا للوجوب أو سببا له، كالنصاب للزكاة، والاستطاعة للحج، ودخول الوقت للصلاة. وهذا غير واجب بالاتفاق؛ فلا يجب تحصيل النصاب ليجب عليه الزكاة، ولا الاكتساب ليستطيع الحج.
-
ما في قدرة المكلف، وهو شرط لوجود الواجب لا لوجوبه، كالوضوء للصلاة، والسعي إلى الجمعة، وغسل جزء من الرأس ليستوعب غسل الوجه، وإمساك جزء من الليل ليستوعب صوم النهار. وهذا واجب بوجوب الواجب عند الجمهور إذا كان الواجب مطلقا غير المقيدrestricted term (muqayyad)ما دل على الماهية مع قيد يقلل شيوعها، من وصف أو شرط أو غاية أو حال.في المسرد بحصول المقدمة. واختار ابن الحاجب أن الواجب منه الشرط الشرعي وحده دون العقلي والعادي، وفي المسألة أقوال أخرى.
ومن فروعها: من نسي صلاة من خمس لا يعرف عينها لزمه أن يصلي الخمس، لأن براءة ذمته من الواحدة لا تتم إلا بها. ومن اشتبهت عليه أخته بأجنبية في عدد محصور حرم عليه نكاح الجميع. وهذه القاعدة هي الوجه الآخر لسد الذرائعblocking the means (sadd al-dharāʾiʿ)حسم مادة وسائل الفساد دفعا له، بمنع الفعل السالم عن المفسدة إذا كان وسيلة إليها.في المسرد: وسيلة الواجب مطلوبة كما أن وسيلة الحرام ممنوعة (انظر الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف).
١ المندوب ومراتبه
المندوب ما طلب الشارع فعله طلبا غير جازم، فيثاب فاعله امتثالا ولا يعاقب تاركه. ويسمى سنة ونافلة ومستحبا وتطوعا ومرغبا فيه وإحسانا.
وتختلف المذاهب في ترتيبه:
- الحنفية: يجعلون السنة نوعين: سنة الهدىsunna of guidance (sunnat al-huda)عند الحنفية: ما واظب عليه النبي ﷺ على وجه العبادة، وتاركها يستوجب الإساءة.في المسرد، وهي ما واظب عليه النبي ﷺ على وجه العبادة، كالأذان والجماعة والسنن الرواتب، وتاركها يستوجب الإساءة واللوم؛ وسنة الزوائدsupplementary sunna (sunnat al-zawa'id)عند الحنفية: ما فعله النبي ﷺ على وجه العادة، ولا إساءة في تركه.في المسرد، وهي ما فعله على وجه العادةhabit, custom (ʿāda)غلبة معنى من المعاني على الناس، عامة أو خاصة ببلد أو طائفة، كما حدها القرافي.في المسرد كسيره في لباسه وقعوده، وتاركها لا يستوجب إساءة. ثم النفل وهو المندوب والمستحب: ما فعله أحيانا أو رغب فيه، يثاب فاعله ولا يلام تاركه. ومن السنة المؤكدة عندهم ما يقرب من الواجب حتى يأثم المصر على تركه.
- المالكية: يرتبونه ثلاث رتب: السنة وهي ما فعله النبي ﷺ وأظهره في جماعة وداوم عليه ولم يدل دليل على وجوبه، كالوتر والعيدين؛ والرغيبةraghiba (Maliki grade of recommended)عند المالكية: ما رغب فيه النبي ﷺ وحده تحديدا ولم يظهره في جماعة، وهي ركعتا الفجر.في المسرد، وهي ما رغب فيه وحده تحديدا ولم يظهره في جماعة، وهي عندهم ركعتا الفجر؛ والفضيلة أو المندوب، وهي ما قل تأكده كالرواتب غير الوتر والفجر. ثم النافلة المطلقة.
- الشافعية: المعتمدrelied-upon position (mu'tamad)القول الذي استقر الترجيح عليه عند أهل الترجيح في المذهب.في المسرد أن السنة والمندوب والمستحب والتطوع ألفاظ مترادفة. وفرّق القاضي حسين وغيره: السنة ما واظب عليه النبي ﷺ، والمستحب ما فعله أحيانا، والتطوع ما ينشئه الإنسان باختياره. ويقسمون السنة إلى مؤكدة وغير مؤكدة.
- الحنابلة: كالشافعية في الترادف، مع التمييز بين السنن المؤكدة وغيرها.
تنبيه السنة في لسان الأصولي والفقيه والمحدث
لفظ «السنة» له ثلاثة استعمالات: عند الأصولي دليل من أدلة الأحكام، أي ما صدر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو التقريرtacit approval (taqrir)سكوت النبي ﷺ عن قول أو فعل علمه مع قدرته على الإنكار، أو استبشاره به، وهو دليل الجواز.في المسرد (الكتاب والسنة)؛ وعند الفقيه حكم، أي المندوب أو رتبة منه؛ وعند المحدث يعم الصفات والسير. فقولك «ثبت بالسنة» غير قولك «حكمه سنة»: قد يثبت الوجوب بالسنة، وقد يثبت الندب بالقرآن.
٢ هل المندوب مأمور به؟ وهل هو تكليف؟
ذهب أكثر الشافعية والمالكية إلى أن المندوب مأمور به الحقيقةliteral usage (haqiqa)اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب.في المسرد، لأن الأمر طلب، والمندوب مطلوب، ولأنه يسمى طاعة، والطاعة امتثال الأمر. وذهب الكرخي والجصاص من الحنفية وبعض الشافعية إلى أنه مأمور به مجازا، لأن الأمر عندهم حقيقة في الإيجاب، ولقوله ﷺ «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك» (رواه البخاري ومسلم)، والسواك مندوب، فدل على أن الأمر لم يتناوله. والمسألة متصلة بمسألة دلالة الأمر المطلق على الوجوب في الأمر والنهي.
والجمهور على أن المندوب ليس تكليفا، لأن التكليف إلزام ما فيه كلفة، وتسميته تكليفيا من باب التغليبgender predominance (taghlib)إدخال المؤنث في لفظ المذكر عند اجتماعهما، وبه أدخل الحنابلة النساء في جمع المذكر السالم.في المسرد. وقال بعضهم إنه تكليف، نظرا إلى أن التكليف طلب ما فيه كلفة، والخلاف راجع إلى تفسير التكليف: إلزام هو أم طلب؟
٢ هل يلزم النفل بالشروع؟
مسألة خلافية هل يلزم المندوب بالشروع فيه؟
- الحنفية يلزم بالشروع، فيحرم قطعه بغير عذر، ويجب قضاؤه إن أفسده، بعذر أو بغير عذر، لقوله ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، ولأن المؤدَّى صار لله فوجب صونه، قياسا على النذر الذي يصير به النفل واجبا بالقول، فصيرورته واجبا بالفعل أولى.
- المالكية يلزم بالشروع، فمن قطعه عمدا بلا عذر قضاه، ومن أفسده لعذر فلا قضاء عليه.
- الشافعية لا يلزم بالشروع إلا الحج والعمرة، لأن فاسدهما يمضى فيه؛ ويكره القطع بلا عذر، ويستحب القضاء ولا يجب.
- الحنابلة كالشافعية في الجملة.
- سبب الخلاف هل صار المؤدى من النفل حقا لله يجب صونه فيعم قوله ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ النوافل، أم بقي على وصفه الأول تطوعا يتخير فيه المكلف؟ ومعه التعارضconflict of evidence (ta'arud)تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، بأن يقتضي أحدهما خلاف ما يقتضيه الآخر في محل واحد وزمن واحد.في المسرد الآثار: احتج الشافعية بحديث عائشة أن النبي ﷺ قال لما قُدّم إليه حيس: «أرينيه فلقد أصبحت صائما» فأكل (رواه مسلم)، وبحديث أم هانئ «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر» (رواه أحمد والترمذي، وقال الترمذي: في إسناده مقال). واحتج الحنفية والمالكية بحديث عائشة وحفصة لما أفطرتا في صوم تطوع: «اقضيا يوما آخر مكانه» (رواه أبو داود والترمذي، ورجح الترمذي إرساله، فهو ضعيف الإسناد موصولا)، وبالآية.
- الثمرة من صام تطوعا ثم أفطر بلا عذر: يقضي عند الحنفية والمالكية، ولا قضاء عليه عند الشافعية والحنابلة ويستحب. ومن أفطر لعذر كمرض طرأ: يقضي عند الحنفية، ولا يقضي عند المالكية. ومن شرع في صلاة نفل ثم قطعها: يلزمه قضاء ركعتين عند الحنفية.
تطبيق صوم التطوع على خط الاستنباط
الواقعة: صام رجل يوم الاثنين تطوعا، فدعاه أخوه إلى طعام عند الظهر فأفطر. ١. نوع الحكم المطلوب: هل يجب عليه القضاء؟ سؤال عن حكم تكليفي (وجوب أو ندب) يتعلق بفعل لاحق. ٢. الأدلة وثبوتها: آية ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ قطعية الثبوت؛ حديث مسلم في الحيس صحيح؛ حديث «اقضيا يوما مكانه» في وصله مقال. ٣. الدلالة: الآية عامة في الأعمال، ودلالة العام ظنية عند الجمهور وقطعية عند الحنفية (العام والخاص)؛ والحنفية يحملونها على عمومها فيدخل النفل، والشافعية يرونها في إبطال الأعمال بالردة أو الرياء على ما فسرها جماعة من السلف. ٤. المعارض: فعل النبي ﷺ في حديث الحيس يعارض عموم الآية عند الشافعية، والحنفية يجيبون بأنه محمول على العذر أو على أنه قضاه. ٥. الحكم ودرجته: يقضي عند الحنفية وجوبا، والضيافة عندهم عذر يبيح الفطر ولا يسقط القضاء. ويقضي عند المالكية، لأن دعوة الأخ ليست من الأعذار المسقطة عندهم، والعذر عندهم كالمرض، أو أمر الوالد أو الشيخ بالفطر شفقة. ويستحب له القضاء ولا يجب عند الشافعية والحنابلة. وكلها أحكام ظنية مما يسوغ فيه الاجتهادindependent juristic reasoning (ijtihad)استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي.في المسرد.
١ المباح
المباح ما خيّر الشارع المكلف بين فعله وتركه، فلا ثواب في فعله ولا عقاب في تركه من حيث هو. ويُعرف بلفظ الحل، أو نفي الإثم والجناح كقوله ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، أو بالأمر بعد الحظرcommand after prohibitionصيغة أمر ترد بعد نهي سابق عن الفعل نفسه؛ للإباحة عند الأكثر، وترد الحكم إلى ما قبل الحظر عند جماعة.في المسرد عند من يقول إنه للإباحة كقوله ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، أو بالبراءة الأصليةoriginal non-liabilityعدم التكليف قبل ورود الشرع، ورفعها بأول الشرع ليس نسخا.في المسرد.
٢ هل المباح حكم شرعي؟
الجمهور على أنه حكم شرعي، لأن التخيير خطاب من الشارع. ونقل عن بعض المعتزلة أنه ليس حكما شرعيا، لأن معناه نفي الحرج عن الفعل والترك، وهذا ثابت قبل ورود الشرع. وأجيب بأن المباح الشرعي هو المخيَّر فيه بخطاب، أما نفي الحرج السابق على الشرع فهو البراءة الأصلية، وهي غير المباح بالخطاب، والفرق بينهما يظهر في مسألة حكم الأشياء قبل الشرع (نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية).
٢ هل المباح مأمور به؟ شبهة الكعبي
ذهب أبو القاسم الكعبي من المعتزلة إلى أنه لا مباح في الشريعة، وأن كل فعل يوصف بالإباحة واجب. وحجته: ما من مباح إلا ويحصل به ترك حرام؛ فالسكوت يحصل به ترك القذف، والسكون يحصل به ترك القتل؛ وترك الحرام واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ فالمباح واجب.
وجواب الجمهور من وجوه:
- ترك الحرام لا يتوقف على هذا المباح بعينه، بل يحصل بأي فعل من الأفعال المضادة، فلا يتعين واحد منها، والغايةterminus (ghaya)ما ينتهي إليه الحكم، وتفيدها إلى وحتى، والخلاف في دخولها في المغيّا.في المسرد ما يلزم أن يكون الواجب واحدا لا بعينه من الأضداد، وهذا لا يجعل كل واحد منها واجبا بعينه.
- الحجة تثبت أكثر مما يريد صاحبها: فإن الحرام أيضا يحصل به ترك حرام آخر، فيلزم أن يكون الزنا واجبا لأنه ترك للقتل، وهذا الباطلvoid (batil)عند الحنفية في المعاملات: ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، لا يفيد ملكا ولو قبض. وعند الجمهور مرادف للفاسد.في المسرد بالاتفاق.
- الإجماع قبل الكعبي على انقسام الأفعال إلى مباح وغيره.
ورأى بعض المحققين أن الخلاف مع الكعبي يرجع إلى اللفظ إذا حُمل كلامه على أن المباح يجب من جهة ما يحصل به ترك الحرام، لا من جهة ذاته. والجمهور على أن المباح من حيث هو غير مأمور به، لأن الأمر طلب، ولا طلب فيه.
تنبيه المباح بالجزء والمطلوب بالكل
قرر الشاطبي في الموافقات أن المباح قد يكون مخيرا فيه بالنظر إلى آحاده، مطلوبا بالنظر إلى جملته؛ فالأكل مباح في الوجبة الواحدة، ومطلوب في الجملة لأن تركه بالكلية يهلك النفس. وهذا لا يرفع الإباحة عن الجزء، لكنه يمنع أن يُستدل بإباحة الجزء على جواز ترك الكل. وتجد بقيته في مقاصد الشريعة.
١ الحرام
الحرام ما طلب الشارع تركه طلبا جازما، ويسمى المحظور والمعصية والذنب. ويعرف بلفظ التحريم، أو نفي الحل، أو النهي المطلق، أو ترتيب العقوبة على الفعل.
وهو قسمان:
- الحرام لذاتهforbidden in itselfما كانت مفسدته في ذاته، كالزنا والميتة، فلا يشرع سببا لحكم.في المسرد: ما كانت مفسدته في ذاته، كالزنا وأكل الميتة وشرب الخمر. حكمه: لا يشرع سببا لحكم شرعي، فالعقد على محرمة مؤبدة باطل، ولا يباح إلا لضرورة.
- الحرام لغيرهforbidden for an extrinsic reasonما كان مشروعا في أصله وحرم لوصف أو أمر مجاور، كالبيع وقت النداء.في المسرد: ما كان مشروعا في أصله، وطرأ عليه وصف أو أمر مجاور اقتضى تحريمه، كالبيع وقت النداء للجمعة بقوله ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، والصلاة في الأرض المغصوبة، وصوم يوم العيد. حكمه: يباح للحاجة ولا تشترط فيه الضرورة عند كثير، ويختلف أثره في الصحة.
ويتفرع على هذا التقسيم سؤال: هل يقتضي النهي الفساد؟ والصلاة في الدار المغصوبة صحيحة عند الحنفية والمالكية والشافعية مع الإثم، لأن النهي لأمر مجاور هو الغصب، وباطلة على المذهب عند الحنابلة. وتفصيل الحنفية بين النهي لذات الشيء ولوصفه اللازم ولأمر مجاور مبسوط في الأمر والنهي، وأثره في الفاسدdefective (fasid)عند الحنفية في المعاملات: ما شرع بأصله دون وصفه، يفيد الملك بالقبض ويجب فسخه.في المسرد والباطل في الحكم الوضعي.
تنبيه المكروه في لسان المتقدمين
كثير من المتقدمين يقولون «أكره كذا» ويريدون التحريم، تورعا عن إطلاق لفظ الحرام على ما لم يرد فيه نص قاطع. وقد ورد لفظ المكروه في القرآن بمعنى المحرم: ﴿كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨] بعد ذكر القتل والزنا. فلا يُالحملattribution of meaning (haml)اعتقاد السامع مراد المتكلم من لفظه؛ وقواعد الأصوليين في الدلالة قواعد في الحمل.في المسرد لفظ «يكره» في جواب إمام على الكراهة الاصطلاحية إلا بعد النظر في عادته وقرائن جوابه، وهو باب من أبواب معرفة المذهب في التقليد والفتوى والمذهب.
صلة الفصل بغيره
- الحكم الوضعي، والصحة والفساد، والرخصةdispensation (rukhsa)الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر مع قيام السبب المقتضي لحكم العزيمة.في المسرد والعزيمةstrict rule ('azima)الحكم الثابت بدليل شرعي ابتداء لا لعذر.في المسرد، والأداء والقضاء: الحكم الوضعي.
- المكلف وشروط التكليف وأهليته، والمحكوم فيهobject of the ruling (mahkum fihi)فعل المكلف الذي تعلق به الخطاب، ويشترط أن يكون معلوما مقدورا مكتسبا.في المسرد: الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه.
- الحاكم، والتحسين والتقبيح، وحكم الأشياء قبل الشرع: نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية.
- الأمر وأنه للوجوب، والنهي وأثره في الفساد: الأمر والنهي.
- خبر الواحد والمشهور اللذان يبنى عليهما الفرق بين الفرض والواجب: الكتاب والسنة، والزيادة على النصaddition to the text (al-ziyada 'ala al-nass)إضافة جزء أو شرط أو وصف إلى حكم ثبت بنص، وهي نسخ عند الحنفية إذا غيرت حكم المزيد عليه.في المسرد: النسخ.
- قطعية العامdefinitiveness of the general termقول جمهور الحنفية إن العام يتناول أفراده قبل التخصيص قطعا كالخاص، فلا يُخص ابتداء بظني.في المسرد عند الحنفية وأثرها في تقرير الفرض: العام والخاص.
- المقاصد والمباح بالجزء والكل: مقاصد الشريعة.
خلاصة الفصل
- الحكم عند المتكلمين خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، وعند الحنفية أثر هذا الخطاب في الفعل (الوجوب لا الإيجاب).
- القسمة عند الجمهور خمسة: واجب، مندوب، مباح، مكروه، حرام.
- الحنفية يجعلونها سبعة بزيادة الواجب بين الفرض والمندوب، والمكروه تحريما بين الحرام والمكروه تنزيها.
- الفرض ما ثبت بقطعي ويكفر جاحده، والواجب ما ثبت بظني ولا يكفر جاحده، وأثر التفريق ظاهر في الفاتحة والطمأنينة والوتر.
- الوقت عند الحنفية ظرف للصلاة، ومعيار لصوم رمضان، ومشكل في الحج، ولكل نوع أحكام في النية.
- الواجب الموسعextended-time obligation (wajib muwassa')الواجب المؤقت بوقت يسعه ويسع غيره من جنسه، كالصلوات الخمس.في المسرد يتعلق عند الحنفية بالجزء المتصل بالأداء وإلا فبآخر الوقت، وعند الشافعية والحنابلة بأوله، وثمرته في الحائض والمسافر.
- الواجب الكفائيcollective obligation (fard kifaya)ما طلب الشارع حصوله من مجموع المكلفين دون نظر إلى فاعله، ويسقط بفعل من يكفي.في المسرد يخاطب به الجميع عند الجمهور ويسقط بفعل البعض.
- ما لا يتم الواجب إلا به واجب إن كان في قدرة المكلف ولم يكن شرطا للوجوب.
- مراتب المندوب: سنة الهدى والزوائد والنفل عند الحنفية، والسنة والرغيبة والفضيلة عند المالكية، والترادف عند الشافعية والحنابلة.
- النفل يلزم بالشروع عند الحنفية والمالكية، ولا يلزم عند الشافعية والحنابلة إلا الحج والعمرة؛ وثمرته قضاء صوم التطوع إذا أفسد.
- المباح حكم شرعي عند الجمهور، وليس مأمورا به من حيث هو؛ وحجة الكعبي مردودة بأن ترك الحرام لا يتعين بمباح معين.
- الحرام لذاته لا يشرع سببا، والحرام لغيره يبقى أصله مشروعا، وعلى هذا يبنى الخلاف في أثر النهي في الصحة.
تمارين
- صنّف الأحكام الآتية على قسمة الحنفية السبعة: الطمأنينة في الركوع، صلاة الظهر، الوتر، أكل لحم الخنزير، صلاة النافلة بعد صلاة العصر.
- لماذا لم يجعل الحنفية الفاتحة فرضا مع صحة حديث «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»؟ أجب بأداة شبكة الثبوت والدلالة.
- امرأة أدركت أول وقت العصر ثم حاضت قبل أن تصلي. اذكر حكم القضاء في المذاهب الأربعة، ورد كل جواب إلى أصله.
- صائم رمضان نوى في الليل صوما تطوعا. ما حكم صومه عند الحنفية والشافعية؟ وما الأصلroot, basis (asl)لغة ما يُبنى عليه غيره؛ واصطلاحا يطلق على الدليل، والراجح، والقاعدة المستمرة، والمقيس عليه.في المسرد الذي بنى عليه الحنفية جوابهم؟
- قارن بين ترتيب المندوب عند الحنفية والمالكية، ومثّل لكل رتبة.
- قال قائل: «النوم مباح، لكنه واجب لأنه يحصل به ترك المعاصي». ما اسم هذه الحجة؟ ولمن تنسب؟ وما أقوى جواب عنها؟
- ميّز بين الحرام لذاته والحرام لغيره في: بيع الخمر، البيع بعد نداء الجمعة، الصلاة في ثوب مغصوب.
- رجل شرع في صلاة ركعتين نافلة ثم قطعهما بلا عذر. ما حكمه عند الحنفية والشافعية؟ وما سبب الخلاف؟
أجوبة التمارين
- الطمأنينة: واجب عند أبي حنيفة ومحمد (وركن عند أبي يوسف). الظهر: فرض. الوتر: واجب عند أبي حنيفة. لحم الخنزير: حرام لثبوته بقطعي. النافلة بعد العصر: مكروهة تحريما عند الحنفية لثبوت النهي بأخبار الآحاد.
- الحديث ظني الثبوت، وآية ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ قطعية الثبوت مطلقة في القراءة؛ فجعل الفاتحة ركنا زيادة على القطعي بظني، وهي النسخabrogation (naskh)رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ عنه؛ وعند كثير من الحنفية: بيان انتهاء مدة الحكم.في المسرد عندهم لا يجوز بالآحاد. فأخذوا بالحديث في رتبته: وجوب يُجبر تركه ولا تبطل به الصلاة.
- الشافعية: يجب القضاء إن مضى ما يسعها. الحنابلة: يجب بإدراك قدر تكبيرة. الحنفية: لا قضاء، لأن السبب آخر الوقت ولم تدركه طاهرا. المالكية: لا قضاء إن حاضت وقد بقي من الوقت ما يسع الصلاة. والأصل: بأي جزء من الوقت يتعلق الوجوب.
- الحنفية: يقع عن رمضان، لأن وقته معيار لا يقبل غير الفرض من الصحيح المقيم، فانصرفت النية إليه. الشافعية: لا يصح عن رمضان لعدم تعيين النية الواجبة.
- الحنفية: سنة الهدى (الجماعة، الرواتب)، سنة الزوائد (هيئات لباسه ﷺ وقعوده)، النفل (صلاة الضحى). المالكية: السنة (الوتر والعيدان)، الرغيبة (ركعتا الفجر)، الفضيلة (الرواتب غير المؤكدة)، ثم النافلة المطلقة.
- شبهة الكعبيal-Ka'bi's argument against the permittedقول الكعبي إنه لا مباح، لأن كل مباح يحصل به ترك حرام، وما لا يتم الواجب إلا به واجب.في المسرد: لا مباح لأن كل مباح ترك لحرام. والجواب: ترك الحرام يحصل بأي ضد، فلا يتعين النوم؛ وتلزم الحجة أن يكون الحرام واجبا إذا حصل به ترك حرام آخر.
- بيع الخمر: حرام لذاته (المحل غير قابل). البيع بعد النداء: حرام لغيره لأمر مجاور هو التشاغل عن السعي. الصلاة في الثوب المغصوب: حرام لغيره، صحيحة عند الجمهور مع الإثم، وباطلة على المذهب عند الحنابلة.
- الحنفية: يأثم إن كان بلا عذر، ويلزمه قضاء ركعتين، لأن النفل يلزم بالشروع. الشافعية: يكره القطع ولا قضاء واجبا. والسبب: هل صار المؤدى حقا لله يعمه النهي عن إبطال الأعمال.