الأمر والنهي
موقع الفصل من المنظومة
أكثر الأحكام التكليفية تصل إلينا في صيغة الأمرcommand (amr)القول الطالب للفعل على جهة الاستعلاء؛ وعند ابن السبكي: اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير نحو كف.في المسرد أو النهيprohibition (nahy)القول الطالب للكف عن فعل على جهة الاستعلاء؛ وصيغته لا تفعل.في المسرد، فهذا الفصل في المحطة الثالثة من خط الاستنباط: يأخذ النص الثابت ويسأل: ماذا تفيد هذه الصيغة من أقسام الحكم؟ الوجوب أم الندب أم الإباحة؟ التحريم أم الكراهة؟ على الفورimmediacy (fawr)وجوب المبادرة إلى الفعل في أول أوقات الإمكان.في المسرد أم على التراخيpermissible deferral (tarakhi)جواز تأخير الفعل عن أول أوقات الإمكان ما لم يغلب على الظن فواته.في المسرد؟ مرة أم مرارا؟ وإذا خالف المكلفlegally responsible person (mukallaf)البالغ العاقل الذي يفهم الخطاب وهو أهل لما كلف به.في المسرد النهي، فهل يبقى فعله صحيحا؟ والجواب يحتاج إلى أقسام الحكم التكليفي من الحكم التكليفي، والصحةvalidity (sihha)موافقة الفعل ذي الوجهين للشرع؛ وفي العبادات: موافقة الأمر عند المتكلمين، وإسقاط القضاء عند الفقهاء.في المسرد والفساد والبطلان من الحكم الوضعي، وقواعد الحملattribution of meaning (haml)اعتقاد السامع مراد المتكلم من لفظه؛ وقواعد الأصوليين في الدلالة قواعد في الحمل.في المسرد على الحقيقةliteral usage (haqiqa)اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب.في المسرد من مبادئ لغوية؛ فصيغة «افعل» حقيقة في معنى، المجازfigurative usage (majaz)اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب، لعلاقة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.في المسرد في غيره، والقرينة تصرفها.
سؤال الافتتاح
نذر رجل أن يصوم يوم عيد الأضحى من سنته. والنبي ﷺ نهى عن صوم يوم الفطر ويوم النحر (رواه البخاري ومسلم). هل ينعقد نذره فيلزمه شيء؟ وإن صام ذلك اليوم مع النهي، هل يبرأ من نذره؟
١ حد الأمر
الأمر عند الجمهور: القول الطالب للفعل على جهة الاستعلاءassumed authority (isti'la')أن يطلب الطالب على وجه الترفع وإن لم يكن أعلى رتبة.في المسرد. وعرّفه ابن السبكي في جمع الجوامع بأنه «الاقتضاءdemand (iqtida')الطلب، فعلا أو تركا، جازما أو غير جازم.في المسرد فعل غير الكفrestraint (kaff)حمل النفس على ترك المنهي عنه قصدا، وهو المكلف به في النهي عند الجمهور.في المسرد مدلول عليه بغير نحو كف». وفي التعريف قيود: «اقتضاء» أي طلب، فيخرج الخبر والإباحة؛ و«فعل غير كف» يُخرج النهي، لأنه طلب كف؛ و«مدلول عليه بغير نحو كف» يُدخل قول القائل «كفّ عن كذا» و«اترك كذا» في الأمر، لأن صيغته صيغة أمر وإن كان مدلوله كفا.
واختلفوا في اشتراط العلوsuperiority ('uluww)أن يكون الطالب أعلى رتبة من المطلوب منه في الواقع.في المسرد أو الاستعلاء. فاشترط المعتزلةMu'tazilitesمدرسة كلامية جعلت للأفعال حسنا وقبحا ذاتيين يدركهما العقل ويترتب عليهما الثواب والعقاب قبل الشرع.في المسرد وأبو إسحاق الشيرازي العلو، وهو أن يكون الآمر أعلى رتبة في الواقع، وعليه تعريف الجويني في الورقات «ممن هو دونه». واشترط أبو الحسين البصري والرازي وابن الحاجب الاستعلاء، وهو أن يطلب الطالب على وجه الترفع وإن لم يكن أعلى. ولم يشترط الأشعري وكثير من أصحابه شيئا منهما. وفائدة القيد في الأصول تمييز الأمر عن الدعاء، وهو الطلب من الأدنى إلى الأعلى، وعن الالتماسrequest between equalsالطلب من المساوي، ويقابل الأمر والدعاء.في المسرد، وهو الطلب من المساوي.
١ صيغ الأمر
| الصيغة | مثالها |
|---|---|
| فعل الأمر «افعل» | ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] |
| المضارع المقرون بلام الأمر | ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] |
| اسم فعل الأمر | ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] |
| المصدر النائب عن فعله | ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] |
| الخبر المراد به الطلب | ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] |
| ألفاظ الإيجاب: أمر، كتب، الفرضfard (definitively established obligation)عند الحنفية: ما ثبت لزومه بدليل قطعي لا شبهة فيه، يكفر جاحده؛ وعند الجمهور مرادف للواجب.في المسرد، على | ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] |
والخبر بمعنى الأمر آكد عند البلاغيين، لأن المتكلم يخبر عن المطلوب كأنه وقع وامتُثل.
٢ معاني صيغة افعل
ترد صيغة «افعل» لمعانٍ كثيرة عدّها بعضهم أكثر من عشرين، وأشهرها:
| المعنى | مثاله |
|---|---|
| الوجوب | ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] |
| الندب | ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] |
| الإرشادadvisory command (irshad)معنى لصيغة الأمر يُطلب به الفعل لمصلحة دنيوية، فلا ثواب فيه من حيث هو إرشاد.في المسرد | ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] |
| الإباحة | ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] |
| التهديد | ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] |
| التعجيز | ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] |
| التسخير والتكوين | ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] |
| الإكرام | ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] |
| الإهانة | ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] |
| التسوية | ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] |
| الدعاء | ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] |
والفرق بين الندب والإرشاد أن المندوبrecommended (mandub)ما طلب الشارع فعله طلبا غير جازم، يثاب فاعله امتثالا ولا يعاقب تاركه.في المسرد مطلوب لثواب الآخرة، والإرشاد لالمصلحةbenefit, public interest (maslaha)المحافظة على مقصود الشرع في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، بحد الغزالي.في المسرد دنيوية، فلا ثواب فيه من حيث هو إرشاد.
١ دلالة الأمر المجرد
اتفقوا على أن صيغة الأمر إذا اقترنت بقرينة حُملت على ما دلت عليه القرينة، واختلفوا فيها إذا تجردت.
مسألة خلافية ماذا تفيد صيغة الأمر المجردة عن القرائن؟
- الجمهور الوجوب، وهو قول أئمة المذاهب الأربعة وجمهور أصحابهم، والمعتمدrelied-upon position (mu'tamad)القول الذي استقر الترجيح عليه عند أهل الترجيح في المذهب.في المسرد في كتبهم، وصيغته حقيقة فيه مجاز فيما عداه.
- التحقيق ونُقلت أقوال أخرى: الندب، وهو قول أبي هاشم وطائفة من المعتزلة ورواية عن بعض الفقهاء؛ والإباحة، لأنها المتيقن من الإذن؛ والقدرmeasure (kayl or wazn)الكيل أو الوزن، وهو مع اتحاد الجنس علة ربا الفضل عند الحنفية والمذهب عند الحنابلة.في المسرد المشتركpolysemous term (mushtarak)اللفظ الموضوع لمعنيين فأكثر وضعا متعددا، كالقرء للحيض والطهر.في المسرد بين الوجوب والندب، وهو الطلب؛ والوقفsuspension of judgement (waqf)في مسألة الأشياء قبل الشرع: نفي الحكم حتى يرد الشرع عند الأشاعرة، أو عدم العلم بحكم ثابت عند من قاله من الحنفية.في المسرد حتى يقوم الدليلproof, evidence (dalil)ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.في المسرد، ونُسب إلى الأشعري والباقلاني في بعض النقول.
- سبب الخلاف هل الصيغة موضوعة للطلب الجازم، أم لالمطلقunrestricted term (mutlaq)ما دل على الماهية أو على فرد شائع في جنسه بلا قيد يقلل شيوعه.في المسرد الطلب والجزم يأتي من خارجها؟ ومنشؤه تعدد الاستعمالusage (isti'mal)إطلاق المتكلم اللفظ وإرادة معناه، الموضوع له أو غيره؛ وبه ينقسم اللفظ إلى حقيقة ومجاز.في المسرد، فمن رأى غلبة الوجوب في استعمال الشارع جعله الحقيقة.
- الثمرة كل أمر في النصوص لم تقم قرينة على صرفه، كالأمر بالإشهاد على البيع: حمله الجمهور على الندب أو الإرشاد لقرينة قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ولترك النبي ﷺ الإشهاد في بعض بيوعه، وأوجبه جماعة من السلف أخذا بالأصلroot, basis (asl)لغة ما يُبنى عليه غيره؛ واصطلاحا يطلق على الدليل، والراجح، والقاعدة المستمرة، والمقيس عليه.في المسرد.
وأدلة الجمهور من القرآنthe Qur'an (al-Kitab)المنزل على الرسول ﷺ المكتوب في المصاحف المنقول عنه تواترا بلا شبهة (الحنفية)؛ واللفظ المنزل على محمد ﷺ للإعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته (المتكلمون).في المسرد والسنةthe Sunnaما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير.في المسرد واللغة: قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، والتحذير من المخالفة لا يكون إلا في الواجبwajib (obligatory)عند الجمهور: ما طلب الشارع فعله طلبا جازما. وعند الحنفية: ما ثبت لزومه بدليل فيه شبهة، لا يكفر جاحده.في المسرد. وقوله لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فذمّه على ترك الأمر المجردunqualified commandصيغة الأمر الخالية عن القرائن، وهي للوجوب عند المذاهب الأربعة.في المسرد. وقوله ﷺ: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك» (رواه البخاري ومسلم)، والسواك مندوب، فدل على أن الأمر لو وقع لكان إيجابا فيه مشقة. وقالت بريرة للنبي ﷺ حين كلمها في الرجوع إلى زوجها: أتأمرني؟ قال: «إنما أنا أشفع»، قالت: لا حاجة لي فيه (رواه البخاري)، ففهمت أن الأمر يُلزم والشفاعة لا تُلزم. وأهل اللسان يذمون العبد إذا خالف أمر سيده المجرد، ولا يعذرونه باحتمال الندب.
من المتون الورقات لإمام الحرمين الجويني
والأمر استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب، وصيغته: افعل، وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه، إلا ما دل الدليل على أن المراد منه الندب أو الإباحة، ولا تقتضي التكرار على الصحيح، إلا ما دل الدليل على قصد التكرار، ولا تقتضي الفور.
الحل: «استدعاء الفعل» طلبه، فخرج النهي لأنه استدعاء الترك. «بالقول» أخرج الإشارة والكتابة والقرائن الحالية. «ممن هو دونه» قيد العلو، فخرج الدعاء والالتماس. «على سبيل الوجوب» أدخل الوجوب في حد الأمر نفسه، فالمندوب عند الجويني في هذا المتن ليس مأمورا به حقيقة، وهي مسألة خلافية، والأكثر على أن المندوب مأمور به. «تحمل عليه» أي على الوجوب، والضمير يعود إلى الوجوب لا إلى الأمر. وقوله «ولا تقتضي التكرار على الصحيح» إشارة إلى الخلاف، وصيغة «على الصحيح» تدل على أن مقابله قول معتبر في المذهب. وقوله «ولا تقتضي الفور» هو الصحيح عند الشافعية. (المكتبة الشاملة، الكتاب رقم ٦٢٩٧، باب الأمر.)
٢ الأمر بعد الحظر
إذا ورد الأمر بعد نهي سابق عن الشيء نفسه، كقوله تعالى بعد تحريم الصيد على المحرم: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] بعد النهي عن البيع وقت النداء، ففيه ثلاثة أقوال:
| القول | من قال به | دليله |
|---|---|---|
| الإباحة | أكثر الفقهاء من المذاهب، ونُسب إلى الشافعي | غلبة الاستعمال، فأكثر ما ورد بعد الحظر للإباحة، والحظر قرينة على أن المقصود رفعه |
| الوجوب كالأمر المبتدأ | جمع من الحنفية والمعتزلة، واختاره الرازي والبيضاوي | الصيغة واحدة، وتقدم الحظر لا يغير وضعها |
| رجوع الحكم إلى ما كان قبل الحظر | اختاره ابن تيمية وابن كثير والشنقيطي، ونسبه بعضهم إلى المحققين | الأمر بعد الحظرcommand after prohibitionصيغة أمر ترد بعد نهي سابق عن الفعل نفسه؛ للإباحة عند الأكثر، وترد الحكم إلى ما قبل الحظر عند جماعة.في المسرد يرفع الحظر، فيعود الفعل إلى حكمه السابق |
والقول الثالث يجمع الأمثلة كلها: فالصيد كان مباحا قبل الإحرام، فعاد مباحا. والقتال كان واجبا قبل الأشهر الحرم، فلما قال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] عاد واجبا. وزيارة القبور كانت مشروعة، فلما قال ﷺ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (رواه مسلم) عادت مستحبة. والقائلون بالإباحة يحتاجون إلى قرينة لإيجاب القتال، والقائلون بالوجوب يحتاجون إلى قرينة لإباحة الصيد.
١ الأمر والزمن: الفور والتراخي
الأمر المؤقت بوقت محدد يتبع وقته، وبحثه في الواجب الموسعextended-time obligation (wajib muwassa')الواجب المؤقت بوقت يسعه ويسع غيره من جنسه، كالصلوات الخمس.في المسرد والمضيق في الحكم التكليفي. والمسألة هنا في الأمر المطلق عن الوقت، كالأمر بالحج والزكاة والكفارات والنذور المطلقة والقضاءmake-up (qada')فعل العبادة بعد خروج وقتها استدراكا لما سبق وجوبه أو انعقد سببه.في المسرد الفوائت.
مسألة خلافية هل الأمر المطلق يقتضي الفور؟
- الحنفية لا يقتضي الفور، ويجوز التراخي، وهو المعتمد عند السرخسي وصدر الشريعة وعامة المتأخرين، لأن الصيغة طلب للماهية، والزمن خارج عنها؛ وقال الكرخي من متقدميهم بالفور.
- المالكية يقتضي الفور عند البغداديين منهم، وهو المنسوب إلى المذهبthe school's position (al-madhhab)عند النووي: الراجح من طريقين أو طرق في حكاية المذهب.في المسرد في كتب أصوله، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
- الشافعية لا يقتضي الفور، ويجوز التأخير بالشرطcondition (shart)ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وهو خارج عن ماهية المشروط.في المسرد ألا يغلب على الظنprobability, preponderant belief (zann)إدراك الطرف الراجح من أمرين محتملين.في المسرد الفوات، واشترط بعضهم العزم على الفعل.
- الحنابلة يقتضي الفور على ظاهر المذهب، لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، ولأن التأخير تعريض للفوات.
- سبب الخلاف صيغة الأمر تدل على طلب الفعل، فهل الزمن الأول داخل في مدلولها، أم يستفاد من قرائن كالمسارعة والاحتياط؟ والقائلون بالتراخي يجيبون بأن آيات المسارعة تدل على الفضيلةfadila (lesser recommended, Maliki)عند المالكية: المندوب الذي قل تأكده عن السنة والرغيبة.في المسرد المبادرة لا على وجوبها.
- الثمرة (١) الحج: على الفور عند المالكية على المعتمد والحنابلة، وعند أبي يوسف وفي الأصحsoundest (asahh)عند النووي: الراجح من وجهين أو أوجه للأصحاب مع قوة الخلاف.في المسرد الروايتين عن أبي حنيفة؛ وعلى التراخي عند الشافعية ومحمد بن الحسن. (٢) قضاء رمضان: اتفقوا على جواز تأخيره إلى شعبان، لقول عائشة: «كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان» (رواه البخاري ومسلم). فإن أخّره بلا عذر حتى دخل رمضان آخر، فعليه القضاء والفدية عند المالكية والشافعية والحنابلة، والقضاء وحده عند الحنفية، لأن قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أمر مطلق عن الوقت، فلا يكون مؤخره مفرطا. (٣) الزكاة بعد تمام الحول: على الفور عند الجمهور وفي المفتى به عند الحنفية، ونُقل عن بعض الحنفية التراخي.
تنبيه الفرع الذي يخالف أصل مذهبه
الحنفية الذين لا يرون الأمر المطلق للفور أوجبوا الحج على الفور عند أبي يوسف وفي الأصح عن أبي حنيفة، والزكاة على الفور في المفتى به. فالفرعان غير مخرجين على القاعدة، والمأخذground of a ruling (ma'khadh)الدليل أو القاعدة التي بني عليها الحكم الفرعي، وقد يتعدد للفرع الواحد.في المسرد فيهما دليل خارج عن الصيغة: الحج يقع في وقت من السنة لا يتكرر، والعمر لا يؤمن، فالتأخير فيه تعريض للفوات؛ والزكاة حق للفقير الحاضر حاجته. فمن خرّج كل الفرعnew case (farʿ)المحل المسكوت عنه المراد إلحاقه بالأصل.في المسرد على قاعدة مذهبه دون نظر في المأخذ الخاصspecific term (khass)كل لفظ وُضع لمعنى معلوم على الانفراد، جنسا أو نوعا أو عينا أو عددا.في المسرد أخطأ النسبة، وهو ما ينبه عليه سؤال الثمرة في الأداة السادسة: هل الفرع مبني على القاعدة، أم على دليل يخصه؟
٢ التكرار
مسألة خلافية هل الأمر المطلق يقتضي التكرار؟
- الحنفية لا يقتضي التكرارrepetition (tikrar)اقتضاء الأمر فعل المأمور به مرة بعد مرة؛ ولا يقتضيه الأمر المطلق عند الجمهور.في المسرد ولا يحتمله، لأن المصدر الذي تضمنه الفعل اسم جنس فرد، لا يحتمل العدد، وإنما يحتمل كل الجنس لأنه فرد حكمي.
- المالكية لا يقتضي التكرار عند الأكثر، ويحتمله.
- الشافعية لا يقتضي التكرار على المختار، ويحتمله إذا نُوي، والمتيقن مرة واحدة.
- سبب الخلاف هل المصدر المضمَّن في الفعل اسم جنس يصدق على القليل والكثير فيحتمل العدد، أم فرد لا يتعدد إلا بلفظ؟ واتفقوا على أن الحج لا يتكرر، لقوله ﷺ حين سئل «أكل العامgeneral term ('amm)لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر؛ وعند الحنفية: ما ينتظم جمعا من المسميات لفظا أو معنى.في المسرد؟»: «لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم» (رواه مسلم)، فدل السؤال على احتمال التكرار، ودل الجواب على أن الصيغة وحدها لا توجبه.
- الثمرة من قال لزوجته «طلقي نفسك» ينوي الثلاث: تصح نيته عند الحنفية، لأن الثلاث كل جنس الطلاق في حقها، ولا تصح نية الثنتين لأنها عدد محض؛ ويقع ما نواه عند المالكية والشافعية.
٢ الأمر المعلق بشرط أو صفة
إذا عُلّق الأمر بشرط أو صفة، فإن كان الشرط أو الصفة العلةeffective cause ('illa)عند من فرق: سبب ظهرت مناسبته للحكم. وعند الحنفية: ما يضاف إليه وجوب الحكم ابتداء.في المسرد للحكم تكرر الحكم بتكررها، لأن الحكم يتكرر بتكرر علته، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. وإن لم يثبت كونه علة، فالجمهور على أنه لا يقتضي التكرار من جهة اللفظ. والحنفية يقولون: لا يتكرر من جهة الصيغة، ويتكرر من جهة السببcause (sabab)الوصف الظاهر المنضبط الذي جعله الشارع علامة على الحكم، يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته.في المسرد، لأن العبادات عندهم تتكرر بتكرر أسبابها، كالصلاة بتكرر الوقت. وفي كلام الناس يُرجع إلى أداة التعليق: «إن» و«إذا» لا تقتضيان التكرار، فمن قال لزوجته إن دخلت الدار فأنت طالق طلقت بالدخول الأول وانحلت اليمين، و«كلما» تقتضيه.
٢ القضاء بالأمر الأول أو بأمر جديد
إذا فات الواجب المؤقت عن وقته، فهل يجب قضاؤه بالأمر الأول نفسه، أم يحتاج إلى أمر جديد؟ قال عامة الحنفية، ومنهم السرخسي والبزدوي: يجب بالسبب الذي وجب به الأداءtimely performance (ada')فعل العبادة في وقتها المقدر لها شرعا.في المسرد، لأن الوقت ظرف للأداء، والمقصود مصلحة الفعل وهي باقية. وقال أكثر الشافعية والمالكية: يجب بأمر جديد، لأن الأمر المقيدrestricted term (muqayyad)ما دل على الماهية مع قيد يقلل شيوعها، من وصف أو شرط أو غاية أو حال.في المسرد بوقت لا يتناول ما بعده. وللحنابلة قولان. والثمرة قليلة في العبادات المنصوصة، لأن الجمهور وجدوا أوامر خاصة بالقضاء، كقوله ﷺ: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» (رواه البخاري ومسلم)؛ ويظهر أثرها في المنذورات المؤقتة. وتفصيل الأداء والقضاء في الحكم الوضعي.
٢ الأمر بالشيء نهي عن ضده
إذا أُمر المكلف بالقيام، فهل هو منهي عن القعود؟ اتفقوا على أن فعل المأمور به لا يتم إلا بترك ضده، واختلفوا في دلالة الأمر على النهي عن الضد. فقال الأشعري والباقلاني في قوله الأول: الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده، بناء على أن الكلام النفسي واحد. وقال أكثر الأصوليين: يتضمنه ويستلزمه، وهو ما قرره الجويني في الورقات بقوله: «والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده». وقال إمام الحرمين في البرهان والغزالي والمعتزلة: لا يدل عليه بلفظه، والضد مسكوت عنه. ونقل السرخسي عن الجصاص أنه يوجب النهي عن ضده، ثم قال: «والمختار عندنا أنه يقتضي كراهة ضده»، فجعل الضد مكروها لا محرما، لأن النهي عنه ثابت بطريق الاقتضاء لا بالصيغة، والثابت بالاقتضاء أضعف.
وثمرته في التخريجderivation within a school (takhrij)بيان صلة الفرع بأصله، أو استخراج أصل الإمام من فروعه، أو إلحاق فرع غير منصوص بفرع منصوص.في المسرد أن ترك المأمور به يتعلق به إثمان عند من جعله نهيا عن الضد: إثم ترك الواجب، وإثم فعل المحرم. ومثّل له الشافعية بمن قال لزوجته: إن خالفت نهيي فأنت طالق، ثم قال لها: قومي، فقعدت. فمن جعل الأمر نهيا عن الضد أوقع الطلاق، والأصح عندهم عدم الوقوع، لأنها خالفت أمره لا نهيه، والأيمان تُبنى على العرف.
٢ الأمر بالأمر بالشيء
إذا أمر الشارع زيدا أن يأمر عمرا بفعل، فهل هو أمر لعمرو بذلك الفعل؟ قال الأكثر: ليس أمرا له من جهة الصيغة، وإنما هو أمر للمأمور الأول بأن يبلّغ. ومثاله قوله ﷺ: «مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها» (رواه أبو داود، ورواه الترمذي بنحوه وقال: حسن صحيح). فالصبي غير مكلف، والأمر للأولياء، وصلاته تصح نفلا ويثاب عليها. وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢]. وإذا قامت قرينة على أن المأمور الأول مبلّغ عن الشارع، كان الأمر للثاني، كما في أوامر الرسل.
ومن فروعها قوله ﷺ لعمر حين طلق ابنه امرأته وهي حائض: «مره فليراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر» (رواه البخاري ومسلم). فأوجب المالكية المراجعة وأجبروا عليها على المشهورwell-known report (mashhur, Hanafi sense)عند الحنفية: ما كان آحادا في الطبقة الأولى ثم انتشر في القرن الثاني والثالث وتلقته الأمة بالقبول، يفيد الطمأنينة ويزاد به على الكتاب.في المسرد، وصحح متأخرو الحنفية وجوبها؛ واستحبها الشافعية والحنابلة. ومن قال بالاستحباب احتج بأن الأمر لعمر الأمر بالأمرcommand to commandأن يأمر الشارع مكلفا بأن يأمر غيره؛ وليس أمرا للثالث من جهة الصيغة عند الأكثر.في المسرد، وأجيب بأن قوله «فليراجعها» أمر مباشر لابن عمر بلام الأمر، فلا تكفي القاعدة وحدها لحسم الفرع.
٢ الإجزاء
الإتيان بالمأمور به على الوجه المطلوب يقتضي الإجزاءsufficiency (ijza')سقوط الطلب وبراءة الذمة بالإتيان بالمأمور به على الوجه المطلوب.في المسرد، أي سقوط الطلب وبراءة الذمةlegal personality / liability-bearing capacity (dhimma)وصف يصير به الإنسان أهلا للإيجاب له وعليه، وهي مناط أهلية الوجوب.في المسرد، وهذا قول الجمهور، وهو معنى قول الجويني: «وإذا فعل يخرج المأمور عن العهدة». وخالف أبو هاشم وعبد الجبار من المعتزلة، فقالوا: الامتثال يحصل بالفعل، أما سقوط القضاء فيحتاج إلى دليل آخر، واحتجوا بمن صلى ظانا الطهارة ثم تبين حدثه، فقد أطاع الأمر ولزمه القضاء. وأجاب الجمهور بأن المأمور به في حقه الصلاة بطهارة متيقنة أو مظنونة ما لم يتبين خلافها، فلما تبين الخطأ ظهر أنه لم يأت بالمأمور به على وجهه. والمسألة متصلة بتعريف الصحة عند المتكلمين (موافقة الأمر) وعند الفقهاء (سقوط القضاء) في الحكم الوضعي. وأما «ما لا يتم الواجب إلا به» الذي ذكره الجويني في هذا الموضع، فموضعه الحكم التكليفي.
١ النهي
النهي: اقتضاء كف عن فعل مدلول عليه بغير لفظ كف ونحوه، أو كما في الورقات: «استدعاء الترك بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب». وصيغته «لا تفعل»، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ويقوم مقامها لفظ التحريم والنهي ونفي الحل، كقوله: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
والنهي المجرد للتحريم عند الجمهور، ويُصرف إلى الكراهة بقرينة. ويُفرّق الحنفية بحسب ثبوت الدليل: فالنهي الثابت بدليل القطعيdefinitive (qat'i)ما لا يحتمل غير مدلوله احتمالا ناشئا عن دليل، في ثبوته أو دلالته.في المسرد يفيد التحريم، والثابت بدليل الظنيprobable (zanni)ما يحتمل غير مدلوله احتمالا مرجوحا، في ثبوته أو دلالته.في المسرد يفيد الكراهة التحريميةprohibitive disapproval (karaha tahrimiyya)عند الحنفية: أثر النهي الثابت بدليل ظني، مرتبة دون الحرام يأثم فاعلها ولا يكفر مستحلها.في المسرد، وهي عندهم مرتبة دون الحرام، يأثم فاعلها ولا يكفر مستحلها. وهذا تطبيق مباشر لشبكة الثبوت والدلالة (الأداة الثانية): القوة في الحكم بقدر القوة في الدليل.
والنهي يقتضي الفور والدوام عند الجمهور، بخلاف الأمر، لأن الامتثال لا يتحقق إلا بالترك في كل الأزمنة، فمن ترك الزنا يوما ثم فعله لم يكن ممتثلا. ويتكرر الترك بتكرر الأزمنة، ولا يتصور فيه تراخ.
١ النهي والفساد
هذه أوسع مسائل الفصل أثرا في الفقهpositive law, jurisprudence (fiqh)العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.في المسرد: إذا فعل المكلف ما نُهي عنه من عبادة أو عقد، فهل يقع فعله صحيحا تترتب عليه آثاره، مع الإثم، أم يقع فاسدا؟ والمسألة تتوقف على تحديد متعلق النهي، فالأصوليون قسموا المنهي عنه بحسب محل القبح فيه:
| متعلق النهي | معناه | أمثلته |
|---|---|---|
| ذات المنهي عنه أو ركنه | القبح في حقيقة الفعل | بيع الميتة والحر، والصلاة بغير طهارة، والزنا |
| وصف لازم له | القبح في صفة لا تنفك عن الفعل | صوم يوم العيد (وصفه الإعراض عن ضيافة الله)، وبيع الربا (وصفه الزيادة المشروطة) |
| أمر مجاور غير لازم | القبح في شيء ينفك عن الفعل | البيع وقت نداء الجمعة (تفويت السعي)، والصلاة في الأرض المغصوبة (شغل ملك الغير) |
مسألة خلافية هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه؟
- الحنفية يفرّقون بين الأفعال الحسية والتصرفات الشرعية. فالنهي عن الأفعال الحسية، كالزنا وشرب الخمر، يقتضي قبحها لعينها. والنهي عن التصرفات الشرعية، كالصوم والبيع والنكاح، إن رجع إلى ذاتها أو ركنها اقتضى البطلان، كبيع الميتة؛ وإن رجع إلى وصف لازم اقتضى فساد الوصف مع بقاء الأصل مشروعا، فيكون الفعل فاسدا لا باطلا، كبيع الربا وصوم يوم النحر؛ وإن رجع إلى أمر مجاور لم يقتض فسادا، والفعل صحيح مكروه.
- المالكية يقتضي الفساد في الجملة، والمشهور صحة ما رجع النهي فيه إلى أمر خارج، مع فسخ بعض العقود ما لم تفت، فإذا فاتت أُمضيت بالقيمة أو الثمن على تفصيل في الفروع.
- الشافعية يقتضي الفساد إذا رجع إلى ذات المنهي عنه أو جزئه أو وصفه اللازم، والفاسدdefective (fasid)عند الحنفية في المعاملات: ما شرع بأصله دون وصفه، يفيد الملك بالقبض ويجب فسخه.في المسرد والباطلvoid (batil)عند الحنفية في المعاملات: ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، لا يفيد ملكا ولو قبض. وعند الجمهور مرادف للفاسد.في المسرد عندهم مترادفان؛ ولا يقتضيه إذا رجع إلى أمر خارج غير لازم.
- الحنابلة يقتضي الفساد مطلقا على ظاهر المذهب، ولو كان النهي لأمر خارج في كثير من الصور.
- سبب الخلاف هل يمكن انفكاك الجهةseparability of aspectsأن يكون الفعل الواحد مأمورا به من جهة منهيا عنه من جهة أخرى؛ قبله الجمهور ورده الحنابلة في الصلاة المغصوبة.في المسرد في الفعل الواحد، فيكون مأمورا به من جهة منهيا عنه من جهة أخرى؟ وهل النهي عن التصرف الشرعي يستلزم تصوره شرعا، لأن النهي عن المستحيل عبث؟
- الثمرة صوم يوم العيد ونذره، والبيع وقت النداء، والصلاة في الأرض المغصوبة، وبيع الربا؛ وتفصيلها في الجدول بعد.
ووراء التقسيم المذهبي قول ثالث اختاره أبو الحسين البصري والغزالي والرازي: النهي يقتضي الفساد في العبادات دون المعاملات، لأن العبادة قربة، والمنهي عنه لا يكون قربة؛ والعقد سبب لآثار يرتبها الشارع، وقد يرتبها مع النهي، كما رتب وقوع الطلاق في الحيض مع النهي عنه.
٢ مذهب الحنفية: النهي عن الفعل الشرعي يقتضي مشروعية أصله
حجة الحنفية أن النهي طلب ترك فعل يقدر المكلف عليه، فإذا نهى الشارع عن صوم يوم النحر فقد دل على أن صوم ذلك اليوم متصور شرعا، ولو كان الصوم الشرعي فيه مستحيلا لكان النهي عنه كالنهي عن الطيران، وهو عبث يتنزه عنه الشارع. فالنهي يدل على قبح في الفعل، ويدل بمقتضاه على بقاء مشروعيته، والقبح يُحمل على الوصف حتى لا يبطل المقتضى مقتضيه. وبهذا علّل السرخسي قولهم، فقرر أن ثبوت المقتضى يكون لتصحيح المقتضي لا لإبطاله، ثم قال: «وعلى هذا قلنا البيع الفاسد يكون مشروعا بأصله موجبا لحكمه وهو الملك إذا تأيد بالقبض».
ومن هنا قام عند الحنفية قسم الفاسد المستقل عن الباطل: الباطل ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، والفاسد ما شُرع بأصله دون وصفه. والجمهور يردون ذلك بأن النهي يدل على أن الشارع لم يرد هذا الفعل، والصحة ترتيب أثر شرعي على الفعل، ولا يرتب الشارع أثرا على ما لا يريده؛ وأن النهي عن صوم العيد نهي عن الصوم اللغوي، أي الإمساك، فلا يستلزم تصوره شرعا.
تطبيق صوم يوم العيد ونذره
النص: نهيه ﷺ عن صوم يوم الفطر ويوم النحر (رواه البخاري ومسلم).
المحطة الأولى، نوع الحكم: تكليفي في الصوم نفسه (تحريم)، ووضعي في أثره (صحة النذر، وبراءة الذمة إن صام).
المحطة الثالثة، الدلالة: النهي للتحريم عند الجميع، والسؤال في متعلقه. الحنفية: متعلقه وصف لازم لهذا اليوم، هو أنه يوم ضيافة الله لعباده، فالإمساك فيه إعراض عن الضيافة؛ وأصل الصوم، وهو الإمساك بنية التقرب، مشروع في كل يوم. الجمهور: الصوم في يوم العيد المنهي عنه لذاتهprohibited in itselfما رجع القبح فيه إلى حقيقة الفعل أو ركنه، كبيع الميتة والصلاة بغير طهارة.في المسرد في هذا الزمن، فلا يصح ولا يكون قربة.
المحطة الرابعة، فحص المعارض: يعارض الحنفيةَ قولُه ﷺ: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» (رواه البخاري)، وصوم العيد معصية عند الجمهور فلا يُوفى بنذره. ويجيب الحنفية بأن المعصية في الوصف، والنذر تعلق بالأصل، وهو طاعة.
الحكم: ينعقد النذر عند الحنفية، ويجب عليه أن يفطر يوم العيد ويقضي يوما مكانه؛ فإن صامه أثم وبرئ من نذره، لأنه أداه كما التزمه ناقصا. ولا ينعقد النذر عند المالكية والشافعية، ولا يصح الصوم إن وقع. وعند الحنابلة لا يصومه، وفي المذهب روايات في لزوم القضاء والكفارة. وهذا جواب سؤال الافتتاح.
١ الثمرات في جدول
| الفرع | الحنفية | المالكية | الشافعية | الحنابلة | متعلق النهي |
|---|---|---|---|---|---|
| صوم يوم العيد ونذره | النذر منعقد، يفطر ويقضي، ويبرأ إن صام مع الإثم | لا ينعقد | لا ينعقد، والصوم باطل | لا يصومه، وفي القضاء والكفارة روايات | وصف لازم عند الحنفية، ذات الصوم في الزمن عند الجمهور |
| البيع وقت نداء الجمعة | صحيح المكروه تحريماmakruh tahriman (prohibitively disliked)عند الحنفية: ما طلب الشارع تركه طلبا جازما بدليل ظني، وهو مقابل الواجب.في المسرد | يفسخ على المشهور ما لم يفت | صحيح مع التحريم | باطل | أمر مجاور: ترك السعي |
| الصلاة في الأرض المغصوبة | صحيحة مع الإثم | صحيحة مع الإثم | صحيحة مع الإثم | باطلة في المشهور | أمر مجاور: الغصب |
| بيع الربا | فاسد، يفيد الملك بالقبض ويجب فسخه | فاسد يفسخ | باطل | باطل | وصف لازم: الزيادة |
والمذاهب متدرجة في أثر النهي لأمر مجاور: الحنفية والشافعية يصححون العقد والصلاة، والمالكية يفسخون العقد ويصححون الصلاة، والحنابلة يبطلونهما. واستدل الحنابلة في الصلاة المغصوبة بأن الحركات والسكنات فيها شغل لملك الغير، فهي عين المنهي عنه، فلا يكون المحرم قربة؛ وقال الجمهور: الصلاة من حيث هي صلاة مأمور بها، والغصب من حيث هو غصب منهي عنه، والجهتان منفكتان.
أداة تفكير سؤال سبب الخلاف
مسألة النهي والفساد نموذج للأداة الخامسة: الخلاف في الفروع الأربعة يرجع إلى سؤالين. الأول لغوي منطقي: هل يمكن أن يكون الفعل الواحد بالشخص مأمورا به من جهة منهيا عنه من جهة (انفكاك الجهة)؟ قبله الجمهور، ورده الحنابلة في الصلاة المغصوبة. والثاني شرعي: هل يدل النهي عن التصرف الشرعي على تصوره شرعا؟ قبله الحنفية فأثبتوا مرتبة الفاسد، ورده الجمهور. فإذا عرف الطالب جواب المذهب عن السؤالين أمكنه أن يتوقع حكمه في فرع لم يقرأه. والحدdefinition (hadd)التعريف الكاشف عن حقيقة الشيء بالجنس والفصل، ويُشترط فيه أن يكون جامعا مانعا.في المسرد الأداة أن بعض الفروع لها أدلة خاصة، كالبيع وقت النداء الذي اختلفت فيه الروايات داخل المذاهب، فالتوقع يحتاج إلى مراجعة كتب الفروع.
تنبيه الفاسد عند الحنفية والفاسد عند الجمهور
يرد لفظ «الفاسد» في كتب المذاهب كلها، ومعناه مختلف. فهو عند الشافعية والحنابلة مرادف للباطل، إلا في أبواب قليلة كالحج والكتابة والخلع. وهو عند الحنفية مرتبة مستقلة: عقد مشروع بأصله ممنوع بوصفه، يفيد الملك بالقبض في البيع، ويجب فسخه رفعا للمعصية. فمن قرأ «البيع الفاسد يفيد الملك» في كتاب حنفي ونسبه إلى الجمهور، أو قرأ «الفاسد لا يفيد الملك» في كتاب شافعي فظنه ردا على الحنفية في الاصطلاح نفسه، خلط بين اصطلاحين.
صلة الفصل بغيره
- أقسام الحكم التي تؤول إليها صيغ الأمر والنهي، والكراهة التحريمية، وما لا يتم الواجب إلا به، والواجب الموسع: الحكم التكليفي.
- الصحة والفساد والبطلان، والأداء والقضاء، وهي الثمرة الوضعية لمسألة النهي: الحكم الوضعي.
- صرف صيغة الأمر عن الوجوب بالقرينة تطبيق لقاعدة الحقيقة والمجاز في مبادئ لغوية.
- الأمر والنهي من الخاص عند الحنفية، وعمومهما في المكلفين وخطاب النبي ﷺ للأمة: العام والخاص.
- دلالة النهي عن الشيء على صحة غيره، و