الإجماع
موقع الفصل من المنظومة
الإجماعconsensus (ijmāʿ)اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي ﷺ في عصر على أمر من الأمور.في المسرد في المحطة الثانية من خط الاستنباط: جمع الأدلة وفحص ثبوتها. وهو الدليلproof, evidence (dalil)ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.في المسرد من طبيعة خاصة، فالمجمعون لا يشرّعون حكما من عند أنفسهم، وإنما يكشف اتفاقهم عن دليل استندوا إليه، ثم يرفع الحكم إلى رتبة القطع أو يقرّبه منها. فإذا كان الحكم في آحاد أدلته الظنيprobable (zanni)ما يحتمل غير مدلوله احتمالا مرجوحا، في ثبوته أو دلالته.في المسرد الثبوت أو ظني الدلالة، صار بالاتفاق عليه مستقرا ينقطع بعده الاجتهادindependent juristic reasoning (ijtihad)استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي.في المسرد في أصله. لذلك يحتاج هذا الفصل إلى ما تقرر في حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه من القطع والظنprobability, preponderant belief (zann)إدراك الطرف الراجح من أمرين محتملين.في المسرد ومراتب الإدراك، وإلى ما في الكتاب والسنة من التواتر والآحاد، لأن الإجماع نفسه يصل إلينا منقولا، إما بالتواتر وإما بخبر الواحدsolitary report (khabar al-wahid)ما لم يبلغ حد التواتر، يوجب العمل ويفيد الظن عند الجمهور.في المسرد.
سؤال الافتتاح
روى مسلم عن علي رضي الله عنه: «جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ السنةthe Sunnaما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير.في المسرد». واستشار عمر الصحابة في الحدdefinition (hadd)التعريف الكاشف عن حقيقة الشيء بالجنس والفصل، ويُشترط فيه أن يكون جامعا مانعا.في المسرد الشارب فاستقر الأمرcommand (amr)القول الطالب للفعل على جهة الاستعلاء؛ وعند ابن السبكي: اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير نحو كف.في المسرد على الثمانين، ولم يُنقل عن أحد منهم إنكار. فهل الثمانون حد ثابت بالإجماع لا يجوز النقص عنه، أم الحد أربعون وما زاد تعزير يرجع إلى نظر الإمام؟
١ حقيقة الإجماع
١ الإجماع في اللغة
يطلق الإجماع في اللغة على معنيين: العزم المصمم، ومنه ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]، أي اعزموا عليه؛ والاتفاق، يقال: أجمع القوم على كذا إذا اتفقوا. والفرق بينهما أن العزم يصح من الواحد، والاتفاق لا يكون إلا من جماعة، والمعنى الاصطلاحي مأخوذ من الثاني.
١ التعريف الاصطلاحي وقيوده
أشهر حدوده عند المتأخرين حد ابن السبكي في جمع الجوامع: «اتفاق مجتهد الأمة بعد وفاة محمد ﷺ في عصر على أي أمر كان».2 ولكل قيد عمل:
- اتفاق: الاشتراك في الاعتقاد أو القول أو الفعل أو ما يقوم مقامها من التقريرtacit approval (taqrir)سكوت النبي ﷺ عن قول أو فعل علمه مع قدرته على الإنكار، أو استبشاره به، وهو دليل الجواز.في المسرد. ويخرج به قول الأكثر مع مخالفة الأقل، فلا يسمى إجماعا عند الجمهور.
- مجتهد: اسم جنس مضاف فيعم كل مجتهد. يخرج به العوام والمقلدون، فلا عبرة بموافقتهم ولا مخالفتهم في انعقاده على المختار.
- الأمة: أمة الإجابة، فيخرج اتفاق مجتهدي الأمم السابقة، لأن العصمة ثبتت لهذه الأمة.
- بعد وفاة محمد ﷺ: لأن الحجة في حياته قوله وتقريره، فلا ينعقد إجماع دونه.
- في عصر: أي عصر كان، فلا يشترط اتفاق المجتهدين إلى يوم القيامة، وإلا لم يتحقق إجماع أبدا.
- على أي أمر كان: يشمل الشرعي واللغوي والعقلي والدنيوي. ومن قصره على الحكم الشرعيlegal ruling (hukm shar'i)خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع؛ وعند الحنفية أثر هذا الخطاب في الفعل.في المسرد، كالجويني في الورقات، نظر إلى ما يحتاجه الفقيه من الإجماع.
من المتون الورقات للجويني
وأما الإجماع: فهو اتفاق علماء أهل العصر على حكم الحادثة، ونعني بالعلماء: الفقهاء، ونعني بالحادثة الحادثة الشرعية.1 وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها... والإجماع حجة على العصر الثاني، وفي أي عصر كان، ولا يشترط انقراض العصر على الصحيح.
الحل: «علماء أهل العصر» يقابل قيد «مجتهد» في حد ابن السبكي، وفسّر الجويني العلماء بالفقهاء ليخرج غيرهم من أهل الفنون في مسائل الفقه. و«الحادثة الشرعية» قصر للإجماع على ما يحتاجه الفقيه. و«حجة على العصر الثاني» أي يلزم من بعدهم، فلا يسع أهل العصر التالي مخالفته. و«في أي عصر كان» رد على من خص الإجماع بالصحابة. و«لا يشترط انقراض العصر على الصحيح» إشارة إلى مسألة يأتي بيانها في هذا الفصل، وصيغة «على الصحيح» تدل على أن في المذهب قولا آخر.
٢ إمكانه ووقوعه والعلم به
ذهب النظام وبعض الشيعة إلى أن اتفاق الجم الغفير على حكم ظني ممتنع العادةhabit, custom (ʿāda)غلبة معنى من المعاني على الناس، عامة أو خاصة ببلد أو طائفة، كما حدها القرافي.في المسرد، كما يمتنع اتفاقهم على طعام واحد في يوم واحد. وأجاب الجمهور بأن الاتفاق على الطعام لا داعي له، والاتفاق على الحكم له داع هو الدليل الذي اشتركوا في النظر فيه. والوقوع دليل الإمكان: أجمعوا على وجوب الصلوات الخمس، وعلى خلافة أبي بكر، وعلى أن للجدة السدس، وعلى جمع القرآنthe Qur'an (al-Kitab)المنزل على الرسول ﷺ المكتوب في المصاحف المنقول عنه تواترا بلا شبهة (الحنفية)؛ واللفظ المنزل على محمد ﷺ للإعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته (المتكلمون).في المسرد في المصحف.
والمسألة الأدق إمكان العلمknowledge, certainty ('ilm)معرفة المعلوم على ما هو به؛ أو حكم لا يحتمل متعلَّقه النقيض بوجه.في المسرد به ونقله بعد انتشار العلماء في الأمصار. ومن هنا جاء ما روي عن الإمام أحمد: «من ادعى الإجماع فهو كاذب»، وفي تتمة الرواية التي ينقلها ابن القيم في إعلام الموقعين: لعل الناس اختلفوا، وليقل: «لا نعلم الناس اختلفوا».3 وتلقاها أصحابه على وجوه:
- الورع في العبارة: حمله أبو يعلى وجماعة على أن أحمد كره إطلاق لفظ الإجماع فيما لم يُحط فيه الناقل بأقوال جميع المجتهدين، وأرشد إلى عبارة تطابق علم الناقل.
- الرد على مدّعين بأعيانهم: قرر ابن تيمية وابن القيم أن الكلام موجه إلى من كان يدّعي الإجماع ليرد به السنن الثابتة، من متكلمي عصره كبشر المريسي والأصم، الوهمfaint supposition (wahm)إدراك الطرف المرجوح المقابل للظن.في المسرد أقل الناس علما بأقوال الصحابة والتابعين.
- إثبات الأصلroot, basis (asl)لغة ما يُبنى عليه غيره؛ واصطلاحا يطلق على الدليل، والراجح، والقاعدة المستمرة، والمقيس عليه.في المسرد مع ضبط النقل: أحمد نفسه احتج بالإجماع في مواضع كثيرة، وجعل المذهبthe school's position (al-madhhab)عند النووي: الراجح من طريقين أو طرق في حكاية المذهب.في المسرد الإجماع حجة. فالرواية تتعلق بطريق معرفته بعد عصر الصحابة، لا بأصل حجيته.
وتشدد ابن حزم في هذا الباب فقرر في الإحكام أن الإجماع المتيقن هو إجماع الصحابة، لأنهم كانوا عددا محصورا يمكن الإحاطة بأقوالهم.
١ حجية الإجماع
اتفقت المذاهب الأربعة على أن الإجماع حجة شرعية يجب العمل بها وتحرم مخالفتها، وخالف النظام وطوائف من الخوارج. والإمامية يحتجون به لأنه يتضمن عندهم قول المعصوم، فالحجة عندهم قوله لا الاتفاق.
أدلة الجمهور ثلاثة أنواع:
أولا، القرآن. أشهر ما استُدل به قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، وهو الاستدلالinference (istidlal)عند ابن السبكي: دليل ليس بنص ولا إجماع ولا قياس، ومنه التلازم والاستقراء والقياس المنطقي.في المسرد الشافعي. ووجهه أن الله توعد على اتباع غير سبيل المؤمنين كما توعد على مشاقة الرسول، فوجب اتباع سبيلهم، وما أجمعوا عليه سبيلهم.4 ومنه ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، والوسط العدل، والشاهد العدل يُقبل قوله. و﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، فلو أجمعوا على الباطلvoid (batil)عند الحنفية في المعاملات: ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، لا يفيد ملكا ولو قبض. وعند الجمهور مرادف للفاسد.في المسرد لكانوا آمرين بمنكر.
ثانيا، السنة. أحاديث كثيرة معناها عصمة الأمة من الاجتماع على الضلالة، منها: «إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة» (رواه الترمذي وقال: غريب، ورواه ابن ماجه بلفظ قريب، وفي أسانيدها مقال، وقوّاها جماعة بمجموع طرقها)، و«لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» (رواه البخاري ومسلم بألفاظ). وقرر الغزالي وغيره أن هذه الأحاديث وإن كانت آحادا في ألفاظها، فقد تواتر القدرmeasure (kayl or wazn)الكيل أو الوزن، وهو مع اتحاد الجنس علة ربا الفضل عند الحنفية والمذهب عند الحنابلة.في المسرد المشتركpolysemous term (mushtarak)اللفظ الموضوع لمعنيين فأكثر وضعا متعددا، كالقرء للحيض والطهر.في المسرد منها، وهو عصمة الأمة، تواترا معنويا.
ثالثا، العادة والإجماع. استقر عمل الصحابة والتابعين على تقديم المجمع عليه والإنكار على مخالفه، وتمتنع العادة أن يجتمع هذا العدد من أهل العلم والورع على القطع بتخطئة المخالف من غير مستند قاطع.
وأورد المخالفون على الآية أن «سبيل المؤمنين» يحتمل سبيلهم في الإيمان ومتابعة الرسول، ونازع الرازي في إفادتها القطع. فالتحقيق أن القطع بحجية الإجماع يأتي من مجموع هذه الأدلة، وأن آحادها ظنية الدلالة.
أداة تفكير شبكة الثبوت والدلالة
الإجماع يعمل في الشبكة عمل الرافع: حكم ثبت بخبر آحاد ظني الثبوت، أو بنص ظني الدلالة، إذا انعقد عليه إجماع الصريحexplicit expression (sarih)ما ظهر المراد منه ظهورا بيّنا بكثرة الاستعمال، ويثبت موجبه بلا نية.في المسرد منقول بالتواتر صار قطعيا. وحدّ الأداة هنا أن الإجماع نفسه يدخل الشبكة بطريق نقله: الإجماع الصريحexplicit consensusأن يصرح كل مجتهد بقوله أو يعمل به في المسألة.في المسرد المتواترmass-transmitted report (mutawatir)خبر جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه، مستندهم الحس، ويفيد العلم.في المسرد القطعيdefinitive (qat'i)ما لا يحتمل غير مدلوله احتمالا ناشئا عن دليل، في ثبوته أو دلالته.في المسرد، والسكوتي أو المنقول آحادا ظني. فيُسأل عن كل إجماع سؤالان: ما قوة انعقاده، وما قوة نقله.
٢ مستند الإجماع
لا ينعقد إجماع إلا عن مستند، لأن القول في الدين بغير دليل خطأ، والأمة معصومة من الاجتماع على الخطأ. وحكي عن قوم جواز انعقاده عن توفيق من غير دليل، ورده الجمهور. ثم المستند قد يكون نصا من الكتاب أو السنة، وقد يكون قياسا عند الجمهور، كإجماعهم على تحريم شحم الخنزير إلحاقا بلحمه، وعلى إراقة الشيرج والدبس الذائب إذا وقعت فيه فأرة قياسا على السمن. ومنع الظاهرية وابن جرير الطبري انعقاده عن القياسanalogy (qiyās)مساواة فرع لأصل في علة حكمه، أو رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم.في المسرد، بناء على أصلهم في القياس عند الظاهرية، وعلى أن القياس محل خلاف فلا يجتمع الناس عليه عند ابن جرير.
وثمرة المستند أن الإجماع إذا انعقد صار هو الحجة، فلا يُحتاج بعده إلى البحث عن مستنده، ولا يضره ضعف المستند المنقول، لأن المجمعين ربما استندوا إلى غيره. ويتفرع عليه أن الإجماع لا يَالنسخabrogation (naskh)رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ عنه؛ وعند كثير من الحنفية: بيان انتهاء مدة الحكم.في المسرد ولا يُنسخ عند الجمهور، وإذا وجد إجماع على خلاف نص دل على وجود الناسخabrogating text (nasikh)الخطاب الشرعي الدال على رفع الحكم المتقدم، والناسخ حقيقة هو الله تعالى.في المسرد بلغهم، كما في النسخ.
١ أهل الإجماع
١ المجتهدون
أهل الإجماع هم المجتهدون، وفي كل فن أهله: فالمعتبر في مسائل الفقهpositive law, jurisprudence (fiqh)العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.في المسرد الفقهاء المجتهدون، وفي مسائل الأصول الأصوليون. ويدخل المجتهد العدل بلا خلاف. فإذا خالف واحد أو اثنان لم ينعقد الإجماع عند الجمهور، لأن اسم الأمة لا يصدق على من عداهم، ولأن الصحابة سوغوا انفراد ابن عباس في العول والمتعة، وابن مسعود في مسائل من الفرائض. وروي عن ابن جرير الطبري، وعن أحمد في رواية، أن مخالفة الواحد والاثنين لا تمنع انعقاده، وأن قول الأكثر حجة.
ويعتد بالتابعي المجتهد إذا أدرك عصر الصحابة وصار من أهل الاجتهاد قبل انعقاد إجماعهم، لأن الصحابة رجعوا إلى أقوال بعض التابعين كشريح وسعيد بن المسيب، وفي المسألة رواية عن أحمد بخلافه.
٢ العوام
لا يعتبر العوام في انعقاد الإجماع عند الجمهور، لأن قولهم في الدين بلا دليل، وهم مأمورون بالتقليدfollowing (taqlid)العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة، بتعريف ابن الهمام.في المسرد. وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني إلى اعتبار موافقتهم في تسمية الاتفاق «إجماع الأمة»، لأنهم من الأمة. والخلاف عند التحقيق قريب من اللفظي، فالقاضي لا يجعل لمخالفة العامي أثرا في وجوب اتباع المجتهدين، وإنما ينازع في إطلاق الاسم.
٢ أهل الأهواء
المبتدع الذي تُالكفrestraint (kaff)حمل النفس على ترك المنهي عنه قصدا، وهو المكلف به في النهي عند الجمهور.في المسردّره بدعته خارج عن الأمة فلا يعتد به. واختلفوا في المبتدع غير المكفَّر إذا كان مجتهدا: فاعتد به كثير من الأصوليين كالغزالي والآمدي، لأن العصمة ثابتة للأمة وهو منها، وفسقه لا يمنع صدق الاسم عليه. ولم يعتد به جماعة من الحنفية والحنابلة، لأن الفسق في الاعتقاد يسقط قبول القول في الدين، ومنهم من فرّق بين الداعية إلى بدعته وغيره. وثمرة الخلاف تظهر في مسائل تفرد فيها بعض أهل الأهواء بقول، فمن لم يعتد بهم حكى الإجماع فيها، ومن اعتد بهم حكى الخلاف.
٢ انقراض العصر
انقراض العصرpassing of the generationموت جميع المجتهدين الذين انعقد بهم الإجماع، واشتراطه محل خلاف.في المسرد موت جميع المجتهدين الذين انعقد بهم الإجماع. والسؤال: هل يستقر الإجماع بمجرد اتفاقهم، أم يبقى معلقا حتى يموتوا عليه؟
مسألة خلافية هل يشترط انقراض العصر لانعقاد الإجماع؟
- الحنفية لا يشترط عند أكثرهم، فإذا اتفقوا لحظة انعقد الإجماع ولم يجز لأحدهم الرجوع.
- المالكية لا يشترط على المختار عندهم.
- الشافعية لا يشترط على الصحيح، كما في الورقات، واشترطه بعض أصحابهم.
- الحنابلة اشترطه أبو يعلى وجماعة على ظاهر كلام أحمد، وفي المذهب قول آخر بعدم الاشتراط.
- سبب الخلاف هل الحجة في الاتفاق نفسه، فيكفي وجوده لحظة، أم في الاتفاق المستقر الذي لا يُتوقع الرجوع عنه، والرجوع ممكن ما داموا أحياء؟
- الثمرة (١) بيع أمهات الأولاد: قال علي رضي الله عنه: اجتمع رأيي ورأي عمر على ألا يُبعن، ثم رأيت أن يُبعن (رواه عبد الرزاق والبيهقي من طريق عبيدة السلماني، وإسناده صحيح). فمن اشترط الانقراض جعل رجوع علي قادحا في انعقاد الإجماع، ومن لم يشترطه احتاج إلى جواب آخر، كأن يقول إن الاتفاق لم يكن من جميع الصحابة. (٢) من صار مجتهدا قبل موت المجمعين: يعتد بخلافه عند من اشترط الانقراض، ولا يعتد به عند غيرهم، كما في الورقات.
١ الإجماع السكوتي
الإجماع السكوتيtacit consensus (ijmāʿ sukūtī)أن يقول بعض المجتهدين قولا وينتشر فيسكت الباقون بعد العلم ومضي مدة التأمل بلا مانع.في المسرد أن يقول بعض المجتهدين قولا أو يفعل فعلا في مسألة اجتهادية، وينتشر ذلك في أهل العصر، فيسكتوا عنه بعد العلم به ومضي مدة التأمل، من غير المانعimpediment (mani')ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته.في المسرد من الإنكار. ولقيود التعريف عمل: الانتشار الشرطcondition (shart)ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وهو خارج عن ماهية المشروط.في المسرد لأن السكوت مع الجهل بالقول لا دلالة فيه، ومضي مدة التأمل شرط لأن السكوت قبل النظر لا يدل على رأي، وانتفاء المانع من خوف أو تقية أو هيبة شرط لأن السكوت معه محمول على المانع. وزاد ابن الحاجب في مختصره قيد أن يكون ذلك قبل استقرار المذاهب، لأن السكوت بعد استقرارها قد يكون لعلم الساكت أن المسألة مستقرة الخلاف.6
مسألة خلافية هل الإجماع السكوتي إجماع وحجة؟
- الحنفية إجماع قطعي عند أكثرهم بالشروط المذكورة، لأن العادة أن المجتهدين لا يسكتون عما يرونه خطأ في الدين، ولو اشترط التصريح من الجميع لتعذر الإجماع.
- المالكية حجة عند جمهورهم، واختلفوا في تسميته إجماعا. وردد ابن الحاجب في المختصر بين كونه إجماعا أو حجة، ومحصل اختياره أنه حجة في الأقل.
- الشافعية نص الشافعي في الجديد على أنه ليس إجماعا ولا حجة، بقوله المشهورwell-known report (mashhur, Hanafi sense)عند الحنفية: ما كان آحادا في الطبقة الأولى ثم انتشر في القرن الثاني والثالث وتلقته الأمة بالقبول، يفيد الطمأنينة ويزاد به على الكتاب.في المسرد: «لا ينسب إلى ساكت قول». واختار جماعة من أصحابه كالآمدي وابن السبكي أنه حجة ظنية، وجعل ابن السبكي الخلاف في تسميته إجماعا لفظيا.
- الحنابلة إجماع وحجة على المذهب.
- سبب الخلاف السكوت يحتمل الموافقة، ويحتمل التروي، أو الهيبة، أو اعتقاد أن كل مجتهد مصيب فلا يُنكر على مجتهد. فمن رجح احتمال الموافقة بالعادة جعله إجماعا، ومن رأى الاحتمالات متقاربة لم ينسب إلى الساكت قولا، ومن رآها ترجح الموافقة دون أن تقطع بها جعله حجة ظنية.
- الثمرة حد شارب الخمر. الحنفية والمالكية والحنابلة في المذهب: ثمانون جلدة، لما استقر في عهد عمر بلا نكير. الشافعية: الحد أربعون، والزيادة إلى الثمانين تعزير يجوز للإمام إذا رآه. ولأحمد رواية بالأربعين.
وبهذا يجاب سؤال الافتتاح: من جعل السكوتي إجماعا ثبتت عنده الثمانون حدا لا ينقص منه، ومن نفاه رجع إلى المنقول عن النبي ﷺ وأبي بكر، وهو أربعون، والحملattribution of meaning (haml)اعتقاد السامع مراد المتكلم من لفظه؛ وقواعد الأصوليين في الدلالة قواعد في الحمل.في المسرد زيادة عمر على التعزير، وقوّاه بقول علي «وكلٌّ سنة»، فإنه جعل الأمرين سنة، ولو كانت الثمانون حدا لازما لما وصف الأربعين بأنها سنة. فالمسألة لها المأخذground of a ruling (ma'khadh)الدليل أو القاعدة التي بني عليها الحكم الفرعي، وقد يتعدد للفرع الواحد.في المسرد نصي إلى جانب مأخذها الأصولي.
ويلحق بالسكوتي ما سماه بعضهم «الإجماع الفعلي» و«الإجماع على الترك»، وهو أن يُعرف عمل الجميع أو ترك الجميع لأمر، والجويني نص في الورقات على الصحةvalidity (sihha)موافقة الفعل ذي الوجهين للشرع؛ وفي العبادات: موافقة الأمر عند المتكلمين، وإسقاط القضاء عند الفقهاء.في المسرد الإجماع بالفعل كما يصح بالقول.
٢ الإجماع بعد الخلاف
للمسألة صورتان:
الأولى: أن يختلف أهل عصر على قولين، ثم يتفقوا هم أنفسهم على أحدهما قبل استقرار الخلاف. فهذا إجماع عند الأكثر، كاختلاف الصحابة في دفن النبي ﷺ ثم اتفاقهم على دفنه في بيت عائشة، واختلافهم في قتال مانعي الزكاة ثم اتفاقهم عليه.
الثانية: أن يستقر الخلاف في عصر على قولين، ثم يتفق أهل العصر التالي على أحدهما.
مسألة خلافية اتفاق العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول
- الحنفية يصير إجماعا يرفع الخلاف عند أكثرهم، ورتبه فخر الإسلام البزدوي في أدنى مراتب الإجماع.
- الشافعية لا يرتفع الخلاف عند كثير منهم كأبي الحسن الأشعري والغزالي، بقول الشافعي المشهور: إن المذاهب لا تموت بموت أصحابها. واختار آخرون منهم أنه إجماع.
- الحنابلة عن أحمد روايتان.
- سبب الخلاف هل اختلاف الأولين إجماع منهم على جواز الأخذ بكل من القولين، فلا يرفعه من بعدهم، أم هو خلاف يرتفع بوجود اتفاق جديد يصدق عليه حد الإجماع؟
- الثمرة بيع أمهات الأولاد. اختلف فيه الصحابة، ثم اتفق من بعدهم على المنع. فلو قضى قاض بجواز بيعها، فالمنقول عن محمد بن الحسن أن قضاءه لا ينفذ لمخالفته الإجماع المتأخر، والمنقول عن أبي حنيفة أنه ينفذ، لأن ارتفاع الخلاف المتقدم محل اجتهاد، والقضاءmake-up (qada')فعل العبادة بعد خروج وقتها استدراكا لما سبق وجوبه أو انعقد سببه.في المسرد في المجتهد فيهmatter open to ijtihadكل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي.في المسرد نافذ.
٢ إحداث قول ثالث
إذا اختلف أهل عصر على قولين، فهل لمن بعدهم أن يحدث قولا ثالثا؟ منعه الجمهور، لأن اقتصارهم على القولين اتفاق على بطلان ما عداهما، وأجازه بعض الحنفية وأهل الظاهر، لأن الأولين لم يصرحوا بالمنع. والمختار عند المحققين كالآمدي وابن الحاجب التفصيل: إن كان الثالث يرفع ما اتفق عليه القولان امتنع، وإلا جاز.
ومثال الرافع ميراث الجد مع الإخوة: للصحابة فيه قولان، أن الجد يحجب الإخوة، وأنه يقاسمهم. فالقولان متفقان على أن للجد نصيبا، فالقول بأن الإخوة يحجبونه إحداث ثالث رافع ممنوع.
ومثال غير الرافع مسألتا العمريتين: زوج وأبوان، وزوجة وأبوان. قال الجمهور فيهما: للأم ثلث الباقي بعد الفرضfard (definitively established obligation)عند الحنفية: ما ثبت لزومه بدليل قطعي لا شبهة فيه، يكفر جاحده؛ وعند الجمهور مرادف للواجب.في المسرد الزوجين، وقال ابن عباس: ثلث الأصل. وفصّل ابن سيرين فأعطاها في مسألة الزوجة ثلث الأصل، وفي مسألة الزوج ثلث الباقي. وهذا تفصيل لم يرفع متفقا عليه، لأنه وافق كل فريق في صورة، فأجازه أصحاب التفصيل.
ويجري الحكم نفسه في إحداث دليل أو التأويلinterpretation (ta'wil)صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى مرجوح يحتمله، لدليل يصيّره راجحا.في المسرد جديد: يجوز عند الجمهور ما لم يُبطل ما أجمعوا عليه، لأن الأولين ربما تركوا الدليل استغناء بغيره.
٢ الإجماعات الخاصة
٢ إجماع أهل المدينة
جعل مالك عمل أهل المدينةpractice of the people of Medinaما اتفق عليه أهل المدينة نقلا أو اجتهادا، وهو حجة عند المالكية في النقلي.في المسرد حجة، وكتب في ذلك إلى الليث بن سعد. وحقق المالكية كالباجي والقاضي عياض أن العمل قسمان: نقلي، وهو ما طريقه النقل المستمر عن زمن النبي ﷺ، كالأذان والصاع والمد وترك أخذ الزكاة من الخضروات، وهذا حجة عندهم مقدم على خبر الواحد؛ واجتهادي، وهو ما اتفقوا عليه بالاستدلال، وفي حجيته خلاف بين المالكية. والجمهور لا يجعلونه حجة بذاته، لأن العصمة للأمة لا لبلد منها. ويأتي تفصيل العمل وأثره في تقديمه على الخبر في الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة.
٢ إجماع الخلفاء الأربعة والشيخين
ذهب أحمد في رواية، وأبو خازم القاضي من الحنفية، إلى أن اتفاق الخلفاء الأربعة حجة، وحكي أن أبا خازم قضى بذلك في توريث ذوي الأرحام وقدّمه على قول زيد. واحتجوا بقوله ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» (رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح). وقال بعضهم بحجية قول الشيخين لحديث «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (رواه الترمذي وحسّنه). والجمهور على أن ذلك ليس إجماعا، لأنهم بعض الأمة، والحديثان يدلان على فضل الاقتداء بهم دون أن يجعلا قولهم حجة مع مخالفة غيرهم. ومكان هذا من الأدلة مبحث قول الصحابيCompanion's opinion (qawl al-ṣaḥābī)ما نُقل عن الصحابي من فتوى أو قضاء في حادثة لا نص فيها ولا إجماع.في المسرد في الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة.
٣ إجماع أهل البيت
ذهبت الزيدية والإمامية إلى حجية إجماع العترة، احتجاجا بآية التطهير وحديث الثقلين. والجمهور على أنهم بعض الأمة، يعتد بقول المجتهد منهم في الإجماع ولا ينفرد اتفاقهم بالحجية. وفي معناه قول من جعل إجماع أهل الحرمين أو أهل المصرين، الكوفة والبصرة، حجة، وهو قول مردود عند الجمهور.
١ مراتب الإجماع من القطع والظن
ما يسمى إجماعا يتفاوت في رتبته، ويُنظر فيها من جهتين: جهة الانعقاد، وجهة النقل.
| الإجماع | رتبته | حكم مخالفه |
|---|---|---|
| صريح منقول بالتواتر في أمر المعلوم من الدين بالضرورةwhat is known of religion by necessityما يعرفه الخاص والعام من المسلمين بلا نظر، ويكفر جاحد الإجماع عليه.في المسرد (الصلوات الخمس، تحريم الزنا) | قطعي | يكفر جاحده لتكذيبه ما علم مجيء الشرع به |
| صريح منقول بالتواتر في غير المعلوم بالضرورة | قطعي | يُضلل ويُالنقضinconsistency (naqḍ)وجود العلة مع تخلف الحكم عنها في صورة.في المسرد الحكم المخالف له، والتكفير محل تفصيل |
| سكوتي | قطعي عند أكثر الحنفية، ظني عند غيرهم | يُخطأ ولا يكفر |
| منقول بالآحاد | ظني، والجمهور من الفقهاء يحتجون به | يُخطأ ولا يكفر |
| اتفاق متأخر بعد خلاف مستقر | محل خلاف، وهو أضعف المراتب عند من أثبته | محل اجتهاد |
ورتب فخر الإسلام البزدوي ومن تبعه من الحنفية الإجماع مراتب، أعلاها إجماع الصحابة نصا، وهو عندهم بمنزلة الآية والخبر المتواتر، ثم ما ثبت بنص بعضهم وسكوت الباقين، ثم إجماع من بعدهم فيما لم يسبق فيه خلاف، ثم إجماعهم على أحد أقوال سبقهم فيها خلاف، وهذه أدناها.7
أداة تفكير مراتب الإدراك
تنقل هذه الأداة سؤال «هل هذا إجماع؟» إلى سؤال «ماذا يفيد هذا الإجماع؟». الصريح المتواتر يفيد العلم، فيلزم في الاعتقاد ويكفر جاحده إذا عُلم بالضرورة. والسكوتي والمنقول آحادا يفيدان الظن الغالب، وهو كاف في العمل ولا يكفي للتكفير. وحدّ الأداة أن الأصوليين رتبوا هذه الدرجات ولم يقدروها بأرقام، وأن الحنفية يرفعون السكوتي إلى القطع، فيختلف موضع الإجماع الواحد على السلم بحسب المذهب.
١ دعاوى الإجماع وكيف تُختبر
٢ كتب الإجماع ومناهج أصحابها
كثرت حكاية الإجماع في كتب الفقه والخلاف، وتفاوت الحاكون في الضبط:
- ابن المنذر (ت ٣١٨هـ) في كتاب الإجماع، والإشراف على مذاهب العلماء: يحكي الإجماع بعبارة «أجمعوا» أو «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم»، وعبارته الثانية تقيد الإجماع بعلمه، ويذكر الخلاف في الإشراف إذا بلغه.
- ابن حزم (ت ٤٥٦هـ) في مراتب الإجماع: اشترط في مقدمته شروطا صارمة، وجعل الإجماع المتيقن إجماع الصحابة، ثم حكى في الكتاب إجماعات كثيرة.
- ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ) في نقد مراتب الإجماع: تتبع جملة من إجماعات ابن حزم وبيّن وجود الخلاف فيها، أو أن المحكي اتفاق في عبارة دون الحكم، وقرر أن كثيرا من دعاوى الإجماع مبناها عدم العلم بالمخالف.5
- ومن بعدهم ابن عبد البر والنووي وابن قدامة، ولكل منهم عبارات تتفاوت دلالتها: «أجمعوا»، «بلا خلاف»، «لا نعلم فيه خلافا»، «اتفق الأئمة».
تنبيه عبارات حكاية الإجماع ليست سواء
«لا أعلم فيه خلافا» إخبار عن علم الحاكي، وهي العبارة التي أرشد إليها أحمد، فلا تساوي «أجمعوا». و«اتفق الأئمة الأربعة» حكاية اتفاق المذاهب المتبوعة، وهو أضيق من إجماع الأمة، لأن قبل المذاهب وخارجها مجتهدين لهم أقوال. و«بلا خلاف» في كتب المذاهب كثيرا ما يراد بها نفي الخلاف داخل المذهب. فمن جعل هذه العبارات كلها إجماعا قاطعا حمّل النقل ما لم يقله الناقل.
٢ خطوات الاختبار
إذا الوقفsuspension of judgement (waqf)في مسألة الأشياء قبل الشرع: نفي الحكم حتى يرد الشرع عند الأشاعرة، أو عدم العلم بحكم ثابت عند من قاله من الحنفية.في المسرد الطالب على دعوى إجماع، فحصها بأسئلة متتابعة:
- من الحاكي؟ وهل عُرف بالتحريconsidered personal judgment (taharri)عند الحنفية: اجتهاد المجتهد وعمله بما تطمئن إليه نفسه حين لا يبقى دليل يُنزل إليه، كتعارض القياسين.في المسرد في النقل أو بالتوسع فيه؟
- ما عبارته؟ «أجمعوا» أم «لا أعلم خلافا» أم «اتفق الأئمة»؟
- ما نطاقه؟ إجماع الصحابة، أم أهل عصر معين، أم المذاهب الأربعة؟
- هل نُقل خلاف؟ في كتب الآثار كمصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة، وفي كتب الخلاف العالي كالإشراف والمحلى والمغني.
- ما نوعه؟ صريح أم سكوتي، وهل سبقه خلاف مستقر؟
- على أي شيء وقع الاتفاق؟ على الحكم نفسه، أم على عبارة أو أصل العامgeneral term ('amm)لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر؛ وعند الحنفية: ما ينتظم جمعا من المسميات لفظا أو معنى.في المسرد يختلف الناس في تطبيقه؟
تطبيق اختبار دعوى إجماع: طلاق الثلاث بلفظ واحد
الواقعة: رجل قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا، في مجلس واحد.
-
نوع الحكم المطلوب: حكم وضعي، هل يقع الطلاق ثلاثا فتبين بينونة كبرى، أم يقع واحدة؟
-
جمع الأدلة وفحص ثبوتها: حكى جماعة الإجماع على وقوعه ثلاثا، وهو المعتمدrelied-upon position (mu'tamad)القول الذي استقر الترجيح عليه عند أهل الترجيح في المذهب.في المسرد في المذاهب الأربعة. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس: «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة»، ثم أمضاه عمر عليهم ثلاثا. ونازع ابن تيمية في دعوى الإجماعreported (claimed) consensusحكاية الإجماع في كتب العلم، وتُختبر بالحاكي والعبارة والنطاق ونقل المخالف.في المسرد، ونقل الخلاف عن بعض السلف.
تطبيق الاختبار: الحاكي والعبارة تفيدان أن المذاهب الأربعة متفقة. والنطاق: اتفاق المذاهب المتبوعة، مع نقل خلاف قبلها. والنوع: إمضاء عمر وسكوت الصحابة عليه سكوتي عند من يحتج به، وسبقه عمل مخالف في العهد النبوي على ظاهر رواية ابن عباس.
النتيجة: من أثبت الإجماع قطع به، وأوّل رواية ابن عباس بتأويلات معروفة في شروح مسلم. ومن لم يثبته نقل المسألة من محطة الإجماع إلى محطة الدلالة والترجيحpreference (tarjih)تقوية أحد الدليلين المتعارضين بما ليس دليلا مستقلا، فيُعمل بالأقوى؛ وعند الحنفية إظهار زيادة لأحد المتماثلين وصفا لا أصلا.في المسرد، فصار البحث في معنى الحديث وفي قوة إمضاء عمر. وهذا هو المقصود من الاختبار: معرفة المحطة التي يُحسم فيها الحكم.
أداة تفكير اختبار الحجة بالاعتراض
دعوى الإجماع حجة تُفحص بالأسئلة الناقدة كما تُفحص سائر الحجج: سؤال المصدر (من حكاه)، وسؤال الصيغة (بأي عبارة)، وسؤال الاستثناءexception (istithna')إخراج ما لولاه لدخل في الكلام بإلا أو إحدى أخواتها، ويشترط فيه الاتصال وعدم الاستغراق.في المسرد (هل نُقل مخالف)، وسؤال الانطباق (هل وقع الاتفاق على محل النزاع نفسه). والمعترض في المناظرة يبدأ بمنع وجود الإجماع، ثم بمنع كونه في محل النزاع. وحدّ الأداة أن الاعتراض على دعوى إجماع ثابت قطعا مردود، فالأداة لتمييز الثابت من المدعى، لا للتشكيك في أصل الحجية.
صلة الفصل بغيره
- الإجماع يُنقل بالتواتر أو بالآحاد، وأحكام النقل في الكتاب والسنة.
- الإجماع لا يَنسخ ولا يُنسخ، ويدل على الناسخ، كما في النسخ.
- القياس قد يكون مستندا للإجماع، والإجماع مسلك من مسالك العلةroutes for establishing the ratioالطرق التي يثبت بها كون الوصف علة.في المسرد، في القياس.
- عمل أهل المدينة وقول الصحابي وقول الخلفاء في الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة.
- مخالفة الإجماع السببcause (sabab)الوصف الظاهر المنضبط الذي جعله الشارع علامة على الحكم، يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته.في المسرد لنقض الاجتهادreversal of a ruling based on ijtihadإبطال حكم صدر عن اجتهاد، ولا يكون باجتهاد مثله، ويكون بمخالفة النص أو الإجماع أو القياس الجلي.في المسرد والقضاء، في الاجتهاد.
- حكم من جحد المعلوم من الدين بالضرورة، وصلته بمراتب الإدراك، في حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه.
خلاصة الفصل
- الإجماع اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي ﷺ في عصر على أمر، ولكل قيد من الحد عمل.
- الإجماع يكشف عن دليل ولا ينشئ حكما، ولا ينعقد إلا عن مستند، ويجوز أن يكون المستند قياسا عند الجمهور.
- إمكانه ووقوعه ثابتان، والنزاع الأقوى في العلم به بعد انتشار العلماء.
- «من ادعى الإجماع فهو كاذب» عند الحنابلة محمولة على الورع في العبارة، أو على مدعين بأعيانهم، وأحمد يحتج بالإجماع.
- حجيته ثابتة بمجموع الآية والأحاديث وعمل الصحابة، وآحاد الأدلة ظنية.
- أهله المجتهدون، ولا عبرة بالعوام على المختار، والمبتدع غير المكفَّر محل خلاف.
- مخالفة الواحد والاثنين تمنع الانعقاد عند الجمهور.
- لا يشترط انقراض العصر عند الجمهور، واشترطه أبو يعلى وجماعة على ظاهر كلام أحمد.
- السكوتي إجماع قطعي عند أكثر الحنفية، وليس إجماعا ولا حجة في جديد الشافعي، وحجة ظنية عند جماعة من الشافعية والمالكية، وإجماع عند الحنابلة.
- اتفاق العصر الثاني على أحد قولي الأول يرفع الخلاف عند أكثر الحنفية، ولا يرفعه عند كثير من الشافعية.
- إحداث قول ثالثintroducing a third opinionأن يأتي من بعد أهل عصر اختلفوا على قولين بقول ثالث، ويمتنع إذا رفع ما اتفق عليه القولان.في المسرد رافع لما اتفق عليه القولان ممنوع، وغير الرافع جائز عند المحققين.
- إجماع أهل المدينة حجة عند المالكية في النقلي خاصة بلا خلاف بينهم، وإجماع الخلفاء الأربعةagreement of the four rightly guided caliphsاتفاق أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وهو حجة عند أحمد في رواية وأبي خازم من الحنفية.في المسرد وأهل البيت ليس إجماعا عند الجمهور.
- الإجماع مراتب: الصريح المتواتر قطعي، والسكوتي والمنقول آحادا ظنيان عند الجمهور.
- دعوى الإجماع تُختبر بالحاكي والعبارة والنطاق ونقل المخالف ونوع الإجماع ومحل الاتفاق.
تمارين
- بيّن ما يخرج بكل من القيود الآتية في حد الإجماع: «مجتهد»، «الأمة»، «بعد وفاة محمد ﷺ».
- صنّف ما يأتي إلى إجماع صريح، أو سكوتي، أو ليس إجماعا: (أ) أفتى صحابي بالفتوىlegal opinion (fatwa)الإخبار بالحكم الشرعي عن دليل لمن سأل عنه، ولا تُلزم إلا من جهة التقليد.في المسرد واشتهرت ولم يُنكر عليه، (ب) اتفق ثلاثة من أربعة مجتهدين في عصر، (ج) نُقل عن الصحابة جميعا التصريح بوجوب الصلوات الخمس.
- قارن بين الحنفية والشافعية في الإجماع السكوتي، واذكر سبب الخلاف وثمرته في حد الشارب.
- اختلف الصحابة في الجد مع الإخوة على قولين. فلو قال قائل من المتأخرين إن الجد يسقط مع الإخوة، فما حكم قوله؟ ولماذا؟
- علّل: الإجماع لا ينعقد إلا عن مستند، ولا يلزم بعد انعقاده البحث عن مستنده.
- ما الوجوه التي حمل عليها الحنابلة قول أحمد: «من ادعى الإجماع فهو كاذب»؟
- وجدت في كتاب فقه: «ولا نعلم في هذا خلافا». هل يصح أن تحتج بها على أن المسألة مجمع عليها إجماعا قطعيا؟ علّل.
- رد الفرعnew case (farʿ)المحل المسكوت عنه المراد إلحاقه بالأصل.في المسرد إلى أصله: قاض حنفي قضى بجواز بيع أم الولد. على أي أصل يبنى الخلاف في نفاذ قضائه بين أبي حنيفة ومحمد؟
- هل يُكفّر من خالف إجماعا سكوتيا؟ أجب على ضوء مراتب الإجماع.
أجوبة التمارين
- «مجتهد» يخرج العوام والمقلدين؛ «الأمة» يخرج اتفاق الأمم السابقة؛ «بعد وفاة محمد ﷺ» يخرج اتفاق الصحابة في حياته، لأن الحجة حينئذ قوله وتقريره.
- (أ) سكوتي، إذا تحققت شروط الانتشار ومضي المدة وانتفاء المانع. (ب) ليس إجماعا عند الجمهور، لأن مخالفة الواحد تمنع الانعقاد. (ج) صريح قطعي.
- الحنفية: إجماع قطعي بشروطه؛ الشافعي في الجديد: ليس إجماعا ولا حجة. سبب الخلاف: احتمال السكوت للموافقة وغيرها. الثمرة: الثمانون حد عند الحنفية، والحد أربعون والزائد تعزير عند الشافعية.
- ممنوع، لأنه إحداث قول ثالث يرفع ما اتفق عليه القولان، وهو أن للجد نصيبا مع الإخوة.
- لا ينعقد إلا عن مستند لأن القول في الدين بلا دليل خطأ والأمة معصومة منه؛ ولا يلزم البحث عن المستند بعد الانعقاد لأن الإجماع صار هو الحجة، والمجمعون ربما استندوا إلى ما لم يُنقل.
- الورع في العبارة لمن لم يُحط بأقوال المجتهدين، والرد على من ادعى الإجماع ليرد به السنن كبشر المريسي والأصم، مع بقاء أصل الحجية عنده.
- لا تكفي، فهي إخبار عن علم الحاكي، وتفيد ظنا يتفاوت بحسب سعة اطلاعه، ويُطلب بعدها البحث عن المخالف.
- على مسألة اتفاق العصر الثاني على أحد قولي الأول: محمد يجعله إجماعا رافعا للخلاف فيرد القضاء، وأبو حنيفة يجعل ارتفاع الخلاف محل اجتهاد فينفذه.
- لا يكفر، لأن السكوتي ظني عند الجمهور، والتكفير يختص بجحد الإجماع القطعيdefinitive consensusالإجماع الصريح المنقول بالتواتر، ويفيد العلم.في المسرد المعلوم من الدين بالضرورة. وعند الحنفية هو قطعي، لكنه ليس من المعلوم بالضرورة غالبا، فيُخطّأ المخالف دون تكفير.
-
الجويني، الورقات، باب الإجماع. ↩
-
ابن السبكي، جمع الجوامع، الكتاب الثالث في الإجماع. ↩
-
ابن القيم، إعلام الموقعين، في أصول فتاوى الإمام أحمد؛ وأبو يعلى، العدة، باب الإجماع. ↩
-
الشافعي، الرسالة، باب الإجماع؛ والغزالي، المستصفى، الأصل الثالث. ↩
-
ابن حزم، مراتب الإجماع؛ وابن تيمية، نقد مراتب الإجماع. ↩
-
ابن الحاجب، مختصر المنتهى، مسألة الإجماع السكوتي؛ والآمدي، الإحكام. ↩
-
البزدوي، كنز الوصول، باب الإجماع؛ والسرخسي، الأصول، باب الإجماع. ↩