مبادئ لغوية
موقع الفصل من المنظومة
هذا أول فصول الباب الرابع، وهو المحطة الثالثة من خط الاستنباط: استخراج الدلالة ودرجتها. قبله عرف الطالب الحكم والأدلة وكيف يثبت الدليلproof, evidence (dalil)ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.في المسرد؛ وبقي سؤال: إذا ثبت النص، فكيف نعرف ما أراد المتكلم به؟ والشريعة نزلت بلسان عربي، فقواعد فهمه مقدمة على كل قاعدة دلالية بعدها: الأمرcommand (amr)القول الطالب للفعل على جهة الاستعلاء؛ وعند ابن السبكي: اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير نحو كف.في المسرد والنهيprohibition (nahy)القول الطالب للكف عن فعل على جهة الاستعلاء؛ وصيغته لا تفعل.في المسرد في الأمر والنهي، والعموم في العام والخاص، والإطلاق والإجمال في المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول، وطرق الدلالة في طرق الدلالة بين المنهجين. وهذه «المبادئ اللغوية» أدرجها الحنفية في تقسيم اللفظ باعتبار الاستعمالusage (isti'mal)إطلاق المتكلم اللفظ وإرادة معناه، الموضوع له أو غيره؛ وبه ينقسم اللفظ إلى حقيقة ومجاز.في المسرد (الحقيقةliteral usage (haqiqa)اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب.في المسرد والمجازfigurative usage (majaz)اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب، لعلاقة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.في المسرد والصريحexplicit expression (sarih)ما ظهر المراد منه ظهورا بيّنا بكثرة الاستعمال، ويثبت موجبه بلا نية.في المسرد والكنايةallusive expression (kinaya)ما استتر المراد منه حتى يعرف بالنية أو دلالة الحال.في المسرد) وفي باب حروف المعانيfunctional particles (huruf al-ma'ani)الحروف التي لها معنى في غيرها، كحروف العطف والجر، وتُبنى عليها أحكام كثيرة.في المسرد.
سؤال الافتتاح
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. توضأ رجل فغسل يديه إلى ما دون المرفقين، ومسح بأصبع واحدة شعرات من مقدم رأسه. هل صح وضوؤه؟ وأي الحرفين في الآية حسم الجواب: «إلى» أم «الباء»؟
٢ اللغة والوضع
الوضعassignment (wad')جعل اللفظ دليلا على المعنى بحيث إذا أُطلق فُهم منه؛ وهو صفة الواضع.في المسرد جعل اللفظ دليلا على المعنى، بحيث إذا أُطلق فُهم منه. واختلف المتكلمون في الواضع: فقال الأشعري وابن فورك: اللغة توقيفية، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]. وقال أبو هاشم الجبائي: اصطلاحية تواضع عليها الناس. وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: القدرmeasure (kayl or wazn)الكيل أو الوزن، وهو مع اتحاد الجنس علة ربا الفضل عند الحنفية والمذهب عند الحنابلة.في المسرد الذي يقع به التعريف توقيف، وما بعده اصطلاح. والتوقفsuspension of judgmentترك الحكم في المسألة حتى يظهر مرجح، من أقوال الجمهور عند التعادل.في المسرد الباقلاني وجمهور المحققين كالغزالي والرازي، لأن الأدلة محتملة ولا قاطع فيها.
والمسألة قليلة الأثر في الفقهpositive law, jurisprudence (fiqh)العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.في المسرد، لأن الأقوال كلها متفقة على أن دلالة ألفاظ العرب مستقرة يُرجع فيها إلى النقل عن أهل اللسان. وما ذُكر لها من ثمرة، كتغيير الأسماء باصطلاح بين متعاقدين، يرجع إلى العرف الخاصspecific term (khass)كل لفظ وُضع لمعنى معلوم على الانفراد، جنسا أو نوعا أو عينا أو عددا.في المسرد الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف.
١ الوضع والاستعمال والحمل
يكثر الخلط في هذا الباب بين ثلاثة أفعال، وقد ميزها القرافي في شرح تنقيح الفصول تمييزا نافعا: الوضع صفة الواضع، والاستعمال صفة المتكلم، والحملattribution of meaning (haml)اعتقاد السامع مراد المتكلم من لفظه؛ وقواعد الأصوليين في الدلالة قواعد في الحمل.في المسرد صفة السامع.
| الفعل | من يقوم به | حقيقته | ما يُبنى عليه |
|---|---|---|---|
| الوضع | الواضع (أهل اللغة، أو الشارع، أو أهل العرف) | جعل اللفظ دليلا على معنى | معرفة المعنى الحقيقي |
| الاستعمال | المتكلم | إطلاق اللفظ وإرادة المعنى، الموضوع له أو غيره | انقسام اللفظ إلى حقيقة ومجاز |
| الحمل | السامع (المجتهد) | اعتقاد مراد المتكلم من لفظه | قواعد الترجيحpreference (tarjih)تقوية أحد الدليلين المتعارضين بما ليس دليلا مستقلا، فيُعمل بالأقوى؛ وعند الحنفية إظهار زيادة لأحد المتماثلين وصفا لا أصلا.في المسرد: الحقيقة قبل المجاز، والشرعي قبل اللغوي في كلام الشارع |
وفائدة هذا التقسيم أن الحقيقة والمجاز وصفان للفظ في الاستعمال، فالكلمة في المعجم موضوعة فقط. وعمل الأصولي هو الحمل: يقف موقف السامع، ويطلب ما استعمل الشارع فيه لفظه بالوضع والقرائن جميعا. فقولهم «الأصلroot, basis (asl)لغة ما يُبنى عليه غيره؛ واصطلاحا يطلق على الدليل، والراجح، والقاعدة المستمرة، والمقيس عليه.في المسرد الحقيقة» و«التأسيسfoundational (non-redundant) readingحمل اللفظ على إفادة معنى جديد، وهو أولى من التأكيد عند التردد بينهما.في المسرد أولى من التأكيدemphasis (ta'kid)تقوية مدلول اللفظ بلفظ آخر، لفظي أو معنوي.في المسرد» قواعد في الحمل، أي في ترجيح أحد مرادات المتكلم المحتملة.
١ الحقيقة وأقسامها
الحقيقة: اللفظ المستعمل فيما وُضع له في اصطلاح التخاطب. والقيد الأخير يجعل الحقيقة نسبية إلى الاصطلاح الذي وقع به الخطاب: فلفظ «الصلاة» في الأفعال المخصوصة حقيقة شرعية في كلام الشارع، ومجاز عن الدعاء في كلام اللغوي. وتنقسم بحسب الواضع ثلاثة أقسام:
| القسم | الواضع | مثاله |
|---|---|---|
| الحقيقة اللغوية | أهل اللسان | الأسد للحيوان المفترس، والصلاة للدعاء |
| الحقيقة الشرعيةlegal literal meaningاللفظ المستعمل فيما وضعه له الشارع، كالصلاة للأفعال المخصوصة.في المسرد | الشارع | الصلاة للأقوال والأفعال المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، والزكاة للقدر الواجبwajib (obligatory)عند الجمهور: ما طلب الشارع فعله طلبا جازما. وعند الحنفية: ما ثبت لزومه بدليل فيه شبهة، لا يكفر جاحده.في المسرد في المال |
| الحقيقة العرفيةcustomary literal meaningاللفظ المستعمل فيما غلب فيه عند أهل العرف، عاما كالدابة لذوات الأربع، أو خاصا كاصطلاحات الفنون.في المسرد العامة | عامة أهل اللسان بعد الوضع | الدابة لذوات الأربع، وأصلها لكل ما يدب |
| الحقيقة العرفية الخاصة | أهل فن أو صنعة | الرفع والنصب عند النحاة، والنقضinconsistency (naqḍ)وجود العلة مع تخلف الحكم عنها في صورة.في المسرد والقلب عند الأصوليين |
٢ هل نقل الشارع الأسماء؟
اتفقوا على أن ألفاظ الصلاة والزكاة والصوم والحج تُفهم في لسان الشرع على معانيها المخصوصة، واختلفوا في تكييف ذلك. فقال القاضي أبو بكر الباقلاني: لم ينقل الشارع شيئا منها، والصلاة في الشرع دعاء، وما زاده من ركوع وسجود وطهارة شروط زائدة على المسمى، لأن القرآنthe Qur'an (al-Kitab)المنزل على الرسول ﷺ المكتوب في المصاحف المنقول عنه تواترا بلا شبهة (الحنفية)؛ واللفظ المنزل على محمد ﷺ للإعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته (المتكلمون).في المسرد نزل بلسان عربي: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، فلو نُقلت الأسماء لكان فيه غير العربي. وقال الجمهور: نقلها الشارع إلى معانٍ شرعية فصارت حقائق فيها، لأن المتبادر منها في لسان الشرع المعاني الشرعية، والتبادر العلامةsign ('alama)عند الحنفية: ما يعرف به وجود الحكم من غير أن يتعلق به وجوب ولا وجود، كالإحصان.في المسرد الحقيقة. وزادت المعتزلةMu'tazilitesمدرسة كلامية جعلت للأفعال حسنا وقبحا ذاتيين يدركهما العقل ويترتب عليهما الثواب والعقاب قبل الشرع.في المسرد الحقائق الدينية، كالإيمان والفسق. واختار الغزالي والرازي أن الشارع تصرف فيها بالتخصيصspecification (takhsis)قصر العام على بعض أفراده، ويفارق النسخ بأنه في الأفراد لا في الأزمان.في المسرد والزيادة.
وجواب الجمهور عن حجة الباقلاني أن الأسماء الشرعية عربية بأصلها، مجاز في أول نقلها، ثم غلبت فصارت حقيقة. والخلاف قريب من اللفظي، لأن الفريقين يحملان الصلاة في كلام الشارع على الأفعال المعهودة: الباقلاني بالقرينة الملازمة، والجمهور بالوضع الشرعي.
١ ترتيب الحمل عند تعدد الحقائق
إذا دار لفظ في كلام الشارع بين معناه الشرعي ومعناه اللغوي، حُمل على الشرعي، لأن الشارع بُعث لالبيانclarification (bayan)عند الشافعي: إظهار الله أحكامه لعباده بالكتاب والسنة على مراتب، يبين بعضها بعضا.في المسرد الشرعيات، وعرف المتكلم أولى ما يُحمل عليه كلامه. وعلى هذا الترتيب جرى ابن السبكي في جمع الجوامع: في كلام الشارع المعنى الشرعي، ثم العرفي العامgeneral term ('amm)لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر؛ وعند الحنفية: ما ينتظم جمعا من المسميات لفظا أو معنى.في المسرد، ثم اللغوي. فقوله ﷺ في الصائم يُدعى إلى طعام: «فإن كان صائما فليصلِّ» (رواه مسلم)، حُمل على الدعاء لقرينة الحال، لأن الصلاة الشرعية لا يستقيم بها المعنى هنا. وفي الأيمان والطلاق والوقفsuspension of judgement (waqf)في مسألة الأشياء قبل الشرع: نفي الحكم حتى يرد الشرع عند الأشاعرة، أو عدم العلم بحكم ثابت عند من قاله من الحنفية.في المسرد يُقدَّم العرف على اللغة، فمن حلف لا يأكل لحما لم يحنث بأكل السمك عند الحنفية والشافعية، مع أن القرآن سماه لحما: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]، لأن العرف لا يسميه لحما مطلقا. وحنّثه الخرقي وقدّمه صاحب المقنع من الحنابلة، أخذا بتسمية القرآن، وخالفهما ابن أبي موسى.
١ المجاز
المجاز: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب، لالعلاقةrelation licensing a figure ('alaqa)الصلة بين المعنى الحقيقي والمجازي التي تسوّغ النقل، كالمشابهة والسببية والجزئية.في المسرد بين المعنيين، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي. فأركانه ثلاثة: الاستعمال في غير الموضوع له، والعلاقة، والقرينة. فإذا انعدمت العلاقة كان الاستعمال غلطا، وإذا انعدمت القرينة وجب الحمل على الحقيقة. ويكفي عند الأكثر أن يُسمع نوع العلاقة عن العرب، فاستعارتهم اسم الحيوان للشجاع تسوّغ «رأيت أسدا يخطب» وإن لم يُسمع بعينه.
من المتون الورقات لإمام الحرمين الجويني
ومن وجه آخر ينقسم إلى حقيقة ومجاز، فالحقيقة ما بقي في الاستعمال على موضوعه، وقيل: ما استعمل فيما اصطلح عليه من المخاطبة، والمجاز ما تُجوِّز عن موضوعه. والحقيقة إما لغوية، وإما شرعية، وإما عرفية. والمجاز إما أن يكون بزيادة، أو نقصان، أو نقل، أو استعارة.
الحل: «من وجه آخر» أي باعتبار الاستعمال، بعد أن قسم الكلام باعتبار المعنى إلى أمر ونهي وخبر واستخبار. التعريف الأول للحقيقة لغوي محض، فلا يدخل فيه الشرعي والعرفي إلا بتكلف؛ والثاني، وقد أورده بصيغة «وقيل»، يتسع للأقسام الثلاثة التي ذكرها بعده، وهو الذي اعتمدناه. و«ما تُجوِّز عن موضوعه» ما جاوز به المتكلم موضعه الأصلي، ولم يذكر العلاقة والقرينة، وزادهما المتأخرون. والأقسام الأربعة للمجاز بحسب صورته، ومثّل لها الجويني بعدُ: الزيادة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] على أن الكاف زائدة، والنقصان ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي أهلها، والنقل كالغائط للخارج من الإنسان وأصله المكان المنخفض، والاستعارة ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]. (نص الورقات من المكتبة الشاملة، الكتاب رقم ٦٢٩٧، باب أقسام الكلام.)
٢ علاقات المجاز
| العلاقة | معناها | مثالها |
|---|---|---|
| المشابهة (الاستعارةmetaphor (isti'ara)مجاز علاقته المشابهة.في المسرد) | تشابه المعنيين في وصف ظاهر | الأسد للشجاع |
| السببية | إطلاق السببcause (sabab)الوصف الظاهر المنضبط الذي جعله الشارع علامة على الحكم، يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته.في المسرد على المسبَّب | «رعينا الغيث» أي النبات |
| المسبَّبية | إطلاق المسبَّب على السبب | ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣] أي مطرا |
| الكلية | إطلاق الكل على الجزء | ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩] أي أناملهم |
| الجزئية | إطلاق الجزء على الكل | ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] أي مملوك |
| اعتبار ما كان | تسمية الشيء بما كان عليه | ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] بعد البلوغ |
| اعتبار ما يؤول إليه | تسميته بما سيكون | ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] أي عنبا |
| المحلية والحالية | إطلاق المحل على الحال وعكسه | ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧] أي الجنة |
| المجاورة | تسمية الشيء باسم مجاوره | الغائط والراوية |
وردّ الحنفية العلاقات إلى أصلين: الاتصال صورة كالمشابهة، والاتصال معنى كالسببية. ولهذا ينعقد النكاح عندهم بلفظ الهبة والتمليك، لأن ملك الرقبة سبب لملك المتعة، وقصره الشافعية والحنابلة على لفظي الإنكاح والتزويج.
٢ متى تُترك الحقيقة
الأصل في الكلام الحقيقة، ولا يُصار إلى المجاز إلا بقرينة. وفصّل الحنفية ما تُترك به الحقيقة، وعليه تُبنى أيمان كثيرة.
من المتون أصول السرخسي، فصل في بيان جملة ما تترك به الحقيقة
وهذا هو الحكم في كل لفظ محتمل للحقيقة والمجاز أنه إذا تعذر حمله على الحقيقة يحمل على المجاز لتصحيح الكلام، وهذا التعذر إما لعدم الإمكان، أو لكونه مهجورا عرفا، أو لكونه مهجورا شرعا. فالذي هو متعذر نحو ما إذا حلف أن لا يأكل من هذه النخلة أو من هذه الكرمة فإن يمينه تنصرف إلى الثمرة.
الحل: «لتصحيح الكلام» أي صونا لكلام العاقل عن الإلغاء، وهي قاعدة «إعمال الكلام أولى من إهماله». والتعذر ثلاثة أنواع: حسي، كأكل النخلة نفسها، فينصرف إلى ثمرها بعلاقة السببية؛ وعرفي، ومثّل له السرخسي بعدُ بمن حلف لا يشرب من هذه البئر، فحقيقته الكرع فيها وهو مهجور عادة، فينصرف إلى الشرب من مائها؛ وشرعي، كالتوكيل بالخصومة، وحقيقتها المنازعة المحظورة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦]، فتنصرف إلى الجواب مطلقا، إقرارا كان أو إنكارا. (أصول السرخسي، ت الأفغاني، المكتبة الشاملة رقم ٦٣٠١، الجزء الأول.)
٣ الخلاف في وقوع المجاز
جمهور الأصوليين من المذاهب الأربعة على وقوع المجاز في اللغة وفي القرآن والسنةthe Sunnaما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير.في المسرد. ونُقل إنكاره في اللغة عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، وأنكره في القرآن خاصة داود الظاهري وابنه محمد وابن خويز منداد من المالكية. ثم أنكر ابن تيمية التقسيم نفسه في كتاب الإيمان، فجعله اصطلاحا حادثا بعد القرون الثلاثة، وقرر أن اللفظ يُفهم من سياقه وهو حقيقة فيه. وتبعه ابن القيم في الصواعق المرسلة، ثم ألّف محمد الأمين الشنقيطي «منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز»، واحتج بأن المجاز يجوز نفيه، فيقال للشجاع «ليس بأسد»، وكلام الله لا يجوز نفي شيء منه.
وأجاب المثبتون بأن حدوث الاصطلاح لا يُبطل المعنى إذا صح، وأن الشافعي في الرسالةal-Shafi'i's Risala (The Epistle on Legal Theory)كتاب الشافعي في البيان والسنة والنسخ والخبر والإجماع والقياس والاجتهاد، وهو أول تدوين جامع في الأصول وصل إلينا.في المسرد قرر أن العرب تخاطب بالعام يراد به الخاص، وبالشيء يُعرف معناه بالسياق، وهو ما سماه المتأخرون مجازا؛ وأن النفي يقع على المعنى الحقيقي لا على المراد. والمحرك العقدي ظاهر، لأن بعض المتكلمين اتخذ المجاز طريقا إلى التأويلinterpretation (ta'wil)صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى مرجوح يحتمله، لدليل يصيّره راجحا.في المسرد آيات الصفات. وفي الفقه تتقارب النتائج، فالفريقان يفهمان ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ على أهلها، ويمنعان صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل. والمجاز في القرآن من جهة علوم القرآن موضعه الكتاب والسنة.
أداة تفكير الأصل والاستثناء
قاعدة «الأصل في الكلام الحقيقة» تعمل ما لم تقم قرينة: يبدأ السامع بالحقيقة ويطلب الصارف، فإن وجده عدل إلى المجاز. وهذه صورة ما يسميه المنطق الحديث الاستدلالinference (istidlal)عند ابن السبكي: دليل ليس بنص ولا إجماع ولا قياس، ومنه التلازم والاستقراء والقياس المنطقي.في المسرد القابل للنقض. والحدdefinition (hadd)التعريف الكاشف عن حقيقة الشيء بالجنس والفصل، ويُشترط فيه أن يكون جامعا مانعا.في المسردّ التشبيه أن القرائن عند الأصوليين مضبوطة: الحصرrestriction (hasr)إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه، وتفيده إنما عند الجمهور.في المسرد الحنفية ما تُترك به الحقيقة في أنواع معدودة، واشترط الجمهور أن تصلح القرينة صارفا، فالاحتمال المجرد لا يكفي. ويتكرر هذا البناء في العام والخاص (العموم حتى المخصص) والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول (الإطلاق حتى المقيدrestricted term (muqayyad)ما دل على الماهية مع قيد يقلل شيوعها، من وصف أو شرط أو غاية أو حال.في المسرد).
٢ الجمع بين الحقيقة والمجاز
صورة المسألة: أن يُراد باللفظ الواحد في استعمال واحد معناه الحقيقي والمجازي معا، كالأسد يراد به الحيوان والشجاع.
مسألة خلافية هل يجوز إرادة الحقيقة والمجاز معا بلفظ واحد؟
- الحنفية لا يجوز، لأن المجاز استعمال مع قرينة صارفة عن الموضوع، فالجمع إرادة للمعنى وصرف عنه في وقت واحد. وإذا احتاجوا إلى إدخال المعنيين سلكوا «عموم المجازgeneralized figurative sense ('umum al-majaz)طريقة الحنفية في حمل اللفظ على معنى مجازي أعم تدخل فيه الحقيقة فردا من أفراده، بدل الجمع بين الحقيقة والمجاز.في المسرد»: حمل اللفظ على معنى مجازي أعم تدخل الحقيقة فيه فردا من أفراده. فمن حلف لا يضع قدمه في دار فلان حنث بالدخول حافيا أو منتعلا أو راكبا، لأن وضع القدم صار مجازا عن الدخول، والحقيقة فرد منه.
- المالكية أجازه جمع منهم كالقاضي الباقلاني والقرافي، ومنعه ابن الحاجب من جهة اللغة.
- الشافعية يجوز إذا لم يتنافيا وقامت القرينة على إرادتهما، وهو المنسوب إلى الشافعي.
- الحنابلة أجازه بعض الأصحاب كالقاضي أبي يعلى، ومنعه آخرون.
- سبب الخلاف هل قرينة المجاز صارفة عن الحقيقة بالضرورة، أم دالة على إرادة المجاز فقط، فتجتمع مع قرينة أخرى على إرادة الحقيقة؟
- الثمرة قوله تعالى ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦]. اللمس حقيقة في الجس باليد، ومجاز في الجماع. فالحنفية حملوه على الجماع وحده، تبعا لابن عباس، فلم ينقضوا الوضوء بمس المرأة. والشافعية نقضوه بمجرد لمس الأجنبية، لأنه الحقيقة، والآية عندهم في بعض كتب التخريجderivation within a school (takhrij)بيان صلة الفرع بأصله، أو استخراج أصل الإمام من فروعه، أو إلحاق فرع غير منصوص بفرع منصوص.في المسرد تتناول الجماع أيضا، فتجمع تيمم الجنب ونقض الوضوء باللمس. والمالكية نقضوه إذا قُصدت اللذة أو وُجدت، والحنابلة إذا كان بشهوة على المذهبthe school's position (al-madhhab)عند النووي: الراجح من طريقين أو طرق في حكاية المذهب.في المسرد، وهذا تقييد للحقيقة بقرينة المعنى.
تنبيه بناء نقض الوضوء باللمس على الجمع
المأخذground of a ruling (ma'khadh)الدليل أو القاعدة التي بني عليها الحكم الفرعي، وقد يتعدد للفرع الواحد.في المسرد المباشر عند الشافعية في نقض الوضوء باللمس حمل اللمس على حقيقته اللغوية، وتأيد بقراءة حمزة والكسائي «أو لمستم»، وبناؤه على الجمع بين الحقيقة والمجاز من صنيع كتب التخريج. فالفرعnew case (farʿ)المحل المسكوت عنه المراد إلحاقه بالأصل.في المسرد قد يكون له أكثر من مأخذ، والقاعدة الأصوليةlegal-theoretical ruleقضية كلية موضوعها الدليل، تكون كبرى في قياس يُستنبط به الحكم، مثل: الأمر المطلق للوجوب.في المسرد أحدها.
١ المشترك
المشتركpolysemous term (mushtarak)اللفظ الموضوع لمعنيين فأكثر وضعا متعددا، كالقرء للحيض والطهر.في المسرد: اللفظ الموضوع لمعنيين فأكثر وضعا متعددا، كالعين للباصرة والجارية والذهب، والقرءqur' (menstrual period or purity)لفظ مشترك بين الحيض والطهر، حمله الحنفية والحنابلة في العدة على الحيض، والمالكية والشافعية على الطهر.في المسرد للحيض والطهر. وهو واقع عند الجمهور، وأنكره قوم لأنه يخل بالفهم، وجوابهم أن القرائن تزيل اللبس. والمشترك متعدد الوضع، فكل معانيه حقيقة؛ والمجاز وضعه واحد وما عداه منقول عنه بعلاقة. ولهذا إذا دار اللفظ بين الاشتراك والمجاز فالمجاز أولى عند الأكثر، لأنه يُعمل فيه بالحقيقة عند عدم القرينة، والمشترك يتوقف فيه حتى تقوم.
مسألة خلافية هل يُحمل المشترك على جميع معانيه؟
- الحنفية لا يجوز، والمشترك لا عموم له، ويتعين أحد معنييه بالقرينة، فإن لم تقم توقف فيه حتى تقوم.
- المالكية يجوز عند الباقلاني والقرافي وجمع منهم.
- الشافعية يجوز ويحمل على معانيه كلها إذا لم تتناف ولم تقم قرينة على التعيين، وهو المنسوب إلى الشافعي، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فالصلاة من الله رحمة ومن الملائكة استغفار.
- الحنابلة أجازه القاضي أبو يعلى وجماعة، ومنعه آخرون.
- سبب الخلاف هل وُضع اللفظ لكل معنى على سبيل البدل، أم يجوز أن يقصد المتكلم المعنيين معا كما يجمعهما بلفظين؟ والمانعون يجعلون الصلاة في الآية معنى عاما هو الاعتناء بإظهار الشرف، من عموم المجاز.
- الثمرة من أوصى لمواليه وله موالٍ أعتقهم وموالٍ أعتقوه. فالوصية باطلة عند الحنفية، لأن اللفظ لا يتناول الفريقين معا ولا مرجح لأحدهما (الهداية، باب الوصية للأقارب وغيرهم). وهي للفريقين جميعا عند الحنابلة، لأن الاسم يتناولهم حقيقة وعرفا (المغني، كتاب الوصايا). ونقل ابن قدامة عن ابن القاسم من المالكية أنها للموالي من أسفل، وعن الشافعية أربعة أوجه: أنها للجميع، وأنها باطلة، وأنها للموالي من فوق، وأنها موقوفة حتى يصطلحوا.
تطبيق القرء: الحيض أم الطهر؟
النص: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
المحطة الأولى، نوع الحكم: حكم وضعي، هو مقدار العدة، وتترتب عليه أحكام تكليفية كتحريم النكاح فيها.
المحطة الثانية، الثبوت: الآية قطعية الثبوت.
المحطة الثالثة، الدلالة: «القرء» مشترك بين الحيض والطهر بنقل أهل اللغة، واتفقت المذاهب على أن المراد أحدهما، فالمسألة في الترجيح بالقرائن لا في عموم المشتركgenerality of the polysemous termحمل المشترك على جميع معانيه في استعمال واحد؛ يجيزه الشافعية بشروط ويمنعه الحنفية.في المسرد.
المحطة الرابعة، فحص القرائن: رجح الحنفية والحنابلة على المذهب الحيض بقرائن: أن «ثلاثة» عدد خاص لا يحتمل النقص، ولو كان القرء الطهر لكانت العدة طهرين وبعض الثالث، لأن طهر الطلاق محسوب؛ وأن المقصود من العدة براءة الرحم، والحيض هو الذي يُعرف به ذلك؛ وقوله ﷺ للمستحاضة: «دعي الصلاة أيام أقرائك» (رواه أبو داود والنسائي، وفي إسناده كلام). ورجح المالكية والشافعية الطهر بقرائن: تأنيث العدد «ثلاثة» يدل على معدود مذكر، والطهر مذكر والحيضة مؤنثة؛ وقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، مع أمره ﷺ ابن عمر أن يطلق في الطهر، فالطهر هو العدة؛ وأن العرب تطلق الجمع على اثنين وبعض الثالث، كما في ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].
الحكم: العدة ثلاث حيض عند الحنفية والحنابلة، فلا تنقضي حتى تطهر من الحيضة الثالثة؛ وثلاثة أطهار عند المالكية والشافعية، فتنقضي بدخولها في الحيضة الثالثة. وتظهر الثمرة في الرجعة والنفقة والميراث في هذه المدة. ويعود الفرع في العام والخاص من جهة دلالة الخاص.
٢ الترادف والتأكيد
الترادفsynonymy (taraduf)توارد لفظين مفردين فأكثر على معنى واحد باعتبار واحد.في المسرد: توارد لفظين مفردين فأكثر على معنى واحد باعتبار واحد، كالأسد والليث، والقعود والجلوس. وهو واقع عند الجمهور، وأنكره ثعلب وابن فارس. والمسألة الأصولية فيه: هل يقوم كل مترادف مقام صاحبه؟ قال الأكثر بالجواز في الجملة، ما لم يكن اللفظ متعبدا به. ومن هنا الخلاف في افتتاح الصلاة بغير «الله أكبر»: أجاز أبو حنيفة ومحمد الافتتاح بكل ذكر خالص دال على التعظيم كـ«الله أعظم»، لأن المأمور به في ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] التعظيم، وعيّن الجمهور «الله أكبر» لأن التكبير تعبدي يُتلقى لفظه، وأجاز الشافعية «الله الأكبر» لأنه لا يغير المعنى.
والتأكيد: تقوية مدلول اللفظ بلفظ آخر، لفظي بالإعادةrepetition (i'ada)فعل العبادة ثانيا في وقتها لخلل في الأولى أو لتحصيل فضيلة.في المسرد اللفظ أو مرادفه، ومعنوي بألفاظ مخصوصة كالنفس والعين وكل وأجمع. وإذا دار الكلام بين التأسيس والتأكيد فالتأسيس أولى، لأن المعنى الجديد أكثر فائدة. وعليه قال الشافعية فيمن قال لزوجته المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، متواليات: إن قصد التأكيد فواحدة، وإن قصد الاستئناف فثلاث، وإن أطلق فثلاث في الأظهرmost evident (azhar)عند النووي: الراجح من قولين أو أقوال للشافعي مع قوة الخلاف.في المسرد، تقديما للتأسيس.
٣ القياس في اللغة
هو إثبات اسم لمعنى لم يُسمع إطلاقه عليه، لمشاركته المسمى في العلةeffective cause ('illa)عند من فرق: سبب ظهرت مناسبته للحكم. وعند الحنفية: ما يضاف إليه وجوب الحكم ابتداء.في المسرد التسمية، كتسمية النبيذ خمرا والنباش سارقا. أجازه ابن سريج وجماعة، ومنعه الحنفية وأكثر المحققين كالغزالي والآمدي، لأن اللغة نقل. وأثره محدود، لأن من حرّم النبيذ احتج بقوله ﷺ: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام» (رواه مسلم)، ومن قطع النباش احتج بالقياسanalogy (qiyās)مساواة فرع لأصل في علة حكمه، أو رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم.في المسرد الشرعي القياس.
١ حروف المعاني
حروف المعاني الحروف التي لها معنى في غيرها، كحروف العطف والجر. وأفرد لها الحنفية بابا بعد الحقيقة والمجاز، وقال السرخسي في أوله: «وكثير من مسائل الفقه تترتب على ذلك».
| الحرف | معناه الأصلي | معانٍ أخرى | فرع يُبنى عليه |
|---|---|---|---|
| الواو |