من الدليل إلى الحكم

القسم الثاني: التفصيل / الباب الثالث: الأدلة (المثمر)

النسخ

المثمرالمحطة ٢المحطة ٤

موقع الفصل من المنظومة

يقع النسخabrogation (naskh)رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ عنه؛ وعند كثير من الحنفية: بيان انتهاء مدة الحكم.في المسرد على المحطتين الثانية والرابعة من خط الاستنباط. ففي الثانية يسأل الناظر بعد جمع الأدلة وفحص ثبوتها (الكتاب والسنة): هل ما زال هذا الحكم قائما، أم رُفع بعد ثبوته؟ وفي الرابعة يرد النسخ طريقا من طرق دفع التعارضconflict of evidence (ta'arud)تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، بأن يقتضي أحدهما خلاف ما يقتضيه الآخر في محل واحد وزمن واحد.في المسرد بين دليلين، إلى جانب الجمع والترجيحpreference (tarjih)تقوية أحد الدليلين المتعارضين بما ليس دليلا مستقلا، فيُعمل بالأقوى؛ وعند الحنفية إظهار زيادة لأحد المتماثلين وصفا لا أصلا.في المسرد (التعارض والترجيح). ومن أخطأ في هذا الباب بنى حكما على نص المنسوخabrogated ruling (mansukh)الحكم الشرعي المرفوع بالناسخ.في المسرد، أو عطل نصا محكما بدعوى نسخ لا بينة عليها.

ويحتاج الفصل إلى ما تقرر في الكتاب والسنة من مراتب الثبوت (المتواترmass-transmitted report (mutawatir)خبر جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه، مستندهم الحس، ويفيد العلم.في المسرد والمشهورwell-known report (mashhur, Hanafi sense)عند الحنفية: ما كان آحادا في الطبقة الأولى ثم انتشر في القرن الثاني والثالث وتلقته الأمة بالقبول، يفيد الطمأنينة ويزاد به على الكتاب.في المسرد والآحاد)، لأن أكثر خلاف المذاهب هنا يرجع إلى سؤال: هل يقوى هذا الدليلproof, evidence (dalil)ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.في المسرد على رفع ذاك؟1

سؤال الافتتاح

زان بكر أقيم عليه الحدdefinition (hadd)التعريف الكاشف عن حقيقة الشيء بالجنس والفصل، ويُشترط فيه أن يكون جامعا مانعا.في المسرد مئة جلدة كما في سورة النور. فهل يتم حده بذلك، أم يُغرّب عاما أيضا لقوله ﷺ: «البكر بالبكر جلد مئة ونفي السنةthe Sunnaما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير.في المسرد»؟ وما صلة هذه المسألة بالنسخ، ولم يقل أحد إن الحديث نسخ الآية؟

١ حقيقة النسخ

النسخ في اللغة يطلق على الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل، وعلى النقل، يقال: نسخت الكتاب، أي نقلت ما فيه. وفي الاصطلاح: رفع الحكم الشرعيlegal ruling (hukm shar'i)خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع؛ وعند الحنفية أثر هذا الخطاب في الفعل.في المسرد بدليل شرعي متراخ عنه.

وقيود الحد:

  • رفع الحكم: انقطاع تعلقه بالمكلفlegally responsible person (mukallaf)البالغ العاقل الذي يفهم الخطاب وهو أهل لما كلف به.في المسرد، فلا يبقى مطلوبا بعد أن كان مطلوبا. ويخرج به رفع البراءة الأصليةoriginal non-liabilityعدم التكليف قبل ورود الشرع، ورفعها بأول الشرع ليس نسخا.في المسرد بأول الشرع، فإيجاب الصلاة بعد أن لم تكن واجبة ليس نسخا، لأن ما قبله حكم عقلي أو براءة لا حكم شرعي.
  • الشرعي: يخرج رفع الحكم العقلي.
  • بدليل شرعي: يخرج ارتفاع الحكم بالموت أو الجنون أو العجز، فهو سقوط للتكليف لا نسخ.
  • متراخ: يخرج المتصل كالاستثناءexception (istithna')إخراج ما لولاه لدخل في الكلام بإلا أو إحدى أخواتها، ويشترط فيه الاتصال وعدم الاستغراق.في المسرد والشرطcondition (shart)ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وهو خارج عن ماهية المشروط.في المسرد والغايةterminus (ghaya)ما ينتهي إليه الحكم، وتفيدها إلى وحتى، والخلاف في دخولها في المغيّا.في المسرد، فهي البيانclarification (bayan)عند الشافعي: إظهار الله أحكامه لعباده بالكتاب والسنة على مراتب، يبين بعضها بعضا.في المسرد لمقدار الحكم من أوله، لا رفع له بعد ثبوته.

وعبر كثير من الحنفية عنه بأنه بيان لانتهاء مدة الحكم: فهو في العلمknowledge, certainty ('ilm)معرفة المعلوم على ما هو به؛ أو حكم لا يحتمل متعلَّقه النقيض بوجه.في المسرد الله بيان لأمد كان مقدرا له، وفي حقنا رفع، لأننا كنا نظن بقاءه. والعبارتان تؤديان معنى واحدا في العمل، وإنما اختار الحنفية لفظ البيان فرارا من توهم البداءchange of mind (bada')ظهور أمر بعد خفائه ونشأة رأي جديد، وهو محال على الله تعالى.في المسرد على الله تعالى.

من المتون الورقات للجويني

وأما النسخ فمعناه لغة: الإزالة، وقيل: معناه النقل [...] وحده: الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه.

الحل: «الخطاب الدال» جنس الناسخ، وهو كلام الشارع، فلا يكون الناسخ عقلا ولا إجماعا. و«رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم» يخرج رفع البراءة الأصلية، لأنها لم تثبت بخطاب. و«على وجه لولاه لكان ثابتا» يخرج ما كان مؤقتا في نفسه، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فانتهاء الصوم بالليل انتهاء لحكم مؤقت، لا نسخ. و«مع تراخيه عنه» يخرج المخصصات المتصلة. فاجتمعت في عبارة الجويني قيود الحد الأربعة التي ذكرناها، بترتيب مختلف.

١ جواز النسخ ووقوعه

النسخ جائز عقلا، لأن الأحكام مصالح للعباد، والمصلحةbenefit, public interest (maslaha)المحافظة على مقصود الشرع في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، بحد الغزالي.في المسرد تختلف باختلاف الأزمان والأحوال، فيجوز أن يكون الحكم مصلحة في وقت ثم يكون غيره مصلحة في وقت آخر، والله يعلم ذلك كله أزلا. وهو واقع شرعا بالإجماعconsensus (ijmāʿ)اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي ﷺ في عصر على أمر من الأمور.في المسرد المسلمين، ودليله قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، و﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١]، ووقوعه في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤].

ونُقل عن أبي مسلم الأصفهاني (ت ٣٢٢هـ)، من المعتزلةMu'tazilitesمدرسة كلامية جعلت للأفعال حسنا وقبحا ذاتيين يدركهما العقل ويترتب عليهما الثواب والعقاب قبل الشرع.في المسرد، إنكار وقوع النسخ في القرآنthe Qur'an (al-Kitab)المنزل على الرسول ﷺ المكتوب في المصاحف المنقول عنه تواترا بلا شبهة (الحنفية)؛ واللفظ المنزل على محمد ﷺ للإعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته (المتكلمون).في المسرد، تمسكا بقوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]. وأجاب الجمهور بأن الباطلvoid (batil)عند الحنفية في المعاملات: ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، لا يفيد ملكا ولو قبض. وعند الجمهور مرادف للفاسد.في المسرد المنفي هو الكذب والتناقض، والمنسوخ حق من عند الله في وقته. وحقق جماعة من الأصوليين أن أبا مسلم يسمي النسخ تخصيصا في الأزمان، فيقول: كان الحكم مغيا بغاية في علم الله ثم ظهرت، فخلافه أقرب إلى اللفظي. ولذلك تجد خلافه في آحاد الآيات: آية العدة حولا يحملها على أنها في وصية مستحبة لا عدة، وآية المصابرة يحملها على حال دون حال، وهكذا.

٢ حكمة النسخ

  • التدرج: نقل الناس من العادةhabit, custom (ʿāda)غلبة معنى من المعاني على الناس، عامة أو خاصة ببلد أو طائفة، كما حدها القرافي.في المسرد مستحكمة إلى الشرع على مراحل، كتحريم الخمر: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، ثم ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ﴾ [النساء: ٤٣]، ثم ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]. ومن العلماء من يعد هذا تدرجا في البيان لا نسخا، لأن الأوليين لم تبيحا الشرب إباحة شرعية.
  • الابتلاء: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
  • التخفيف والرحمة: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦].
  • رعاية المصلحة المتغيرة في زمن التشريع، مع ختم ذلك بانقطاع الوحي، فلا نسخ بعد وفاة النبي ﷺ.

١ شروط النسخ

  1. أن يكون المنسوخ حكما شرعيا عمليا. فلا نسخ في العقائد، ولا في أصول الأخلاق كالعدل والصدق، ولا في الأخبار المحضة، لأن نسخ الخبر تكذيب له. أما الخبر الذي بمعنى الطلب فيدخله النسخ.

  2. أن يكون الناسخabrogating text (nasikh)الخطاب الشرعي الدال على رفع الحكم المتقدم، والناسخ حقيقة هو الله تعالى.في المسرد خطابا شرعيا، فلا يُنسخ بالعقل ولا بالقياسanalogy (qiyās)مساواة فرع لأصل في علة حكمه، أو رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم.في المسرد ولا بالإجماع، لأن الإجماع لا يكون إلا بعد وفاة النبي ﷺ، ولا نسخ بعدها. وإذا أجمعوا على ترك نص دل إجماعهم على وجود ناسخ، فالإجماع دليل على النسخ لا ناسخ.

  3. أن يكون الناسخ متراخيا عن المنسوخ.

  4. ألا يكون المنسوخ مؤقتا بوقت ينتهي بانتهائه، ولا مؤبدا بنص يمنع رفعه.

  5. أن يكون الناسخ مساويا للمنسوخ أو أقوى منه في الثبوت عند الجمهور، فلا يُرفع المتواتر بالآحاد، كما يأتي.

  6. تعذر الجمع بين الدليلين، فإن أمكن الجمع بالتخصيصspecification (takhsis)قصر العام على بعض أفراده، ويفارق النسخ بأنه في الأفراد لا في الأزمان.في المسرد أو تقييد أو الحمل على حالينassigning each text to a different caseنوع من الجمع ينزل فيه كل دليل على حال غير حال الآخر.في المسرد على حالين لم يُصر إلى النسخ عند الجمهور، لأن إعمال الدليلين أولى من إبطال أحدهما.

١ الفرق بين النسخ وما يشتبه به

النسخ التخصيص التقييد البداء
موضوعه رفع الحكم في الزمان بعد ثبوته قصر العامgeneral term ('amm)لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر؛ وعند الحنفية: ما ينتظم جمعا من المسميات لفظا أو معنى.في المسرد على بعض أفراده تضييق المطلقunrestricted term (mutlaq)ما دل على الماهية أو على فرد شائع في جنسه بلا قيد يقلل شيوعه.في المسرد بوصف ظهور الأمرcommand (amr)القول الطالب للفعل على جهة الاستعلاء؛ وعند ابن السبكي: اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير نحو كف.في المسرد بعد خفائه
الدليل متراخ متصل أو منفصل متصل أو منفصل
بقاء الأصلroot, basis (asl)لغة ما يُبنى عليه غيره؛ واصطلاحا يطلق على الدليل، والراجح، والقاعدة المستمرة، والمقيس عليه.في المسرد يرتفع العمل بالمنسوخ في محل النسخ يبقى العام حجة في الباقي يبقى المطلق معمولا به مقيدا
الأخبار لا يدخلها يدخلها يدخلها
في حق اللهright of God (haqq Allah)ما تعلق به النفع العام من غير اختصاص بأحد، فلا يسقط بإسقاط العبد ولا يورث.في المسرد بيان لما علمه أزلا بيان للمراد بيان للمراد محال

فالتخصيص يُخرج أفرادا كانت تبدو داخلة في اللفظ، والنسخ يُخرج زمانا كان الحكم يبدو شاملا له. ولذلك سمى بعضهم النسخ «تخصيصا في الأزمان». والبداء نشأة رأي جديد لم يكن، وهو محال على الله، ومنه شبهة من أنكر النسخ. والفرق أن الله يعلم في الأزل أن الحكم مصلحة إلى وقت معين، فإذا جاء الناسخ ظهر لنا ما كان معلوما له.

مسألة خلافية هل المخصص المتأخر نسخ؟

  • الحنفية المخصص المستقل يشترط أن يكون مقارنا للعام، فإن تراخى عنه فهو ناسخ لما تناوله من أفراد، لا مخصص؛ لأن العام عندهم القطعيdefinitive (qat'i)ما لا يحتمل غير مدلوله احتمالا ناشئا عن دليل، في ثبوته أو دلالته.في المسرد يوجب العمل في كل أفراده، فإذا رفع الحكم عن بعضهم بعد ثبوته كان رفعا.
  • الجمهور التخصيص بيان، فيجوز تأخره عن العام ما لم يتأخر عن وقت الحاجة إلى العمل.
  • سبب الخلاف قطعية دلالة العام عند الحنفية وظنيتها عند الجمهور.
  • الثمرة ما ثبت عند الحنفية نسخا يُشترط فيه شروط الناسخ، فلا يقوى عليه خبر الواحدsolitary report (khabar al-wahid)ما لم يبلغ حد التواتر، يوجب العمل ويفيد الظن عند الجمهور.في المسرد. وتفصيله في العام والخاص والتعارض والترجيح.

تنبيه النسخ في لسان السلف أوسع منه عند الأصوليين

كان الصحابة والتابعون يسمون تخصيص العام، وتقييد المطلق، وبيان المجملambiguous term (mujmal)ما لم تتضح دلالته، أو احتمل معنيين لا مزية لأحدهما، فافتقر إلى البيان.في المسرد، ورفع ما يُتوهم من ظاهر اللفظ «نسخا». وقد نبه على ذلك ابن تيمية والشاطبي في الموافقات وابن القيم. فإذا وجدت في تفسير منقول «هذه الآية نسختها آية كذا»، فقد يكون المراد التخصيص أو البيان. وعدم التنبه لهذا من أكبر أسباب تضخم دعاوى النسخ، كما يأتي في آخر الفصل.

١ طرق معرفة الناسخ

لا يثبت النسخ بالاحتمال ولا بالاجتهادindependent juristic reasoning (ijtihad)استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي.في المسرد المجرد، لأن الأصل بقاء الحكم. ويُعرف الناسخ بطرق:

  1. النص الصريحexplicit expression (sarih)ما ظهر المراد منه ظهورا بيّنا بكثرة الاستعمال، ويثبت موجبه بلا نية.في المسرد من الشارع: كقوله ﷺ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» رواه مسلم.

  2. قول الصحابيCompanion's opinion (qawl al-ṣaḥābī)ما نُقل عن الصحابي من فتوى أو قضاء في حادثة لا نص فيها ولا إجماع.في المسرد إن هذا كان آخر الأمرينthe later of two practicesقول الصحابي إن أحد الحكمين كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ، وهو من طرق معرفة الناسخ.في المسرد: كقول جابر: «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار» رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان. أما قول الصحابي «هذا منسوخ» دون ذكر الناسخ، ففي قبوله خلاف: قبله جماعة، والتوقفsuspension of judgmentترك الحكم في المسألة حتى يظهر مرجح، من أقوال الجمهور عند التعادل.في المسرد فيه الأكثرون لاحتمال أن يكون عن اجتهاد منه.

  3. العلم بالتاريخ: كأن يُعلم أن أحد الحكمين كان في غزوة كذا والآخر بعدها.

  4. الإجماع: إجماع الأمة على ترك العمل بنص، فيدل على ناسخ قد لا ينقل إلينا، كما سبق.

ولا يثبت النسخ بأمور: تأخر الآية في ترتيب المصحف، فالترتيب ليس على النزول؛ ولا بحداثة سن الراوي أو تأخر إسلامه وحده، لأنه قد يروي عن غيره ما تقدم؛ ولا بموافقة أحد النصين للبراءة الأصلية.

٢ أنواع النسخ من جهة التلاوة والحكم

ثلاثة أنواع، كلها جائز عند الجمهور وواقع:

  1. نسخ الحكم وبقاء التلاوة: وهو أكثرها، كعدة المتوفى عنها حولا في قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، على قول الجمهور. والحكمةwisdom (ḥikma)المصلحة المقصودة من شرع الحكم، كالمشقة في رخصة السفر.في المسرد بقاء التلاوة: الثواب بها، وتذكير الأمة بنعمة التخفيف.

  2. نسخ التلاوة وبقاء الحكم: كآية الرجم التي ذكرها عمر رضي الله عنه في خطبته (متفق عليه).

  3. نسخ التلاوة والحكمabrogation of recitation and rulingرفع لفظ الآية وحكمها معا، كعشر رضعات معلومات.في المسرد معا: كقول عائشة رضي الله عنها: «كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات» رواه مسلم.

ومنع بعض المعتزلة نسخ التلاوة دون الحكمabrogation of recitation, ruling retainedرفع لفظ الآية مع بقاء حكمها، كآية الرجم.في المسرد وعكسه، لأن الحكم تابع للتلاوة عندهم. والجواب: التلاوة حكم، ومدلولها حكم آخر، فيجوز رفع أحدهما دون الآخر، وقد وقع.

١ الناسخ والمنسوخ من جهة الرتبة

اتفقوا على جواز نسخ القرآن بالقرآن، والسنة المتواترة بمثلها، والآحاد بالآحاد وبالمتواتر. واختلفوا فيما سوى ذلك.

من المتون الورقات للجويني

ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب، ونسخ السنة بالكتاب، ونسخ السنة بالسنة، ولا يجوز نسخ الكتاب بالسنة. ويجوز نسخ المتواتر بالمتواتر منهما، ونسخ الآحاد بالآحاد وبالمتواتر، ولا يجوز نسخ المتواتر بالآحاد.

الحل: قرر الجويني في متنه المختصر أربع مسائل: جواز نسخ السنة بالكتاب، خلافا لقول الشافعي في الرسالة، ومنع نسخ الكتاب بالسنة، موافقة له، ثم ضبط المسألة من جهة الثبوت: الأقوى يرفع الأضعف والمساوي، والأضعف لا يرفع الأقوى. و«منهما» أي من الكتاب والسنة، والمتواتر من الكتاب هو الكتاب كله. فيلزم من عبارته أن السنة المتواترة لا تنسخ القرآن، مع تساويهما في القطع، وهذا الموضع الذي يقع فيه الخلاف الأشهر.

مسألة خلافية هل يُنسخ القرآن بالسنة، والسنة بالقرآن؟

  • الحنفية يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة والمشهورة، لأن الكل وحي، والناسخ في الحقيقةliteral usage (haqiqa)اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب.في المسرد هو الله تعالى، والرسول مبلغ. ويجوز نسخ السنة بالقرآن.
  • المالكية يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة عند الجمهور منهم كالباجي والقرافي، ويجوز نسخ السنة بالقرآن.
  • الشافعية نص الشافعي في الرسالةal-Shafi'i's Risala (The Epistle on Legal Theory)كتاب الشافعي في البيان والسنة والنسخ والخبر والإجماع والقياس والاجتهاد، وهو أول تدوين جامع في الأصول وصل إلينا.في المسرد على أن القرآن لا يُنسخ إلا بقرآن، وأن السنة لا تنسخها إلا سنة، وأن الله لو نسخ سنة بقرآن لسنّ رسوله ﷺ سنة تبين ذلك. وخالفه كثير من أصحابه في جواز نسخ السنة بالقرآن، وفي الجواز العقلي لنسخ القرآن بالسنة المتواترة، وصحح ابن السبكي في جمع الجوامع الجواز في الجهتين، وحمل نص الشافعي على أن الناسخ إذا وقع بأحدهما كان معه من الآخر ما يعضده.
  • الحنابلة عن أحمد روايتان في نسخ القرآن بالسنة، والمنع أشهر عند كثير من أصحابه، ويجوز عندهم نسخ السنة بالقرآن.
  • سبب الخلاف هل يشترط التجانس بين الناسخ والمنسوخ، ففي قوله ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] ما يدل على أن الناسخ للآية آية؟ أم يكفي أن يكون الناسخ وحيا مساويا في الثبوت؟ ومعه: هل وظيفة السنة البيان وحده، فلا ترفع ما تبينه؟
  • الثمرة الوصية للوالدين والأقربين في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. اتفقوا على أنها لا تجب للوارث. والحنفية وكثير من المالكية: نسخت بحديث «لا وصية لوارث» (رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح، وابن ماجه)، وهو مشهور عند الحنفية متلقى بالقبول، مع آية المواريث. والشافعي: نسختها آية المواريث، والحديث المبينclarified term (mubayyan)ما اتضحت دلالته بأصل وضعه أو بعد ورود البيان عليه.في المسرد لذلك. فالحكم واحد والمأخذground of a ruling (ma'khadh)الدليل أو القاعدة التي بني عليها الحكم الفرعي، وقد يتعدد للفرع الواحد.في المسرد مختلف، والخلاف نظري في أكثر صوره، وفائدته في فهم منزلة السنة من القرآن.

قال الشافعي في الرسالة، في باب ابتداء الناسخ والمنسوخ: «وأبان الله لهم أنه إنما نسخ ما نسخ من الكتاب بالكتاب، وأن السنة لا ناسخة للكتاب، وإنما هي تبع للكتاب، يمثل ما نزل نصا، ومفسرة معنى ما أنزل الله منه جملا». فمأخذه أن السنة مبينة، والمبين لا يرفع ما يبينه. وقال في السنة: «وهكذا سنة رسول الله، لا ينسخها إلا سنة لرسول الله». وغرضه من هذا كله صيانة منزلة السنة: فلا يقال إن سنة ثابتة خالفت القرآن فنسخها، لأن الله لو نسخها بقرآن لبين رسوله ذلك بسنة.

واستدل الجمهور على نسخ السنة بالقرآن بتحويل القبلة: فاستقبال بيت المقدس ثبت بالسنة الفعلية، ونُسخ بقوله ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. وأجاب الشافعية بأن السنة صاحبت الآية في التحويل، فالنسخ بهما معا.

٢ النسخ بخبر الواحد

الجمهور على أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن ولا السنة المتواترة، لأن الظنيprobable (zanni)ما يحتمل غير مدلوله احتمالا مرجوحا، في ثبوته أو دلالته.في المسرد لا يرفع القطعي. وأجازه أهل الظاهر، وقال بعضهم بجوازه في زمن النبي ﷺ دون ما بعده، واستدلوا بتحول أهل قباء إلى الكعبة في صلاتهم بخبر واحد (متفق عليه). وأجاب الجمهور بأن خبر قباء احتفت به قرائن أفادت العلم، كما كانوا يتوقعون التحويل.

٢ النسخ إلى بدل وإلى غير بدل، والأخف والأثقل

  1. إلى بدل أخف: كنسخ مصابرة الواحد للعشرة في قوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] بمصابرة الواحد للاثنين في الآية بعدها.

  2. إلى بدل مساو: كنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة.

  3. إلى بدل أثقل: كنسخ التخييرoption (takhyir)تسوية الشارع بين فعل الشيء وتركه، وهو الإباحة.في المسرد بين الصوم والفدية في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] بتعيين الصوم في قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، كما في حديث سلمة بن الأكوع (متفق عليه). ومنعه بعض أهل الظاهر وبعض المعتزلة، لأن الله يريد بعباده اليسر. والجواب: الأثقل قد يكون أصلح، وثوابه أعظم، وقد وقع.

  4. إلى غير بدل: كنسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول ﷺ في قوله: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢]، بالآية بعدها. ومنعه بعضهم بظاهر ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. والجواب: إسقاط التكليف قد يكون هو الخير، أو يقال: البدل هو الرجوع إلى الإباحة الأصلية.

٣ النسخ قبل التمكن من الفعل

إذا أمر الشارع بفعل ثم نسخه قبل أن يمضي من الوقت ما يتسع لفعله، فهل يصح؟ الجمهور من الأشاعرةAsh'aritesمدرسة كلامية تجعل الحسن والقبح بمعنى الثواب والعقاب شرعيين، ولا حكم عندها قبل الشرع؛ وعليها أكثر الشافعية والمالكية.في المسرد والفقهاء، ومعهم أكثر الحنفية، على الجواز إذا تمكن المكلف من اعتقاد الوجوب والعزم على الفعل، لأن الابتلاء يحصل بالاعتقاد والعزم. واستدلوا بأمر إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه ثم فدائه قبل الفعل، وبفرض خمسين صلاة ليلة المعراج ثم نسخها إلى خمس قبل التمكن (متفق عليه). ومنعه المعتزلة وبعض الحنفية، لأن الأمر بما يُعلم رفعه قبل التمكن منه عبث عندهم، وهذا مبني على قولهم في الحسن والقبح العقليين (نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية). وثمرته عقدية أكثر منها فقهية.

٢ الزيادة على النص

إذا ورد نص قطعي بحكم، ثم جاء دليل يزيد فيه جزءا أو شرطا أو وصفا، فهل هذه الزيادة نسخ للنص الأول؟ هذه المسألة من أكثر مسائل الأصول ثمرة، وعليها بنى الحنفية فروعا كثيرة خالفوا فيها الجمهور.

وصورة الزيادة: أن يكون النص الأول يقتضي الإجزاءsufficiency (ijza')سقوط الطلب وبراءة الذمة بالإتيان بالمأمور به على الوجه المطلوب.في المسرد الفعل بدون المزيد، فإذا اشتُرط المزيد لم يعد الفعل الأول مجزئا وحده. فالحنفية يقولون: الإجزاء حكم شرعي ثابت بالنص القطعي، والزيادة رفعته، والرفع نسخ، والنسخ لا يكون بالآحاد. والجمهور يقولون: الزيادة ضم حكم إلى حكم، والأصل باق لم يرفع، فهي بيان أو تخصيص أو تقييد، تثبت بما يثبت به البيان.

مسألة خلافية هل الزيادة على النص نسخ؟

  • الحنفية الزيادة على النصaddition to the text (al-ziyada 'ala al-nass)إضافة جزء أو شرط أو وصف إلى حكم ثبت بنص، وهي نسخ عند الحنفية إذا غيرت حكم المزيد عليه.في المسرد التي تغير حكم المزيد عليه شرعا، فتجعله بعض المطلوب بعد أن كان كله، أو تجعل المطلق مقيدا، نسخ. فلا تثبت بخبر الواحد ولا بالقياس إذا كان المزيد عليه قطعيا، وتثبت بالمتواتر والمشهور. أما الزيادة التي لا تغير حكم الأصلruling of the original caseالحكم الشرعي الثابت للأصل بنص أو إجماع.في المسرد، كزيادة عبادة مستقلة، فليست نسخا.
  • المالكية ليست نسخا عند الأكثر، وتقبل بخبر الواحد، وفيهم من فصّل.
  • الشافعية ليست نسخا، لأن النسخ رفع، والزيادة ضمت إلى الحكم الأول حكما ولم ترفع منه شيئا.
  • الحنابلة ليست نسخا.
  • سبب الخلاف حقيقة النسخ. هل إزالة إجزاء المزيد عليه وحده رفع لحكم شرعي، فيكون نسخا؟ أم أن الإجزاء وحده لم يكن حكما ثابتا بالنص، بل كان سكوتا عن الزيادة، فرفعه رفع للبراءة الأصلية لا لحكم شرعي؟ ويُضم إليه قطعية دلالة العام والمطلق عند الحنفية.

وعكس المسألة النقص من العبادة: إذا نُسخ جزء منها أو شرط، كنسخ استقبال بيت المقدس، فالنسخ عند الجمهور للجزء أو الشرط وحده، والباقي ثابت بدليله الأول، ونقل بعض المتكلمين أنه نسخ للعبادة كلها، وفصّل آخرون بين الجزء والشرط.

ثمرات المسألة:

  1. التغريبbanishment (taghrib)نفي الزاني البكر عاما، وهو من الحد عند الجمهور وتعزير عند الحنفية.في المسرد الزاني البكر مع الجلد. آية النور: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وحديث عبادة بن الصامت: «البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة» رواه مسلم. الحنفية: التغريب ليس من الحد، ويجوز للإمام أن يغرب سياسة وتعزيرا إن رأى المصلحة. الشافعية والحنابلة: التغريب من الحد للرجل والمرأة. المالكية: يغرب الرجل الحر دون المرأة.

  2. القضاءmake-up (qada')فعل العبادة بعد خروج وقتها استدراكا لما سبق وجوبه أو انعقد سببه.في المسرد بالشاهد واليمين. آية الدين: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وحديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ «قضى بيمين وشاهد» رواه مسلم. الحنفية: لا يقضى به، لأنه زيادة على نصاب الشهادة المذكور في الآية. المالكية والشافعية والحنابلة: يقضى به في الأموال.

  3. النية في الوضوء. آية الوضوء [المائدة: ٦] أمرت بغسل الأعضاء ولم تذكر النية، وحديث «إنما الأعمال بالنيات» متفق عليه. الحنفية: النية سنة في الوضوء، لأن اشتراطها زيادة على الآية، ولهم مأخذ آخر هو أن الوضوء وسيلة والماء مطهر بطبعه. الجمهور: شرط.

  4. الفاتحة في الصلاة. ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] مع حديث «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» متفق عليه. الحنفية: الفرضfard (definitively established obligation)عند الحنفية: ما ثبت لزومه بدليل قطعي لا شبهة فيه، يكفر جاحده؛ وعند الجمهور مرادف للواجب.في المسرد مطلق القراءة بالآية، والفاتحة واجبة بالحديث، فلا تبطل الصلاة بتركها، لأن جعلها ركنا زيادة على النص. الجمهور: ركن. ومثلها عند أبي حنيفة ومحمد الطمأنينة في الركوع والسجود: واجبة لا فرض.

  5. الإيمان في رقبة كفارة اليمين والظهار. ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] مطلقة. الحنفية: تجزئ الكافرة، لأن تقييدها بالإيمان قياسا على كفارة القتل زيادة لا تثبت بالقياس. الجمهور: يشترط الإيمان، حملا للمطلق على المقيدrestricted term (muqayyad)ما دل على الماهية مع قيد يقلل شيوعها، من وصف أو شرط أو غاية أو حال.في المسرد (المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول).

تطبيق التغريب على خط الاستنباط

  1. نوع الحكم: هل التغريب جزء من حد الزنا للبكر؟ حكم تكليفي (وجوب العقوبة) يتعلق بالإمام، ووضعي في وصف الحد.

  2. الأدلة وثبوتها: آية النور متواترة، قطعية الثبوت. وحديث عبادة في صحيح مسلم، صحيح السند، وهو عند الحنفية خبر واحد لا مشهور.

  3. الدلالة: الآية جعلت الجلد مئة هو الحد، والسياق سياق بيان لجزاء كامل. والحديث صريح في ضم النفي إلى الجلد.

  4. المعارض: عند الحنفية الآية دلت على أن الجلد وحده حد تام مجزئ، والحديث يجعله بعض الحد، فهذا رفع للإجزاء، والرفع نسخ، والآحاد لا تنسخ القطعي. فيُعمل بالحديث على غير وجه الحد: سياسة يجوز للإمام. وعند الجمهور الحديث بيّن تمام الحد، ولا رفع، فيعمل به حدا. وقد يقال: آية النور نفسها ناسخة لقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، والحديث نفسه مصرح بأنه بيان للسبيل: «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا» (رواه مسلم في أول حديث عبادة)، فهو عند الجمهور بيان، لا زيادة متراخية.

  5. الحكم: البكر الزاني يُجلد مئة ويغرب عاما حدا عند الشافعية والحنابلة، والرجل دون المرأة عند المالكية، ويجلد مئة عند الحنفية ويغربه الإمام إن رأى ذلك تعزيرا.

ويُجاب بهذا عن سؤال الافتتاح: لم يقل أحد إن الحديث نسخ الآية، لكن الحنفية جعلوا العمل به حدا في معنى النسخ، فمنعوه بالآحاد.

أداة تفكير الأصل والاستثناء

الأصل في كل حكم ثبت بالشرع أنه باق حتى يقوم دليل رفعه، وهذا من الاستصحابpresumption of continuity (istiṣḥāb)الحكم ببقاء ما ثبت بدليل في الماضي حتى يظهر المغير بعد البحث عنه.في المسرد الحكم (الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة). فالنسخ استثناء من أصل البقاء، لا يثبت إلا بدليل صحيح متراخ متعذر الجمع معه. ولهذا يقدم الجمهور الجمع على النسخ، ويرد المحققون دعوى النسخ بمجرد التعارض الظاهر، أو بقول المفسرelucidated (mufassar)ما ازداد وضوحا على النص فلا يحتمل تأويلا ولا تخصيصا، ويقبل النسخ في زمن الوحي.في المسرد «نُسخت» دون بيان، أو بتأخر الآية في المصحف. فإذا قال لك قائل: هذه الآية منسوخة، فاسأله عن الناسخ، وعن الدليل على تأخره، وعن تعذر الجمع. فإن فقد شرط من الثلاثة بقي الحكم على أصله.

وحد الأداة: الحنفية يقدمون النسخ على الجمع عند العلم بالتاريخ (التعارض والترجيح)، فالأصل عندهم أيضا البقاء، لكنهم إذا علموا التأخر لم يتكلفوا الجمع.

٢ كم آية منسوخة في القرآن؟

أكثر المؤلفون في الناسخ والمنسوخ من دعوى النسخ، حتى ذكر الدارسون أن بعضهم ادعاه في أكثر من مئتي آية، وجعل آية السيف وحدها ناسخة لعشرات الآيات في الصبر والعفو والإعراض عن المشركين. وأسباب هذا التضخم:

  • إطلاق السلف اسم النسخ على التخصيص والتقييد والبيان، كما سبق في التنبيه.
  • عد التدرج في التشريع نسخا، وما رُفع فيه إنما كان براءة أصلية أو حكما مؤقتا.
  • دعوى النسخ عند كل تعارض ظاهر، مع إمكان الجمع بحمل كل آية على حال.
  • عد الآيات المغياة بغاية منسوخة عند بلوغ الغاية.

وقد حرر السيوطي في الإتقان ما يصح فيه النسخ عنده، فجعله نحو عشرين آية، ونظمها في أبيات معروفة، وقرر أن ما سواها إما مخصوص أو مؤول. ثم جاء شاه ولي الله الدهلوي في الفوز الكبير، فنظر في عشرين السيوطي، وجمع في أكثرها بين الآيتين، وأبقى خمسا يتعذر فيها الجمع عنده:

  1. آية الوصية للوالدين والأقربين [البقرة: ١٨٠]، بآية المواريث.

  2. آية مصابرة الواحد للعشرة [الأنفال: ٦٥]، بالآية بعدها.

  3. قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢]، بقوله قبلها: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، على قول من جعل المتقدم في المصحف متأخرا في النزول.

  4. آية تقديم الصدقة بين يدي النجوى [المجادلة: ١٢]، بالآية بعدها.

  5. قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢]، بآخر السورة.

وأما آية عدة الحول [البقرة: ٢٤٠]، فجمع فيها الدهلوي وجماعة بأنها في وصية للمرأة بالسكنى متاعا إن شاءت، والعدة اللازمة أربعة أشهر وعشر. فإذا تأمل الطالب هذا التحرير وجد أن النسخ في القرآن قليل، وأن أكثر ما ادعي فيه يدخل في أبواب الدلالة: العام والخاصspecific term (khass)كل لفظ وُضع لمعنى معلوم على الانفراد، جنسا أو نوعا أو عينا أو عددا.في المسرد (العام والخاص)، والمطلق والمقيد (المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول)، والجمع بين الأدلة (التعارض والترجيح).

صلة الفصل بغيره

خلاصة الفصل

  1. النسخ رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ، وهو عند كثير من الحنفية بيان انتهاء مدة الحكم.

  2. النسخ جائز عقلا واقع شرعا بالإجماع، وخلاف أبي مسلم الأصفهاني أقرب إلى اللفظي، لأنه يسميه تخصيصا في الأزمان.

  3. حكمته التدرج والابتلاء والتخفيف ورعاية المصلحة في زمن التشريع، ولا نسخ بعد وفاة النبي ﷺ.

  4. شروطه: أن يكون المنسوخ حكما شرعيا عمليا غير مؤقت، والناسخ خطابا شرعيا متراخيا، مساويا أو أقوى عند الجمهور، مع تعذر الجمع.

  5. يفترق النسخ عن التخصيص بأنه رفع في الزمان لا في الأفراد، وعن البداء بأنه بيان لما علمه الله أزلا.

  6. يُعرف الناسخ بالنص، وبقول الصحابي «آخر الأمرين»، وبالتاريخ، وبالإجماع دليلا على الناسخ.

  7. يقع نسخ الحكم دون التلاوةabrogation of ruling, recitation retainedرفع حكم الآية مع بقاء لفظها يتلى، كعدة الحول.في المسرد، والتلاوة دون الحكم، والأمرين معا.

  8. نسخ القرآن بالسنة المتواترة يجيزه الحنفية والمالكية، ويمنعه الشافعي في الرسالة وصحح ابن السبكي جوازه، وعن أحمد روايتان؛ ونسخ السنة بالقرآن جائز عند الجمهور.

  9. لا ينسخ القطعي بخبر الواحد عند الجمهور.

  10. يجوز النسخ إلى بدل أخف ومساو وأثقل، وإلى غير بدل، وقبل التمكن من الفعل عند الجمهور.

  11. الزيادة على النص المغيرة لحكمه نسخ عند الحنفية لا تثبت بالآحاد، وبيان عند الجمهور؛ وثمرتها التغريب، والشاهد واليمين، والنية، والفاتحة، والرقبة المؤمنة.

  12. النسخ الثابت في القرآن قليل: نحو عشرين آية عند السيوطي، وخمس عند الدهلوي، وأكثر ما ادعي فيه تخصيص أو تقييد أو جمع ممكن.

تمارين

  1. بيّن أي هذه الصور نسخ: (أ) إيجاب الصلاة بعد أن لم تكن واجبة؛ (ب) انتهاء الصوم بدخول الليل؛ (ج) نسخ عدة الحول بعدة أربعة أشهر وعشر؛ (د) سقوط الصلاة عن المجنون.

  2. فرّق بين النسخ والتخصيص في مثال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] مع عدة الحامل، وعدة الحول مع عدة الأربعة الأشهر والعشر.

  3. قال تابعي في آية: «نسختها آية كذا». ما الاحتمالان في كلامه، وكيف تتحقق؟

  4. لماذا لا يكون الإجماع ناسخا، مع أنه يُعرف به النسخ؟

  5. قارن بين قول الشافعي والحنفية في نسخ القرآن بالسنة، وبيّن أثر الخلاف في الوصية للوارث.

  6. رد الفرعnew case (farʿ)المحل المسكوت عنه المراد إلحاقه بالأصل.في المسرد إلى أصله: الحنفي لا يقضي بالشاهد واليمين، ولا يجعل النية شرطا في الوضوء.

  7. لماذا يرى الحنفية تعيين الفاتحة واجبا لا ركنا؟ اربط الجواب بالفصلين السادس والسابع.

  8. ادعى قائل أن آية السيف نسخت قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ [الزخرف: ٨٩]. ما الأسئلة الثلاثة التي توجهها إليه قبل قبول دعواه؟

أجوبة التمارين

  1. (أ) ليس نسخا، لأنه رفع للبراءة الأصلية. (ب) ليس نسخا، لأنه حكم مؤقت بغاية متصلة. (ج) نسخ عند الجمهور. (د) ليس نسخا، لأنه سقوط التكليف بفوات شرطه.

  2. عدة الحامل بالوضعassignment (wad')جعل اللفظ دليلا على المعنى بحيث إذا أُطلق فُهم منه؛ وهو صفة الواضع.في المسرد الحمل أخرجت بعض أفراد المطلقات من حكم الأقراء، فهي تخصيص في الأفراد. وعدة الأربعة الأشهر والعشر رفعت عدة الحول عن جميع المتوفى عنهن في الزمان اللاحق، فهي نسخ.

  3. يحتمل النسخ الاصطلاحي، ويحتمل التخصيص أو التقييد أو البيان على اصطلاح السلف. ويُتحقق بالنظر: هل رُفع الحكم كله بعد ثبوته، أم بقي معمولا به في بعض أفراده أو أحواله؟

  4. لأن الإجماع لا ينعقد إلا بعد وفاة النبي ﷺ، ولا نسخ بعدها. فإذا أجمعوا على ترك نص دل ذلك على ناسخ سابق علموه.

  5. الشافعي: لا ينسخ القرآن إلا قرآن، والسنة مبينة. الحنفية: يجوز بالمتواتر والمشهور لأن الكل وحي. فالوصية للوارث نسخت عند الحنفية بحديث «لا وصية لوارث» مع آية المواريث، وعند الشافعي بآية المواريث والحديث مبين. والحكم واحد.

  6. كلاهما من الزيادة على النص: الشاهد واليمين زيادة على نصاب آية الدين، والنية زيادة على آية الوضوء، والزيادة نسخ عندهم لا تثبت بالآحاد.

  7. الفرض ما ثبت بقطعي، وأصل القراءة ثابت بآية المزمل. وتعيين الفاتحة بخبر الواحد، فلو جُعل ركنا لكان زيادة على النص ترفع إجزاء مطلق القراءة، وهي نسخ لا يقوى عليه الآحاد، فيبقى الحديث موجبا للعمل دون الركنية.

  8. ما الناسخ بعينه وما ثبوته؟ وما الدليل على تأخره؟ وهل يتعذر الجمع، كحمل الصفح على حال الضعف أو على من لم يحارب؟ فإن أمكن الجمع بطلت دعوى النسخ.


  1. المصادر الأساسية للفصل: الرسالة للشافعي (باب ابتداء الناسخ والمنسوخ)؛ الورقات للجويني (باب النسخ)؛ أصول السرخسي (باب النسخ، وفصل الزيادة على النص)؛ إحكام الفصول للباجي؛ المحصول للرازي؛ جمع الجوامع لابن السبكي؛ روضة الناظر لابن قدامة؛ الإتقان للسيوطي (نوع الناسخ والمنسوخ)؛ الفوز الكبير في أصول التفسير لشاه ولي الله الدهلوي؛ تخريج الفروع على الأصول للزنجاني؛ أثر الاختلاف في القواعد الأصولية لمصطفى الخن. ↩

الاختبارات: النسخ