النسخ
موقع الفصل من المنظومة
يقع النسخabrogation (naskh)رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ عنه؛ وعند كثير من الحنفية: بيان انتهاء مدة الحكم.في المسرد على المحطتين الثانية والرابعة من خط الاستنباط. ففي الثانية يسأل الناظر بعد جمع الأدلة وفحص ثبوتها (الكتاب والسنة): هل ما زال هذا الحكم قائما، أم رُفع بعد ثبوته؟ وفي الرابعة يرد النسخ طريقا من طرق دفع التعارضconflict of evidence (ta'arud)تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، بأن يقتضي أحدهما خلاف ما يقتضيه الآخر في محل واحد وزمن واحد.في المسرد بين دليلين، إلى جانب الجمع والترجيحpreference (tarjih)تقوية أحد الدليلين المتعارضين بما ليس دليلا مستقلا، فيُعمل بالأقوى؛ وعند الحنفية إظهار زيادة لأحد المتماثلين وصفا لا أصلا.في المسرد (التعارض والترجيح). ومن أخطأ في هذا الباب بنى حكما على نص المنسوخabrogated ruling (mansukh)الحكم الشرعي المرفوع بالناسخ.في المسرد، أو عطل نصا محكما بدعوى نسخ لا بينة عليها.
ويحتاج الفصل إلى ما تقرر في الكتاب والسنة من مراتب الثبوت (المتواترmass-transmitted report (mutawatir)خبر جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه، مستندهم الحس، ويفيد العلم.في المسرد والمشهورwell-known report (mashhur, Hanafi sense)عند الحنفية: ما كان آحادا في الطبقة الأولى ثم انتشر في القرن الثاني والثالث وتلقته الأمة بالقبول، يفيد الطمأنينة ويزاد به على الكتاب.في المسرد والآحاد)، لأن أكثر خلاف المذاهب هنا يرجع إلى سؤال: هل يقوى هذا الدليلproof, evidence (dalil)ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.في المسرد على رفع ذاك؟1
سؤال الافتتاح
زان بكر أقيم عليه الحدdefinition (hadd)التعريف الكاشف عن حقيقة الشيء بالجنس والفصل، ويُشترط فيه أن يكون جامعا مانعا.في المسرد مئة جلدة كما في سورة النور. فهل يتم حده بذلك، أم يُغرّب عاما أيضا لقوله ﷺ: «البكر بالبكر جلد مئة ونفي السنةthe Sunnaما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير.في المسرد»؟ وما صلة هذه المسألة بالنسخ، ولم يقل أحد إن الحديث نسخ الآية؟
١ حقيقة النسخ
النسخ في اللغة يطلق على الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل، وعلى النقل، يقال: نسخت الكتاب، أي نقلت ما فيه. وفي الاصطلاح: رفع الحكم الشرعيlegal ruling (hukm shar'i)خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع؛ وعند الحنفية أثر هذا الخطاب في الفعل.في المسرد بدليل شرعي متراخ عنه.
وقيود الحد:
- رفع الحكم: انقطاع تعلقه بالمكلفlegally responsible person (mukallaf)البالغ العاقل الذي يفهم الخطاب وهو أهل لما كلف به.في المسرد، فلا يبقى مطلوبا بعد أن كان مطلوبا. ويخرج به رفع البراءة الأصليةoriginal non-liabilityعدم التكليف قبل ورود الشرع، ورفعها بأول الشرع ليس نسخا.في المسرد بأول الشرع، فإيجاب الصلاة بعد أن لم تكن واجبة ليس نسخا، لأن ما قبله حكم عقلي أو براءة لا حكم شرعي.
- الشرعي: يخرج رفع الحكم العقلي.
- بدليل شرعي: يخرج ارتفاع الحكم بالموت أو الجنون أو العجز، فهو سقوط للتكليف لا نسخ.
- متراخ: يخرج المتصل كالاستثناءexception (istithna')إخراج ما لولاه لدخل في الكلام بإلا أو إحدى أخواتها، ويشترط فيه الاتصال وعدم الاستغراق.في المسرد والشرطcondition (shart)ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وهو خارج عن ماهية المشروط.في المسرد والغايةterminus (ghaya)ما ينتهي إليه الحكم، وتفيدها إلى وحتى، والخلاف في دخولها في المغيّا.في المسرد، فهي البيانclarification (bayan)عند الشافعي: إظهار الله أحكامه لعباده بالكتاب والسنة على مراتب، يبين بعضها بعضا.في المسرد لمقدار الحكم من أوله، لا رفع له بعد ثبوته.
وعبر كثير من الحنفية عنه بأنه بيان لانتهاء مدة الحكم: فهو في العلمknowledge, certainty ('ilm)معرفة المعلوم على ما هو به؛ أو حكم لا يحتمل متعلَّقه النقيض بوجه.في المسرد الله بيان لأمد كان مقدرا له، وفي حقنا رفع، لأننا كنا نظن بقاءه. والعبارتان تؤديان معنى واحدا في العمل، وإنما اختار الحنفية لفظ البيان فرارا من توهم البداءchange of mind (bada')ظهور أمر بعد خفائه ونشأة رأي جديد، وهو محال على الله تعالى.في المسرد على الله تعالى.
من المتون الورقات للجويني
وأما النسخ فمعناه لغة: الإزالة، وقيل: معناه النقل [...] وحده: الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه.
الحل: «الخطاب الدال» جنس الناسخ، وهو كلام الشارع، فلا يكون الناسخ عقلا ولا إجماعا. و«رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم» يخرج رفع البراءة الأصلية، لأنها لم تثبت بخطاب. و«على وجه لولاه لكان ثابتا» يخرج ما كان مؤقتا في نفسه، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فانتهاء الصوم بالليل انتهاء لحكم مؤقت، لا نسخ. و«مع تراخيه عنه» يخرج المخصصات المتصلة. فاجتمعت في عبارة الجويني قيود الحد الأربعة التي ذكرناها، بترتيب مختلف.
١ جواز النسخ ووقوعه
النسخ جائز عقلا، لأن الأحكام مصالح للعباد، والمصلحةbenefit, public interest (maslaha)المحافظة على مقصود الشرع في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، بحد الغزالي.في المسرد تختلف باختلاف الأزمان والأحوال، فيجوز أن يكون الحكم مصلحة في وقت ثم يكون غيره مصلحة في وقت آخر، والله يعلم ذلك كله أزلا. وهو واقع شرعا بالإجماعconsensus (ijmāʿ)اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي ﷺ في عصر على أمر من الأمور.في المسرد المسلمين، ودليله قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، و﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١]، ووقوعه في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤].
ونُقل عن أبي مسلم الأصفهاني (ت ٣٢٢هـ)، من المعتزلةMu'tazilitesمدرسة كلامية جعلت للأفعال حسنا وقبحا ذاتيين يدركهما العقل ويترتب عليهما الثواب والعقاب قبل الشرع.في المسرد، إنكار وقوع النسخ في القرآنthe Qur'an (al-Kitab)المنزل على الرسول ﷺ المكتوب في المصاحف المنقول عنه تواترا بلا شبهة (الحنفية)؛ واللفظ المنزل على محمد ﷺ للإعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته (المتكلمون).في المسرد، تمسكا بقوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]. وأجاب الجمهور بأن الباطلvoid (batil)عند الحنفية في المعاملات: ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، لا يفيد ملكا ولو قبض. وعند الجمهور مرادف للفاسد.في المسرد المنفي هو الكذب والتناقض، والمنسوخ حق من عند الله في وقته. وحقق جماعة من الأصوليين أن أبا مسلم يسمي النسخ تخصيصا في الأزمان، فيقول: كان الحكم مغيا بغاية في علم الله ثم ظهرت، فخلافه أقرب إلى اللفظي. ولذلك تجد خلافه في آحاد الآيات: آية العدة حولا يحملها على أنها في وصية مستحبة لا عدة، وآية المصابرة يحملها على حال دون حال، وهكذا.
٢ حكمة النسخ
- التدرج: نقل الناس من العادةhabit, custom (ʿāda)غلبة معنى من المعاني على الناس، عامة أو خاصة ببلد أو طائفة، كما حدها القرافي.في المسرد مستحكمة إلى الشرع على مراحل، كتحريم الخمر: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، ثم ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ﴾ [النساء: ٤٣]، ثم ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]. ومن العلماء من يعد هذا تدرجا في البيان لا نسخا، لأن الأوليين لم تبيحا الشرب إباحة شرعية.
- الابتلاء: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
- التخفيف والرحمة: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦].
- رعاية المصلحة المتغيرة في زمن التشريع، مع ختم ذلك بانقطاع الوحي، فلا نسخ بعد وفاة النبي ﷺ.
١ شروط النسخ
-
أن يكون المنسوخ حكما شرعيا عمليا. فلا نسخ في العقائد، ولا في أصول الأخلاق كالعدل والصدق، ولا في الأخبار المحضة، لأن نسخ الخبر تكذيب له. أما الخبر الذي بمعنى الطلب فيدخله النسخ.
-
أن يكون الناسخabrogating text (nasikh)الخطاب الشرعي الدال على رفع الحكم المتقدم، والناسخ حقيقة هو الله تعالى.في المسرد خطابا شرعيا، فلا يُنسخ بالعقل ولا بالقياسanalogy (qiyās)مساواة فرع لأصل في علة حكمه، أو رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم.في المسرد ولا بالإجماع، لأن الإجماع لا يكون إلا بعد وفاة النبي ﷺ، ولا نسخ بعدها. وإذا أجمعوا على ترك نص دل إجماعهم على وجود ناسخ، فالإجماع دليل على النسخ لا ناسخ.
-
أن يكون الناسخ متراخيا عن المنسوخ.
-
ألا يكون المنسوخ مؤقتا بوقت ينتهي بانتهائه، ولا مؤبدا بنص يمنع رفعه.
-
أن يكون الناسخ مساويا للمنسوخ أو أقوى منه في الثبوت عند الجمهور، فلا يُرفع المتواتر بالآحاد، كما يأتي.
-
تعذر الجمع بين الدليلين، فإن أمكن الجمع بالتخصيصspecification (takhsis)قصر العام على بعض أفراده، ويفارق النسخ بأنه في الأفراد لا في الأزمان.في المسرد أو تقييد أو