الاجتهاد
Independent Juristic Reasoning (Ijtihad)
This chapter opens the fourth pole of al-Ghazali's scheme, the 'harvester' who extracts rulings: the mujtahid. It sits at the end of the inference pipeline, where a ruling is pronounced and its author's competence decides whether it may be followed. It defines ijtihad and explains each restriction in the classical definitions, sets out its legal status, and lists the qualifications of the mujtahid with al-Ghazali's reductions (some five hundred verses, a reliable hadith collection, no need for theology or derived cases) and al-Shatibi's addition of grasping the objectives of the Law; probity is a condition for acceptance of a fatwa, not for the validity of ijtihad. It treats partial ijtihad, the grades of jurists in each school (Ibn Kamal Pasha's seven Hanafi tiers and their critique, the Maliki and Hanbali gradings, and Ibn al-Salah's scheme adopted by al-Nawawi), whether an age can lack a mujtahid (the Hanbali denial), and the 'closure of the gate' debate with Wael Hallaq's thesis. It then discusses whether every mujtahid is correct, with its practical fruit, the rule that one ijtihad does not annul another and the cases where a judgment is overturned, the ijtihad of the Prophet and the Companions, and collective ijtihad in modern academies.
سؤال الافتتاح
قضى عمر بن الخطاب في امرأة ماتت عن زوج وأم وإخوة لأم وإخوة أشقاء، فلم يُعط الأشقاء شيئا لاستغراق الفروض التركة. ثم عُرضت عليه المسألة نفسها في العامgeneral term ('amm)لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر؛ وعند الحنفية: ما ينتظم جمعا من المسميات لفظا أو معنى.In the glossary آخر، فشرّك الأشقاء مع الإخوة لأم في الثلث. فقيل له: لم تشرّك بينهم عام كذا، فقال: تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي. لماذا لم ينقض عمر قضاءه الأول وقد رأى الصواب في غيره؟ وأي القضاءين هو حكم الله؟
موقع الفصل من المنظومة
قسم الغزالي العلمknowledge, certainty ('ilm)معرفة المعلوم على ما هو به؛ أو حكم لا يحتمل متعلَّقه النقيض بوجه.In the glossary الأصول أربعة أقطاب: الثمرة (الحكم)، والمثمر (الأدلة)، وطرق الاستثمار (الدلالات)، والمستثمر. وهذا الفصل أول الكلام في القطب الرابع: من الذي يحق له أن يسير على خط الاستنباط كله، من جمع الأدلة إلى الوزن المقاصدي وتحقيق المناطverifying the ratio in the caseإثبات العلة المعلومة في الواقعة المعينة.In the glossary؟ وهو المحطة الأخيرة من الخط: الحكم، ودرجة اليقين فيه، والأهليةlegal capacity (ahliyya)صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه، ولصدور الأفعال منه على وجه يعتد به.In the glossary من قاله. ويحتاج كل ما سبق، لأن شروط المجتهد هي في حقيقتها القدرة على الاستعمالusage (isti'mal)إطلاق المتكلم اللفظ وإرادة معناه، الموضوع له أو غيره؛ وبه ينقسم اللفظ إلى حقيقة ومجاز.In the glossary الأبواب السابقة: الأدلة الكتاب والسنة الإجماع القياس، والدلالات مبادئ لغوية إلى التعارض والترجيح، والمقاصد مقاصد الشريعة. ويليه فصل التقليدfollowing (taqlid)العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة، بتعريف ابن الهمام.In the glossary والفتوىlegal opinion (fatwa)الإخبار بالحكم الشرعي عن دليل لمن سأل عنه، ولا تُلزم إلا من جهة التقليد.In the glossary التقليد والفتوى والمذهب في حال من لم يبلغ هذه الرتبة.
١ حقيقة الاجتهاد
الاجتهادindependent juristic reasoning (ijtihad)استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي.In the glossary في اللغة افتعال من الجهد، وهو بذل الطاقة في ما فيه مشقة، فيقال: اجتهد في الحملattribution of meaning (haml)اعتقاد السامع مراد المتكلم من لفظه؛ وقواعد الأصوليين في الدلالة قواعد في الحمل.In the glossary الحجر، ولا يقال: اجتهد في حمل خردلة.
وفي الاصطلاح تقاربت عبارات الأصوليين:
- الغزالي: بذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة.
- الآمدي: استفراغ الوسع في طلب الظنprobability, preponderant belief (zann)إدراك الطرف الراجح من أمرين محتملين.In the glossary بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه.
- ابن الحاجب: استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي.
وقيود الحدdefinition (hadd)التعريف الكاشف عن حقيقة الشيء بالجنس والفصل، ويُشترط فيه أن يكون جامعا مانعا.In the glossary:
- استفراغ الوسع: يُخرج النظر القاصر. فمن نظر في المسألة ولم يستوف أدلتها لم يجتهد اجتهادا تاما، ولا يُعذر بخطئه كما يُعذر المجتهد. وهذا ما عبر عنه الغزالي بأن يحس من نفسه العجز عن مزيد طلب.
- الفقيه: يُخرج استفراغ غير الفقيه وسعه، فالعامي إذا نظر في الأدلة لم يكن نظره اجتهادا.
- لتحصيل ظن: يُخرج القطعيات، فلا اجتهاد في وجوب الصلاة ولا في تحريم الزنا. ولذلك قال الغزالي في المجتهد فيهmatter open to ijtihadكل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي.In the glossary: كل حكم شرعي ليس فيه الدليلproof, evidence (dalil)ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.In the glossary القطعيdefinitive (qat'i)ما لا يحتمل غير مدلوله احتمالا ناشئا عن دليل، في ثبوته أو دلالته.In the glossary.
- بحكم شرعي: يُخرج الاجتهاد في العقليات واللغويات والحسيات.
من المتون المستصفى للغزالي، القطب الرابع: في حكم المستثمر وهو المجتهد
الرُّكْنُ الثَّانِي الْمُجْتَهِدُ وَلَهُ شَرْطَانِ. أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِمَدَارِكِ الشَّرْعِ مُتَمَكِّنًا مِنْ اسْتِثَارَةِ الظَّنِّ بِالنَّظَرِ فِيهَا وَتَقْدِيمِ مَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ وَتَأْخِيرِ مَا يَجِبُ تَأْخِيرُهُ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَدْلًا مُجْتَنِبًا لِلْمَعَاصِي الْقَادِحَةِ فِي الْعَدَالَةِ، وَهَذَا يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الِاعْتِمَادِ عَلَى فَتْوَاهُ فَمَنْ لَيْسَ عَدْلًا فَلَا تُقْبَلُ فَتْوَاهُ، أَمَّا هُوَ فِي نَفْسِهِ فَلَا، فَكَأَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطُ الْقَبُولِ لِلْفَتْوَى لَا شَرْطُ صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ.
الحل: جعل الغزالي للاجتهاد ثلاثة أركان: المجتهد، والمجتهد فيه، ونفس الاجتهاد، وهذا الركن الثاني. و«مدارك الشرع» الأدلة المثمرة للأحكام. و«استثارة الظن» استخراجه من الأدلة بالنظر، فالمجتهد يطلب الظن الغالب. و«تقديم ما يجب تقديمه» معرفة ترتيب الأدلة ودفع التعارض، وهو موضوع التعارض والترجيح. ثم فرّق بين شرطين من جنسين: الأول شرط في صحة الاجتهاد، والثاني شرط في قبول الفتوى. فالفاسق المتمكن يعمل باجتهاده في حق نفسه، ولا يُعتمد على فتواه.1
٢ حكم الاجتهاد
الاجتهاد في جملته الفرضfard (definitively established obligation)عند الحنفية: ما ثبت لزومه بدليل قطعي لا شبهة فيه، يكفر جاحده؛ وعند الجمهور مرادف للواجب.In the glossary كفاية على الأمة، لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]، فإذا خلا البلد ممن يقوم به أثم الجميع. ويعتريه الحكم بحسب الحال:
- فرض عين على المجتهد في حق نفسه إذا نزلت به واقعة، فلا يقلد غيره فيها عند الجمهور. وفرض عين عليه إذا سُئل عن واقعة ولم يكن في البلد غيره، أو خيف فوتها.
- فرض كفاية إذا سُئل وفي البلد غيره من أهل الاجتهاد.
- المندوبrecommended (mandub)ما طلب الشارع فعله طلبا غير جازم، يثاب فاعله امتثالا ولا يعاقب تاركه.In the glossary في ما لم يقع من المسائل، تهيئة لحكمها قبل نزولها.
- محرم في مقابلة دليل قطعي أو الإجماعconsensus (ijmāʿ)اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي ﷺ في عصر على أمر من الأمور.In the glossary، أو ممن ليس أهلا له.
١ شروط المجتهد
فصّل الأصوليون الشرطcondition (shart)ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وهو خارج عن ماهية المشروط.In the glossary الأول عند الغزالي إلى علوم، ومن أوعب من سردها الغزالي نفسه، وتبعه المتأخرون:
- العلم بالكتاب: والمشروط ما تتعلق به الأحكام منه، وقدّره الغزالي بنحو خمسمائة آية، ولا يُشترط حفظها، بل أن يعرف مواضعها فيرجع إليها عند الحاجة. ونازع جماعة في التقدير بالعدد، لأن الأحكام تُستنبط من آيات القصص والأمثال أيضا.
- العلم بالسنةthe Sunnaما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير.In the glossary: والمشروط أحاديث الأحكام، ويكفي عند الغزالي أن يكون عنده الأصلroot, basis (asl)لغة ما يُبنى عليه غيره؛ واصطلاحا يطلق على الدليل، والراجح، والقاعدة المستمرة، والمقيس عليه.In the glossary مصحح جامع لها، كسنن أبي داود و«معرفة السنن» للبيهقي، يعرف مواقع كل باب منه فيراجعه عند الحاجة.
- مواضع الإجماع: ليتجنب الفتوى بخلافه. ولا يُشترط حفظ كل مسائل الإجماع، بل أن يعرف أن ما يفتي به ليس مخالفا لإجماع، بأن يوافق قول بعض المتقدمين أو يكون واقعة حادثة.
- العربية: القدرmeasure (kayl or wazn)الكيل أو الوزن، وهو مع اتحاد الجنس علة ربا الفضل عند الحنفية والمذهب عند الحنابلة.In the glossary الذي يُفهم به خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال، حتى يميز بين الصريحexplicit expression (sarih)ما ظهر المراد منه ظهورا بيّنا بكثرة الاستعمال، ويثبت موجبه بلا نية.In the glossary والظاهر والمجملambiguous term (mujmal)ما لم تتضح دلالته، أو احتمل معنيين لا مزية لأحدهما، فافتقر إلى البيان.In the glossary، والحقيقةliteral usage (haqiqa)اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب.In the glossary والمجازfigurative usage (majaz)اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب، لعلاقة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.In the glossary، والعام والخاصspecific term (khass)كل لفظ وُضع لمعنى معلوم على الانفراد، جنسا أو نوعا أو عينا أو عددا.In the glossary، والمحكمclear verse (muhkam)ما اتضح معناه عند الجمهور؛ وعند الحنفية أعلى مراتب الوضوح لا يحتمل تأويلا ولا نسخا.In the glossary والمتشابهambiguous verse (mutashabih)ما استأثر الله بعلمه أو خفي معناه؛ وعند الحنفية أعلى مراتب الخفاء.In the glossary، والمطلقunrestricted term (mutlaq)ما دل على الماهية أو على فرد شائع في جنسه بلا قيد يقلل شيوعه.In the glossary والمقيدrestricted term (muqayyad)ما دل على الماهية مع قيد يقلل شيوعها، من وصف أو شرط أو غاية أو حال.In the glossary، والنص وفحواه.
- أصول الفقهpositive law, jurisprudence (fiqh)العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.In the glossary: شروط الأدلة وطرق الاستنباط وترتيبها، وهو عند الغزالي عمدة الاجتهاد.
- الناسخabrogating text (nasikh)الخطاب الشرعي الدال على رفع الحكم المتقدم، والناسخ حقيقة هو الله تعالى.In the glossary والمنسوخabrogated ruling (mansukh)الحكم الشرعي المرفوع بالناسخ.In the glossary: في آيات الأحكامlegal versesالآيات التي تتعلق بها الأحكام العملية، وقدّرها الغزالي بنحو خمسمائة آية.In the glossary وأحاديثها، لئلا يحكم بمنسوخ.
- علم الرواية: معرفة حال الرواة جرحا وتعديلا، ويجوز عنده أن يقلد فيها أئمة الحديث الموثوقين.
- مقاصد الشريعةhigher objectives of the Law (maqasid al-shari'a)المعاني والغايات التي قصدها الشارع في تشريع الأحكام، عامة في التشريع كله أو خاصة بباب منه.In the glossary: زاده الشاطبي، وجعله الوصف الأول.
وأخرج الغزالي من الشروط علم الكلام وتفاريع الفقه. أما الكلام فيكفي المجتهد أن يعتقد جازما ما يعتقده المسلمون. وأما تفاريع الفقه فهي ثمرة الاجتهاد، يولدها المجتهدون بعد حيازة منصبه، فلا تكون شرطا فيه. وقرر الأصوليون مع ذلك أن طريق تحصيل ملكة الاجتهاد في زماننا ممارسة الفروع.
من المتون الموافقات للشاطبي، كتاب الاجتهاد، المسألة الثانية
إِنَّمَا تَحْصُلُ دَرَجَةُ الِاجْتِهَادِ لِمَنِ اتَّصَفَ بِوَصْفَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فَهْمُ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ عَلَى كَمَالِهَا.
الحل: والوصف الثاني عنده التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها. فجعل الشاطبي ما سرده الأصوليون من علوم الكتاب والسنة والعربية والأصول خادما للوصف الثاني، وقدم عليه فهم المقاصد، لأن من فهم مقصد الشارع في كل باب أمكنه أن ينزل الحكم على وفقه. وعبّر بقوله «على كمالها» لأن الاجتهاد يقع في مسائل تتعارض فيها المقاصد، فلا يكفي فهم بعضها.2
أداة تفكير مراتب الإدراك
المجتهد يطلب في الفروع الظن الغالب، والحد نفسه يقول «لتحصيل ظن». فالاجتهاد عملية تنقل الناظر من الشكdoubt (shakk)تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر.In the glossary إلى الظن الراجحpreponderant position (rajih)عند المالكية: ما قوي دليله.In the glossary بالدليل، والعمل بالظن الراجح الواجبwajib (obligatory)عند الجمهور: ما طلب الشارع فعله طلبا جازما. وعند الحنفية: ما ثبت لزومه بدليل فيه شبهة، لا يكفر جاحده.In the glossary عليه وعلى مقلده. وحد هذه الأداة أن الأصوليين رتبوا الظن ترتيبا (أقوى وأضعف) ولم يقدروه بالأرقام، وأن بلوغ القطع في الفروع ممكن في مواضع الإجماع والنص القطعي، وهذه المواضع خارجة عن محل الاجتهاد أصلا.
٢ تجزؤ الاجتهاد
تجزؤ الاجتهادpartial ijtihadأن يحصّل العالم أهلية الاجتهاد في باب أو مسألة دون غيرها.In the glossary أن يحصّل العالم أهلية النظر في باب من الأبواب أو مسألة من المسائل دون غيرها، كأن يحيط بأدلة الفرائض ولا يحيط بأدلة المعاملات.
مسألة خلافية هل يتجزأ الاجتهاد؟
- الحنفية يتجزأ عند الأكثر، ومنعه بعضهم.
- المالكية يتجزأ عند الأكثر، وتردد فيه ابن الحاجب في «المختصر».
- الشافعية يتجزأ على الصحيح، وهو اختيار الغزالي والرازي.
- الحنابلة يتجزأ على الصحيح.
- سبب الخلاف هل الاجتهاد ملكة واحدة لا تنقسم، فمن قصر عن باب فلعل في ما جهله ما يعارض ما علمه؟ أم يكفي في المسألة الإحاطة بأدلتها ومداركها؟ واستدل المجيزون بأن الأئمة سُئلوا فقالوا: لا ندري، فما خرجوا بذلك عن الاجتهاد.
- الثمرة إفتاء المتخصص في باب الفرائض أو المعاملات المالية وهو المقلدfollower (muqallid)من لم يبلغ رتبة الاجتهاد فيأخذ الحكم من المجتهد.In the glossary في غيرها. من أجاز التجزؤ أجاز له الاجتهاد والفتوى في بابه، ومن منعه أوجب عليه التقليد مطلقا. وعلى القول بالتجزؤ يقوم كثير من الاجتهاد المعاصر في المجامع المتخصصة.
- التحقيق المسألة خلاف داخل كل المذهبthe school's position (al-madhhab)عند النووي: الراجح من طريقين أو طرق في حكاية المذهب.In the glossary، لا بين المذاهب.
١ مراتب المجتهدين
لما استقرت المذاهب صار للعلماء المنتسبين إليها مراتب، تُعرف بها قيمة أقوالهم في المذهب. ومعرفة هذه المراتب شرط في الترجيحpreference (tarjih)تقوية أحد الدليلين المتعارضين بما ليس دليلا مستقلا، فيُعمل بالأقوى؛ وعند الحنفية إظهار زيادة لأحد المتماثلين وصفا لا أصلا.In the glossary بين الأقوال داخل المذهب، وهو موضوع التقليد والفتوى والمذهب.
٢ التقسيم الجامع عند ابن الصلاح والنووي
قسم ابن الصلاح في «أدب المفتي والمستفتيquestioner (mustafti)السائل عن الحكم، ويجب عليه أن يسأل من عُرفت أهليته.In the glossary» المفتين قسمين، ونقله النووي في مقدمة «المجموع»:
- المفتي المستقل: المجتهد المطلق الذي يستنبط الأحكام من الأدلة بلا تقليد ولا تقيد بمذهب، ويؤسس أصوله بنفسه.
- المفتي غير المستقل، وله أربع أحوال: - المجتهد المنتسبaffiliated mujtahid (muntasib)من بلغ صفة المستقل ولم يقلد إمامه، وإنما ينسب إليه لسلوكه طريقه.In the glossary: لا يقلد إمامه في المذهب ولا في الدليل، لاتصافه بصفة المستقل، وإنما يُنسب إليه لسلوكه طريقه في الاجتهاد. وادعى بعض كبار الأصحاب هذه الرتبة، ونازع ابن الصلاح في تحققها لأكثرهم. - مجتهد المذهبmujtahid within the schoolالمقيد بمذهب إمامه، يقرر أصوله بالدليل ويخرّج عليها ما لم ينص عليه، وأقواله الوجوه.In the glossary (أصحاب الوجوه): مقيد بمذهب إمامه، مستقل بالتقريرtacit approval (taqrir)سكوت النبي ﷺ عن قول أو فعل علمه مع قدرته على الإنكار، أو استبشاره به، وهو دليل الجواز.In the glossary أصوله بالدليل، يخرّج على نصوصه ما لم ينص عليه، وأقواله هي «الوجوه» في المذهب. - مجتهد الفتوىjurist of preponderance (ahl al-tarjih)فقيه النفس الحافظ لمذهب إمامه العارف بأدلته، يحرر ويرجح بين الأقوال.In the glossary (أهل الترجيح): لم يبلغ رتبة أصحاب الوجوه، لكنه فقيه النفس حافظ لمذهب إمامه، عارف بأدلته، قائم بتقريرها، يصوّر ويحرر ويقرر ويمهد ويزيّف ويرجح، كالرافعي والنووي عند كثيرين. - حافظ المذهب وناقله: يحفظ المذهب ويفهمه في الواضحات والمشكلات، ويضعف عن تقرير أدلته وتحرير أقيسته، فيُعتمد نقله وفتواه في ما يحكيه من مسطورات المذهب.
٢ طبقات الحنفية عند ابن كمال باشا
قسم ابن كمال باشا (ت ٩٤٠هـ) الفقهاء سبع طبقات، ونقلها ابن عابدين في شرح «عقود الرسمdescription (rasm)تعريف الشيء بالجنس والخاصة أو بآثاره اللازمة، كتعريف الواجب بما يُثاب فاعله ويُعاقب تاركه.In the glossary المفتي»:3
| الطبقة | صفتها | أمثلتها عنده |
|---|---|---|
| ١. المجتهدون في الشرع | يؤسسون قواعد الأصول ويستنبطون الفروع من الأدلة الأربعة بلا تقليد | الأئمة الأربعة |
| ٢. المجتهدون في المذهب | يستخرجون الأحكام من الأدلة على قواعد إمامهم، ويخالفونه في بعض الفروع | أبو يوسف ومحمد |
| ٣. المجتهدون في المسائل التي لا رواية فيها | لا يخالفون الإمام في الأصول ولا الفروع، ويستنبطون ما لا نص فيه على أصوله | الخصاف، والطحاوي، والكرخي، والحلواني، والسرخسي، والبزدوي، وقاضي خان |
| ٤. أصحاب التخريجjurists of extrapolation (ashab al-takhrij)عند ابن كمال باشا: من يفصّلون القول المجمل المحتمل لوجهين المنقول عن صاحب المذهب.In the glossary | لا يجتهدون، ويفصّلون القول المجمل المحتمل لوجهين المنقول عن صاحب المذهب | أبو بكر الرازي الجصاص |
| ٥. أصحاب الترجيح | يفضلون بعض الروايات على بعض: هذا أولى، هذا الأصحsoundest (asahh)عند النووي: الراجح من وجهين أو أوجه للأصحاب مع قوة الخلاف.In the glossary رواية، هذا أرفق للناس | القدوري وصاحب الهداية |
| ٦. المميزون | يميزون بين الأقوى والقوي والضعيف، وظاهر الروايةmanifest transmission (zahir al-riwaya)مسائل أصحاب المذهب الحنفي المروية في كتب محمد بن الحسن الستة برواية الثقات.In the glossary والنادرة، ولا ينقلون المردود | أصحاب المتون: الكنز والمختار والوقاية والمجمع |
| ٧. المقلدون المحض | لا يقدرون على شيء مما سبق |
ونوقش هذا التقسيم من جهات، وممن نقده شهاب الدين المرجاني وعبد الحي اللكنوي. ومن وجوه ما أُورد عليه أن أبا يوسف ومحمدا خالفا أبا حنيفة في أصول لا في فروع فقط، فهما أقرب إلى المجتهد المطلق المنتسب، وأن الطحاوي خالف أصحاب المذهب في مسائل كثيرة وله اختيارات بالدليل فلا يصح أن يُقال إنه لا يقدر على مخالفة الإمام، وأن جمع قاضي خان مع السرخسي والكرخي في طبقة واحدة، وجعل الجصاص دون الكرخي وهو تلميذه المتمكن، تسوية بين المتفاوتين. ومع ذلك بقي التقسيم معتمدا عند الحنفية في البيانclarification (bayan)عند الشافعي: إظهار الله أحكامه لعباده بالكتاب والسنة على مراتب، يبين بعضها بعضا.In the glossary ترتيب الأقوال.
٣ المالكية والحنابلة
عند المالكية: مالك مجتهد مطلق، وكبار أصحابه كابن القاسم وأشهب وابن وهب وابن الماجشون مجتهدون في المذهب يخرّجون على أصوله ويخالفونه في مسائل، ثم أهل النظر والترجيح من المتأخرين كاللخمي وابن يونس وابن رشد والمازري، الوهمfaint supposition (wahm)إدراك الطرف المرجوح المقابل للظن.In the glossary الذين جعل خليل في مقدمة «مختصره» لكل منهم لفظا يدل على اختياره أو ترجيحه، ثم أهل النقل والحفظ.
وعند الحنابلة: قسم ابن حمدان في «صفة الفتوى والمفتي والمستفتي» المجتهدين على نحو تقسيم ابن الصلاح: مطلق، ومجتهد في مذهب إمامه، ومجتهد في نوع من العلم أو مسائل، ومقلد حافظ للمذهب.
٢ هل يخلو عصر من مجتهد؟
مسألة خلافية هل يجوز أن يخلو عصر من مجتهد؟
- الحنابلة لا يجوز خلو العصر عن مجتهد، وهو المعروف عند أصحاب أحمد، واستدلوا بحديث: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» (رواه البخاري ومسلم)، وبأن الاجتهاد فرض كفاية فلا تجتمع الأمة على تركه.
- الجمهور يجوز عقلا وشرعا، وهو اختيار الآمدي وابن الحاجب وكثير من الشافعية والمالكية والحنفية، واستدلوا بحديث: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا» (رواه البخاري ومسلم).
- التحقيق نُقل عن ابن دقيق العيد أن الزمان لا يخلو من مجتهد إلى أن تتداعى القواعد بقرب الساعة. وألف السيوطي «الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض».
- الثمرة من منع الخلو جعل وجود المجتهد مقدمة لازمة، فلا يصح أن يُدّعى إغلاق الاجتهاد. ومن أجازه احتاج إلى ضبط حال الأمة إذا فقدت المجتهد: تعمل بالمذاهب المدونة، ويُفتي فيها أهل الترجيح والنقل.
٣ دعوى «إغلاق باب الاجتهاد»
شاع في القرون المتأخرة، ثم في الكتابات الاستشراقية، أن باب الاجتهاد أُغلق في القرن الرابع الهجري، فلم يُعترف بعد ذلك بمجتهد مطلق. وكتب وائل حلاق مقالته «Was the Gate of Ijtihad Closed?» (المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط، ١٩٨٤م)، فبيّن أن كتب الأصول ظلت تشترط الاجتهاد وتناقش شروطه وتمنع خلو العصر منه عند كثيرين، وأن فقهاء كبارا ادعوا الاجتهاد أو نُسب إليهم بعد القرن الرابع، وأن الاجتهاد في الفتوى والتخريج لم ينقطع، وأن الإجماع على الإغلاق لم يتحقق. ونوقش بأن استمرار اجتهاد المذهب والفتوى لا ينفي أن دعوى الاجتهاد المطلق قلّت وصارت موضع إنكار، وأن استقرار المذاهب كان له وظيفة في ضبط القضاءmake-up (qada')فعل العبادة بعد خروج وقتها استدراكا لما سبق وجوبه أو انعقد سببه.In the glossary والفتوى. والحاصل أن التقليد لمذهب صار هو الغالب، وأن الاجتهاد داخل المذاهب بقي حيا.
١ التصويب والتخطئة
اتفق الأصوليون على أن المصيب في العقليات والأصول الكلامية واحد، وأن المخطئ فيها آثم، ولم يخالف في ذلك إلا من شذ كالعنبري والجاحظ. واختلفوا في الفروع الظنية التي لا قاطع فيها.
من المتون الورقات للجويني، باب الاجتهاد
وَأما الِاجْتِهَاد فَهُوَ بذل الوسع فِي بُلُوغ الْغَرَض فالمجتهد إِن كَانَ كَامِل الْآلَة فِي الِاجْتِهَاد فِي الْفُرُوع فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِن اجْتهد وَأَخْطَأ فَلهُ أجر وَاحِد وَمِنْهُم من قَالَ كل مُجْتَهد فِي الْفُرُوع مُصِيب.
الحل: عرّف الجويني الاجتهاد بمعنى قريب من اللغة، وقيده الشراح ببذل الوسع في بلوغ الغرض المقصود من العلم ليحصل له. وقوله «كامل الآلة» شرط الأجر: فالناقص الآلة آثم بالاجتهاد ولو أصاب. وقدّم القول بأن المصيب واحد، ثم حكى القول الآخر بصيغة «ومنهم من قال»، وهي صيغة تدل على أنه قول مقابل. واستدل للأول بالحديث الذي جعل للمجتهد حالين: إصابة وخطأ، فلو كان كل مجتهد مصيبا لم يكن للخطأ معنى.4
والحديث الذي يدور عليه الباب قول النبي ﷺ: «إذا حكم الحاكمthe Lawgiver (al-hakim)من يصدر عنه الحكم الشرعي، وهو الله تعالى باتفاق المسلمين.In the glossary فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» (رواه البخاري ومسلم من حديث عمرو بن العاص).
مسألة خلافية هل كل مجتهد في الفروع مصيب؟
- الحنفية المصيب واحد عند الله، والمخطئ مأجور معذور، وهو المنقول عن أبي حنيفة وأصحابه. وقال كثير من مشايخهم: المخطئ مصيب ابتداء من جهة أنه أدى ما كُلف به من الاجتهاد، مخطئ انتهاء من جهة الحكم.
- المالكية المصيب واحد عند الأكثر، وكان القاضي أبو بكر الباقلاني، وهو مالكي في الفروع، من أئمة المصوّبةproponents of the correctness of every mujtahidالقائلون بأن كل مجتهد في الفروع مصيب، وحكم الله في حقه ما أداه إليه اجتهاده.In the glossary.
- الشافعية المصيب واحد، وهو المنصوص عن الشافعي. وقال بالتصويب الأشعري في المشهورwell-known report (mashhur, Hanafi sense)عند الحنفية: ما كان آحادا في الطبقة الأولى ثم انتشر في القرن الثاني والثالث وتلقته الأمة بالقبول، يفيد الطمأنينة ويزاد به على الكتاب.In the glossary عنه، والغزالي.
- الحنابلة المصيب واحد.
- سبب الخلاف هل لله في كل واقعة حكم معين قبل الاجتهاد يطلبه المجتهد فيصيبه أو يخطئه؟ أم الحكم تابع لما يؤدي إليه الاجتهاد، فحكم الله في حق كل مجتهد ما غلب على ظنه؟ واستدل المخطّئةproponents of a single correct answerالقائلون بأن لله في كل واقعة حكما معينا، والمصيب واحد، والمخطئ مأجور.In the glossary بقوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، فخص سليمان بالفهم. واستدل المصوّبة بآخر الآية، وبإقرار النبي ﷺ الفريقين في صلاة العصر يوم بني قريظة. وتوسط بعض المصوبة فقالوا: ليس في المسألة حكم معين، لكن فيها «الأشبهthe most resembling ruling (al-ashbah)عند بعض المصوبة: ما لو نزل الحكم في المسألة لنزل به، ويطلبه المجتهد.In the glossary» عند الله، لو نزل الحكم لنزل به.
- الثمرة أثر المسألة في الفقه غير مباشر، ويظهر في الاقتداء بالمخالف في الفروع، كمن صلى خلف إمام مسّ ذكره ولم يتوضأ والإمام يرى ذلك غير ناقض. فمن نظر إلى تصحيح الشارع لاجتهاد الإمام في حقه قوّى الصحةvalidity (sihha)موافقة الفعل ذي الوجهين للشرع؛ وفي العبادات: موافقة الأمر عند المتكلمين، وإسقاط القضاء عند الفقهاء.In the glossary الاقتداء، ومن نظر إلى اعتقاد المأموم أن صلاة إمامه باطلة منعه. وفي كل مذهب تفصيل، والأصح عند الشافعية أن العبرة باعتقاد المأموم.
- التحقيق الخلاف في أصله كلامي بين المخطئة والمصوبة، وهو يمر داخل المذاهب الفقهية لا بينها. وتمييز الشريعة (الحكم في نفس الأمرcommand (amr)القول الطالب للفعل على جهة الاستعلاء؛ وعند ابن السبكي: اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير نحو كف.In the glossary) من الفقه (ظن المجتهد) معروف عند المخطئة من هذا الباب.
أداة تفكير سؤال سبب الخلاف
إذا رُد خلاف المخطئة والمصوبة إلى جذره ظهر أنه خلاف في التصورconception (tasawwur)إدراك المفرد دون حكم عليه، ويُطلب بالحد.In the glossary «الحكم» نفسه: هل هو خطاب ثابت في نفس الأمر، أم هو ما يغلب على ظن المكلفlegally responsible person (mukallaf)البالغ العاقل الذي يفهم الخطاب وهو أهل لما كلف به.In the glossary بعد النظر؟ والجذر كلامي، وتظهر فروعه في الفقه بوساطة قاعدة أخرى: هل اجتهاد الغير صحيح في حقي؟ وحد الأداة أن الفرعnew case (farʿ)المحل المسكوت عنه المراد إلحاقه بالأصل.In the glossary الفقهي (الاقتداء بالمخالف) لا يُرد إلى هذا الأصل وحده، فلكل مذهب في شروط الاقتداء المأخذground of a ruling (ma'khadh)الدليل أو القاعدة التي بني عليها الحكم الفرعي، وقد يتعدد للفرع الواحد.In the glossary مستقل.
١ نقض الاجتهاد
القاعدة المتفق عليها في الجملة: الاجتهاد لا يُالنقضinconsistency (naqḍ)وجود العلة مع تخلف الحكم عنها في صورة.In the glossary بمثله. فإذا حكم الحاكم في مسألة اجتهادية، أو أفتى المجتهد وعمل المستفتي بفتواه، ثم تغير اجتهاده، لم يُنقض ما مضى. والعلةeffective cause ('illa)عند من فرق: سبب ظهرت مناسبته للحكم. وعند الحنفية: ما يضاف إليه وجوب الحكم ابتداء.In the glossary ذلك أن الاجتهاد الثاني مساو للأول في رتبته، فلا مزية له في رفعه، وأن النقض يؤدي إلى أن لا يستقر حكم، فيُنقض النقض أيضا، وتضطرب الأحكام ويفوت مقصود القضاء من فصل الخصومات. ومستندها قضاء عمر في المسألة المشركةthe shared case (al-mushtaraka)زوج وأم وإخوة لأم وأشقاء، شرّك فيها عمر في قضائه الثاني بين الأشقاء والإخوة لأم في الثلث.In the glossary.
والحكم يُنقض في مواضع:
- إذا خالف نصا من كتاب أو سنة لا يحتمل التأويلinterpretation (ta'wil)صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى مرجوح يحتمله، لدليل يصيّره راجحا.In the glossary.
- إذا خالف إجماعا.
- إذا خالف قياسا جليا.
- وزاد القرافي: إذا خالف القواعد الكلية السالمة عن المعارض.
- وقال الحنفية: يُنقض إذا خالف الكتاب أو السنة المشهورة أو الإجماع، ولا يُنقض بمخالفة خبر الواحدsolitary report (khabar al-wahid)ما لم يبلغ حد التواتر، يوجب العمل ويفيد الظن عند الجمهور.In the glossary إذا كان للحاكم فيه تأويل أو مذهب.
وإذا تغير اجتهاد المجتهد في حق نفسه، كمن تزوج بلا ولي معتقدا صحته ثم تغير اجتهاده إلى البطلان، فالمختار عند جماعة أنه إن كان حكم به حاكم لم يُنقض، وإن لم يحكم به حاكم لزمه فراقها، لأنه صار يعتقد أنه يطأ في نكاح الباطلvoid (batil)عند الحنفية في المعاملات: ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، لا يفيد ملكا ولو قبض. وعند الجمهور مرادف للفاسد.In the glossary.
تطبيق المسألة المشركة ونقض الاجتهاد
-
الواقعة: امرأة ماتت عن زوج، وأم، وأخوين لأم، وأخ شقيق أو أكثر.
-
الأدلة: للزوج النصف، وللأم السدس، ولأولاد الأم الثلث بقوله تعالى: ﴿فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]. والأشقاء عصبة لا يأخذون إلا ما أبقت الفروض، بحديث: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» (رواه البخاري ومسلم).
-
الدلالة: استغرقت الفروض التركة، فلا يبقى للأشقاء شيء.
-
المعارض: الأشقاء يشاركون الإخوة لأم في قرابة الأم، ويزيدون عليهم بقرابة الأب، فكيف يُحرم الأقوى ويرث الأضعف؟
-
الإلحاق والمقصد: نُظر إلى قرابة الأم المشتركة، فأُلغيت قرابة الأب في هذه الصورة وشُرّك الجميع في الثلث.
الأقوال: شرّك المالكية والشافعية بين الأشقاء والإخوة لأم في الثلث، وهو القضاء الثاني لعمر. ولم يشرّك الحنفية والحنابلة، أخذا بظاهر النص في العصبة، وهو قضاؤه الأول وقول علي.
صلتها بالباب: لما سُئل عمر عن اختلاف قضاءيه قال ما معناه: «تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي» (أخرجه عبد الرزاق في المصنف والبيهقي في السنن الكبرى بألفاظ متقاربة). فلم ينقض الأول بالثاني، لأن كليهما اجتهاد في ما لا قاطع فيه. وبه يُجاب سؤال الافتتاح: لم ينقض عمر قضاءه لأن الاجتهاد لا يُنقض بمثله. وحكم الله في نفس الأمر عند المخطّئة واحد من القضاءين، وعمر مأجور في الحالين.
تنبيه الرجوع عن الاجتهاد والنقض
رجوع المجتهد عن قوله في المستقبل غير نقض ما مضى. فالمجتهد يفتي بعد تغير اجتهاده بالثاني، ويجب عليه أن يُعلم من أفتاه بالأول إن لم يكن قد عمل به عند جماعة، ولا يُنقض ما عُمل به أو حُكم به. وإذا رجع المجتهد عن قول لم يبق قولا له عند الأكثر، كالحكم المنسوخ.
٢ اجتهاد النبي ﷺ والصحابة
اختلف الأصوليون في جواز اجتهاد النبي ﷺ في الأحكام. والجمهور على جوازه ووقوعه، مع الاتفاق على أنه لا يُقر على خطأ. واستدلوا بقوله تعالى في أسرى بدر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وبقوله في الإذن للمتخلفين: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، فالعتاب لا يكون على ما ثبت بالوحي. ومنع ذلك قوم لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ﴾ [النجم: ٣]، وأجيب بأن الاجتهاد المأذون فيه ليس من الهوى، وأن ما يُقر عليه يصير وحيا بالإقرار. وقال كثير من الحنفية: كان ﷺ مأمورا بانتظار الوحي في ما لم يوح إليه فيه، فإذا لم ينزل اجتهد، وما اجتهد فيه وأُقر عليه صار حجة كالنص.
ويتصل بهذا ما سماه أصحاب جمع الجوامع ومن تبعه «التفويض»: أن يقال لنبي أو عالم: احكم بما تشاء فهو صواب، فيكون حكمه بغير نظر مدركا شرعيا. أجازه جماعة، ومنعه آخرون، ونُقل عن الشافعي التردد فيه، وقصر بعضهم الجواز على النبي ﷺ دون العالم. والمسألة نظرية في أكثرها، ويُذكر فيها أن الجواز غير الوقوع.
واجتهد الصحابة في حياته ﷺ وبعده. ففي غزوة بني قريظة قال: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة»، فأدرك بعضهم العصر في الطريق فصلى، وقال آخرون: لا نصلي حتى نأتيها، فذُكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنف واحدا منهم (رواه البخاري، وعند مسلم: الظهر). ويُستدل كذلك بحديث معاذ لما بعثه إلى اليمن وقوله: أجتهد رأيي ولا آلو (رواه أبو داود والترمذي)، وفي إسناده ضعف، فقد قال الترمذي: ليس إسناده عندي بمتصل، وقبله جماعة لتلقي الأمة له بالقبول.
٣ الاجتهاد الجماعي المعاصر
الاجتهاد الجماعيcollective ijtihadتشاور أهل الاجتهاد مع أهل الخبرة لإصدار قرار في نازلة.In the glossary أن يتشاور أهل الاجتهاد، ومعهم أهل الخبرة في الواقعة، فيصدروا قرارا في مسألة نازلة. وله أصل في استشارة الخلفاء الصحابة في النوازلnew cases (nawazil)الوقائع المستجدة التي يطلب حكمها، ولها عند المالكية تراث مدون كالمعيار المعرب للونشريسي.In the glossary، كجمع عمر أهل بدر في مسائل. وقامت عليه في العصر الحديث المجامع الفقهية، كمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، ومجمع الفقه الإسلامي الدولي، والمجمع الفقهيfiqh academyهيئة علمية تبحث النوازل بالاجتهاد الجماعي وتصدر فيها قرارات مرقمة، كمجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة.In the glossary الإسلامي بمكة. ويُبنى على القول بتجزؤ الاجتهاد، لأن أعضاءها يتكاملون في التخصص. وقراراتها اجتهاد الظنيprobable (zanni)ما يحتمل غير مدلوله احتمالا مرجوحا، في ثبوته أو دلالته.In the glossary، فلا تلزم من خالفها من المجتهدين، والفرق بينها وبين الإجماع في الإجماع. وتفصيل مناهجها في أصول الفقه في زمننا.
صلة الفصل بغيره
شروط المجتهد تختصر الكتاب كله: الأدلة في الكتاب والسنة والنسخ والإجماع والقياس، والدلالات من مبادئ لغوية إلى طرق الدلالة بين المنهجين، والتعارضconflict of evidence (ta'arud)تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، بأن يقتضي أحدهما خلاف ما يقتضيه الآخر في محل واحد وزمن واحد.In the glossary والترجيح في التعارض والترجيح، والمقاصد في مقاصد الشريعة. ومسألة التصويب ترجع إلى المسائل الكلامية في نشأة العلم ومدارسه ومسائله الكلامية. ويتلوه فصل التقليد والفتوى التقليد والفتوى والمذهب، وفيه كيف يتعامل غير المجتهد مع أقوال هذه المراتب. وتطبيق مراتب المجتهدين على تخريج الفروع في تخريج الفروع على الأصول، والاجتهاد الجماعي في أصول الفقه في زمننا. ومختصر الفصل في الاجتهاد والتقليد.
خلاصة الفصل
- الاجتهاد استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي، ومحله ما لا قاطع فيه.
- الاجتهاد فرض كفاية على الأمة، ويصير فرض عين على المجتهد في واقعته أو إذا تعين عليه.
- للمجتهد عند الغزالي شرطان: الإحاطة بمدارك الشرعsources of legal knowledgeالأدلة المثمرة للأحكام: الكتاب والسنة والإجماع والعقل عند الغزالي.In the glossary مع التمكن من استثارة الظن، والعدالة، وهي شرط لقبول فتواه لا لصحة اجتهاده.
- يشترط العلم بآيات الأحكام وأحاديثها ومواضع الإجماع والعربية والأصول والناسخ والمنسوخ وحال الرواة، ولا يشترط الكلام ولا تفاريع الفقه.
- جعل الشاطبي فهم مقاصد الشريعة على كمالها الوصف الأول للمجتهد.
- الاجتهاد يتجزأ عند الأكثر في كل مذهب.
- المفتون مستقل وغير مستقل، وغير المستقل منتسب، ومجتهد مذهب، ومجتهد فتوى، وحافظ للمذهب.
- قسم ابن كمال باشا فقهاء الحنفية سبع طبقات، ونوقش في تنزيل الأعيان عليها.
- منع الحنابلة خلو العصر من مجتهدan age without a mujtahidمسألة جواز أن يمر زمان لا يوجد فيه مجتهد، منعه الحنابلة وأجازه الجمهور.In the glossary، وأجازه الجمهور.
- دعوى إغلاق باب الاجتهادclosure of the gate of ijtihadدعوى انقطاع الاعتراف بالاجتهاد المطلق بعد استقرار المذاهب.In the glossary لم يقم عليها إجماع، وبيّن حلاق استمرار الاجتهاد.
- المصيب في الفروع واحد عند جمهور المذاهب، والمخطئ مأجور، والتصويب قول الأشعري والباقلاني والغزالي.
- الاجتهاد لا يُنقض بمثله، ويُنقض الحكم إذا خالف نصا أو إجماعا أو قياسا جليا.
- يجوز اجتهاد النبي ﷺ عند الجمهور ولا يُقر على خطأ، واجتهد الصحابة في حياته.
- الاجتهاد الجماعي اجتهاد ظني يقوم على التخصص والتشاور.
تمارين
- بيّن ما يُخرجه كل قيد من حد ابن الحاجب للاجتهاد.
- لماذا لم يشترط الغزالي تفاريع الفقه في المجتهد؟ وهل يتعارض ذلك مع اشتراط ممارسة الفروع؟
- رجل فاسق متمكن من آلة الاجتهاد: ما حكم عمله باجتهاده؟ وما حكم فتواه لغيره؟
- صنّف بحسب طبقات ابن كمال باشا: صاحب الهداية، الطحاوي، محمد بن الحسن، صاحب كنز الدقائق.
- قارن بين الحنابلة والجمهور في خلو العصر من مجتهد، واذكر دليل كل فريق.
- ما الفرق بين القول بالتصويب والقول بالأشبه؟
- قاضٍ شافعي حكم بصحة نكاح بلا ولي تقليدا لمذهب الحنفية في واقعة رُفعت إليه، ثم تولى قاض آخر: هل ينقض حكمه؟
- استدل على جواز اجتهاد النبي ﷺ بآيتين، وأجب عن الاستدلالinference (istidlal)عند ابن السبكي: دليل ليس بنص ولا إجماع ولا قياس، ومنه التلازم والاستقراء والقياس المنطقي.In the glossary المانعين.
- على القول بمنع تجزؤ الاجتهاد، ما حكم اجتهاد المجامع المتخصصة؟
أجوبة التمارين
- «استفراغ» يُخرج النظر القاصر، و«الفقيه» يُخرج غير الأهل، و«ظن» يُخرج القطعيات، و«حكم شرعي» يُخرج غير الشرعيات.
- لأن التفاريع ثمرة الاجتهاد يولدها المجتهد بعد تحصيل الأهلية، فلا تكون شرطا في حصولها. ولا تعارض، لأن ممارسة الفروع طريق لتحصيل الملكة، وليست شرطا في حد الاجتهاد.
- يعمل باجتهاده في حق نفسه، لأن العدالة ليست شرطا في صحة الاجتهاد، ولا تُقبل فتواه لغيره، لأنها شرط في قبول الفتوى.
- صاحب الهداية: الخامسة (الترجيح). الطحاوي: الثالثة عنده، ونوقش فيه. محمد بن الحسن: الثانية. صاحب الكنز: السادسة.
- الحنابلة يمنعون الخلو بحديث الطائفة الظاهرة على الحق وبأن الاجتهاد فرض كفاية. والجمهور يجيزونه بحديث قبض العلم بقبض العلماء.
- التصويب أن حكم الله في حق كل مجتهد ما أداه إليه اجتهاده، ولا حكم معين قبله. والأشبه أنه ليس في المسألة حكم معين، لكن فيها ما لو نزل الحكم لنزل به، يطلبه المجتهد.
- لا ينقضه، لأنه حكم في مسألة اجتهادية لم يخالف نصا قطعيا ولا إجماعا، والاجتهاد لا يُنقض بمثله.
- آية أسرى بدر [الأنفال: ٦٧]، وآية الإذن للمتخلفين [التوبة: ٤٣]. والجواب عن ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ﴾: الاجتهاد المأذون فيه ليس هوى، وما أُقر عليه صار في حكم الوحي.
- لا يكون اجتهادا إلا لمن كان منهم مجتهدا مطلقا، ويكون عمل غيره تقليدا أو ترجيحا، ويصير قرار المجمع من باب الترجيح بين الأقوال.
-
المستصفى للغزالي، القطب الرابع، الفن الأول في الاجتهاد، الركن الثاني: المجتهد، ص٣٤٢ في طبعة دار الكتب العلمية، كما في المكتبة الشاملة. ↩
-
الموافقات للشاطبي، كتاب الاجتهاد، الطرف الأول، المسألة الثانية، ٥/٤١ في طبعة دار ابن عفان بتحقيق مشهور بن حسن آل سلمان، كما في المكتبة الشاملة. ↩
-
شرح عقود رسم المفتي لابن عابدين، ط. إسطنبول، ص١١ و١٢، كما في المكتبة الشاملة. وفي هذه الطبعة وصف الطبقة الخامسة بأصحاب «التخريج» تكرارا لوصف الرابعة، والمعروف في النقول عنه أنها طبقة أصحاب الترجيح، وهو المناسب لوصف عملهم. ↩
-
الورقات للجويني، باب الاجتهاد، ص٣١ في النسخة المنشورة على المكتبة الشاملة. ↩