خطة الكتاب ومنهجه
١ غاية الكتاب
أصول الفقه هو العلم الذي يبين كيف يُستخرج الحكم الشرعي العملي من دليله، وبأي شروط يصح ذلك. وهذا الكتاب يعلّمه لطالب علم قرأ شيئا من الفقه والعربية والحديث، ويريد أن يعرف كيف يُبنى الحكم من الدليل، ولماذا اختلف الأئمة، وكيف يُوزن قول المفتي.
ومادته مادة الكتب المعتمدة في المذاهب: الورقات وشروحها، والمنار وشرحه، ومراقي السعود ونشر البنود، وغاية الوصول، ومختصر ابن الحاجب، وجمع الجوامع، والمستصفى، والموافقات. والجديد فيه في العرض والربط والتطبيق: العلم يُرسم بناء واحدا، وتُردّ مسائله إلى مواضعها من ذلك البناء، ويُقارن فيه بين المذاهب في صلب كل مبحث، وتُستعمل أدوات من التفكير الحديث حيث تكشف المعنى، مع بيان حدودها. ومصطلح العلم محفوظ بلفظه، يُشرح بلغة قريبة عند أول وروده.
١ المنظومة: الأقطاب وخط الاستنباط
رسم الغزالي في صدر المستصفى أصول الفقه على أربعة أقطاب: الثمرة وهي الأحكام، والمثمر وهو الأدلة، وطرق الاستثمار وهي وجوه دلالة الأدلة، والمستثمر وهو المجتهد. واتخذ الكتاب هذه الأقطاب عمودا، وجعل القياس في الأدلة على طريقة الجمهور، وأضاف حلقتين تحيطان بها: المقاصد، وهي الغاية التي تضبط النظر كله وتعمل عند خفاء النص ووزن المآلات، والتخريج والتنزيل، وهما الأصول في العمل: كيف تولدت فروع المذاهب من أصولها، وكيف يُنزّل الحكم على الواقعة المعينة.
ثم تتحول الأقطاب إلى طريق يسلكه الناظر في كل واقعة، هو خط الاستنباط:
الواقعة/السؤال
← ١. تعيين نوع الحكم المطلوب (تكليفي أو وضعي) [الثمرة]
← ٢. جمع الأدلة وفحص ثبوتها (قطعي/ظني الثبوت) [المثمر]
← ٣. استخراج الدلالة ودرجتها (قطعية/ظنية الدلالة) [طرق الاستثمار]
← ٤. فحص المعارض: تخصيص، تقييد، نسخ، ترجيح [طرق الاستثمار]
← ٥. إلحاق ما لا نص فيه: قياس، استصلاح، استحسان، عرف… [المثمر]
← ٦. الوزن المقاصدي والنظر في المآل [المقاصد]
← ٧. تحقيق المناط في الواقعة المعينة [التنزيل]
← الحكم، ودرجة اليقين فيه، وأهلية من قاله [المستثمر]
كل فصل يبدأ بتعيين موضعه على هذا الخط، وكل خلاف يُعيَّن موضع افتراقه عليه: في ثبوت الدليل، أو في دلالته، أو في المعارض، أو في الإلحاق، أو في الوزن المقاصدي، أو في تحقيق المناط.
١ أدوات التفكير العشر
تتكرر في الكتاب والمنصة عشر أدوات بأسمائها، وتُربط كل مرة بالمصطلح التراثي الذي تشرحه:
- خط الاستنباط: المحطات الثماني السابقة.
- شبكة الثبوت والدلالة: أربع خانات من القطع والظن في الثبوت والدلالة، وعليها بنى الحنفية الفرق بين الفرض والواجب، والحرام والمكروه تحريما.
- مراتب الإدراك: العلم، ثم الاعتقاد، ثم الظن، ثم الشك، ثم الوهم، وما يكفي منها في العمل.
- الأصل والاستثناء: العموم حتى المخصص، والإطلاق حتى المقيد، والبراءة حتى الناقل، والحقيقة حتى القرينة.
- سؤال سبب الخلاف: رد كل خلاف إلى جذره من ثبوت أو دلالة أو قاعدة منهجية أو نظر مقاصدي أو تصور للواقعة.
- الثمرة: لكل خلاف أصولي فرع فقهي يظهر فيه، فإن خلا منه نُبّه على أنه لفظي.
- الطبقات الثلاث: كل مبحث موسوم بطبقته.
- الغاية داخل القيود: المقاصد تعمل في المساحة التي يتركها النص والإجماع، ولا يُدّعى مقصد إلا بمسلك من مسالك إثباته.
- التنزيل الرباعي: الحكم الكلي، ثم محله، ثم تنزيله على المعيّن، ثم مآله.
- اختبار الحجة بالاعتراض: تُفحص الحجة بالقوادح وأسئلة المناظرة، والقادح مقيد بأصول المذهب.
والتشبيه الحديث في هذه الأدوات تعليمي: الأصوليون رتبوا الظن أقوى وأضعف ولم يقدّروه بالأرقام، والاجتهاد ملكة يعمل فيها النظر والترجيح، والأداة تعين عليه ولا تقوم مقامه.
١ الطبقتان والمستويات
يجمع المجلد طبقتين متصلتين. التقريب منظومة مختصرة في ثمانية فصول ومتن جامع، يرسم العلم كله على الأقطاب وخط الاستنباط، في مستوى الورقات مع زيادة الربط وخريطة لمواضع افتراق المذاهب وأسبابه. وكُتب بعد التفصيل اختصارا منه، فكل تعريف فيه ونسبة توافق ما في التفصيل، وكل قضية فيه تحيل إلى موضع بسطها. والتفصيل اثنان وعشرون فصلا في مستوى المتوسطات المقارنة، تُبسط فيها المسائل بخلاف المذاهب وأدلتها وثمراتها، مع مقتطفات محلولة من المتون، وتطبيقات تسير فيها مسألة فقهية على خط الاستنباط، وتمارين بأجوبتها.
وكل عنوان في التفصيل موسوم بطبقته: الطبقة الأولى أصل لا يسع طالب الأصول جهله، والثانية تفصيل المتوسطات، والثالثة تحقيق لمن أراد التخصص. فالتقريب كله من الطبقة الأولى، والتفصيل يجمع الطبقات الثلاث.
١ المقارنة بين المذاهب وقاعدة الأمانة
تُذكر المذاهب في كل موضع بترتيبها التاريخي: الحنفية، ثم المالكية، ثم الشافعية، ثم الحنابلة حيث يتميز قولهم. وتُعرض مسائل الخلاف في كتل ثابتة البناء: قول كل مذهب، ثم سبب الخلاف، ثم الثمرة الفقهية، ثم التحقيق حين يكون للمسألة تحرير. وعلى هذا جرى أهل تخريج الفروع على الأصول: الزنجاني، والتلمساني، والإسنوي، ومن المعاصرين مصطفى الخن.
وقاعدة النسبة أن القول لا يُنسب إلى مذهب أو إمام إلا بما تقرره كتب المذهب المعتمدة. فإذا اختلف أهل المذهب ذُكر المعتمد، وأُشير إلى الخلاف الداخلي حين يكون معتبرا. والمعتمد يُعرف بطرق كل مذهب: طبقات المسائل وظاهر الرواية عند الحنفية، والمشهور والراجح وما جرى به العمل عند المالكية، وما اتفق عليه الشيخان الرافعي والنووي ثم ما رجحه ابن حجر والرملي عند الشافعية، والإقناع والمنتهى عند الحنابلة. والآيات مضبوطة على رسم المصحف بسورها وأرقامها، والأحاديث مخرجة مع درجة ما خرج عن الصحيحين، والنقل الحرفي عن المتون لا يُكتب إلا بعد مطابقته، وما لم يُطابق يُنقل بالمعنى.
١ مقابلة الكتاب بالكتب التراثية
يغطي الكتاب أبواب المتوسطات كلها، ويرتبها على المنظومة. والجدول يقابل كل قسم بموضعه التقريبي في أربعة كتب: الورقات لإمام الحرمين، والمنار للنسفي عند الحنفية، ومراقي السعود لسيدي عبد الله الشنقيطي عند المالكية، وجمع الجوامع لابن السبكي عند الشافعية. والمراقي نظم يسير على ترتيب جمع الجوامع في الجملة.
| قسم الكتاب | الورقات | المنار | مراقي السعود | جمع الجوامع |
|---|---|---|---|---|
| حد العلم ومبادئه ومدارسه (t01، f01، f02) | تعريف الأصول والفقه، والعلم والظن والشك | الفاتحة وتقسيم أصول الشرع | المقدمة | المقدمات |
| الحكم الشرعي والأهلية (t02، f03 إلى f05) | الأحكام السبعة في أول الكتاب | العزيمة والرخصة في أبواب الكتاب، والأحكام والأسباب والأهلية وعوارضها في آخره | المقدمة: الحكم وأقسامه | المقدمات: الحكم والتكليف |
| الكتاب والسنة (t03، f06) | الأفعال، والأخبار | الكتاب، ثم السنة وأقسام الخبر | كتاب القرآن، وكتاب السنة | الكتاب الأول، والكتاب الثاني |
| النسخ (f07) | النسخ | بيان التبديل في فصل البيان بعد السنة | في كتاب القرآن | آخر الكتاب الأول |
| الإجماع (f08) | الإجماع | الإجماع | كتاب الإجماع | الكتاب الثالث |
| القياس (f09) | القياس | القياس | كتاب القياس | الكتاب الرابع |
| الأدلة المختلف فيها (f10، f11) | الحظر والإباحة، وقول الصحابي | شرع من قبلنا وقول الصحابي بعد أفعال النبي ﷺ، والاستصحاب والاستحسان في القياس | كتاب الاستدلال | الكتاب الخامس: الاستدلال |
| مبادئ اللغة وحروف المعاني (t04، f12) | أقسام الكلام، والحقيقة والمجاز | الحقيقة والمجاز، وحروف المعاني | مباحث الأقوال | مباحث الأقوال من الكتاب الأول |
| الأمر والنهي (f13) | الأمر، والنهي | الأمر، والنهي | الأمر، والنهي | الأمر، والنهي |
| العام والخاص والمطلق والمجمل والظاهر (f14، f15) | العام والخاص، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول | الخاص والعام والمشترك والمؤول، ومراتب الظهور والخفاء | العام، والخاص، والمطلق، والظاهر، والمجمل والبيان | الأبواب نفسها |
| طرق الدلالة (f16) | لا باب له | العبارة والإشارة والدلالة والاقتضاء | المنطوق والمفهوم | المنطوق والمفهوم |
| التعارض والترجيح (t05، f17) | التعارض، وترتيب الأدلة | فصل التعارض في أبواب السنة | كتاب التعادل والتراجيح | الكتاب السادس |
| المقاصد (t06، f18) | لا باب له | إشارات في العلة المؤثرة من القياس | في المناسبة، وفي الاستدلال | في المناسبة من القياس |
| الاجتهاد والتقليد (t07، f19، f20) | الاجتهاد، والمفتي والمستفتي | إشارات في باب القياس | كتاب الاجتهاد | الكتاب السابع |
| التخريج والأصول في زمننا (t08، f21، f22) | لا باب له | لا باب له | لا باب له | لا باب له |
ويظهر من الجدول أمران: أن الكتب المتوسطة كلها تدور على الأقطاب نفسها مع اختلاف الترتيب، فالحنفية قدموا الأدلة وأخّروا الأحكام، والمتكلمون قدموا الأحكام في المقدمات؛ وأن المقاصد والتخريج والتنزيل، وهي حلقتا المنظومة المضافتان، لم تُفرد في هذه المتون بأبواب، فاستُمدت من الموافقات وكتب التخريج ومن البحوث المعاصرة.
١ المنصة المرافقة
يرافق الكتاب موقع ثابت يُبنى من ملفاته وبياناته، بالعربية مع واجهة إنجليزية. فيه خريطة المنظومة التفاعلية، بالنقر على كل محطة تظهر وظيفتها وفصولها؛ والقارئ بفهرس جانبي وتلوين للمذاهب وإظهار للطبقات ونوافذ للمصطلحات؛ ومختبر الاستنباط، تُسار فيه قضايا فقهية خطوة خطوة، ويختار المتعلم المذهب فيرى أين يفترق الطريق ولماذا؛ وجدول الخلاف قابلا للتصفية والبحث؛ والمسرد بمقابلاته الإنجليزية؛ وبطاقات المصطلحات بالتكرار المتباعد؛ واختبارات كل فصل مع تعليل الصواب والخطأ؛ وخطة دراسة في اثني عشر أسبوعا.
١ الغاية: الملكة الأصولية
الغاية من الكتاب الملكة الأصولية: قدرة راسخة على أن ينظر الطالب في الواقعة فيعيّن نوع الحكم المطلوب، ويجمع أدلتها ويزن ثبوتها، ويستخرج دلالتها ودرجتها، ويفحص معارضها، ويلحق ما لا نص فيه بأصله، ويزن المآل، ويحقق المناط، ثم يصف الحكم بدرجة اليقين فيه وبأهلية قائله. ومن بلغ هذه الملكة عرف لماذا قال كل إمام ما قال، وقرأ كتب المذاهب بفهم لمصطلحها ومأخذها، واستطاع أن يمضي بعد هذا الكتاب إلى المطولات وهو يعرف موضع كل مسألة من البناء كله.