التقليد والفتوى والمذهب
Following, Fatwa and the School
This chapter completes the fourth pole by turning from the mujtahid to everyone else: the follower (muqallid), the mufti who transmits and weighs the school's opinions, and the questioner. It defines taqlid with al-Juwayni's text and the debate over whether accepting the Prophet's word is taqlid, distinguishes taqlid in creed from taqlid in practical law, and treats following the less learned when the more learned is available, following a deceased jurist, committing to one school, moving between schools, seeking out concessions, and talfiq (combining opinions), with the conditions set by al-Qarafi and later jurists. It sets out the conditions, etiquette and grades of the mufti, the rule against giving fatwa by a weak or outweighed opinion and its exceptions for necessity, the duty of the questioner, and the difference between fatwa and judicial ruling as al-Qarafi framed it. A practical section shows the student how to find the relied-upon position in each school: Hanafi zahir al-riwaya and Ibn 'Abidin's 'Uqud rasm al-mufti; Maliki mashhur, rajih and ma jara bihi al-'amal with Khalil's Mukhtasar and its commentaries; Shafi'i reliance on al-Rafi'i and al-Nawawi, then Ibn Hajar and al-Ramli, with al-Nawawi's terminology; Hanbali al-Insaf, al-Iqna' and al-Muntaha. It closes with the relation between usul and the five major legal maxims.
سؤال الافتتاح
طالب شافعي لمس امرأة أجنبية بعد وضوئه، فأراد أن يصلي بذلك الوضوء آخذا بالمذهبthe school's position (al-madhhab)عند النووي: الراجح من طريقين أو طرق في حكاية المذهب.In the glossary مالك الذي لا ينقض الوضوء باللمس بلا لذة. وكان قد مسح بعض رأسه في وضوئه على مذهب الشافعي. هل تصح صلاته؟ وهل يجوز له أصلا أن ينتقل إلى مذهب آخر في هذه المسألة؟
موقع الفصل من المنظومة
هذا الفصل تتمة القطب الرابع. فالفصل السابق الاجتهاد تكلم في المجتهد الذي يسير على خط الاستنباط بنفسه، وهذا الفصل في حال من لا يستطيع ذلك: المقلدfollower (muqallid)من لم يبلغ رتبة الاجتهاد فيأخذ الحكم من المجتهد.In the glossary الذي يأخذ الحكم من المجتهد، والمفتي الذي ينقل مذهب إمامه ويرجح بين أقواله، والمستفتيquestioner (mustafti)السائل عن الحكم، ويجب عليه أن يسأل من عُرفت أهليته.In the glossary الذي يسأل. وهو المحطة الأخيرة من الخط من جهة أخرى: إذا خرج الحكم من المجتهد، فكيف يصل إلى العامل به، وبأي طريق يُعرف أنه القول المعتمدrelied-upon position (mu'tamad)القول الذي استقر الترجيح عليه عند أهل الترجيح في المذهب.In the glossary في المذهب؟ ويحتاج إلى مراتب المجتهدين في الاجتهاد، وإلى باب مراعاة الخلافregard for disagreement (murāʿāt al-khilāf)إعمال دليل المخالف في لازم مدلوله الذي أُعمل في نقيضه دليل آخر، ويكثر بعد وقوع الفعل.In the glossary في الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة.
١ التقليد
٢ تعريفه
من المتون الورقات للجويني، باب شروط المستفتي
وَمن شُرُوط المستفتي أَن يكون من أهل التَّقْلِيد وَلَيْسَ للْعَالم أَن يُقَلّد والتقليد قبُول قَول الْقَائِل بِلَا حجَّة فعلى هَذَا قبُول قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُسمى تقليدا وَمِنْهُم من قَالَ التَّقْلِيد قبُول قَول الْقَائِل وَأَنت لَا تَدْرِي من أَيْن قَالَه فَإِن قُلْنَا إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَقُول بِالْقِيَاسِ فَيجوز أَن يُسمى قبُول قَوْله تقليدا.
الحل: «العالم» هنا المجتهد، فليس له أن يقلد غيره في ما يقدر على الاجتهاد فيه. وذكر الجويني تعريفين. الأول: قبول القول بلا حجة، ولازمه أن قبول قول النبي ﷺ تقليد، لأن السامع يقبله دون أن يطلب عليه دليلا. والثاني: قبول القول مع الجهل بمأخذه، ولازمه أن قول النبي ﷺ إن كان عن وحي فمأخذه معلوم، فلا يكون قبوله تقليدا، وإن كان عن اجتهاد بالقياس جاز أن يسمى قبوله تقليدا. والجمهور على أن قبول قول النبي ﷺ ليس تقليدا، لأن قوله حجة في نفسه.1
وحرر ابن الهمام في «التحرير» تعريفا يرفع الإشكال: التقليدfollowing (taqlid)العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة، بتعريف ابن الهمام.In the glossary العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة. فخرج العمل بقول النبي ﷺ وبالإجماع، لأنهما حجتان. ودخل رجوع العامي إلى المفتي، لأن قول المفتي ليس حجة في نفسه، وإنما وجب على العامي الأخذ به بالدليلproof, evidence (dalil)ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.In the glossary آخر.
٢ حكمه في الأصول والفروع
- في أصول الدين: الجمهور على وجوب النظر في معرفة الله ووحدانيته وصدق الرسول، وأن التقليد فيها لا يكفي عند كثير من المتكلمين. والمعتمد عند المحققين أن إيمان المقلد صحيح، وأنه آثم بترك النظر إن كان قادرا عليه، لأن المطلوب الجزم المطابق للحق، وقد حصل.
- في الفروع: يجب على العامي ومن لم يبلغ رتبة الاجتهادindependent juristic reasoning (ijtihad)استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي.In the glossary أن يقلد، لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، ولإجماع الصحابة على أن العامة كانوا يستفتونهم فيفتونهم دون أن يأمروهم بالنظر في الأدلة. وخالف في ذلك بعض المعتزلةMu'tazilitesمدرسة كلامية جعلت للأفعال حسنا وقبحا ذاتيين يدركهما العقل ويترتب عليهما الثواب والعقاب قبل الشرع.In the glossary البغداديين وابن حزم، فأوجبوا على العامي أن يعرف الدليل.
- في حق المجتهد: لا يجوز له التقليد في ما اجتهد فيه وظهر له حكمه، بالاتفاق. واختلفوا في تقليده قبل أن يجتهد، والأكثر على المنع.
١ مسائل التقليد
٢ تقليد المفضول مع وجود الفاضل
إذا وُجد في البلد مفتيان، أحدهما أعلم وأورع، فهل يجوز للعامي أن يسأل المفضول؟
مسألة خلافية هل يجوز تقليد المفضول مع وجود الفاضل؟
- الجمهور يجوز، وهو قول أكثر الحنفية والمالكية والشافعية، لأن الصحابة كان فيهم الفاضل والمفضول، وكان العامة يستفتون المفضول مع وجود الفاضل ولم يُنكر عليهم.
- الحنابلة في المذهب خلاف، ونُقل عن أحمد في رواية أنه يجب على العامي أن يجتهد في أعيان المفتين فيقلد الأعلم الأورع، وبه قال من الشافعية ابن سريج والقفال.
- سبب الخلاف هل قول المفتي للعامي بمنزلة الدليل للمجتهد، فيجب الترجيحpreference (tarjih)تقوية أحد الدليلين المتعارضين بما ليس دليلا مستقلا، فيُعمل بالأقوى؛ وعند الحنفية إظهار زيادة لأحد المتماثلين وصفا لا أصلا.In the glossary بين الأقوى والأضعف؟ أم العامي عاجز عن الترجيح، فيكفيه أن يسأل من عُرفت أهليته؟
- الثمرة إذا اختلف عليه مفتيان، فعلى القول الأول يتخير أو يأخذ بالأوثق في نفسه، وعلى الثاني يلزمه قول الأعلم.
٢ تقليد الميت
الجمهور على جواز تقليد المجتهد الميت، وعليه عمل الأمة منذ استقرت المذاهب. واحتجوا بأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها، ولهذا تُحكى أقوال الموتى في مسائل الخلاف ويُعتد بها. وحكى الرازي في «المحصول» قولا بالمنع، وحجته أن الميت لا قول له، بدليل أن الإجماعconsensus (ijmāʿ)اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي ﷺ في عصر على أمر من الأمور.In the glossary ينعقد بعد موته على خلاف قوله. والعمل على خلافه. وفصّل بعضهم فأجازه إذا فُقد الحي المجتهد، وهو حال الأزمنة المتأخرة.
٢ التزام مذهب معين
هل يجب على العامي أن يلتزم مذهبا معينا يأخذ بعزائمه ورخصه؟ قولان مشهوران:
- لا يجب: لأن الواجبwajib (obligatory)عند الجمهور: ما طلب الشارع فعله طلبا جازما. وعند الحنفية: ما ثبت لزومه بدليل فيه شبهة، لا يكفر جاحده.In the glossary على العامي سؤال أهل العلمknowledge, certainty ('ilm)معرفة المعلوم على ما هو به؛ أو حكم لا يحتمل متعلَّقه النقيض بوجه.In the glossary، ولم يوجب الله عليه اتباع رجل بعينه. وهو اختيار ابن الهمام، وقال النووي في «روضة الطالبين» إن الذي يقتضيه الدليل أنه لا يلزمه التمذهبadherence to a school (tamadhhub)التزام مذهب معين يأخذ المقلد بعزائمه ورخصه.In the glossary بمذهب.
- يجب: قاله كثير من المتأخرين، لأن المذاهب دُونت وحُررت، وترك العامي يتخير بينها يفضي إلى تتبع الرخصseeking out concessionsأخذ المقلد من كل مذهب أخف ما فيه بقصد التخفف، وهو ممنوع.In the glossary.
والعمل عند المتأخرين على أن التزام مذهب أضبط وأسلم، وأنه لا يمنع من تقليد غيره في مسألة بشروط.
٢ الانتقال بين المذاهب
الانتقال الكلي من مذهب إلى مذهب جائز عند الجمهور إذا كان لدليل ظهر للمنتقل، أو لاطمئنانه إلى علم من يقلده، لا لغرض دنيوي. والانتقال في مسألة بعينها يجوز بشروط ذكرها المتأخرون في كل مذهب، أشهرها:
- ألا يكون قد عمل بقول مذهبه في تلك الواقعة عينها عند من اشترطه، كمن صلى ظهرا على مذهب فلا يعيدها على آخر ليصححها.
- ألا يتتبع الرخص.
- ألا يلفّق تلفيقا يؤدي إلى صورة لا يقول بها أحد.
- أن يعتقد رجحان من يقلده أو مساواته، وهو الشرطcondition (shart)ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وهو خارج عن ماهية المشروط.In the glossary ذكره القرافي.
- أن يستوفي شروط المسألة على المذهب المنتقل إليه.
٢ تتبع الرخص
تتبع الرخص أن يأخذ المقلد من كل مذهب أخف ما فيه في كل مسألة، بقصد التخفف لا بقصد الدليل. وهو ممنوع. ونقل ابن عبد البر في «جامع البيانclarification (bayan)عند الشافعي: إظهار الله أحكامه لعباده بالكتاب والسنة على مراتب، يبين بعضها بعضا.In the glossary العلم وفضله» قول سليمان التيمي: لو أخذت بالرخصةdispensation (rukhsa)الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر مع قيام السبب المقتضي لحكم العزيمة.In the glossary كل عالم اجتمع فيك الشر كله، ثم قال: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا. والعلةeffective cause ('illa)عند من فرق: سبب ظهرت مناسبته للحكم. وعند الحنفية: ما يضاف إليه وجوب الحكم ابتداء.In the glossary المنع أن المقلد يجعل هواه حاكما على المذاهب، فيصير المتبع هو التخفيف لا قول أحد. ويُفرّق بين تتبع الرخص والأخذ بالرخصة في مسألة لحاجة، فالثاني أجازه جماعة من الحنفية والمالكية ما لم يكن بهوى.
٢ التلفيق
التلفيقcombining opinions (talfiq)الإتيان في المسألة الواحدة بكيفية مركبة من مذاهب لا يقول بها مجتهد.In the glossary أن يأتي المقلد في المسألة الواحدة بكيفية لا يقول بها مجتهد، بأن يأخذ ببعض أجزائها من مذهب وببعضها من مذهب آخر.
مسألة خلافية ما حكم التلفيق بين المذاهب؟
- الحنفية أجاز ابن الهمام وابن أمير حاج تقليد غير المذهب في المسائل والأخذ بالأخف ما لم يتتبع الرخص بهوى، ومنع متأخرون التلفيق المركب في القضية الواحدة، وفي المذهب نقاش طويل.
- المالكية شرط القرافي ألا يجمع بين المذاهب على وجه يخالف الإجماع، وأن يعتقد رجحان من يقلده، وألا يتتبع الرخص. وأجاز بعض المتأخرين التلفيق في العبادات بضوابط.
- الشافعية يجوز تقليد غير المذهب في مسألة بشروط، ويُمنع التلفيق الذي يؤدي إلى الحقيقةliteral usage (haqiqa)اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب.In the glossary مركبة لا يقول بها أحد، كما قرره ابن حجر الهيتمي والرملي.
- الحنابلة يمنعون تتبع الرخص، ويجيزون الانتقال لدليل أو حاجة.
- سبب الخلاف هل التقليد التزام بمذهب معين في جملته، أم اتباع لمجتهد في مسألة؟ فمن رآه اتباعا في المسألة نظر إلى الصحةvalidity (sihha)موافقة الفعل ذي الوجهين للشرع؛ وفي العبادات: موافقة الأمر عند المتكلمين، وإسقاط القضاء عند الفقهاء.In the glossary الفعل عند مجتهد واحد على الأقل، ومن رآه التزاما منع الخروج إلا بشروط. ويدخل في الموازنة التيسير من جهة، ومنع التحايل من جهة.
- الثمرة النكاح بلا ولي تقليدا للحنفية، وبلا إشهاد عند العقد تقليدا للمالكية، وبلا إشهاد قبل الدخول ولا إعلان: الباطلvoid (batil)عند الحنفية في المعاملات: ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، لا يفيد ملكا ولو قبض. وعند الجمهور مرادف للفاسد.In the glossary عند الجميع، لأنه حقيقة مركبة لا يصححها أحد من المجتهدين. والمالكية لا يشترطون الإشهاد عند العقد، ويوجبونه قبل الدخول.
- التحقيق المسألة حادثة بعد استقرار المذاهب، فأكثر النقول فيها من المتأخرين، والمتفق عليه منعُ ما يؤدي إلى صورة يبطلها كل من أُخذ عنه.
تطبيق الوضوء الملفّق
-
الواقعة: شافعي مسح بعض رأسه، ثم لمس امرأة أجنبية بلا لذة، وأراد الصلاة.
-
المذاهب في الجزأين: لمس الأجنبية ينقض الوضوء عند الشافعية مطلقا، ولا ينقضه عند المالكية إلا إذا قصد اللذة أو وجدها، ولا ينقضه عند الحنفية، وينقضه عند الحنابلة إذا كان بشهوة. ومسح بعض الرأس يكفي عند الشافعية، ويكفي الربع عند الحنفية، ويجب مسح جميعه عند المالكية والحنابلة.
-
الصورة المركبة: إن قلد المالكية في عدم النقضinconsistency (naqḍ)وجود العلة مع تخلف الحكم عنها في صورة.In the glossary باللمس بقي مسح بعض الرأس، وهو باطل عندهم. وإن بقي على مذهبه بطل وضوؤه باللمس. فوضوؤه بهذه الصورة باطل عند الشافعية والمالكية معا.
-
المخرج: يقلد الحنفية في المسألتين إن كان مسح ربع رأسه، لأن الوضوء عندهم صحيح في الجزأين، ويستوفي شروط المذهب الحنفي في الوضوء كله على قول من اشترط ذلك. أو يعيد الوضوء.
-
الأصلroot, basis (asl)لغة ما يُبنى عليه غيره؛ واصطلاحا يطلق على الدليل، والراجح، والقاعدة المستمرة، والمقيس عليه.In the glossary: هذا هو التلفيق الممنوع عند جمهور المتأخرين، لأن العبادة بهذه الكيفية لا يصححها مجتهد. وبه يُجاب سؤال الافتتاح: لا تصح صلاته بهذا التلفيق، ويجوز له الانتقال في المسألة إذا استوفى شروط من يقلده فيها.
١ الفتوى
٢ تعريفها وشروط المفتي
الفتوىlegal opinion (fatwa)الإخبار بالحكم الشرعي عن دليل لمن سأل عنه، ولا تُلزم إلا من جهة التقليد.In the glossary الإخبار بالحكم الشرعيlegal ruling (hukm shar'i)خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع؛ وعند الحنفية أثر هذا الخطاب في الفعل.In the glossary عن دليل لمن سأل عنه. والمفتي من قام بذلك. ويشترط فيه:
- الإسلام والتكليف.
- العدالة: فلا تُقبل فتوى الفاسق، وإن جاز له العمل باجتهاده في حق نفسه.
- الاجتهاد أو الأهليةlegal capacity (ahliyya)صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه، ولصدور الأفعال منه على وجه يعتد به.In the glossary النقل والترجيح: وأصل الشرط الاجتهاد، كما في الورقات. ثم صارت الفتوى في الأزمنة المتأخرة من عمل المفتي المقلد الذي يحفظ مذهب إمامه ويعرف مراتب أقواله، وقرره ابن الصلاح والنووي على أنه نقل للمذهب.
- الفقهpositive law, jurisprudence (fiqh)العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.In the glossary النفس وسلامة الذهن والتيقظ: فلا يكون مغفلا يُستدرج إلى الحيل والتلبيس.
٢ آداب المفتي
- التثبت والمشاورة: لا يتعجل، ويرجع إلى الكتب المعتمدة وأهل العلم في ما يشتبه عليه.
- ترك الفتوى في حال تمنع كمال النظر: قياسا على قوله ﷺ: «لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان» (رواه البخاري ومسلم)، فيدخل فيه الجوع الشديد والهم المقلق والمدافعة.
- قول «لا أدري»: فقد كان مالك يُسأل عن مسائل كثيرة فيقول في أكثرها: لا أدري.
- مراعاة عرف السائل وحاله: فيفسر ألفاظ السائل بعرفه، ولا يفتي أهل بلد بعرف بلد آخر في المسائل المبنية على العرف.
- ترك تتبع الحيل المحرمة: ويجوز له أن يدل السائل على مخرج المباحpermitted (mubah)ما خيّر الشارع المكلف بين فعله وتركه.In the glossary من ضيق.
- وضوح الجواب: يذكر الحكم بلفظ لا يحتمل، ويذكر الدليل إذا احتيج إليه، ويقيد ما يحتاج إلى قيد.
٣ أقسام المفتين
المفتون على مراتب المجتهدين المذكورة في الاجتهاد: المستقل، ثم المنتسب، ثم مجتهد المذهبmujtahid within the schoolالمقيد بمذهب إمامه، يقرر أصوله بالدليل ويخرّج عليها ما لم ينص عليه، وأقواله الوجوه.In the glossary، ثم مجتهد الفتوىjurist of preponderance (ahl al-tarjih)فقيه النفس الحافظ لمذهب إمامه العارف بأدلته، يحرر ويرجح بين الأقوال.In the glossary، ثم حافظ المذهب وناقله. ولكل مرتبة حدها: فحافظ المذهب ينقل المسطور، ولا يخرّج ما لا نص فيه إلا بما لا يخفى، ومجتهد الفتوى يرجح بين الأقوال.
٢ الفتوى بغير المعتمد
الأصل أنه لا يجوز للمفتي المقلد أن يفتي بالقول المرجوح أو الضعيف في مذهبه. ونقل ابن عابدين في شرح «عقود الرسمdescription (rasm)تعريف الشيء بالجنس والخاصة أو بآثاره اللازمة، كتعريف الواجب بما يُثاب فاعله ويُعاقب تاركه.In the glossary المفتي» عن أبي عمرو بن الصلاح أن من اكتفى بأن تكون فتواه أو عمله موافقا لقول أو وجه في المسألة، وعمل بما شاء من الأقوال من غير نظر في الترجيح، فقد جهل وخرق الإجماع. ونقل عن الباجي أنه لا خلاف بين المسلمين ممن يُعتد به في الإجماع في منع الإفتاء بالرواية التي توافق قصد السائل بعد الإفتاء بغيرها.2
ويُستثنى من الأصل:
- عمل المفتي بالضعيف في حق نفسه للضرورة: أجازه متأخرون من الحنفية وغيرهم.
- الفتوى بالضعيف للضرورة: أجازها المالكية بشروط: أن يثبت القول عن قائل معتبر، وأن تتحقق الضرورة، وأن يكون القائل ممن يُقتدى به علما وورعا.
- ما جرى به العملestablished practice ('amal)قول ضعيف أو مرجوح عمل به القضاة والمفتون في بلد لمصلحة أو عرف، فيقدم على المشهور بشروط.In the glossary عند المالكية، وهو قول ضعيف أو مرجوح حكم به القضاة أو أفتى به الشيوخ لالمصلحةbenefit, public interest (maslaha)المحافظة على مقصود الشرع في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، بحد الغزالي.In the glossary أو عرف، فيُقدم على المشهورwell-known report (mashhur, Hanafi sense)عند الحنفية: ما كان آحادا في الطبقة الأولى ثم انتشر في القرن الثاني والثالث وتلقته الأمة بالقبول، يفيد الطمأنينة ويزاد به على الكتاب.In the glossary في ذلك البلد وذلك الزمان.
- مراعاة الخلاف بعد الوقوع عند المالكية، وتفصيلها في الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة.
٢ المستفتي وواجبه
يجب على المستفتي أن يسأل من عُرفت أهليته للفتوى، بالاستفاضة أو بإخبار عدل عارف، ولا يسأل من لا يعرف حاله. وإذا أفتاه المفتي لزمه العمل إن لم يجد غيره، فإن وجد غيره واختلفا عليه فقيل: يأخذ بالأغلظ، وقيل: بالأخف، وقيل: يتخير، وقيل: يأخذ بقول الأعلم الأورع، وهو قول من أوجب تقليد الفاضل. وإذا تكررت الواقعة فهل يلزمه السؤال ثانية؟ رجّح جماعة من الأصوليين أنه يعيد السؤال إن لم يعلم أن الجواب عن نص أو إجماع، لاحتمال تغير اجتهاد المفتي.
١ الفرق بين الفتوى والقضاء
ألف القرافي كتاب «الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام» في هذا الفرق، وجعل الفيصل أن الفتوى إخبار عن الله بالحكم، والقضاءmake-up (qada')فعل العبادة بعد خروج وقتها استدراكا لما سبق وجوبه أو انعقد سببه.In the glossary إنشاء لحكم جزئي ملزم في واقعة. وقد نقل ابن عابدين عن «أصول الأقضية» عبارة جامعة: «ولا فرق بين المفتي والحاكمthe Lawgiver (al-hakim)من يصدر عنه الحكم الشرعي، وهو الله تعالى باتفاق المسلمين.In the glossary إلا أن المفتي مخبر بالحكم والقاضي ملزم به».3
| وجه الفرق | الفتوى | القضاء |
|---|---|---|
| حقيقته | إخبار بالحكم الشرعي | إنشاء حكم في واقعة معينة |
| الإلزام | لا تُلزم السائل إلا من جهة تقليده | ملزم للخصمين بقوة الولاية |
| رفع الخلاف | لا ترفعه | يرفع الخلاف في الواقعة المعينة، ولا يُنقض باجتهاد آخر |
| المحل | تدخل في العبادات والمعاملات كلها | يكون في ما فيه خصومة أو ولاية، ولا يدخل في العبادات استقلالا |
| الطريق | يبني المفتي على قول السائل | يبني القاضي على البينة والإقرار |
| من يتولاه | كل من استوفى شروط الفتوى | من وُلي القضاء |
ومن ثمرات الفرق: أن من أفتاه مفتٍ بصحة نكاح ثم سأل آخر فأفتاه بفساده، لم يرتفع الخلاف بالفتوى الأولى. أما إذا حكم القاضي بصحته فقد ارتفع الخلاف في هذا النكاح، ولزم المخالف قضاؤه ظاهرا.
أداة تفكير التنزيل الرباعي
الفتوى والقضاء كلاهما تنزيل للحكم الكلي على واقعة: الحكم، ثم المحل، ثم التنزيل، ثم المآل. والفرق بينهما في الخطوة الثالثة: المفتي ينزّل الحكم على الواقعة كما وصفها السائل، فعهدة الوصف على السائل، والقاضي ينزّله على الواقعة كما ثبتت عنده بطرق الإثبات، فعهدة الإثبات على القاضي. والحدdefinition (hadd)التعريف الكاشف عن حقيقة الشيء بالجنس والفصل، ويُشترط فيه أن يكون جامعا مانعا.In the glossary الأداة أن المفتي مطالب أيضا بالنظر في المآل وفي احتمال التلبيس في السؤال.
١ كيف يعرف الطالب المعتمد في مذهبه
المعتمد في المذهب القول الذي استقر الترجيح عليه عند أهل الترجيح فيه. وطريق معرفته يختلف بين المذاهب، لأن لكل مذهب تاريخا في تدوين أقواله وترجيحها.
٢ الحنفية
طبقات المسائل: قسم ابن عابدين مسائل الحنفية ثلاث طبقات:
- ظاهر الروايةmanifest transmission (zahir al-riwaya)مسائل أصحاب المذهب الحنفي المروية في كتب محمد بن الحسن الستة برواية الثقات.In the glossary (مسائل الأصول): ما رُوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد في كتب محمد بن الحسن الستة برواية الثقات، فهي ثابتة عنه متواترة أو مشهورة. وهي: المبسوط (ويسمى الأصل)، والزيادات، والجامع الصغير، والجامع الكبير، والسير الصغير، والسير الكبير. وجمعها الحاكم الشهيد في «الكافي»، وشرحه السرخسي في «المبسوط».
- النوادرrare transmissions (nawadir)مسائل مروية عن أصحاب المذهب الحنفي في غير كتب ظاهر الرواية.In the glossary: ما رُوي عن أصحاب المذهب في غير تلك الكتب، كالكيسانيات والهارونيات والجرجانيات والرقيات، أو في كتب غير محمد كالمجرد للحسن بن زياد وأمالي أبي يوسف، وقيل لها غير ظاهر الرواية لأنها لم تُرو عن محمد بروايات ظاهرة ثابتة.
- الفتاوى والواقعاتlater juristic responses (waqi'at)مسائل استنبطها متأخرو الحنفية في ما لا رواية فيه عن المتقدمين، وتسمى الفتاوى والنوازل.In the glossary: ما استنبطه المتأخرون في ما لا رواية فيه عن المتقدمين، وأول ما جُمع منها «النوازلnew cases (nawazil)الوقائع المستجدة التي يطلب حكمها، ولها عند المالكية تراث مدون كالمعيار المعرب للونشريسي.In the glossary» لأبي الليث السمرقندي.
وقال ابن عابدين في منظومته:
وكتب ظاهر الروايات أتت … ستا وبالأصول أيضا سميت صنفها محمد الشيباني … حرر فيها المذهب النعماني
الترجيح بين الإمام وصاحبيه: قرر ابن عابدين أن الفتوى على قول أبي حنيفة، فإن لم يوجد له اختيار فقول أبي يوسف، ثم محمد، ثم زفر والحسن بن زياد. وقيل: يتخير المفتي إذا خالف الإمامَ صاحباه، وقيل: يرجح الأقوى دليلا، وهو للمفتي المجتهد. وقرر أن المتأخرين ممن لا يرجحون بالدليل يتبعون ما صححه أهل الترجيح، لأنهم رجحوا قول بعض الأصحاب في مسائل، كمسائل رجحوا فيها قول زفر.4
المتون والشروح والفتاوى: المقرر عند متأخريهم أن المتون مقدمة على الشروح، والشروح مقدمة على الفتاوى، ما لم يصرح بتصحيح ما في الشروح أو الفتاوى. والمتون المعتمدة: مختصر القدوري، والمختار للموصلي، والوقاية، والكنز للنسفي، ومجمع البحرين، وملتقى الأبحر. ومن الشروح: الهداية للمرغيناني، وفتح القدير لابن الهمام، وتبيين الحقائق للزيلعي، والبحر الرائق لابن نجيم. ومن الفتاوى: الخانية، والبزازية، والفتاوى الهندية. وحاشية ابن عابدين «رد المحتار على الدر المختار» عمدة المتأخرين في التحرير.
ألفاظ التصحيح: يصرحون بالمعتمد بألفاظ، منها: «وعليه الفتوى»، و«به يُفتى»، و«الصحيح»، و«الأصحsoundest (asahh)عند النووي: الراجح من وجهين أو أوجه للأصحاب مع قوة الخلاف.In the glossary»، و«الأشبهthe most resembling ruling (al-ashbah)عند بعض المصوبة: ما لو نزل الحكم في المسألة لنزل به، ويطلبه المجتهد.In the glossary»، و«الأوجه»، و«وعليه العمل». وقرر ابن عابدين أن لفظ الفتوى آكد من غيره.
٢ المالكية
المصطلحات:
- المشهور: ما كثر قائله، وقيل: ما قوي دليله، وقيل: قول ابن القاسم في المدونة. والأول أشهر عند المتأخرين.
- الراجحpreponderant position (rajih)عند المالكية: ما قوي دليله.In the glossary: ما قوي دليله.
- ما جرى به العمل: قول ضعيف أو مرجوح عمل به القضاة والمفتون في بلد لمصلحة أو عرف، ويقدمه المغاربة على المشهور بشروط: ثبوت جريان العمل به، ومعرفة زمانه ومكانه، وصدوره عمن يُقتدى به.
ترتيب الأقوال في المدونة: قرر المتأخرون تقديم قول مالك في المدونة، ثم قول ابن القاسم فيها، ثم قول غيره فيها، ثم قول ابن القاسم في غيرها.
مختصر خليل: عمدة المتأخرين، وقد قصد فيه بيان ما به الفتوى.
من المتون مختصر خليل، مقدمة المؤلف
مُخْتَصَرًا عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رحمه الله تعالى مبينا لما به الفتوى فأجبت سؤالهم بعد الاستخارة مشيرا بـ"فيها" للمدونة وبـ"أول" إلى اختلاف شارحيها في فهمها وبـ"الاختيار" للخمي ... وبـ"الترجيح" لابن يونس كذلك وبـ"الظهور" لابن رشد كذلك وبـ"القول" للمازري كذلك وَحَيْثُ قُلْت: "خِلَافٌ" فَذَلِكَ لِلِاخْتِلَافِ فِي التَّشْهِيرِ وَحَيْثُ ذَكَرْت قَوْلَيْنِ أَوْ أَقْوَالًا فَذَلِكَ لِعَدَمِ اطلاعي في الفرع على أرجحية منصوصة.
الحل: «مبينا لما به الفتوى» يعني أنه اقتصر على المعتمد، فما ذكره بلا خلاف فهو المفتى به. ثم جعل لأربعة من كبار أهل الترجيح ألفاظا: «الاختيار» للخمي، و«الترجيح» لابن يونس، و«الظهور» لابن رشد، و«القول» للمازري. وفرّق بين قوله «خلاف»، وهو أن يكون كل من القولين قد شهّره عالم معتبر، فيتساويان في التشهير، وبين ذكر «قولين» أو «أقوال» دون لفظ خلاف، وهو أنه لم يجد ترجيحا منصوصا لأحدها. فالطالب إذا وجد «خلاف» علم أن للمسألة مشهورين.5
الشروح: من أهمها: «مواهب الجليل» للحطاب، و«التاج والإكليل» للمواق، وشرح الخرشي وحاشية العدوي، وشرح الزرقاني وحاشية البناني، و«الشرح الكبير» للدردير وحاشية الدسوقي عليه، وهما عمدة الفتوى عند المتأخرين في المشرق. وقبل خليل كان «المختصر الفقهي» لابن عرفة عمدة في تحرير الحدود والنقول، وشرح حدوده الرصاع.
٢ الشافعية
الشيخانthe two shaykhs (al-Rafi'i and al-Nawawi)عند الشافعية: الرافعي والنووي، وما اتفقا عليه هو المعتمد.In the glossary: المعتمد عند متأخري الشافعية ما اتفق عليه الرافعي والنووي، فإن اختلفا فالمقدم في الأغلب ما رجحه النووي. ثم جاء بعدهما من حرر كتبهما، وأشهرهم ابن حجر الهيتمي في «تحفة المحتاج» وشمس الدين الرملي في «نهاية المحتاج»، وكلاهما شرح على «منهاج الطالبين». فإن اختلفا، فعمدة أكثر المصريين الرملي، وعمدة أكثر أهل حضرموت واليمن والحجاز والشام ابن حجر.
مصطلح النووي: بيّن النووي في مقدمة «منهاج الطالبين» ألفاظه في الخلاف، وصار مصطلحه عمدة الشافعية بعده.
من المتون منهاج الطالبين للنووي، مقدمة المؤلف
فحيث أقول في الأظهر أو المشهور فمن القولين أو الأقوال فإن قوي الخلاف قلت: الأظهر وإلا فالمشهور وحيث أقول الأصح أو الصحيح فمن الوجهين أو الأوجه فإن قوي الخلاف قلت: الأصح، وإلا فالصحيح وحيث أقول المذهب فمن الطريقين أو الطرق وحيث أقول النص فهو نص الشافعي رحمه الله ويكون هناك وجه ضعيف أو قول مخرج وحيث أقول الجديد فالقديم خلافه أو القديم أو في قول قديم فالجديد خلافه وحيث أقول وقيل: كذا فهو وجه ضعيف والصحيح أو الأصح خلافه وحيث أقول وفي قول كذا فالراجح خلافه.
الحل: «الأقوال» للشافعي نفسه، و«الأوجه» لأصحابه المخرّجة على أصوله، و«الطرق» اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب: هل في المسألة قولان أو قول واحد. فلفظ «الأظهر» و«المشهور» يدل على أن الخلاف بين قولين للشافعي، و«الأصح» و«الصحيح» على أنه بين وجهين للأصحاب. ثم يفرق في كل زوج بقوة الخلاف: «الأظهر» و«الأصح» إذا قوي مدرك المقابل، و«المشهور» و«الصحيح» إذا ضعف. فمقابل الأظهر ظاهر، ومقابل المشهور غريب، ومقابل الأصح صحيح، ومقابل الصحيح فاسد. و«النص» يدل على أن مقابله وجه ضعيف أو قول مخرج. و«وقيل» و«وفي قول» صيغتا تضعيف.6
| اللفظ | الخلاف بين | قوة المقابل |
|---|---|---|
| الأظهرmost evident (azhar)عند النووي: الراجح من قولين أو أقوال للشافعي مع قوة الخلاف.In the glossary | قولين أو أقوال للشافعي | قوي |
| المشهور | قولين أو أقوال للشافعي | ضعيف |
| الأصح | وجهين أو أوجه للأصحاب | قوي |
| الصحيح | وجهين أو أوجه للأصحاب | ضعيف |
| المذهب | طريقين أو طرق في حكاية المذهب | |
| النص | نص الشافعي، ومقابله وجه ضعيف أو قول مخرج | ضعيف |
٢ الحنابلة
حرر علاء الدين المرداوي المذهب في «الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف»، فذكر الروايات والأوجه في كل مسألة، وبيّن المذهب منها، ثم اختصره في «التنقيح المشبع». واعتمد عليه من بعده. ثم استقر المذهب عند المتأخرين على كتابين: «الإقناع» للحجاوي، و«منتهى الإرادات» لابن النجار الفتوحي. فإن اتفقا فهو المعتمد، وإن اختلفا فالمقدم عند الأكثر «المنتهى»، وجمع بينهما مرعي الكرمي في «الغايةterminus (ghaya)ما ينتهي إليه الحكم، وتفيدها إلى وحتى، والخلاف في دخولها في المغيّا.In the glossary المنتهى». وشرحهما منصور البهوتي في «كشاف القناع» و«شرح منتهى الإرادات»، وهما عمدة الفتوى. ومن المتقدمين على هذه المرحلة «الفروع» لابن مفلح، وهو أصل في معرفة الصحيح من المذهب، ثم «المغني» لابن قدامة في الخلاف العالي.
تنبيه المعتمد والصواب
المعتمد في المذهب هو ما استقر عليه ترجيح أهله، وقد يرى المجتهد أو الباحث أن غيره أقوى دليلا. والمقلد يعمل بالمعتمد في مذهبه، ولا يترك المعتمد إلى ما يراه أقوى دليلا إلا إذا كان من أهل الترجيح. وكذلك الفرق بين «المعتمد» في المذهب و«الراجح» عند المحققين خارج المذهب: الأول نقل لمذهب، والثاني اجتهاد.
١ صلة الأصول بالقواعد الفقهية
القواعد الفقهية قضايا كلية أو أغلبية يتعرف منها أحكام فروع كثيرة من أبواب مختلفة. وأشهرها خمس كبرى ترجع إليها مسائل الفقه في الجملة:
| القاعدة | مستندها | من فروعها |
|---|---|---|
| الأمور بمقاصدها | «إنما الأعمال بالنيات» (رواه البخاري ومسلم) | الفرق بين العبادة والعادةhabit, custom (ʿāda)غلبة معنى من المعاني على الناس، عامة أو خاصة ببلد أو طائفة، كما حدها القرافي.In the glossary، والكنايات في الطلاق |
| اليقين لا يزول بالشكdoubt (shakk)تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر.In the glossary | حديث من شك في الحدث: «فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» (رواه مسلم) | الطهارة المتيقنة لا ترتفع بالشك في الحدث، والأصل براءة الذمةlegal personality / liability-bearing capacity (dhimma)وصف يصير به الإنسان أهلا للإيجاب له وعليه، وهي مناط أهلية الوجوب.In the glossary |
| المشقة تجلب التيسير | ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] | رخص السفر والمرض، والعفو عن يسير النجاسة |
| الضرر يُزال | «لا ضرر ولا ضرار» (رواه ابن ماجه وأحمد، وحسنه النووي بمجموع طرقه) | الرد بالعيب، والشفعة، والحجر |
| العادة محكّمة | الأمرcommand (amr)القول الطالب للفعل على جهة الاستعلاء؛ وعند ابن السبكي: اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير نحو كف.In the glossary بالمعروف في النفقة والمعاشرة | تقدير النفقة، وألفاظ الأيمان والعقود |
والفرق بين القاعدة الأصوليةlegal-theoretical ruleقضية كلية موضوعها الدليل، تكون كبرى في قياس يُستنبط به الحكم، مثل: الأمر المطلق للوجوب.In the glossary والقاعدة الفقهيةlegal maxim (qa'ida fiqhiyya)حكم كلي موضوعه فعل المكلف، يجمع فروعا من أبواب متعددة، مستقرأ منها، مثل: اليقين لا يزول بالشك.In the glossary من وجوه:
- الموضوع: موضوع القاعدة الأصولية الدليل الشرعي ودلالته، كقولهم: «الأمر للوجوب»، و«العامgeneral term ('amm)لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر؛ وعند الحنفية: ما ينتظم جمعا من المسميات لفظا أو معنى.In the glossary يُعمل به حتى يرد المخصص». وموضوع القاعدة الفقهية فعل المكلفlegally responsible person (mukallaf)البالغ العاقل الذي يفهم الخطاب وهو أهل لما كلف به.In the glossary، كقولهم: «المشقة تجلب التيسير».
- الوظيفة: القاعدة الأصولية أداة المجتهد في الاستنباط من الأدلة، والقاعدة الفقهية تجمع فروعا مستنبطة وتربطها، فهي أداة للفقيه والمفتي والقاضي في الاستحضار والتخريجderivation within a school (takhrij)بيان صلة الفرع بأصله، أو استخراج أصل الإمام من فروعه، أو إلحاق فرع غير منصوص بفرع منصوص.In the glossary.
- الرتبة: القاعدة الأصولية سابقة على الفروع في الوجود الذهني، والقاعدة الفقهية لاحقة لها، إذ هي جمع لأحكامها.
- الكلية: القاعدة الأصولية كلية في الأغلب عند من يقول بها، والقاعدة الفقهية أغلبية لها مستثنيات كثيرة.
- الحجية: الاستدلالinference (istidlal)عند ابن السبكي: دليل ليس بنص ولا إجماع ولا قياس، ومنه التلازم والاستقراء والقياس المنطقي.In the glossary بالقاعدة الأصولية على الحكم استدلال بدليله، أما القاعدة الفقهية فالاحتجاج بها مستقلة موضع نظر عند كثير من المحققين ما لم تكن نصا أو مستندة إلى نص.
وقد نبه القرافي في مقدمة «الفروق» على أن الشريعة اشتملت على أصول وفروع، وأن الأصول قسمان: أصول الفقه، وقواعد كلية فقهية كثيرة العدد عظيمة المدد، ولم يذكر منها شيء في أصول الفقه. والقواعد الفقهية في كتابنا موضعها الأول حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه في الفرق بين العلمين.
صلة الفصل بغيره
يبني الفصل على مراتب المجتهدين في الاجتهاد، وعلى مراعاة الخلاف في الأدلة المختلف فيها (٢): الاستصحاب وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة، وعلى الاستحسان والعرف في الأدلة المختلف فيها (١): الاستحسان والمصلحة والذرائع والعرف. ويتصل بالمقاصد مقاصد الشريعة في الحيل وتتبع الرخص واعتبار المآلconsideration of consequences (i'tibar al-ma'al)الحكم على الفعل بالنظر إلى ما يؤول إليه من نتيجة، لا إلى صورته وحدها.In the glossary في الفتوى. ويُستعمل ما فيه من طرق معرفة المعتمد في تخريج الفروع على الأصولderiving branches from rootsرد الفروع الفقهية المختلف فيها إلى القواعد الأصولية التي بنيت عليها، وبيان أثر الخلاف في القاعدة في الخلاف في الفرع.In the glossary تخريج الفروع على الأصول، ويُتمم بالكلام في المجامع وفقه النوازل والفتوى المعاصرة في أصول الفقه في زمننا. والفرق بين الأصول والقواعد الفقهية مقرر في حد العلم وموضوعه واستمداده ومبادئه. ومختصر الفصل في الاجتهاد والتقليد.
خلاصة الفصل
- التقليد العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة، فقبول قول النبي ﷺ والإجماع ليس تقليدا عند الجمهور.
- يجب النظر في أصول الدين عند الجمهور، وإيمان المقلد صحيح مع الإثم بترك النظر للقادر عليه.
- يجب التقليد في الفروع على من لم يبلغ رتبة الاجتهاد، ولا يقلد المجتهد في ما اجتهد فيه.
- يجوز تقليد المفضولfollowing the less learnedأخذ العامي بقول المفتي الأقل علما مع وجود الأعلم، وأجازه الجمهور.In the glossary مع وجود الفاضل عند الجمهور، وأوجب جماعة تقليد الأفضل.
- يجوز تقليد الميت عند الجمهور، لأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها.
- التزام مذهب معين غير واجب عند جماعة من المحققين، وأوجبه كثير من المتأخرين ضبطا.
- تتبع الرخص ممنوع، والتلفيق الذي يؤدي إلى صورة لا يقول بها مجتهد ممنوع.
- المفتي يشترط فيه الإسلام والتكليف والعدالة والاجتهاد أو أهلية النقل والترجيح وفقه النفس.
- لا يفتي المقلد بالمرجوح في مذهبه، ويُستثنى ما للضرورة وما جرى به العمل عند المالكية.
- الفتوى إخبار غير ملزم، والقضاء إنشاء ملزم يرفع الخلاف في الواقعة.
- معتمد الحنفية يُعرف بطبقات المسائل، وترتيب الأخذ بأقوال الإمام وصاحبيه، وتقديم المتون على الشروح والفتاوى.
- معتمد المالكية المشهور والراجح وما جرى به العمل، وعمدة المتأخرين مختصر خليل وشروحه.
- معتمد الشافعية ما اتفق عليه الشيخان، ثم ما رجحه النووي، ثم ابن حجر والرملي، ومصطلح النووي في المنهاج يدل على نوع الخلاف وقوته.
- معتمد الحنابلة ما في الإقناع والمنتهى، والمقدم عند الاختلاف المنتهى، وأصل التصحيح الإنصاف.
- القاعدة الأصولية موضوعها الدليل وأداة للاستنباط، والقاعدة الفقهية موضوعها فعل المكلف وتجمع الفروع.
تمارين
- على أي التعريفين للتقليد عند الجويني يكون قبول قول النبي ﷺ تقليدا؟ وكيف رفع ابن الهمام الإشكال؟
- فرّق بين تتبع الرخص والتلفيق ومثّل لكل منهما.
- حنفي تزوج بلا ولي، ثم أراد أن يقلد المالكية في عدم اشتراط الإشهاد عند العقد: ما حكم نكاحه؟ ولماذا؟
- وجدت في المنهاج: «في الأظهر». ما الذي تعرفه عن الخلاف في المسألة؟ وماذا لو وجدت «على الصحيح»؟
- وجدت في مختصر خليل لفظ «خلاف». ما معناه؟ وما الفرق بينه وبين ذكر «قولين»؟
- حنفي يبحث عن المعتمد في مسألة خالف فيها الصاحبان أبا حنيفة. ما الأقوال في الفتوى؟ وما الذي يفعله المقلد المتأخر؟
- قارن بين الفتوى والقضاء في رفع الخلاف، ومثّل بمسألة.
- صنّف القواعد الآتية إلى أصولية وفقهية: «النهيprohibition (nahy)القول الطالب للكف عن فعل على جهة الاستعلاء؛ وصيغته لا تفعل.In the glossary يقتضي الفساد»، «الضرر يزال»، «العام بعد التخصيصspecification (takhsis)قصر العام على بعض أفراده، ويفارق النسخ بأنه في الأفراد لا في الأزمان.In the glossary حجة»، «العادة محكمةcustom is authoritative (al-ʿāda muḥakkama)قاعدة كلية: العادة يُرجع إليها في ما أحاله الشرع إليها ولم يحده.In the glossary».
- حنبلي وجد مسألة اختلف فيها الإقناع والمنتهى. بأيهما يأخذ؟
أجوبة التمارين
- على التعريف الأول (قبول القول بلا حجة)، وعلى الثاني إذا كان قوله عن القياسanalogy (qiyās)مساواة فرع لأصل في علة حكمه، أو رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم.In the glossary. ورفعه ابن الهمام بأن التقليد العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج، وقول النبي ﷺ حجة في نفسه.
- تتبع الرخص أخذ الأخف من كل مذهب في مسائل متفرقة بقصد التخفف، كمن يأخذ في كل باب بأيسر الأقوال. والتلفيق جمع أجزاء المسألة الواحدة من مذاهب على صورة لا يقول بها مجتهد، كالوضوء الملفق في الفصل.
- باطل عند الجميع إذا خلا من الإشهاد قبل الدخول أيضا، لأن صورته المركبة (بلا ولي وبلا إشهاد) لا يصححها مجتهد: الحنفية يشترطون الإشهاد عند العقد، والمالكية يشترطون الولي ويوجبون الإشهاد قبل الدخول.
- «الأظهر»: الخلاف بين قولين أو أقوال للشافعي، والمقابل قوي الظهور. و«الصحيح»: الخلاف بين وجهين للأصحاب، والمقابل ضعيف الفاسدdefective (fasid)عند الحنفية في المعاملات: ما شرع بأصله دون وصفه، يفيد الملك بالقبض ويجب فسخه.In the glossary.
- «خلاف» يعني أن كلا من القولين شهّره عالم معتبر. وذكر «قولين» دون هذا اللفظ يعني أنه لم يطلع على ترجيح منصوص لأحدهما.
- الفتوى على قول الإمام، وقيل يتخير المفتي، وقيل يرجح الأقوى دليلا وهو للمفتي المجتهد. والمقلد المتأخر يتبع ما صححه أهل الترجيح، وقد صححوا قول الصاحبين في مسائل.
- الفتوى لا ترفع الخلاف، فلو أفتى مفت بصحة نكاح لم يمنع ذلك آخر من الإفتاء بفساده. والقضاء يرفعه في الواقعة، فإذا حكم القاضي بصحة النكاح لم يُنقض باجتهاد آخر.
- أصولية: «النهي يقتضي الفساد»، «العام بعد التخصيص حجة». فقهية: «الضرر يزال»، «العادة محكمة».
- يأخذ بما في المنتهى عند أكثر المتأخرين.
-
الورقات للجويني، باب شروط المستفتي، ص٣٠ في النسخة المنشورة على المكتبة الشاملة. ↩
-
شرح عقود رسم المفتي لابن عابدين، ط. إسطنبول، ص١١، كما في المكتبة الشاملة. ↩
-
شرح عقود رسم المفتي لابن عابدين، الموضع السابق، ونقل العبارة عن كتاب «أصول الأقضية». ↩
-
شرح عقود رسم المفتي لابن عابدين، ص١٦ و١٧ و٢٥ من الطبعة نفسها، كما في المكتبة الشاملة. ↩
-
مختصر خليل، مقدمة المؤلف، ص١١ و١٢ في طبعة دار الحديث بتحقيق أحمد جاد، كما في المكتبة الشاملة. ↩
-
منهاج الطالبين وعمدة المفتين للنووي، مقدمة المؤلف، ص٨ في النسخة المنشورة على المكتبة الشاملة. ↩